"لا يكون السؤال: ماذا فعل المجتمع بي؟ بل: ماذا سأفعل أنا بعد أن عرفت ما فعله المجتمع بي؟"-
(ومضة: في مقابلة متلفزة، قال السيد مسعود البرزاني ما معناه، "الله خلقني كرديا أنا لم أختر ذلك")
لا اختيار للبداية وربما للنهاية
الكل يولد في أسرة لم يخترها، ووسط مجتمع قائم قبله، ويتلقى لغة أهله وعاداتهم وأفكارهم وأحكامهم قبل أن يمتلك القدرة على فحصها، وقد يجد نفسه، حين يكبر، في مجتمع يحمل أخطاءً وصراعات لم يصنعها، ويتخذ أسلوبها بحكم التقاليد التي لم يقر بنودها أيضا فيقضي حياته وهو يصلح نتائج لم يكن سبباً فيها، أو يدافع عن أمور لم يخترها، أو يتعلم كيف ينجو مما ضع وليس كيف يعيش، لكن الخطر يبدأ حين تتحول الظروف إلى نهاية للتفكير.
وقد يتعلم الإنسان في بيئة مضطربة كيف يصمت في الوقت المناسب، وكيف يتجنب الصدام، وكيف يحمي نفسه، ثم تمر السنوات ويكتشف أنه أتقن التكيّف، ويستخدم مهاراته لتعميق بصمة غيره، وقد يكتشف أنه ولحرصه قد تألم كثيرا وكان قاسيا أحيانا، وينظر إلى آخرين وقد كوّنوا ما يراه مجتمعا مريضا، وما يرونه هم أنها عملية الخلاص من سجن الإرث المغيب عن الواقع، فيتأسى لخدمة أناس أنكروه مع صياح الديك فجر يوم عصيب.
هنا لا يكون السؤال: ماذا فعل المجتمع بي؟ بل: ماذا سأفعل أنا بعد أن عرفت ما فعله المجتمع بي؟ فالظروف تفسر بعض ما نحن عليه، لكنها لا تستطيع أن تفكر بدلاً عنا إلى الأبد، قد يكون الأب قاسياً لأن أباه كان قاسياً، وقد يرث الابن خوفاً لم يعش سببه، لكن عند لحظة معينة يصبح عليه أن يقرر: هل أنقل ما ورثته إلى من بعدي، أم أوقفه عندي؟ وهنا التضحية وهنا جبر الخاطر له ولمن معه.
وهنا تبدأ المسؤولية؛ ألا يبقى الإنسان مجرد نتيجة لما صنعه الآخرون، وأن يقرر ماذا يُبقي مما ورثه وماذا يوقف مما ورث عنده، وهذه المسؤولية عن النفس هي أيضاً المدخل إلى جبر الخواطر؛ فمن عرف من تجربته أن الإنسان قد يحمل آثار أشياء لم يخترها، يصبح أقدر على فهم الآخرين، لا لأنه يعفيهم من المسؤولية، بل لأنه يدرك أن الإنسان أمامه قد يكون قد وصل إليه من طريق طويل لا يعرفه كاملاً. وهنا الفرق بين الإنسان العادي والقيادي؛ الإنسان العادي سيمشي بنفس المسار وابتكاره فيه لا بتصويبه؛ أما القيادي يتأمل يصوب يصحح يتراجع يتقدم وينعطف بالمسار إلى الطريق المثلى.
فالنجاة ضرورة في زمن الخطر، لكنها ليست فلسفة للحياة، ومن يقضي عمره كله متعلماً كيف يتجنب السقوط قد يكتشف في النهاية أنه لم يتعلم كيف يمشي إلى حيث يريد، لكن علينا أن نعرف المعاني بظروفها.
الظروف تفسر كثيراً مما نحن عليه، لكنها لا تستطيع أن تكون عذرنا الأخير، فبعد أن يدرك الإنسان ما ورثه وما أصابه، يبقى أمام سؤال لا يستطيع أحد الإجابة عنه نيابةً عنه: ماذا سأفعل أنا بنفسي؟ وهنا تبدأ المسؤولية، لا في رفض الماضي كله ولا في الدفاع عنه كله، بل في القدرة على التمييز بين ما اقتنعنا به وما بقينا نحمله لمجرد أننا وجدناه قبل أن نبدأ التفكير، وهذا أيضا جبر خاطر للأمة والمجتمع، نحاسب أنفسنا وغيرنا ولكن لا انتقام ولا إذلال بل بكرم نجعله طبعا وسجية.
ثورة الانكسار
كما جبر خاطر الغني للفقير، أو القوي للضعيف، فقد يجبر الفقير خاطر الغني، وقد يجبر الطفل خاطر أبيه، وقد تكون كلمة من إنسان بسيط هي الجبر، فلا يمنع الحزنَ مُلْكٌ، ولا تمنع القوةُ انكساراً، لكن الجبر إرضاء لله، فاجبر ولا تسأل لأن السؤال أحيانا يولد انكساراً.
ألم تر امرأة تفعل كل الدعم والجبر بصمت لكنها تحتاج جبرا لتجبر؛ فيغفل من يجب عليه العطاء! هي الأرض تحتاج رعاية لتعطي، وكم نرى من رجال ونساء يحاولون تعويض ما فات ولا يتنبهون إلى أنهم يضحون بما بقي والمآل ولا يظنون أن هنالك من يريد لهم الخير؛ بالحب والإسناد. وهنا ترى خواطر كسرت ولم تجبر فثارت كالبراكين في كل الاتجاهات، تكسر الخواطر بجنوح الأنا بلا مبالاة، وكما الحليم إن غضب تتحطم المعاني عند من كسر خاطره ولم يجبر؛ وتتبعثر الكلمات.
عمل الرحمن وفضيلة الإنسان
في قصة نوح وابنه حقيقة موجعة يعرفها كل من أحب إنساناً: أننا لا نستطيع دائماً أن نختار عن الذين نحبهم، يبقى الابن ابناً، لكن اختياره لا يصبح اختيار أبيه، "وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ".
لا اختيار للبداية وربما للنهاية
الكل يولد في أسرة لم يخترها، ووسط مجتمع قائم قبله، ويتلقى لغة أهله وعاداتهم وأفكارهم وأحكامهم قبل أن يمتلك القدرة على فحصها، وقد يجد نفسه، حين يكبر، في مجتمع يحمل أخطاءً وصراعات لم يصنعها، ويتخذ أسلوبها بحكم التقاليد التي لم يقر بنودها أيضا فيقضي حياته وهو يصلح نتائج لم يكن سبباً فيها، أو يدافع عن أمور لم يخترها، أو يتعلم كيف ينجو مما ضع وليس كيف يعيش، لكن الخطر يبدأ حين تتحول الظروف إلى نهاية للتفكير.
وقد يتعلم الإنسان في بيئة مضطربة كيف يصمت في الوقت المناسب، وكيف يتجنب الصدام، وكيف يحمي نفسه، ثم تمر السنوات ويكتشف أنه أتقن التكيّف، ويستخدم مهاراته لتعميق بصمة غيره، وقد يكتشف أنه ولحرصه قد تألم كثيرا وكان قاسيا أحيانا، وينظر إلى آخرين وقد كوّنوا ما يراه مجتمعا مريضا، وما يرونه هم أنها عملية الخلاص من سجن الإرث المغيب عن الواقع، فيتأسى لخدمة أناس أنكروه مع صياح الديك فجر يوم عصيب.
هنا لا يكون السؤال: ماذا فعل المجتمع بي؟ بل: ماذا سأفعل أنا بعد أن عرفت ما فعله المجتمع بي؟ فالظروف تفسر بعض ما نحن عليه، لكنها لا تستطيع أن تفكر بدلاً عنا إلى الأبد، قد يكون الأب قاسياً لأن أباه كان قاسياً، وقد يرث الابن خوفاً لم يعش سببه، لكن عند لحظة معينة يصبح عليه أن يقرر: هل أنقل ما ورثته إلى من بعدي، أم أوقفه عندي؟ وهنا التضحية وهنا جبر الخاطر له ولمن معه.
وهنا تبدأ المسؤولية؛ ألا يبقى الإنسان مجرد نتيجة لما صنعه الآخرون، وأن يقرر ماذا يُبقي مما ورثه وماذا يوقف مما ورث عنده، وهذه المسؤولية عن النفس هي أيضاً المدخل إلى جبر الخواطر؛ فمن عرف من تجربته أن الإنسان قد يحمل آثار أشياء لم يخترها، يصبح أقدر على فهم الآخرين، لا لأنه يعفيهم من المسؤولية، بل لأنه يدرك أن الإنسان أمامه قد يكون قد وصل إليه من طريق طويل لا يعرفه كاملاً. وهنا الفرق بين الإنسان العادي والقيادي؛ الإنسان العادي سيمشي بنفس المسار وابتكاره فيه لا بتصويبه؛ أما القيادي يتأمل يصوب يصحح يتراجع يتقدم وينعطف بالمسار إلى الطريق المثلى.
فالنجاة ضرورة في زمن الخطر، لكنها ليست فلسفة للحياة، ومن يقضي عمره كله متعلماً كيف يتجنب السقوط قد يكتشف في النهاية أنه لم يتعلم كيف يمشي إلى حيث يريد، لكن علينا أن نعرف المعاني بظروفها.
الظروف تفسر كثيراً مما نحن عليه، لكنها لا تستطيع أن تكون عذرنا الأخير، فبعد أن يدرك الإنسان ما ورثه وما أصابه، يبقى أمام سؤال لا يستطيع أحد الإجابة عنه نيابةً عنه: ماذا سأفعل أنا بنفسي؟ وهنا تبدأ المسؤولية، لا في رفض الماضي كله ولا في الدفاع عنه كله، بل في القدرة على التمييز بين ما اقتنعنا به وما بقينا نحمله لمجرد أننا وجدناه قبل أن نبدأ التفكير، وهذا أيضا جبر خاطر للأمة والمجتمع، نحاسب أنفسنا وغيرنا ولكن لا انتقام ولا إذلال بل بكرم نجعله طبعا وسجية.
ثورة الانكسار
كما جبر خاطر الغني للفقير، أو القوي للضعيف، فقد يجبر الفقير خاطر الغني، وقد يجبر الطفل خاطر أبيه، وقد تكون كلمة من إنسان بسيط هي الجبر، فلا يمنع الحزنَ مُلْكٌ، ولا تمنع القوةُ انكساراً، لكن الجبر إرضاء لله، فاجبر ولا تسأل لأن السؤال أحيانا يولد انكساراً.
ألم تر امرأة تفعل كل الدعم والجبر بصمت لكنها تحتاج جبرا لتجبر؛ فيغفل من يجب عليه العطاء! هي الأرض تحتاج رعاية لتعطي، وكم نرى من رجال ونساء يحاولون تعويض ما فات ولا يتنبهون إلى أنهم يضحون بما بقي والمآل ولا يظنون أن هنالك من يريد لهم الخير؛ بالحب والإسناد. وهنا ترى خواطر كسرت ولم تجبر فثارت كالبراكين في كل الاتجاهات، تكسر الخواطر بجنوح الأنا بلا مبالاة، وكما الحليم إن غضب تتحطم المعاني عند من كسر خاطره ولم يجبر؛ وتتبعثر الكلمات.
عمل الرحمن وفضيلة الإنسان
في قصة نوح وابنه حقيقة موجعة يعرفها كل من أحب إنساناً: أننا لا نستطيع دائماً أن نختار عن الذين نحبهم، يبقى الابن ابناً، لكن اختياره لا يصبح اختيار أبيه، "وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ".
قال نوح انه ابني، كسر خاطر نوح أن ابنه لم يؤمن به، فجبر الله خاطره أن لم يُرِهِ موته.
الخاتمة: الفارس لا يستخف بآخر سهامه
نحن لا نختار دائماً كيف تبدأ قصتنا، لكننا نختار ماذا نفعل بما ورثناه منها، لا نقول مجتمع مريض أضاع عمرنا وأننا لم نعش حياتنا، وإنما عشنا نهرب من الأيام والحوادث، بل نفكر ونعيد بناء حياتنا. ومهما أدركنا الأمر متأخرا، فإننا قد نعدل مسارا يتّبعه من بعدنا ليصنع الحياة، ولا نقول العمر هدرا مضى والوقت على تداركه فات، لأن الفارس لا يُستخف بآخر سهامه، فآخر السهام أمضاها وإن كانت جبرا للخواطر فهي أسماها.
الخاتمة: الفارس لا يستخف بآخر سهامه
نحن لا نختار دائماً كيف تبدأ قصتنا، لكننا نختار ماذا نفعل بما ورثناه منها، لا نقول مجتمع مريض أضاع عمرنا وأننا لم نعش حياتنا، وإنما عشنا نهرب من الأيام والحوادث، بل نفكر ونعيد بناء حياتنا. ومهما أدركنا الأمر متأخرا، فإننا قد نعدل مسارا يتّبعه من بعدنا ليصنع الحياة، ولا نقول العمر هدرا مضى والوقت على تداركه فات، لأن الفارس لا يُستخف بآخر سهامه، فآخر السهام أمضاها وإن كانت جبرا للخواطر فهي أسماها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق