الخميس، 2 ديسمبر 2021

وطن ينتحر: ليس كل منتحر يخلد في النا

وطن ينتحر: ليس كل منتحر يخلد في النار



الدكتور عطية عدلان


أتعجبون من أن يقال في كل يوم: هذا شاب قد انتحر؟! لَكَأَنَّ كُلَّ ذرة في تراب مصر تنتحر! كيف لا؟ ومصر نفسها قد فقدت ذاتها، وأضاعت هُويتها، ولم تعد لأهلها حضنا دافئا ولا مستقرا آمناً، ولم يعد فيها لمن يقطنها طمأنينة ولا سكن! نيلها من منابعه اختنقق، وزرعها من الظمأ ومن خطايا أولى الأمر احترق، سماؤها دخان وغبار وأخبار عن الحاضر والمستقبل تطوف في الآفاق تطواف الغربان، وأرضها من الضجر والضيق ما عادت تطيق، تكاد تلقي من يدب على ظهرها من البشر في عرض البحر أو في متسع الفلوات؛ فإذا رأيت الشباب ينتحرون فلا تتعجل بالحكم عليهم بسوء المصير؛ فإنّهم لم يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة إلا وقد أحدقت بهم المهالك من كل جانب، وأخذت عليهم كل سبيل.

    ولست هنا في موقف التبرير، وإنّما في مقام البيان التفسير، فلا ريب أنّ قَتْلَ الإنسانِ لنفسه خطيئةٌ كبيرة وجريمة خطيرة؛ لأنّ هذه النفس التي أزهقها لا يملكها أصلا، ولا سلطان له عليها؛ فلا سبيل له إلى التصرف في شأنها بما يخالف المنهاج الذي وضعه خالقها وباريها، ولأنّ فِعْل القتل في ذاته – ولو لم يكن متعديا إلى الغير – جريمة بشَّعتها الشريعة، وحذر منها الوحي المعظم، ولأنّ النفس الإنسانية مصونة في أصل الفطرة وفي حكم الشريعة، إضافة إلى كون المنتحر دَلَّلَ بانتحاره على سلبيته وضعف إيمانه وهشاشة عقيدته وانقطاع حبل رجائه عن لله تعالى، فقتل النفس جريمة لا ريب في ذلك، إلى حدّ أنّه “لا خلاف بين الفقهاء في أنه إذا لم يمت من حاول الانتحار عوقب -تعزيراً- على محاولته الانتحار، لأنه أقدم على قتل النفس الذي يعتبر من الكبائر”([1]).

ليس كل منتحر يموت كافراً

   غير أنّني لا أحبذ المبالغة في الترهيب إلى الحدّ الذي يزيف الحقائق ويغير الأحكام، فليس كل منتحر يموت كافرا، وليس كل منتحر يخلد في النار، وإنّما يخلد في النار لكفره من تلبس أثناء انتحاره باعتقاد فاسد أو بما يخرج من الملة، كالسخط على قضاء الله، أمّا من غلبته نفسه، واستولى عليه اليأس من الحياة، أو الجزع مما توالى عليه من المصائب، أو الهرب من مواجهة فاجعة أو فضيحة، أو ما شابه ذلك؛ فإنّه مرتكب لكبيرة من أغلظ الكبائر، وهو من أهل القبلة، ويصلَّى عليه عند الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، ويُدفن في مقابر المسلمين، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك الصلاة عليه فإنما وقع ذلك منه على هيئة الزجر لمن تسول له نفسه أن يصنع مثل صنيعه؛ لذلك أمر الناس أن يصلوا عليه، وقد خَرَّج مسلم حديث جابر وبَوَّبَ له بقوله: (باب: الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر) وساق الحديث: عن جابر قال: “… فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة، فمرض، فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: ما لي أراك مغطيا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ولِيَدَيْهِ فاغفر»([2]وعلق النووي في شرحه للحديث قائلاً: “من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار بل هو في حكم المشيئة”([3]).

أبناء الوطن

    فهؤلاء أبناءَ وطننا الذين اختاروا لأنفسهم ألا يكملوا (المشوار) وفضلوا على العيش الموتَ والانتحار، هؤلاء في مشيئة الواحد القهار العزيز الغفار، ولا نظن بهم أنّهم أفضوا إلى ربهم قانطين من رحمته؛ لذلك نترحم عليهم مثلما نترحم على موتانا، وبدلا من الخوض في الغيب بلا علم ولا هدى ننظر في الأسباب والدوافع؛ ونتخذ من الحوادث منصات للانطلاق إلى التغيير المنشود، فهؤلاء لم يهدروا حياتهم عبثاً، ولم يتلفوا أنفسهم لعبا ولهوا، إنّهم لم يقدموا على هذا الخطب الذي لا يوجد تحت قبة السماء ما هو أفدح منه إلا لأنّ طريق حياتهم أفضى بهم إلى نفق مسدود، وفي هذا الطريق يمضي الجيل الحرّ كله، غير أنّ الفرق فقط في مقدار صبر الإنسان وقوة احتماله، وفي هذا يتفاوت الخلق تفاوتاً عظيماً، لذلك إن قلت إنّ هؤلاء الذين قتلوا أنفسهم لم تكن أيديهم التي باشرت الجريمة سوى الزناد الذي ضغطت عليه أصابع النظام .. إن قلت ذلك لم تكن راكبا متن الشطط.

    إنّ الشيء الوحيد الذي يدفع للانتحار هو أن يستولي على المرء شعور بأنّ الموت خير من الحياة، وهذا الشعور لا يتأتى للإنسان إلا بانسداد الآفاق كافّة، وضياع الآمال جملة، وخراب الحاضر والمستقبل جميعاً، وهذا هو الواقع في مصر تحت ظل الحكم العسكريّ الفاشي الفاشل، الحكم الذي يكفر بالحرية كفر سادات قريش بالقرآن، ويعادي المواطن الكريم الذي لا يحسن النفاق معادة اليهود لعباد الرحمن، ويجتهد في سرقة أقوات الناس ولا يألو، ويكاد من نهمه أن يبيع لهم الهواء الذي يتنفسونه، وأن يصادر عليهم حق النوم بالليل والسعي بالنهار.

ماذا يفعل؟

    ماذا يفعل طالب الجامعة بشهادة التخرج إذا كان سيخرج بعدها إلى البطالة والفراغ؟! وماذا عساه يصنع بما تعلمه إذا كان في النهاية سيعمل على (التوكتك أو عربة الخضار)؟! وما جدوى السعي بالليل والنهار والعشي والأسحار إذا كان الفقر له رفيقاً والدين له صديقاً؟! وكيف نفهم الإصرار على دفع فقر لا يندفع والخلاص من ديون لا خلاص منها ولا مناص؟! كلها دوائر من الهم والغم تحيط بالجيل كله؛ فلو قلنا إنّ مصر صارت سجنا لشعبها تضيق جدرانه كل يوم عليهم حتى ليكاد السقف يخر فوق رؤوسهم لما كنَّا مبالغين ولا مجانبين للاعتدال.   

    لكن دعنا من ذلك كله؛ وحدثنا عن أثر هذا الفعل على الحياة والأحياء، فو الله لو علم المواطن الذي هانت عليه نفسه فقتلها ليتخَلَّص من همومه أنّه بذلك يُخَلِّصُ عدوه لا نفسه لما أقدم على فعلته ولا دَنا منها، إنّه في الواقع خَلَّص عدوه وعدو وطنه ودينه وقومه، خلصه من نفس لو عاشت لكانت حربا عليه، ومن نسمة لو كُتب لها عُمْر أطْوَلَ لأخذت من أعمار الظالمين وأقدارهم، ومن إنسان لو ظل يدب على الأرض لكان وقع قدميه هاجساً يصول ويجول في قلوب الطغاة، لذلك فإنّ القرار السديد لمن وصلت به الحياة إلى طريق مسدود أن يتشبث بالبقاء، وأن يقاوم الفناء؛ لتحيا الأمة بحياته ولا تموت بموته، يتشبث بالحياة ولو كانت مُرَّةً حتى لا يذوق عدوه وعدو وطنه الشَّهْدَ بموته وفَوْته، يتشبث بالعيش ولو كان صعبا حتى لا يَسْهُلَ على عدوه وعدو وطنه أن يحمل على الجيل كله ليسلك ذات المسلك الانهزامي التراجعيّ الذي سلكه بانتحاره، فوالله لا يبالي المجرمون بأن يموت نصف الشعب، ولولا أنّ وجود شعب يهبهم ميزة الحكم وخاصية السلطة لأحبوا موته كله وتمنوا فناءه عن آخره.

    إنّنا بقتلنا لأنفسنا نقتل الأمل في قلوب النشء، ونبعث النشوة في قلوب الطغاة البغاة، ونكرس للسلوك السلبي الانهزاميّ، ونخلق صورة تراجيدية مأساوية للنرجسية، صورة غارقة في سحب من السراب الخادع، فليس على مثل هذا تبنى الأمم وتحيا الشعوب وتنجح الثورات وتشيد الحضارات، إنّما يصنع ذلك كله التحرك الإيجابيّ الواعي، مع التسلح بالإيمان والعقيدة، والله تعالى لا يخذل عباده إذا هم أخذوا بالأسباب وتوكلوا عليه (ومن يتوكل على الله فهو حسبه؛ إنّ الله بالغ أمره، سيجعل الله بعد عسر يسرا).    


([1]) الموسوعة الفقهية الكويتية (6/ 292)

([2]) صحيح مسلم (1/ 108)

([3]) شرح النووي على مسلم (2/ 132)

قبل أن تضيع الفرصة رسالة إلى علماء الأمة ودعاتها


قبل أن تضيع الفرصة
رسالة إلى علماء الأمة ودعاتها

محمد جلال القصاص


إخواني وشيوخي الكرام !

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد : ــــ
 
عجلة الأحداث تدور سريعا وتجرنا ــ نحن الإسلاميين ـــ  ورائها ،  فإلى اليوم نقف موقف المشاهد  للحدث نحكيه ، وفي أحسن الأحوال نحلله  .

إن فريقا منا أصبحت الغاية عندهم معرفة الأخبار  . دون التحرك إيجابيا نحو  حلٍّ عملي لوقف نزيف الدم الذي يسيل من العروق ومن الفروج .
وفريقا آخر  جلس هادئا مستريحا يحلل الحدث ... يبحث عن دوافعه وأهدافه ، ليصبغها مقالا  أو كتابا ... ربما ليقتات منه رزقا .
وتضج الأصوات على المنابر  تحكي  عن غدر  يهود وجبنهم وخيانتهم للعهود ، وعن حرية أمريكا الكاذبة ، وحقوق الإنسان التي جعلته كالحيوان . . . ، وكله خير  ، إلا أنه دون ما نريد .
 
وعلى مستوى العلماء والدعاة وطلبة العلم  ،  لا زلنا وراء الأحداث ، نتحرك بحركتها ، نبحث في شرعيتها  ، ونرد على من خالف رأينا من إخواننا  ، نكشف شيئا من خطط أعدائنا  . وهو خير إلا أنه دون ما نريد .
 
شيوخي الكرام  !
 
هناك من يفعل ويتركنا نكتب ، ولا ينبغي أن يظل الأمر هكذا ، فلابد من اتخاذ الخطوات اللازمة للأخذ بزمام الأحداث . وفي رسالتي هذه أعرض بعض الأمور  التي تؤرقني  على الساحة الإسلامية . وأتبعها ببعض المقترحات . والله أسأل أن يبارك لي في كلماتي هذه ،  وأن تجد أذنا تسمع .
 
في العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي ، فيما عرف تاريخيا بفترة الثورات ، كانت الأمة تعيش حالة من الغليان على الغرب كله ، وكانت جماهير الأمة تنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية وإعادة الخلافة الإسلامية ، وطرد اليهود من بيت المقدس وفلسطين ، ثم انتهت هذه الحقبة بالعلمانية ــ فصل الدين عن الحياة ــ  كمنهج حياة ، وبالعلمانيين في سدة الحكم الذين أضاعوا الثورات ، ومزقوا الأمة  ، ومهدوا لمجيء المحتل ثانية .ولم تستطع الصحوة الإسلامية يومها قيادة الأمة الإسلامية ،  وخسرت معركتها مع العلمانية المدعومة من الغرب . وكتبرير لما حدث  قيل  أن الصحوة لم تنضج بعد .
وبعد أكثر من ستين عاما  عادت  الفرصة مرة ثانية .  
فهاهي القومية العربية تسقط جماهيريا ، بعد أن فشلت في تحقيق أي من أهدافها ، وأتت أمريكا تجر الغرب الصليبي الضال والشرق الوثني الملحد ــ يحركهم جميعا اليهود ـــ  وتتدرع بعملائها من بني جلدتنا للقضاء على  ( الإرهاب )  وتجفيف منابعه ، ووضِع العمل الإسلامي  بكل حركاته ومؤسساته ورموزه  هدفا  للقضاء عليه ، وباتت كل الخطط مكشوفة ، وأصبحنا في موطن الدفاع غاية ما يرجوه أغلبنا هو السلامة والخروج بالكفاف لا له ولا عليه ،  فماذا أنتم فاعلون ؟!
  
