الأحد، 10 مايو 2026

منطقة الراحة


خلجات

منطقة الراحة

                                   سالم النخيلان

يضجر الإنسان أحياناً من حاله؛ من اعتياده على ما هو عليه، أو من شعوره بالخمول والكسل، أو من إحساسه بأن حياته لا تشهد تقدّماً يُذكر. 

وما إن يبوح بهذا الضجر حتى تنهال عليه النصائح والتوجيهات من كل من ظن في نفسه حكمةً وتجربة، داعياً إيّاه إلى «مغادرة منطقة الراحة».

ويُصوَّر له أن هذه المغادرة لا بد أن يصحبها ألمٌ وتعبٌ وثقل، وأن ما ينتظره وراء هذه المنطقة يستحق ما يبذله من جهد ومعاناة. 

حتى أصبحت هذه العبارة جواباً جاهزاً لكل من شكا هماً، أو وجد ضيقاً، أو لقي عنتاً في حياته.

غير أنني أتساءل أولاً عن معنى الراحة، قبل أن أتساءل عمّا إذا كان لها منطقةٌ يسكنها الإنسان ويأنس بالإقامة فيها. وهل كل من شعر بضيقٍ أو تبدّل حالٍ يُطالَب بمغادرة موضعه بدعوى أنه يعيش في«منطقة الراحة»؟!

أحياناً، ومع تشوّش الأحداث واضطراب الأحوال وتقلبات النفس البشرية، يكون السكون وعدم الإصرار لوناً من الحكمة، وشكلاً من أشكال الصبر والمصابرة. وقد يكون التريث ذاته مغادرةً حقيقيةً لما يُظن أنه منطقة راحة؛ لأن المرابطة على النفس، وكبح الاندفاع، نوعٌ من التجلّد والثبات حتى تنقشع غمامة الحياة العابرة.

وحين تنجلي تلك الغمامة، يغدو ما كان عسيراً أكثر وضوحاً ويسراً، فيحمد الإنسان سكونه الموقت، وخموله الذي كان مشفوعاً بالصبر، لا بالعجز.

ومع كثرة ما يتناقله الناس، وما يردده المتشدقون لكل شاكٍ ومتألم ويائس: «غادر منطقة الراحة»، دون معرفة بواقعه أو فهم لطبيعة ما يمر به، قد يندفع المرء اندفاعاً غير محسوب، فيترك واقعه ومسؤولياته، ويخوض في تقديرات مضطربة تخبطاً عشوائياً.

فإن أصاب، نسب النجاح إلى نفسه واجتهاده، وإن أخطأ، علّق خطأه على عجلة الإنسان وضعفه، ووجد من يبرر له ذلك ليخلّصه من مواجهة ذاته ومحاسبتها.

ولا ريب أن الحياة تحتاج في بعض مراحلها إلى مراجعة جادة، وإلى مغادرة بعض العادات والأفكار والمسارات. لكن العودة إلى أمرٍ ما لا تعني دائماً أنه الخيار الصحيح، كما أن مفارقته لا تعني بالضرورة أنه القرار الصائب؛ فقد تكون العودة بدافع الألفة والاعتياد، وقد تكون المغادرة مجرد هروب من مواجهة النفس.

ولهذا فإن القرار الحقيقي هو أن يميز الإنسان بين ما ينبغي تركه وما ينبغي التمسك به. فما اعتاده من تقصير، أو ألفه قد يكون خوفاً من المجهول، أو استراح إليه من جبن، هو أولى ما يجب مغادرته، وإن بدا له مألوفاً ومريحاً.

ويحتاج الإنسان، بين حين وآخر، إلى أن يهدأ، وأن يترك نفسه قليلاً لموج الأقدار حتى يرسو على شاطئ لتكون الرؤية أكثر وضوحاً. فالسابح عكس التيار هالك، وليس كل من استسلم له ناجياً؛ وإنما النجاة في أن يعرف المرء متى يقاوم، ومتى ينتظر، ومتى وكيف يصبر.

فإذا هدأت عاصفة النفس، وطابت السريرة، واتضحت الرؤية، واستقام الفكر، وأصبح الإنسان أقدر على معرفة المنطقة التي ينبغي أن يغادرها، والراحة التي يرجوها من هذا الرحيل.

ولعل أعظم خطوة بالمغادرة الصادقة أن ينظر الإنسان تحت قدميه، في هدوءٍ وصبر، بعد وضوءٍ وسجود.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق