خلجات
نمو الوهم
كثير من الأمور التي تواجه الإنسان، أو يواجهها -على حسب من منهما السابق بالتوجه إلى الآخر- هي في النهاية أقدار؛ فإن لم يذهب إليها أتته.
وعندما تمر به، أو تصطدم به، تكون متشابهة إلى حدٍّ كبير في اصطدامها مع غيره، ولكن تختلف في بدايتها طريقة تلقّيه لها، وتختلف باختلاف «وهمه» في تعاطيه معها، وإقناع نفسه بأهمية حاجته لها، وأولويتها لديه، واستقامة حياته بها، ومقدار استطاعته العيش معها أو من غيرها.
وكلّه وهمٌ يوهم الفرد به نفسه، على حسب رغبته في إعطاء المبررات لنفسه وللمحيطين به بأهمية هذا العارض.
الإنسان المدني يعيش محاطاً بالجدران، وبينه وبين تلك الجدران عالمه الخاص من مقتنياته ومختاراته، ووسائل راحته، ولوازم معيشته الأساسية والثانوية والكمالية.
وأقرب من الجدران وما خلفها يكمن ما يقرّبه الإنسان إلى نفسه ويختاره من مأكوله ومشروبه، وما يقنع نفسه بأنه مفيد، أو جيد، أو صحي، أو غير صحي، بل وما يتعاطاه على أنه لذيذ ويحقق له المتعة، ويناسب حالته المزاجية، ويسبب له السعادة.
وشيئاً فشيئاً نجد أن الإنسان اختار وانتقى كل ما حوله، إلا أفكاره تجاه هذه الاختيارات، التي قد لا تكون بأهمية ما أعطاها من أهمية بالاختيار، ظنّاً منه بأنها الأهم والأولى.
فتنامى في عقله نموٌّ سريع مع تسارع الحياة، وتعددت الخيارات بتعدد المعطيات، ولم تكتمل الصورة لعدم اكتمال الحياة، وخصوصاً حين لا تقوم على معرفة مقومات الحياة الأساسية.
فبدل النمو العقلي، ينمو الوهم، ويتراجع ويضيق الفهم، حتى إذا وصل الإنسان إلى مرحلة من الضجر والتعب من هذه الحياة، وظن أن ذلك بسبب عدم اختياره الصحيح، لم يُعد ترتيب حساباته أو تصفية أفكاره، بل يذهب إلى تغيير مأكوله ومشروبه، والمطاعم التي اعتاد الأكل منها، والمقاهي التي اعتاد ارتيادها، بوهمٍ غذّاه في نفسه بأهمية تغيير اختياراته، ظنّاً منه أن تغيّر الخيارات يعالج الأمر ويرقى بالفهم، ويخرجه من دائرة الضيق والكدر إلى الفرح والابتهاج.
أحسّ وأشعر -ولا أظن فقط- بأن البعض وجد وهماً جميلاً قبله، وعاشه فترة وتعايش معه، لكنه لم يُنمِّ الفكر في مقابله. فتخلل الوهم البيوت والجدران واللباس والمطعوم والمشروب والمختارات اليومية، دون الفكرية والإيمانية والروحية.
وما إن يضجر الإنسان -وهو إحساس- وتضيق به الدنيا -وهو إحساس أيضاً- حتى يذهب، بدلًا من مراجعة الفكر والإيمان والروح، وتغيير بعض القناعات والأولويات الفكرية والتعلقات القلبية، إلى تغيير طريقة استهلاكه، باستهلاكٍ أبشع وانفتاحٍ أكبر، ظنّاً منه أن طريق السعادة يكون بتغيير المأكول والمشروب، وهما أمران ملموسان. فما عالج جرحاً، ولا أبرأ وصباً.
الآن أنا لا أحس، بل أعتقد أن الإنسان أعطى كثيراً مما حوله من أمور الدنيا واختياراتها أكبر من حجمها، وهي التي لا تساوي -عند خالقها- جناح بعوضة. وما وجود الإنسان في الدنيا إلا لرسالةٍ بشريةٍ محسوسة، تميّزه وتكرّمه عن غيره من المخلوقات، باختياره لتنمية فهمه، وإيمانه، ووعيه، ونيته، في كيفية التعامل مع الاستهلاكات والمعطيات من حوله واختيارها.
ولو قضى عمره يتقلب بين مهمةٍ وأخرى بحثاً عن مهمته في الدنيا، لكان خيراً له من التنقل والتغيّر بين مستهلكاته وتفاهاته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق