خلجات
عساف ذهني
يبدأ الإنسان بالتفكر في نفسه وإدراكاته للحياة، إما بالشكل الحسي أو المعنوي، ويعتبر هذه المرحلة مرحلة وعي يستوعب بها الحياة التي وُلد فيها، والبيئة المحيطة به، واختياراته السابقة وما ترتب عليها، وما سيختاره وما سيترتب عليه لاحقاً.
وقد يتفكر في مواهبه التي أدركها، والمواهب التي لم يدركها، باحثاً في كيفية اكتشافها أو من سيكتشفها له، وتلك مشكلة؛ فكيف له إيجاد ما لم يكتشفه بعد واستغلاله؟ فيبقى باحثاً عن المجهول، متفكراً فيه، متجاهلاً الموجود، مطمئناً إليه لأنه موجود، غير مبالٍ بأنه قد يُسلب منه مع التقدم في السن، الذي هو على رأس قائمة السالبين لكل نعمة، وأولها الصحة والفراغ.
فهذا الموجود لم يستغل ما تحت قدميه، ولم يقطع خطوة إلى ما هو أمامه.
والإنسان بطبعه قصير نظر، مبصر دون بصيرة، يظن بنفسه ما يدعها تستغله دون أن يستغلها.
فيريد معرفة مواهبه، ويكتشف عن نفسه المزيد، حتى يصبح كالحصان الجامح الذي عرف قدر قوته وفحولته وطاقته، دونما عسف أو ترويض أو ميدان لانطلاق مواهبه، التي قد يرى لنفسه قدراً فيها.
فيحرم نفسه نعمة عظيمة جداً، وهي تفريغ الطاقة والذهن، والأهم من ذلك: التجربة والحركة، التي يعرف من خلالها ما ينفعه ويمتاز به مما لا ينفعه ولا يمتاز به. فيتحول إلى وحش تسوء طباعه، وإن كان شكله جميلاً ولافتاً، ولكن داخله خرب يحتاج إلى إعادة تهذيب وعسف.
ولكن الإنسان أسوأ من الحصان؛ لأنه يجيد تعليق فشله على الآخرين، والحصان لا يملك عقلاً يسوّل له ذلك. فيصبح الإنسان
لا هو بالذي نفع، ولا بالذي انتفع، ولا بالذي عاش مرتاحاً بحياته الشقية، ولا ريّح من حوله، بل قد يزداد كرهاً لهم، ويزدادون نفوراً منه. وصدقاً لا مجاملة، أقول: كلنا ذاك الرجل.
بعيداً عن التفكير في الظروف، وتأويل الأحداث، و«لو» التي تُفتَح من خلالها أبواب للشيطان، والتفكير في المستقبل ومعطياته، وما ستؤول إليه حياتك، ومواهبك المكتسبة التي صاحبتك أو جربتها فأعجبتك فظننت نفسك بها مبدعاً، وحساب الأقدار والظروف، وهل وجدت نفسك أم
ما زالت ضائعة منك في كومة الحياة المتسارعة التي كلما ازددت بحثاً فيها ازددت ضياعاً.
أعتقد أن الإنسان لو آمن بالتسليم لأقدار الله والظروف المحيطة، وفكّر في إماطة أذى، أو إدخال السرور على قلب مسلم، أو صلة رحم، أو سؤال عن حاجة أخ، أو ابتسامة عابرة في وجه صديق أو عابر سبيل، أو حمدٍ على نعمة موجودة، وهبةٍ مستغلة ولو بالقليل اليسير، وقضاء يوم بلا ألم جسدي أو نفسي؛ لكان خيراً كبيراً، خصوصاً أنها مقدرات ومعطيات تحت تصرفه وقدرته الحالية، لجنّب عقله التفكير في ما لا يملك منه غير الحسرات وكفران النعم والمُنعِم.
ولعل توهانه يقل، وتقل شكوكه ولعناته للحياة التي يظنها ضده بكل قوتها وأقدارها، وما كانت الدنيا لتعبأ بأمره، ولا بظنونه وطاقاته وقدراته التي لن تغيّر في أقدار الله شيئاً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق