‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ مصطفى صبري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشيخ مصطفى صبري. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 2 يوليو 2026

قراءة في كتاب النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة

 

عرض  كتاب

النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة

لشيخ الإسلام مصطفى صبري رحمه الله






اسم الكتاب: النكير على منكري النعمة؛ من الدين والخلافة والأمة.

المؤلف: شيخ الإسلام: مصطفى صبري.

تحقيق: د. مصطفى حلمي.

سنة النشر: 2004م.

دار النشر: دار الكتب العلمية ببيروت - لبنان.

عدد الصفحات: 222.

عرض 


يقول شيخُ الإسلام "مصطفى صبري" في مقدِّمة كتابه الهام "النَّكير على منكري النعمة؛ من الدِّين والخلافة والأمَّة"؛ متحسِّرًا على حال المسلمين بعد سقوط الخلافة العثمانيَّة، ومعلقًا على هوان شأنهم، وتخاذُلِ علمائهم عن الصَّدْع بالحق:

"ثم إنِّي قبل الشُّروع في المقصود، أرى من الواجب أن أَذكر بالأسف كونَ أمر المسلمين منذ زمنٍ بعيد بِيَد غيرهم؛ فأكثَرُ من خمسة وتسعين في المائة منهم في حكم الأجانب، والباقي الأقلُّ من خمسة في المائة، وهو من تعدُّ أزِمَّتُهم بأيديهم تحت غلبة اللادينيِّين، ممن تَسمَّى بأسماء المسلمين... واللادينيِّين أشدُّ عداوةً لدين الإسلام من سائر أعدائه، وأدقُّ مكيدة في تخريبه وتحريفه؛ كما قال الشيخ رشيد رضا: "إنَّ المتفرنِجين من المسلمين أعدى وأضرُّ للإسلام والمسلمين المخلِصين من غير المسلمين"، والمتديِّنون من المسلمين أصلَحُهم سجينٌ في بيت عزلته وعبادته وراحته؛ حتى تخرِجَه يَدٌ أبادَتْ إخوته قبله، وهو قاصِرٌ عن إغاثتهم وإعانتهم، فكأنَّ الغافل في سلمِه، والجاهل في علمه يتمثَّل بأحاديث الفِتَن التي عدَّ فيها القاعد خيرًا من القائم، وهيهات؛ فذلك لا ينجيه من مسؤوليته بين يدَي الله تعالى على تَهاوُنِه في واجبه وتوانِيه؛ فإنَّ ما ذكر في تلك الأحاديث مقصورٌ على الآونة التي يلتبِس فيها الحقُّ بالباطل، ولا يُميَّز ذَوو أحدهما من ذوي الآخر؛ فعند ذلك يَصير الاعتزال من الجميع أسلمَ من الخطأ وألَحَّ.

 

هذا حال خواصِّ المؤمنين أجمعين، إلاَّ مَن ندر منهم من المجاهدين المنتبهين لواجبهم، وفضلاً عمَّن شايع اللادينيِّين ووقف بجانبهم، يُحارب معهم الدِّين وأهله ويشادُّهما، وأمَّا حال عوامِّ المؤمنين، فحيادٌ يلزمهم الرُّقاد، أو ضُلاَّل يرجح بهم الباطل على الحقِّ، والأعداء على الأولياء، أو معذرة كمعذرة الباخلين، وهِمَّة في أسفل سافلين، وقد اطَّلَعت - عندما لُذتُ بالعالم الإسلامي في خارج تركيا لأفرَّ بديني وحياتي - على أحوالٍ عجيبة كادت تُوئِسُني اجتناءَ النَّصر، وتجعلني كالمُستجير بعمرو، فرأيتُ علماء الدِّين، وحُلَماء بلادهم يخافون أن يَجهروا ببعض الحقِّ؛ لا خوفًا من سلطانٍ جائر، أو حكومة قاتلة وخانقة، بل إحجامًا منهم أمام الجريان الفِكريِّ الذي حصل في العامَّة.

 

وما درَوْا أنِّي لو أسكتَني مثلُ ذلك السبب عن الحقِّ، فلِماذا وقع هذا الاغترابُ من أوطاننا، والاضطراب في حياتنا ومعيشتنا؟ وكيف يجوز لنا إهدارُ الشدائد التي مضَتْ علينا في هذه السَّبيل، مما نَرْضاه من وضع سلاحنا في آخر الأمر والعمر؛ لأسبابٍ اقتحمَتْنا ما هو أعظمُ منها وأكثر؟ وهل وظائف العلماء والعقلاء مُماشاة الجُهَّال في مَذاهبهم وعقائدهم، أو إرشادهم إلى ما لا يَهتدون له بأنفسهم؟ 

ويا للأسف! 

إنْ كان يأتيني الأذى من المسلمين عندما أُجاهر بالسعي لدفع الأذى عن الدِّين؛ إذًا فالحياة ذميمة، والدَّاء عياء؛ حيث إنَّ الطبيب يتبع سقيمه، ولا يبلغ من الدِّين الإسلامي أعداؤه القديمة الظَّاهرةُ ما يبلغ منه أعداؤه "السرِّية" الجديدة، وأصدقاؤه (الحمقاء)، أو (الجُبَناء)"؛ انتهى كلام الشيخ - رحمه الله[1].

 

فيا لله! ما أشبه اليومَ بالبارحة! وما أشدَّ هوان الإسلام وأهلِه بين الأمم! بل ما أشدَّ هوان الإسلام بين أهله والمنتسِبين إليه، فما زال صوت شيخ الإسلام "مصطفى صبري" يتردَّد صداه في أنَّات كلِّ مسلم غَيُور على رِفعة هذا الدِّين، وسَواد شأنه، وعلُوِّ رايته، حتَّى وقتِنا هذا، وحتى ساعتنا تلك.

 

وما زال المسلمون - سادتهم وعوامهم - يُلدَغون من نفس الجُحر - الذي أسقط آخِرَ خلافة إسلاميَّة شهِدَها الناس، ونَعِموا بها وعاشوا في ظلِّها قرونًا - مرَّاتٍ ومرَّات ومرات، فكأنَّ سذاجة الرأي وعلَّة التفكير قد غلبَتْ على ألباب المسلمين، وتوارثَتْها الأجيال جيلاً بعد جيل، فما مَللْنا من تسليم زمام أمرنا، وقِيَاد حُكمِنا لأعدائنا، وعُملاءِ أعدائنا، وأذنابِ الغرب المتسلِّط.

 

وقد غاب عنَّا أنَّ المسلم "ليس بالخِبِّ، ولا يَخْدعه الخِبُّ"، فوجد "الخِبُّ" بغيتَه في أوطاننا وديارنا، وكلَّ وملَّ من خِداعنا ليلَه ونهاره، حتى آمنَ أنَّنا أموات رقودٌ، ما لنا من فَواق، وأنه مهما صرخ المُخلِصون، ونادى الخَيِّرون، فإنَّ الموتى لا يَسمعون، ولو سمعوا لا يَعقلون، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله العليِّ العظيم!

 

والناظر في رسالة شيخ الإسلام يكاد يُعاين ما نحن فيه من ضعفٍ وتشرذم، وشرِّ حالٍ وصلت إليه بلدانُنا الإسلاميَّة؛ من تسلُّط واستِعْباد واستذلالٍ من عدوِّ الداخل قبل عدوِّ الخارج، وكأنَّ الأيام تدور دورتَها، وتُعيد كَرَّتَها، والمسلمون يُساقون لِخُدع السَّاسة، وألاعيب أبطالهم "الكارتونيِّين"، حتَّى ينخلعوا من رِبْقَة الدين، ويخسروا أيضًا دُنياهم العاجلة، كما فعل أتباعُ "أتاتورك" من قَبْل، وأسقطوا الخلافة العثمانيَّة اسمًا ومسمًّى، وسط استحسان حمقى المسلمين وغُفَّالهم، ومباركتهم وتمجيدهم فعال "الكماليِّين"؛ ظنًّا أنَّها تَحمل الخير لهم في قابلِ الأيَّام، وقد نَدِموا، ولكن بعد فوات الأوان، وانقضاء وقت النَّدم، فهل نَعتبر، ومتى نُفيق؟!

 

وشيخ الإسلام "مصطفى صبري" هو آخِر شيوخ الخلافة العثمانيَّة في عهدها، أخذَ العلم في "توقاد"، ثم سافر لـ"قيصريَّة"؛ لتلقِّي العلم، وسافر بعدها إلى الأستانة؛ لاستكمال دراسته الدينيَّة، ثم عُيِّن في سنِّ الثانية والعشرين في جامع السُّلطان "محمَّدٍ الفاتح"، وحاز على شهادة "العالميَّة"، ثم تدرَّج في توَلِّي المناصب الدينيَّة، حتَّى تم تنصيبُه لرئاسة المشيخة الإسلاميَّة في الدولة العثمانيَّة بعدما ذاع صيتُه وعِلمُه.

 

وقد عاصر الشيخُ "مصطفى صبري" صعودَ نفوذِ جمعية "الاتِّحاد والترَقِّي" في الدولة العثمانيَّة، وتدخُّلها في الشؤون الداخليَّة للخلافة، وبروز نجم "الكماليِّين" الذين تَظاهَروا بالإسلام في بداية أمرهم، وزعموا أنَّهم أرادوا خدمة الدِّين، وإصلاحَ أوْجُه القصور في الدولة العثمانيَّة، ولكن أمرهم لم يَخْفَ على بصيرة الشيخ، فظلَّ يُظهِر لهم العداء، وانضمَّ لِمُعارضيهم بدءًا من سنة 1908، وكان نائبًا لرئيس أحد الأحزاب المعارضة لسياسة "الكماليِّين" في تركيا، ولكن لَمَّا استفحل نفوذُهم، وإظهارُ عَدائهم للعلماء، فرَّ الشيخ من تركيا سنة 1913، فتنَقَّل بين دول أوروبا حتَّى عاد للأستانة مقبوضًا عليه عند دخول جيوش الكماليِّين "بوخارست"؛ حيث كان لاجئًا هناك، وظلَّ معتقَلاً إلى أن انتهَت الحرب بهزيمة تركيا، وفرار زعماء الاتِّحاديين، فعاد لنشاطه السياسيِّ في الأستانة، وناب عن الصَّدر الأعظم أثناء غيابه في أوروبا للمفاوضات، وظلَّ في منصبه إلى أن استولى الكماليُّون على العاصمة ثانية، ففرَّ إلى مصر سنة 1923، وظلَّ يتنقَّل بين دول أوروبا يُصدِر كتبه الهامَّة عن مُعاصَرتِه لفترة سُقوط الخلافة وهَدْم الدِّين على أيدي "الكماليِّين"، إلى أن تَمَّ التَّضييق عليه من أتباع "أتاتورك" في تلك الدُّول، فاستقرَّ في مصر إلى أن توُفِّي بها سنة 1953م/ 1373هـ.

 

وللشيخ عدَّة كتب هامَّة، يشرح فيها موقفه مما حدَث في أواخر فترات الخلافة العثمانيَّة، وموقفه من أحداث العَصْر التي كانت تصبُّ في هدم بيضة الإسلام، واقتلاع جذوره وأصوله من شعوب الدول الإسلاميَّة، والتي دخلَتْ في غمرتها البلدانُ العربيَّة بعد تنفيذ مخطَّط الدُّول الغربية، في موجات عاتية من الاستغراب والاستعمار لم يتخلَّصوا منها إلاَّ بعد تضحيات جسيمة في المال والعتاد والأرواح.

 

وكل ذلك ركَّز عليه الشيخ في كتاباته ساعتَها، ونبَّه إليه المسلمين، ولكن صرخات الشيخ وقتَها لم تَجِد أذنَ مستمِع واعٍ، وكان ما كان، ومن أهمِّ كتاباته المطبوعة بالعربيَّة: "موقف العقل والعلم والعالَم من ربِّ العالمين وعباده المرسلين"، "مسألة ترجمة القرآن"، "قَوْلي في المرأة"، "تحت سُلطان العقل"، "القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون" (وقد ألَّفَه الشيخ في بداية الأمر ككتابٍ منفصِل، ثمَّ جعله أحدَ فصولِ كتابه الكبير "موقف العقل").

 

كتَب الشيخ "مصطفى صبري" كتابه هذا إبَّان تسلُّط "الكماليِّين" على الدولة العثمانيَّة، وقد كانت بعد نهاية الحرب في أشدِّ فترات ضعفها وأُفولها، وقامت الدُّول الغربيَّة بالتَّكالب على الخلافة العثمانيَّة، والاستيلاء على كثيرٍ من ولاياتها العربيَّة والإسلاميَّة؛ فهاجمَت فرنسا الجزائرَ وتونس ومراكش، واحتلَّت إيطاليا ليبيا، وهاجمت فرنسا مصرَ في عهد نابليون، ثم احتلَّتْها بريطانيا، وكانت روسيا منذ عهد أباطِرَتِها يُداومون على الهجوم على أملاك الخلافة في الجوار، وقام الغربيُّون بإشعال الثَّورات الانفصاليَّة داخل الدولة العثمانيَّة، وحَرَّضوا شعوب البلقان على الثورة عام 1804، حتى تمَّ لهم الانفصال عن الخلافة، وكذلك فعلَتْ مع اليونان حتى انفصلت عن الخلافة أيضًا عام 1830، بل وشجعوا الخلافات والقلاقل العنصريَّة بين عنصُرَي العرب والتُّرك، وانتهت حركات التطويق والتَّفتيت بإنهاء وجود الخلافة الإسلاميَّة على يد "مصطفى كمال أتاتورك" و"الكماليِّين".

 

وكتب الشيخ "مصطفى صبري" كتابَه هذا في بداية أمر "أتاتورك" وأتباعه، وقد أظهروا الإسلامَ والخير للدَّولة العثمانية الذبيحة بعد انتهاء الحرب العالميَّة، وسايرَهم كثيرٌ من الدُّول العربيَّة، وعلى رأسهم مصر، مُبارِكين خطواته؛ ظنًّا أنَّه يَحمل الخير لدولة الإسلام، حتَّى تم له التمكين، فقام بِنَقْض عُرَى الدِّين عروةً بعد عروةٍ داخل تركيا.

 

وقد كتب الشيخ يحذِّر من "لادينيَّة" حكومة "أتاتورك"، ويحلِّل الدَّوافع الكامنة وراء الأحداث التي بدَتْ في ظاهرها إصلاحية جزئيَّة، أو انتصاراتٍ برَّاقة، محذِّرًا المسلمين من خطر "الطورانيِّين والكماليين" في تركيا، حتَّى جاءت الحوادث مصدِّقةً حدْسَ الشيخ وتوقُّعاتِه.

 

خديعة التمكين:

يُشير الشيخ "مصطفى صبري" في كتابه إلى كثيرٍ من الكُتَّاب الذين شنَّعوا عليه مهاجمته "الكماليِّين" في بداية أمرِهم، أو عتبوا عليه كتاباته "المتحاملة" عليهم، وقد خُدِعوا في مَرام "أتاتورك" في بداية الأمر، ومِن أبرزهم الشيخ الفاضل "محمد رشيد رضا"، الذي ظنَّ خيرًا بإصلاحات "أتاتورك"، وأيَّده بقوة في خطواته، فلمَّا تبيَّنت له الحال المرَّة، هاجمَه بشدَّة بعد ذلك، ومِثْله الكثير من الكُتَّاب المصريين الأزهريِّين الذين أطنَبوا في الردِّ على الشيخ "مصطفى صبري" في الكثير من الرسائل، مُنادين بالإصلاح، مُقرِّظين صنيعَ "أتاتورك" والكماليين في بداية حكمهم، وما دَرَوا حقيقة دعوى الكماليِّين.

 

يقول الشيخ: "وأمَّا كِتاب صاحب "المنارففي غاية الإفادة والإجادة، كما يتوقَّع من مؤلِّفه الذي هو فارسٌ خطير في أمثال هذا الميدان، وقد وجَّه إلى الحكومة التركيَّة الحاضرة انتقاداتٍ ووصايا، ودعاهم إلى الصَّلاح والإصلاح، وقدَّمهم في الاستعانة والاستخدام لِرُقيِّ الإسلام، فله دورٌ في تحقيق المقام، واجتهاده في إحياء منصب الخلافة الصحيحة... لكن المهم المقدَّم على كلِّ شيء، وما يليق أن أقولَ في كتابه، وأَلْفِت الأنظارَ إليه، أنَّه لم يصرِّح بأصل الدَّاء حقَّ صراحته، وإنْ بالغ في تعريف الدَّواء، والدَّليل على ذلك استمدادُه في إحياء منصب الخلافة من الذين خرَّبوها، وسعَوْا في خرابها، وهو نفسُه معترفٌ بتخريبهم لا بالسَّعي في الخراب"؛ صـ 80.


ويقول الشيخ متحسِّرًا على حال إخوانه من الكُتَّاب المسلمين الذين انطلَتْ عليهم تلك الخدعة، وتَجاوزوا شرْحَ العلَّة للخلاف حولها، وحول دوافعها، قائلاً: "من المعلوم ما سبق للنَّاس في تلَقِّي حادثة الخِلافة، والتفريق بينها وبين السُّلطة من أصوات التَّنفيذ والتأييد، وقد دام صخب الخِلاف فيما يقرب من مدى سنة، حتَّى حُقَّ أن يُقال تعريضًا على مُحْدِثي تلك الحادثة، ومُوقِعي تلك الجناية: يا أسفًا على الخلافة! قطَعوا دابرها، وأبدلوا بها خِلافًا"؛ صـ 79.

 

فصل الدين عن السياسة، صورة فصل السُّلطة عن الخلافة:

كان الشيخ "مصطفى صبري" سبَّاقًا بنور بصيرته في إدراك أنَّ فَصْل "الكماليِّين" - في بداية مكرهم وخداعهم - للسُّلطة عن منصب الخلافة هو مَدْعاةٌ لفصل الدِّين عن السياسة، تلك الدعوة التي نعاني منها في أيامنا تلك من الأقلام المأجورة والأصوات المستغرِبة داخل بلداننا الإسلاميَّة، فالكماليُّون لم يُجاهروا أول الأمر بعدائهم للإسلام، وكلِّ ما ينتمي للدِّين، بل قاموا رُوَيدًا رويدًا بإصلاحاتٍ ظاهريَّة، يعتقد فيها أثرتهم للصالح العامِّ؛ كمسألة التَّفرقة بين منصِبَي الخلافة والسُّلطة؛ حيث قاموا بِنَزع سلطة الحكم عن الخليفة "عبدالحميد"، وجعَلوه مجرَّد رمزٍ ديني، لا يملك أن يُبْرِم أمرًا أو نهيًا، وادَّعَوْا أنَّ ذلك من أجل إصلاح الهيكل العامِّ للدولة.

 

يقول الشيخ "مصطفى صبري": "وليس مرمى الكماليِّين فيما فعَلوه سوى غَرضين، أحدهما: (نَشْل) السُّلطة من آل عثمان، ونَقْلها إلى "مصطفى كمال"، والتَّفريق بين الخلافة والسُّلطة، ثم نَقْل السلطة أوَّلاً إلى المَجلس الوطني، كان عبارة عن التستُّر والإبهام، في المغزى والمرام، والغرَض الثاني إلغاء الخلافة وإبطالها على التَّدريج، ورَمي لإخراج حكومتهم من أن تكون حكومةً إسلاميَّة"؛ صـ86.


ويردُّ الشيخ على قول القائل بأنَّه "لا علاقة بين فَصْل إحدى السُّلطات عن الأخرى، وبين الانصراف عن الدِّين الإسلامي، وهل إذا أخذَت الأُمَّة سلطة الحكم في يَدِها؛ حرصًا على مصلحة البلاد، وقطعًا لدابر النَّوايا والدَّسائس التي طالَما كان مقام الخِلافة مَحُوطًا بها، واستئصاله لشأفة شيخ الإسلام السابق وزمرته؛ حتَّى لا يستعملوا نفوذَهم الدِّيني على الخليفة لتحقيق مآرِبَ وأغراض لا تتَّفِق مع الإسلام في شيءٍ ولا هي في مصلحة البلاد"، بما يلي:

إذا كان مقام الفساد مرتبطًا بالأشخاص أو السِّياسات، فالإسلام يحثُّ على استبدال تلك السياسات الفاسدة والأشخاص، لا استبدال نعمة الخلافة كليَّة؛ "فإنْ كان مقام الخلافة محوطًا بدسائس شيخ الإسلام السَّابق؛ فالواجب في قَطْع تلك الدَّسائس تبديلُ شخصِ هذا الشَّيخ وحده، أو تبديل الخليفة، وهذه غاية لا يتخطَّى إلى ورائها بتبديل قاعدة الخلافة التي أسمعت في الشَّرع مقترنةً بالحكومة والسُّلطة، ولو كان ذلك التَّبديل حرصًا على مصلحة البِلاد، وإلاَّ كان كالقول بتبديل دين الإسلام حرصًا على مصلحة البلاد"؛ صـ 91.

 

فَصْل السُّلطات يتبعه بالتَّالي التَّفريق بين الخلافة والحُكومة، والفرقة الكليَّة بينهما بمثابة إخراج الدِّين عن الحكومة، والحكومة عن الدِّين، "ولِهذا فرَّقوا بين الخلافة والحكومة، وكانتا من قبلُ متَّحِدتَيْن، وكانت الخلافة عبارةً عن الحكومة الدِّينية النائبة مناب حكومة الرَّسول -صلى الله عليه وسلم- في أمَّته، وإذا كانت الحكومة هي القوَّةَ العاملة، والخلافة عبارة عن اتِّصاف تلك الحكومة بصفة دينيَّة، فلا جرم صار إخراجُ الحكومة عن الخلافة إخراجًا لها عن الدين؛ إذْ لم يبق في الخلافة بعدَ إخراج الحكومة عنها غيرُ صفتِها الدِّينية؛ فإن انتقلَت الحكومةُ إلى ما انتقلت إليه مع صفتها الدينيَّة، لَزِم أن لا يَبقى في الخليفة شيءٌ؛ لا حكومته، ولا دينه، وإن انتقلت الحكومة فقط، افترقت عن الدِّين"؛ صـ 96.

 

يرى الشيخُ أنَّ تجريد كلٍّ من الخلافة والحكومة عن الأخرى أفسدَهما معًا؛ "لأنَّهم نقلوا الحكومة النَّافذة إلى مجلسهم الذي سمَّوه مجلسًا وطنيًّا، واختاروها لأنفسهم، وتركوا الشَّريعة الإسلاميَّة مع الخلافة في الخليفة مجرَّدةً عن النُّفوذ الذي ذهبَ مع الحكومة إلى ما ذهبت إليه؛ لأنَّ النُّفوذ يدور مع الحكومة والسُّلطة، فإن لم يتركوا الشَّريعة في الخلافة، ونقَلوها أيضًا من الحكومة؛ كيلا تحرم نفوذها، لزم ما قُلناه آنفًا من تفرُّغ الخليفة من الدُّنيا والدين معًا"؛ صـ97.

 

يَلتزم الشيخُ الأمانةَ والإنصاف حين المقارنة بين تُركيا في عهد الخلافة العثمانيَّة، وتركيا في عهد الكماليِّين، ويَعترف بوجود أوجُهِ قصورٍ كانت أحدَ أسباب انهيار الخلافة العثمانيَّة، وتناقُص عظَمتِها في قلوب النَّاس، ولكن بكلِّ حال ليس هذا سببًا ومُبَرِّرًا لإلغاء الخلافة ككلٍّ، فيقول: "... يأبى بنا الحقُّ والإنصاف إلاَّ أن نعترف بأنَّ الحكومة التركيَّة كانت قبل الكماليِّين والاتِّحاديين أيضًا لا تَمْشي تمامًا على الصِّراط السَّوي، والنَّهج الشرعي، بل كانت لا تَحْكم بِما أنزل الله في كلِّ الأمور، وتقلِّد الحكومات الزمنيَّة الأوربائية.

لكن الحق مع ذلك يأمرنا أن نَشْهَد أوَّلاً بعدم بلوغها في إهمال الشَّرع، وإعمال التقليد مبلغَ الحكومات الاتِّحادية والكماليَّة؛ ولا سيَّما أنَّها لم يقَعْ منها تصريحٌ ما بكونِها حكومةً لا دينيَّة... 

وثانيًا أنَّ تلك الحكومات - التُّركية - لم تكن لِتَسْلَم في أدوارها الأخيرة من تغلُّب الحكومات الأوربائية عليها"؛ صـ190.

 

كان الشيخ يرى أنَّ "أتاتورك" في سعْيِه لفصل السُّلطتين: الدِّينية والسياسيَّة، إنَّما مرَدُّه إلى كره خفيٍّ لِسُلطة الخلافة، في وقتٍ كان أغلب الكُتَّاب والمفكِّرين يَعتبرونه بطلاً للإسلام، وحاميًا للخلافة، فقطع الشيخُ عليهم افتراءاتهم قائلاً أنَّه "لو رامها مصطفى كمال لنفسه - أي: الخلافة - لسارع المسلمون الآمِنون باستحقاقه للسَّلطنة في تصديق استحقاقه للخلافة أيضًا، وكيف يَستكثرون - ذلك - لمن سمَّوْه بطلَ الإسلام، ومنجي مَجْدِه... لكنَّ الكماليين نقَلوا ما أحبُّوه من السلطة إلى مَن أحبوه، وترَكوا ما كرهوه من الخلافة فيمن كَرِهوه، نعَم، إنَّهم لم يُلْغوها دفعةً؛ تحرُّزًا عن إنكار عالَمِ الإسلام في الخارج، وتمشِّيًا على قاعدة التدريج، ولئلاَّ يستفيد منها حكومةٌ من الحكومات الإسلاميَّة، مع كونها مما يَكْرهونها لحكومتهم"؛ صـ101.

 

ويؤكِّد الشيخ في موضعٍ آخَر أنَّ حديثه ليس لمعاضدة شخصٍ من أشخاص الخلفاء، ومعاندة آخَر؛ لأنَّ "مكان الشخص يسَعُ المناقشات"، "فلو عدل المسلمون إلى خلافة أحد ليس مِن آل عثمان؛ كمصطفى كمال مثلاً، وكان أهلاً لها، ولم يَكرهها من حيث كونُها صفة دينيَّة، وأعطوه نفوذها وحقوقها، لما أنكرت عليهم ذلك"؛ صـ 108.

 

ثم ينبِّه الشيخ على الغرض الحقيقيِّ لحكومة "أتاتورك" من فصل السُّلطة عن الخلافة وهو وَأْدها كليَّة، وترويج مذهبهم اللاَّديني، ويكتب في ذلك محذِّرًا: "ولكنِّي أرى مِن أهَمِّ الواجبات وأقدَمِها في هذا الزَّمان كشْفَ القناع عن بِطانة الاتِّحاديين والكماليين، وتنبيه المسلمين على خطرٍ يُصيبهم منهم، ولا يخصُّ ضرره بالأتراك، وأدنى المضارِّ إعانتهم وتشجيعهم على ترويج مبدئهم اللاديني في بلادنا"؛ صـ 94.

 

ويقول الشيخ "مصطفى صبري" تعليقًا على فصل الخلافة عن السُّلطة، ومؤكِّدًا أنَّ هذا الأمر سيَفتح الباب لِنَقض عُرى الدِّين كلها بعد ذلك: "فتبيَّن أنَّ هذا الافتراق من حيثُ تقيّدُ الخلافة بأحكام الدِّين؛ كيلا تتقيَّد بها، حتى إنَّهم للتخلُّص من هذا القيد؛ اقتحَموا احتمال نكير المسلمين، وهذا أيضًا ما أفضى بنا إليه منطقيَّة في قضية الفصل بين الخلافة والسلطة؛ نظرًا إلى مجرَّد تلك القضيَّة، وإرغامًا لمن استوصى بها أو استخفَّ ببأسها في الدِّين، ورُبَّما وقع منهم بعد ذلك تصريحٌ بافتِراق الدُّنيا عن الدِّين، يغنينا عن هذه الاستدلالات المنطقيَّة، وإن كانت هذه الدلائلُ أغنى عندنا من تلك الصِّراعات"؛ صـ 98.

 

فسبحان الله! كيف تنبَّه شيخُ الإسلام في زمانه أنَّ فصل الخلافة عن السُّلطة، بل إلغاءها في حقيقة الأمر هو مَدْعاة بعد ذلك لحصر الإسلام في مجال العبادات، وإرغام المُسلمين على فَصْلِ دُنياهم عن دينهم، بل وإنْ لزِم الأمر الانخلاع من نعمة الدين كلها.

 

حكومة لا دينية:

أكَّد الشيخ مرارًا طوال رسالته أنَّ مسألة تجريد الخِلافة عن السُّلطة هو أمرٌ يَرجع إلى ارتداد الحكومة التركيَّة بقيادة "الكماليِّين"، وانتزاعها عن لباسها الدِّيني، وصدقَ ظنُّ الشَّيخ حينما صرَّح مندوبُ الكماليين "رضا نور بك" في مؤتمر "لوزان" للدُّول الأوروبية أنَّ الحكومة التركيَّة الحاليَّة تفخر بأنَّها حكومة "لا دينيَّة"، وقد ناقش الشيخُ في رسالته عدَّةَ دلائل وبراهين تدلِّل على صِدق رأيه، وقد غفل عنها كثيرٌ من الكُتَّاب والعلماء ساعتَها في غمرة التَّهليل والمديح لزمرة الإصلاحات المزعومة التي تشدَّقَ بها "أتاتورك" وأعوانُه من الكماليين، ومنها:

إلغاء المَحاكم الشرعيَّة: يقول الشيخ "مصطفى صبري": "وحادثة إلغاء المَحاكم الشرعيَّة وإن كانت مسألة مستقلَّة - ذات خطورة عظيمة، بحيث تَكْفي وحْدَها في تغيير الدَّولة الإسلاميَّة وإخراجها عن أصلها، إلا أنَّها من مستتبعات التفريق بين الحكومة والخلافة؛ لأنَّهم لما نزعوا الحكومة من الخليفة؛ لأجْل كونه خليفةً له رئاسةٌ دينيَّة، ومن واجبه أن يجعل دين الإسلام حاكمًا في حكومته قاعدًا لها بالمرصاد، حتَّى يستقِلُّوا برأيهم، ويفلتوا من قيد ذلك الحكم والرَّصد، فلا جرم التزموا إلغاء المحاكم الشرعيَّة الممثِّلة لحاكمية الدِّين في المَمْلكة"؛ صـ140.

 

قام الكماليُّون بإلغاء بيع المُسْكِرات بين الشَّعب، مع قصر بَيْعِها على من يختصُّونه من البائعين، ويقول الشيخُ في ذلك: "ومن المُضحِكات تصديقُ المصريِّين، وثقتُهم بصحَّة وجدِّية ما سنَّه الكماليُّون من قانونِ منع المسكرات، ظانِّين أنَّ ذلك وقعَ منهم لوجه الله، أو مصلحة الأمَّة، وعادية من مَحاسنهم ومناقبهم، مع أنَّهم نَهوا أن يبيع (الكحول) مَن شاء من الناس؛ ليكونوا هم البائعين، فيختص ربْحُها بهم، وهو عظيم جدًّا، وكثير ممن في تركيا يَعلم اشتِغال بعض أعضاء المجلس الوطنيِّ بهذه التِّجارة، واتخاذ بيوتهم مَعامل المسكرات ومَخازِنَها، وكذا يعلم كلُّ من في تركيا أنَّ "مصطفى كمال" أشهر مدمني الخمر، لا يمرُّ عليه وعلى أصحابه وأحبابه وماسطيه يومٌ وليلة بلا مسكر"؛ صـ 121، 122.

 

إباحة اختلاط النِّساء بالرجال: يقول الشيخ في بوادر مَسألة الاختلاط التي بدأها الكماليُّون على تخوُّف، ثم سعَوْا فيها بكلِّ قوَّتِهم ونشاطهم: "وألَم يكفِكُم بعد مسألة الخلافة ما قد أفتَى مصطفى كمال لنفسه ولحكومته في مسألة اختلاط النِّساء بالرجال، ومقابلتهن، ممن يلقين من الرِّجال بِزيِّهن أو زيِّهم؟ وقد أمرَتْ حكومته بإزالة الحواجز الفاصلة بين مقاعد الرجال والنِّساء في التِّرامات والسُّفن وسائر المراكب والسينمات و(التياتر)، فأُزِيلت، فاستاء النَّاس منه، وسأل عنه بعض النُّواب فتهكَّم وزيرُ الداخلية في الجواب قائلاً: إنَّ الحكومة لاحظَتْ في رفع الستائر فائدةً صحِّية"؛ صـ128.


سَنُّ قوانين اجتماعيَّة يُقصَد بها ضرب أحكام الدِّين: يقول الشيخ تعليقًا على هذا: "ثُمَّ ألم يكفكم مشروعُهم النَّاهي عن تعدُّد الأزواج، وقد أحلَّه الله في كتابه على مثنى وثلاث ورباع، ومشروعهم الناهي عن زواج أبناء وبنات سنين أقلَّ من سبع عشرة أو ثماني عشرة؟"؛ صـ129.

 

إعلاء النَّزعة القوميَّة، وإحياء العِرْقيَّات العصَبِيَّة: كتب أحدُ الكتَّاب المصريين عن أحد رجالاتهم ونشاطه في إحياء النَّزعة الطورانيَّة التُّركية قائلاً: "فيوسف أقشورا بك مثلاً ما بَرِح قبل إعلان الدُّستور العثماني بسنين يَنْشر دعوته - بين رجال تركيا الفتاة - إلى نَبْذِ الجماعة الإسلاميَّة، وإضمار العدوان والأخذ بفكرة الجامعة الطورانيَّة، المبنية على التأليف بين الناطقين باللهجات التُّركية أولاً، ثم تكوين اتِّحاد حلفي منهم ومن الأمم التي أصلُها طوراني؛ مثل المجر (هنجاريا)، والبلغار، وفنلندا، فهو يَرى الاتِّفاق مع هؤلاء طبيعيًّا ومفيدًا أكثر من فكرة الجامعة الإسلاميَّة، وهذا الرَّجل وأمثاله يعتقدون أنَّ الدِّين الإسلامي هو عبارة عن احتلالٍ عرَبِي بسَطَ سُلطانَه على التُّرك، ودخل بيوتَهم، ومِن الواجب الخلاصُ منه بأيِّ حال"؛ صـ 130.


اتِّخاذ الرُّموز الوثنيَّة القديمة كشعارات، وإحياؤها: ومنها شعار "الذِّئب الأبيض" الذي وُضِع على طوابع البَريد وأغلب مرفقات الدَّولة، والذي ارتقَت الرِّوايات إلى كونه معبودًا مقدَّسًا قديمًا عند الأتراك، يقول شيخ الإسلام: "إنَّما مَرْماهم في إعادتنا إلى شعائر آبائنا القُدَماء الذين قطعَ الإسلامُ انتسابَنا إليهم وعلاقتنا بهم، إلى تبعيد الأمَّة - بأيَّة صورة كانت - عن شعائرها الإسلاميَّة، وروابطِها التي يَكرهونها قدْرَ ما يحبُّون منفعتهم الماديَّة الذاتية، وإلى تعويدها بشعائر الجنسيَّة (العصبيَّة) وعواطفها؛ لما يرون في إحيائها من أقوى ذريعة إلى إنساء الشَّعائر الإسلامية وعواطفها"؛ صـ151.


إثارة الخلافات بين المسلمين الأتراك والأقَلِّيات: 

مثل النَّصارى والأرمن والشَّركس وغيرهم، يقول شيخ الإسلام: "ولم يُهْمِلوا وسيلةً في تهييج البَغْضاء وإثارة الفتنة بين الفريقين - أعني: المسلمين والنَّصارى - وكل خَسَارٍ يحلُّ بهما فلَيْس بِخارجٍ عن مَقاصدهم ومطالبهم؛ لا سيَّما إذا تضمَّن ما يزيد في مكاسبهم"؛ صـ198.

 

ويقول الشيخ أيضًا في موضعٍ آخر: "... فلِهذا لم يَسْلَم من اعتدائهم في تركيا ما بين ألبانها وعرَبِها وأكرادها وأرمنها وأروامها وشَراكسِها وأتراكها، إلاَّ اليهود"؛ صـ 204.

 

فتح أزمير.. وهدم الدين:

يرى الشَّيخ "مصطفى صبري" أنَّ فَتْح "أزمير" المزعومَ الذي تباهى به الكماليُّون كان مُبرِّرًا لهدم عُرَى الخلافة العثمانيَّة وأواصرها وسط تخاذلٍ عربي واضح، وصل إلى حدِّ المُبارَكة للكماليِّين على جلِّ أفعالِهم التي بدَتْ في ظاهرها "إصلاحيَّة"؛ وذلك ذريعة هذا النَّصر الذي عُدَّ "أتاتورك" بعده من "الفاتحين المظفَّرين".

 

يصف الشيخُ فتْحَ "أزمير"، فيقول: "وكان فتحُ أزمير عملاً واجتهادًا في سبيل تلك الدُّنيا التي جرَّدوها عن الدِّين لا في سبيل الدِّين، وليس في ذلك الفتحِ نصيبٌ للدِّين إلاَّ تجريده عن نفوذه، وتبعيده عن حكومته، فهم بما أفادهم فتح أزمير من القدرة والجراءة، أظهَروا خلَّتَهم اللادينيَّة، والغافل يستدلُّ به على دفاعهم عن بيضة الإسلام، مع أنَّهم الذين ترقَّبوا فرصةً لافتراس دين الإسلام بادِّعاء احتراس الإسلام، وقد وجَدوها في فتح أزمير"؛ صـ176.

 

وقد كانت بصيرةُ الشيخ نافذةً حينما وصفَ فتح "أزمير" بأنَّه بِمثابة ذريعةٍ لِهدم الدين؛ فقد أثبتَتْ حوادثُ التاريخ أنَّ الانتصارات العسكريَّة المزعومةَ وصناعة "الأبطال الورقيِّين" كانت سياسةَ الأمم الغربيَّة لِمُحاربة هذا الدِّين وتسليط الطُّغاة على رقاب العباد والبلاد، ومن خير ما كتبَه أحدُهم أنَّه لكي تصنع بطلاً قوميًّا في الشرق؛ يكفيك أيُّ انتصار وهمي للبطل المزعوم، ثم الدَّندنة عليه ليل نهار، وتهويله في عيون النَّاس؛ ليصير هذا الشخصُ هو المخوَّلَ بالحق الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، ولَكُم في أزمير "أتاتورك" وسُوَيس "ناصر" خيرُ عبرةٍ وعظة.

 

يقول الشيخ "مصطفى صبري": "لئن كانت أزميرُ شرَّ ذريعة وشرَّ قوة في أيدي الكماليِّين لِهَدم ما كان للدِّين من الحُكْم على الحكومة في تركيا، فلعنة الله على أزمير وعلى فَتْحها واستردادها: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 36]، وإنَّ قَومي الأتراك إنْ نالوا شوكةً وقوَّة، وعُدِموا دينهم، فلا تُؤَسِّيني قوَّتُهم، بل تُضاعف أسفي؛ لأنَّهم ليسوا إذًا بِقَومي، بل أعداء ديني، ولا يسرُّني قوَّةُ الأعداء"؛ صـ 176.

 

نعمة الدين والخلافة والأمة:

يقول الشيخ في خاتمة رسالته مُخاطبًا المسلمين في عهده، وقد أبان لهم عن مكر الغرب الأوروبِّي بهم، وبِدَولة خلافتهم، وعن الطُّغاة الذين تسلَّطوا على الإسلام وأهله، وما زادهم ذلك - أي: المسلمين - إلاَّ ركونًا ورِضًا بمصيرهم: "فكأنَّ المسلمين ليس لديهم أساسٌ ولا قسطاس يُوزَن به كلُّ من يريد أن يتقدَّم عليهم، ويُسلمون قِيَادَهم إلى هديه؛ فلذلك تراهم يومًا يلبسون الشَّرع الأنوَر بشرع "الأنور"، ويومًا يَخضعون لحكم "مصطفى كمال"، أكثر من خضوعهم لأحكام الربِّ المتعال"؛ صـ207.

 

ثم يُذكِّر شيخُ الإسلام المسلمين في نهايةِ كلمات رسالته المتفجِّعة بنعمة الخلافة الضَّائعة على الدِّين والعباد والأمَّة، فيقول: "هذا، وما ذكَرْنا طيلة الصفحات بعضٌ مِمَّا اكتسبَتْه أيدي الاتِّحاديين والكماليِّين الذين قبَضوا على زمام الدَّولة العثمانية منذ ستَّ عشرةَ سنة، فارْجِع البصَر إلى ما قبلها؛ كيف تجدها عند القياس بحالتها التي هي عليها اليوم من حيثُ فسحةُ المَمْلكة وضيقُها، وعَمارُها وخَرابُها، ومن حيثُ كثرةُ نفوسِ الأمَّة وقِلَّتُها، ومن حيث معيشتُهم وثَرْوتُهم، وأمنهم وراحتهم، ثم ارجِع البصر كرَّتين؛ حتَّى تهتدي إلى إدراك الفرق بين ما كانت عليه الدولة؛ أَعنِي: (الدَّولة المعظَّمة الجامعة للسَّلطنة العثمانية والخلافة الكبرى الإسلاميَّة، مقترنة إحداهما بالأخرى، مع ما استتبعَتْه تلك المقارنة التي هي أزهى وأبهى من قِران السَّعدين عند الثَّقَلَين من حالات وعادات وملَكات دينيَّة وأدبية واجتماعية، توارَثْناهن من آبائنا، وكُنَّ كالمشخِّصات لأمَّتنا، تمتاز بهن، ولكلٍّ منهن قيمةٌ عظيمة لا تَعْدلُها فوائد العالم عند أقوام ذوي السَّجايا الرَّزينة التي تقوم بها حياةُ الأمم، وتدوم على قدر ما يحظَوْن منها)، وبين ما آلت إليه اليوم، وأعني به الدَّولة الصغيرة اللادينيَّة القوميَّة!!"؛ صـ209.


المصدر

الخميس، 4 يونيو 2026

قراءة في كتاب «النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة»

 

قراءة في كتاب «النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة»


• اسم الكتاب: النكير على منكري النعمة؛ من الدين والخلافة والأمة.

• المؤلف: شيخ الإسلام: مصطفى صبري.

• تحقيق: د. مصطفى حلمي.

• سنة النشر: 2004م.

• دار النشر: دار الكتب العلمية ببيروت - لبنان.

• عدد الصفحات: 222.

قراءة جمال خطاب


كتاب «النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة» لآخر شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية، العلامة المحقق مصطفى صبري (1373هـ/ 1953م)، وثيقة فكرية وتاريخية بالغة الأهمية، فالمصنف، رحمه الله، لم يكتب من برج

 عاجي، بل سطر كلمات كتابه هذا بدموعه بعد سقوط الخلافة

 العثمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك.


ويأتي هذا التلخيص الشامل ليعيد صياغة أطروحات

 الكتاب ومضامينه التي تقع في 222 صفحة من

 تحقيق د. مصطفى حلمي، مسلطًا الضوء على الأبعاد

 السياسية والعقدية والاجتماعية التي ناقشها المؤلف،

 مع توثيق المتن بالاقتباسات الحية التي تعكس حرقة

 الشيخ على أمته وبصيرته النافذة.

واقع مرير ونخب متخاذلة


يفتتح شيخ الإسلام كتابه بتحليل دقيق وبائس لواقع الأمة الإسلامية عقب زوال مرجعيتها السياسية والدينية، معبرًا عن أسفه الشديد من استسلام الجماهير

 والنخب الفكرية والدينية لهذا الواقع الجديد.

ويصف هذا التخاذل بقوله: «ثم إنِّي قبل الشُّروع في

 المقصود، أرى من الواجب أن أَذكر بالأسف كونَ 

أمر المسلمين منذ زمنٍ بعيد بِيَد غيرهم؛ فأكثَرُ من 

خمسة وتسعين في المائة منهم في حكم الأجانب، 

والباقي الأقلُّ من خمسة في المائة، وهو من تعدُّ 

أزِمَّتُهم بأيديهم تحت غلبة اللادينيِّين، ممن تَسمَّى 

بأسماء المسلمين».

وينتهي الشيخ في مقدمته الصارخة إلى خلاصة مؤلمة ما زالت تنطبق على واقع أمتنا حتى الآن: «لا يبلغ من الدِّين الإسلامي أعداؤه القديمة الظَّاهرةُ ما يبلغ منه أعداؤه السرِّية الجديدة، وأصدقاؤه الحمقاء، أو الجُبَناء».

نخب تستجير من الرمضاء بالنار


يفرد صبري في كتابه جزءًا واسعًا من رسالته لمناقشة ظاهرة الانخداع الجماعي التي صاحبت صعود حركة مصطفى كمال في بداياتها، ويحلل منهج صاحب «المنار» بإنصاف وموضوعية، فيقول: «وأمَّا كِتاب صاحب «المنار»، ففي غاية الإفادة والإجادة، كما يتوقَّع من مؤلِّفه الذي هو فارسٌ خطير في أمثال هذا الميدان.. لكن المهم المقدَّم على كلِّ شيء، وما يليق أن أقولَ في كتابه، وأَلْفِت الأنظارَ إليه، أنَّه لم يصرِّح بأصل الدَّاء حقَّ صراحته، وإنْ بالغ في تعريف الدَّواء، والدَّليل على ذلك استمدادُه في إحياء منصب الخلافة من الذين خرَّبوها، وسعَوْا في خرابها».

فرية فصل السلطة عن الخلافة


ببصيرة فكرية سابقة لعصره، استطاع الشيخ صبري أن يدرك أن الخطوة الكمالية الأولى المتمثلة في فصل السلطة الزمنية عن الخلافة الروحية ونزع الصلاحيات التنفيذية من الخليفة عبد المجيد، لم تكن مجرد إجراء إداري لإصلاح هيكل الدولة، بل كانت مقدمة تكتيكية خبيثة لاستئصال الدين من الحياة العامة وفصله عن السياسة.

ويحدد الشيخ المرامي الحقيقية للكماليين بقوله: «وليس مرمى الكماليِّين فيما فعَلوه سوى غَرضين، أحدهما: نَشْل (سرقة) السُّلطة من آل عثمان، ونَقْلها إلى مصطفى كمال.. والغرَض الثاني إلغاء الخلافة وإبطالها على التَّدريج، ورَمي لإخراج حكومتهم من أن تكون حكومةً إسلاميَّة».

ويشرح الشيخ الآلية الفلسفية والواقعية التي تحول بها فصل السلطة عن الخلافة إلى إخراج كلي للدين من الدولة، لأن النفوذ الفعلي يتبع القوة التنفيذية، فإذا جُردت الخلافةمنها صارت صفة هلامية بلا قيمة: «وإذا كانت الحكومة هي القوَّةَ العاملة، والخلافة عبارة عن اتِّصاف تلك الحكومة بصفة دينيَّة، فلا جرم صار إخراجُ الحكومة عن الخلافة إخراجًا لها عن الدين.. لأنَّهم نقلوا الحكومة النَّافذة إلى مجلسهم الذي سمَّوه مجلسًا وطنيًّا، واختاروها لأنفسهم، وتركوا الشَّريعة الإسلاميَّة مع الخلافة في الخليفة مجرَّدةً عن النُّفوذ».

الارتداد إلى اللادينية


لم يقف التحذير في الكتاب عند الحدود النظرية، بل وثق الشيخ الإجراءات التشريعية والاجتماعية المتسارعة التي اتخذتها الحكومة الكمالية لإعلان هويتها «اللادينية»، وهو ما جاهر به مندوبها رضا نور بك في مؤتمر لوزان، ومن أبرز تلك الشواهد والجرائم التي ساقها المؤلف في كتابه:

1- إلغاء المحاكم الشرعية:

وهو الإجراء الذي عدّه الشيخ ضربة قاضية لهوية 

الدولة الإسلامية ومستتبَعًا طبيعيًا لفصل السلطة: 

«فلا جرم التزموا إلغاء المحاكم الشرعية الممثِّلة

 لحاكمية الدِّين في المَمْلكة».

2- سن القوانين المناقضة للشريعة وإفساد الأخلاق:

يوثق الشيخ اتخاذ الكماليين إجراءات تمس صلب النظام الاجتماعي الإسلامي، كمنع تعدد الزوجات، وتغيير سن الزواج، وإلغاء الحواجز بين الجنسين في وسائل النقل والمحافل العامة، حيث يذكر متهكمًا على مبررات وزير الداخلية اللاديني: «إنَّ الحكومة لاحظَتْ في رفع الستائر فائدةً صحِّية».

3- إحياء العصبية الطورانية والرموز الوثنية:
حيث عمل النظام الجديد على استبدال رابطة عرقية ضيقة بالرابطة الإسلامية الجامعة، وإحياء شعارات وثنية قديمة مثل «الذئب الأبيض» ووضعه على طوابع البريد، ويعلق الشيخ على هذا السلوك الإحلالي بقوله: «إنَّما مَرْماهم في إعادتنا إلى شعائر آبائنا القُدَماء الذين قطعَ الإسلامُ انتسابَنا إليهم وعلاقتنا بهم، إلى تبعيد الأمَّة -بأيَّ صورة كانت- عن شعائرها الإسلاميَّة».

صناعة أبطال من ورق




تطرق الشيخ بنقد لاذع إلى الانتصارات العسكرية المزعومة التي اتخذها أتاتورك غطاءً تمريريًا لتنفيذ أجندته اللادينية، حيث صُور للعامة كبطل ومنقذ للإسلام (كحال صناعة الأبطال القوميين في التاريخ الحديث)، ويرى الشيخ أن هذا الفتح كان وبالًا على الدين؛ إذ منح العسكر الجرأة على افتراس مقدسات الأمة: ومن فرط ألمه على ضياع الدين مقابل هذا المجد الدنيوي الزائف.

ويطلق الشيخ صرخته المدوية التي تعكس عمق ولائه العقدي الذي يقدم فيه رابطة الدين على رابطة الدم والوطن: «لئن كانت أزميرُ شرَّ ذريعة وشرَّ قوة في أيدي الكماليِّين لِهَدم ما كان للدِّين من الحُكْم على الحكومة في تركيا، فلعنة الله على أزمير وعلى فَتْحها واستردادها».

يا حسرة على الخلافة التي فرطنا فيها!


يختتم صبري رسالته ببيان «نعمة الخلافة والأمة» التي تم التفريط فيها نتيجة الغفلة والجهل وسوء التقدير من المسلمين الذين ساروا خلف الطغاة والمفسدين، واصفًا انقيادهم الأعمى بقوله: «تراهم يومًا يلبسون الشَّرع الأنوَر بشرع الأنور، ويومًا يَخضعون لحكم مصطفى كمال، أكثر من خضوعهم لأحكام الربِّ المتعال».

ويضع الشيخ في الصفحات الأخيرة مقارنة إحصائية وحضارية مؤلمة بين ما كانت عليه الدولة العثمانية قبل تسلط الاتحاديين والكماليين وما آلت إليه بعدهم، مستنهضًا عقول القراء لإدراك حجم الخسارة: «فارْجِع البصَر إلى ما قبلها؛ كيف تجدها عند القياس بحالتها التي هي عليها اليوم من حيثُ فسحةُ المَمْلكة وضيقُها، وعَمارُها وخَرابُها.. ثم ارجِع البصر كرَّتين؛ حتَّى تهتدي إلى إدراك الفرق بين ما كانت عليه الدولة؛ أَعنِي: الدَّولة المعظَّمة الجامعة للسَّلطنة العثمانية والخلافة الكبرى الإسلاميَّة، مقترنة إحداهما بالأخرى.. وبين ما آلت إليه اليوم، وأعني به الدَّولة الصغيرة اللادينيَّة القوميَّة!».


لم يكن كتاب «النكير» مجرد سرد لتاريخ انقضى، بل هو صرخة ألم ونذير، وقراءة استشرافية دقيقة لآثار التغريب وفصل الدين عن واقع الحياة، تجعل منه مرجعًا دائم الخضرة لكل باحث عن أسباب النهوض والانتشال من وهدة السقوط.

الأربعاء، 3 مايو 2023

الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام في الدولة العثمانية

الشيخ مصطفى صبري

 شيخ الإسلام في الدولة العثمانية

(1286-1374هـ = 1869-1954م)

الشيخ مصطفى صبري

في تاريخ المسلمين من شواهد الرجولة والبطولة، ما لو تدبرت فيه أمتنا اليوم لاتعظت، وما لو اطلعت عليه لاعتبرت، فيزداد إيمانها بأن الصراع بين الحق والباطل سنة جرت على من قبلهم، وتجري عليهم وعلى من بعدهم، والعاقبة للمتقين. 
فقد شاء ربنا سبحانه وتعالى أن يبتلي عباده بالخير والشرّ فتنة، ليعلم ممن ابتلاه بخير مدى شكره، وممن ابتلاه بشر مدى صبره. 
(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَم اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران 140-142].
ومن شواهد مواقف الرجولة والبطولة في تاريخ الأمة الإسلامية – خاصة إبان هدم الخلافة وبعد هدمها- جمهرة من العلماء والرجال.
ومنهم الشيخ مصطفى صبري رحمه الله الذي وقف في وجه الكماليين وأعمالهم الخبيثة، وتحمل الأهوال والشدائد من أجل كشفهم وإعادة الاعتبار للأمة الإسلامية. فحق أن نقف معه وقفة تليق به وبأعماله، فمن هو الشيخ مصطفى صبري؟ وما هي هذه الأعمال التي قام بها؟

الشيخ مصطفى صبري التوقادي شيخ الإسلام في الدولة العثمانية

• الشيخ مصطفى صبري في سطور

• توطئة

• المولد والنشأة

• على كرسي التدريس في جامع الفاتح

• في داخل مجلس "المبعوثان"

• مصطفى صبري شيخًا للإسلام ورئيسًا للوزارة

• جهاد الشيخ مصطفى صبري في القاهرة

• معاركه الفكرية

• مؤلفات الشيخ مصطفى صبري

• وفاته

• أهم المراجع

مصطفى صبري في سطور
*وُلد الشيخ "مصطفى صبري" في توقاد بتركيا  سنة 1286هـ-1869م.
* تلقى تعليمه في بلدته وفي مدينه القيصرية وإستانبول.
* تولى التدريس في جامع الفاتح، وهو لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره.
* اختاره السلطان "عبدالحميد" أمينًا لمكتبة قصره إلى جانب قيامه بالتدريس في جامع الفاتح.
* اختاره أبناء بلدته سنة 1908 نائبًا عنهم في مجلس "المبعوثان".
* قاد "مصطفى صبري" حملات ضارية على دعاة القومية التركية والفكر الغربي.
* اختير شيخًا للإسلام في عهد السلطان "وحيد الدين" بعد سيطرة الكماليين على البلاد، ومحاربتهم كل ما هو يمت للإسلام بصلة، هاجر "مصطفى" إلى القاهرة سنة 1923م واستقر بها.
* وفي القاهرة كشف عن الدور الخبيث الذي يقوم به أتاتورك في الوقت الذي كانت تلهج فيه الأقلام بمصر ببطولة أتاتورك، حتى كشفت الأيام صدق شيخ الإسلام وبُعد نظره.
* دخل "مصطفى" معارك فكرية مع كثير من كتاب مصر وعلمائها.
* ألّف "مصطفى صبري" عددًا من المؤلفات المهمة يأتي في مقدمتها: (النكير على منكري النعمة)، و(موقف العقل والعلم من رب العالمين).
* توفي الشيخ "مصطفى صبري" بالقاهرة سنة 1374هـ=1954م.


• توطئة

انتصر "مصطفى كمال أتاتورك" في حربه ضد اليونانيين الذين كانوا يحتلون "أزمير"، وذلك في سنة (1341هـ=1922م)، وكان لهذا النصر صدىً واسعٌ في أنحاء العالم الإسلامي، وتغنى الشعراء بهذا الفوز العظيم بعد سلسلة من الهزائم التي لحقت بالدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وفرض الحلفاء عليها شروطًا مهينة تضمنتها معاهدة "سيفر" عام (1920م).

وفي الوقت التي توالت فيه المقالات مُهنئة، خرج الشيخ "مصطفى صبري" عن هذا الإجماع مُنذِرًا يخوف الناس من الرجل المنتصر، ويتوقع منه السوء والأخطار المحدقة التي لم تظهر بعد، ولم يكن تحذير شيخ الإسلام من أتاتورك الذئب الأغبر رجمًا بالغيب أو حديثًا بالهوى، بل كان تحذير الخبير الذي يزن الأمور، ويرتب النتائج على المقدمات، ويدرك ما يُرتب خلف الحجب من مؤامرات.

واستقبلت الصحافة المصرية ما كتبه الشيخ بالاستهجان الشديد، ولم يلقَ تحذيره ما هو جدير به وبصاحبه الذي كان يشغل منصب شيخ الإسلام، ثم لم تلبث الأيام أن أثبتت صدق الرجل وسلامة بصيرته، فقد قام "أتاتورك" بإلغاء الخلافة الإسلامية وفصل الدين عن الدولة، وألزم النساء برفع الحجاب، واتخذ من الوسائل ما يبعد الأتراك عن الاتصال بالثقافة الإسلامية. وهنا أدرك الناس في مصر خديعة "أتاتورك"، وصحوا على المأساة التي لاتزال توابعها نعاني منها حتى الآن.


 المولد والنشأة
وُلد "مصطفى صبري" عام (1286هـ=1869م) في توقاد من بلاد الأناضول، ونشأ في أسرة طيبة محبة للعلم، وكان أبوه يتمنى أن يرى ولده من كبار العلماء في الدولة العثمانية، ولم يُخيب الفتى الصغير ظن والده، فكان ذكاؤه اللامع وقدرته على الفهم والاستيعاب تثير الإعجاب، وتنبئ عن مستقبل باهر للطفل الصغير، فتلقى في بلدته على يد الشيخ "أحمد أفندي زولبيه"، ثم استكمل تعليميه في مدينة "القيصرية" الشهيرة بكثرة علمائها، فتتلمذ على يد العالم الذائع الصيت الشيخ "محمد أمين الأوريكي"، المعروف بـ"داماد الحاج طرون أفندي"، ثم رحل إلى أستانبول؛ ليكمل دراسته في جامع السلطان "محمد الفاتح". وهناك اتصل بشيخين جليلين وتلقى عليهما علوم الشرع، هما: الشيخ "محمد عاطف بك الإستانبولي"، والشيخ "أحمد عاصم أفندي" وكيل الدرس في المشيخة الضمانية، وقد توثقت صلة "مصطفى صبري" بأستاذه "عاصم أفندي" وتزوج ابنته.


• على كرسي التدريس في جامع الفاتح
وكان نظام الدراسة في جامع الفاتح لا يختلف كثيرًا عن نظام الدراسة بالأزهر، حيث كانت تقام حلقات دراسية داخل المسجد يؤمها من يشاء من الطلاب، ويستمرون في الدراسة حتى يمنحهم الشيوخ الإجازة العلمية، التي تؤهلهم لتولي جميع الوظائف الدينية عدا التدريس بجامع الفاتح الذي كان التدريس فيه لايتم إلا بعد اجتياز يعقد للراغبين في التدريس به، فإذا احتاج الجامع إلى مدرسين تفتح المشيخة الإسلامية باب التقدم لمن يجدون في أنفسهم القدرة العلمية لتولي التدريس بالجامع الكبير.

وقد نجح "مصطفى صبري" في اجتياز هذا الاختبار الصعب ضمن ثلاثين عالمًا نجحوا فيه من بين ثلاثمائة عالم تقدموا لنيْل شرف التدريس بجامع الفاتح، غير أن "مصطفى صبري" كان أصغر الناجحين، فلم يكن قد تجاوز الثانية والعشرين حين صار له كرسي يجلس عليه للتدريس في أروقة الجامع.

ولم تمض شهور قليلة حتى ذاعت شهرة الشيخ الشاب الذي بهر تلاميذه بعلمه الواسع وطريقته البارعة في الشرح والإيضاح؛ فأقبل الطلاب عليه، واستكتبته الصحف والمجلات، واقتحم ميادين الفكر مناقشًا ومجادلاً.

ولما اشتهر ووصل صيته إلى الخليفة العثماني "عبدالحميد الثاني" أصدر قرارًا بتعيينه أمينًا لمكتبة قصر الخلافة العثمانية (قصر يلدز)، وهنا وجد الشيخ "مصطفى صبري" ضالته، حيث كانت هذه المكتبة زاخرة بكتب التراث الإسلامي التي توجد في المكتبات خارج القصر، لكن قانون حفظ التراث يمنع استعمالها؛ خوفًا من استهلاكها.


 داخل مجلس "المبعوثان"
وبعد إعلان المشروطية الثانية (الدستور) في عهد السلطان "عبدالحميد الثاني" أجريت انتخابات نيابية لاختيار أعضاء "مجلس "المبعوثان"، وفُوجئ الشيخ "مصطفى صبري" بأن سكان دائرة توقاد اختاروه نائبًا عنهم، وذلك في سنة 1326هـ=1928م).

وقد شهد المجلس خطبه النارية؛ دفاعًا عن الدين في وجه العصبيات القومية التي أرادت حكومة الاتحاد والترقي أن تزكيها داخل المجلس وخارجه، وحارب بلا هوادة الحركات المعادية للإسلام، والدعوات الهدامة التي يروج لها أعداء الدولة العثمانية.

ولما وافق مجلس "المبعوثان" علي خلع السلطان "عبدالحميد" بعد مؤامرة خبيثة دبرها أعداؤه من رجال الاتحاد والتركي الذين كانوا يُمسكون بزمام البلاد – ندم الشيخ "مصطفى صبري" وكان ممن وافق على قرار الخلع، وقال: أيدت قرار خلع السلطان "عبدالحميد" وبعد ستة أشهر تَبيَّن لي أن ثقله السياسي كان يساوي ثقل سياسة أعضاء المجلس جميعًا ويزيد.


• شيخًا للإسلام ورئيسًا للوزراء بالنيابة
تولى الشيخ "مصطفى صبري" مشيخة الإسلام في عهد السلطان "وحيد الدين"، وكانت الظروف التي تمر بها الدولة العثمانية حرجة للغاية بعد أن جرَّت عليها حكومة الاتحاد والترقي هزيمة قاسية في الحرب العالمية الأولى، وكان جزءًا من أراضيها تحتلها قوات الحلفاء، وقد بذل الشيخ "مصطفى صبري" جهودًا صادقة في الإصلاح، وتولى منصب الصدر الأعظم (رئاسة الوزراء) بالنيابة لمدة ستة أشهر، وذلك في أثناء غياب "فريد باشا" الصدر الأعظم الذي ذهب إلى باريس في مهمة دبلوماسية، وكان شيخ الإسلام يلي الصدر الأعظم في أهمية المنصب وفقًا للوائح الدولة.

غير أن الشيخ "مصطفى" لم يستمر كثيرًا في منصب شيخ الإسلام، بعد أن تطورت الأحداث بسرعة، وبسط "مصطفى كمال أتاتورك" وأنصاره قبضتهم على البلاد، وبدأت دلائل واضحة على اتجاه القائمين على الحكم تشير إلى عداوتهم للإسلام، ولم يجد الشيخ "مصطفى صبري" بُدًا من ترك المشيخة عندما اختلف مع الوزراء في الرأي، وبدأ جهاده الكبير للتصدي لأعداء الإسلام، والدعوة إلى تطبيق الشريعة، لكنه اضطر إلى مغادرة البلاد عام (1341هـ=1922م) إلى اليونان، وتمكن هناك من حشد المسلمين الأتراك حوله، وأصدر جريدة تركية، كشف فيها عن الوجه الحقيقي لسياسة أتاتورك التي تضمر الكُره للإسلام، وتنتظر الفرصة المناسبة لإعلان المواجهة السافرة، وقد أقلق هذا النشاط زعماء تركيا، فطلبوا من اليونان إبعاد شيخ الإسلام عن البلاد، فاستجابت الحكومة لهذا الضغط، واضطر الشيخ إلى مغادرة اليونان إلى القاهرة سنة 1922م حيث اتخذها وطنًا.


• جهاد الشيخ مصطفى صبري في القاهرة
وفي القاهرة لم يركن الشيخ إلى الراحة أو ينعم براحة البال، ولم يكن في القاهرة ما يغريه على ذلك، فقد وجد الصحف تشيد بأعمال "أتاتورك" وترى فيه المثل الأعلى للإنقاذ العاجل من سنوات القهر والانحدار، ولم يكن الشيخ ممن يسكتون عن الباطل فقام بكشف الحقائق التي عميت على الناس، وحين رأى أن الصحف تضع العراقيل أمام ما يكتبه، وأن المقالات قد لا تفي بالغرض قام بوضع كتابه المعروف "النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة"، وكان الكتاب صرخة مدوية في وجه المفتونين بما يحدث في تركيا، وأبان عن عصبية الكماليين للجنس التركي ومحاربتهم للعصبية الإسلامية، وأن الكماليين وحزب الاتحاد والترقي اسمان مختلفان لشيء واحد، وإذا كان هنا وجه للمقارنة بين الكماليين والاتحاديين، فإن الكماليين أخبث وأشنع بلية على الدولة والأمة منهم، والاتحاديون غاصبو الوزارة والكماليون غاصبو سلطة، والاتحاديون لا دينيون، والكماليون مجاهرون في الإلحاد، وكشف عما أصاب الدولة العثمانية من خسائر وهزائم على أيدي حزب الاتحاد والترقي، فبعد أن تسلموا الدولة من السلطان "عبدالحميد" مترامية الأطراف تصرفوا فيها كما يشاءون، وأوقدوا نار العصبية بين أبناء الوطن من العرب والأكراد والألبان والأتراك، وأساءوا في السياسة الخارجية، ودخلوا الحرب العالمية الأولى من غير ضرورة، وهُزموا فيها، وسلّموا عاصمة الخلافة العثمانية بأيديهم إلى معسكر الإعداء.

وأوضح الشيخ "مصطفى صبري" علاقة الاتحاديين والكماليين باليهود، حيث عمل "مصطفى كمال أتاتورك" على مصادقة اليهود وحدهم دون الأجناس التي كانت تعيش تحت راية الخلافة العثمانية، وأكد أن جماعة الاتحاد والترقي كانت تعقد اجتماعاتها في بيوت اليهود الطليان، وقد كان وزير ماليتهم "يافيد" يهوديًا، ووزير المعارف في عهد الكماليين "خالدة ضياء" من أصل يهودي.

ولم يكد يمضي عام على إقامة شيخ الإسلام حتى بان للناس صدق كلامه في أتاتورك، فقد صرّح الشر عن وجهه، فأعلن أتاتورك إلغاء الخلافة الإسلامية، ومنصب شيخ الإسلام، والمحاكم الشرعية، وحرّم الأذان في المساجد، وتلاوة القرآن بالعربية، فأدرك الناس ما كان على عيونهم من غشاوة فلم تر الحق واضحًا صريحًا، وأنهم وقعوا تحت دعايات مضللة كشفت الأيام زيفها.


• معاركه الفكرية
ثم كانت كبرى القضايا التي عالجها الشيخ "مصطفى صبري" النقد العلمي لما جاء في كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وكان ما جاء في الكتاب فتنة شغلت الناس؛ حيث دعا إلى فصل الدين عن الدولة، فتصدى الشيخ "مصطفى صبري" لما جاء في الكتاب، وأبطل دعاويه وفند مزاعمه، وأبان عن وجه الحق.

ثم واجه شيخ الإسلام "الاتجاه الذي ينكر الكرامات وخوارق العادات ويؤول المعجزات بحيث تبدو متفقة مع سنن الكون ومسايرة لطبائع الأشياء. وقال: إنه اتجاه إلى رفض أساس من أسس الدين، وذاك لأن تأويل المعجزات بما يخرجها عن خوارق العادة يُخرجها أيضًا عن كونها معجزات، ويؤدي إلى إنكار نبوات الأنبياء مع المعجزات لما في إنزال الوحي والكتب عليهم وإرسال الملك إليهم خرق لسفن الكون، ولا تكون المعجزات معجزات دون خرقها، كما هاجم محاولات ردِّ النبوات إلى العبقرية، وكانت قد راجت مثل هذه الأفكار في كتابات المعاصرين من كُتّاب مصر.


 مؤلفات الشيخ مصطفي صبري
شغلت قضايا الإصلاح فكر شيخ الإسلام في مصر، وتابع ما يكتب في الصحف والمجلات، ودخل معارك فكرية حامية الوطيس مع عدد من أعلام مصر مثل الشيخ "المراغي" شيخ الأزهر، و"العقاد"، و"محمد حسين هيكل"، و"محمد فريد وجدي"، وكان شديد الوطأة في الهجوم عليهم، وربما كان غيرته على الدين وخوفه مما حدث في تركيا كان باعثه على ذلك، وكان يرى في مصر حصن الإسلام أمام هجمات الفكر الغربي الضارية، وقد جاءت مؤلفاته تحمل وجه الحق وتدافع عن الإسلام أمام خصومه، ومن هذه المؤلفات:
• قولي في المرأة مقارنًا بأقوال مقلدة الغرب.
• القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون.
• موقف البشر تحت سلطان القدر.
• موقف العقل والعلم والدين من رب العالمين، وهذا الكتاب هو أهم مؤلفات شيخ الإسلام وأضخمها حجمًا، ويقع في أربعة أجزاء كبار، ويحمل خلاصة فكر الشيخ وتجاربه، ومعاركه الفكرية مع أعلام العصر.


 وفاته
ظلّ الشيخ "مصطفى صبري" مقيمًا بالقاهرة بعد هجرته الجبرية من تركيا، واتخذها وطنًا له، وشارك بقلمه في الحياة الفكرية مدافعًا عن الإسلام وكاشفًا زيف الباطل حتى لقي الله في أرض الكنانة سنة (1374هـ-1957) بعد حياة حافلة بالجهاد السياسي والفكري.


• أهم المراجع
- أنور الجندي – أعلام القرن الرابع عشر الهجري (أعلام الدعوة والفكر) – مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة – 1981م
- علي حسون – تاريخ الدولة العثمانية – المكتب الإسلامي – بيروت – 1415هـ=1994م
- محمد رجب البيومي – النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين – دار القلم – دمشق 1420هـ=1999م
- محمد محمد حسين – الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر – مكتبة الآداب – القاهرة
- مصطفى حلمي – الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة الإسلامية – دار الدعوة للطبع والنشر – الأسكندرية 1985م
- توفيق إسلام يحيى – من سيرة شيخ الإسلام مصطفى صبري – مجلة الأزهر – العددان الرابع والسادس – 1416هـ=1995م (السنة الثامنة والستون).