            وأمريكا اليوم تتكلم عن البديل ( الإسلامي )  ، بعد أن قسمت الإسلام إلى إسلام  سياسي ، وإسلام سلفي ، وإسلام جهادي ( متشدد )  ، وهي تغازل من تصفهم بالتيارات المعتدلة للتحاور معهم كي يكونوا بدلاء أو شركاء في  التغيرات القادمة . أو أنهم أخبث من هذا ويرمون إلى تشتيت  صف  الحركة الإسلامية بين مؤيد لهم ومعارض ، وينشأ تصادم داخلي ( إسلامي  إسلامي ) حين يتولى المؤيدون الرد على المعارضين ، وندخل في دوامة جديدة تستقطب جهدنا ، وتشتت شملنا .
وقبل أن يحدث أي شيء  على الأرض اشرأبت بعض الرؤوس تريد أن تحظى بعطية أمريكا وتشارك في السياسة مُدعية أنه ظرف تاريخي قد لا يتكرر ، وأنها فرصة سانحة (  للتخلص من هذه الأنظمة التي أذاقتهم كل صنوف التعذيب والقتل خارج  دائرة القانون )  . وأنه ( لابد من الفصل بين ( الدروشة ) و السياسة ) .
أو أن الكفر  يستثير الأنظمة العلمانية لتقدم مزيدا من التنازلات ، وكثيرا من التعاون في حرب ( الإرهاب ) . وكله شر  .  فماذا انتم فاعلون ؟
  
ومع كثرة الدماء التي تسيل من فروج نساء الأمة ومن شرايين رجالها  ، ومع انتشار البطالة وزيادة معدلات الفقر  , ومع كثرة المُفتين  ، ومع قلة الفقهاء الراسخين ، وكثرة الخطباء الحماسيين ، بدأت طائفة من أحداث الأسنان ..  تتحرك من تلقاء نفسها لنصرة الدين  ، وفي حادث تفجير المدرسة البريطانية في قطر  ، وتفجيرات طابا ، وتفجير الأزهر  بالقاهرة وما تلاه من أحداث ،  دليل على قولي ، فيجمعها جميعا أنها حوادث فردية أو شبه فردية من أناس لا علاقة لهم بالعمل الإسلامي المنظم . ودوافعها جميعا  ما يحدث للمسلمين في العراق وفلسطين ، وهذه الأحداث قابلة للتكرار   ، ويمكن أن  تصبح ظاهرة  ، وهي حالة صحية  تحتاج من يرشدها ويستثمرها ، لا من يفسِّقُها ويُبدعها  فيدفعها للشطط والغلو  وأخذ موقف معادي من علماء الأمة ورموزها ، ويعطي مسوغا للأنظمة العلمانية المجرمة لمزيد من البطش بأبناء الصحوة الإسلامية . فما ذا أنتم فاعلون ؟
  
وأفرزت الحملة الصليبية الجديدة  ـ العولمة [1]ـــ في بعدها الفكري توجها جديدا داخل التيار الإسلامي ، يدَّعي الليبرالية ( الإسلامية )  ، ويدعو إلى إزالة العقبات من أجل التقدم  الحضاري والرقي المادي
ويعتبر  ــ أهل هذا التيار أن  ( الإصلاح  والتجديد هو المدخل المناسب للتقدم والقوة والمنعة ، وأن الإصلاح الديني يقع في مقدمة أوليات الإصلاح )[2] ثم هم  تحت دعوى التجديد هذه تسللوا إلى الفقه الإسلامي من باب  المقاصد  لإعادة صياغته [3] .
 
ولو سلمت النفوس من أهوائها لعلمت أن الإشكال ليس في الشرع وإنما فيمن يحملون الشرع . وكل هؤلاء الليبراليين يحاولون أخذ  زمام الأمة والسير بها خلف الغرب ، وإن ألبسها  البعض حلة الدين .
وهذا شر ـــ في جملته ـــ  يحتاج من يتصدى له ، فما ذا أنتم فاعلون ؟
 
ـــ  وهناك أمر   أكثر أهمية مما مضى من وجهة نظري ، وهو يتعلق بما يحدث في العراق وفلسطين وفي باقي المواطن التي تُرفع فيها للجهاد راية . ولي بخصوص هؤلاء عدّة ملاحظات   :
 
ـــ  الأولى :   تتعلق بأهل الجهاد أنفسهم ، وهو أن مرجعيتهم  في تحديد الأهداف والوسائل ذاتية ، والشأن أن يكون أهل الجهاد تبع للعلماء الربانيين الراسخين في العلم  الناصحين للأمة  . وأن إمارتهم  إمارة سرايا  لا إمارة حل وعقد . وأنهم ليسوا أهلا  للفتوى  ، فلا بد ـــ من وجهة نظري ـــ من توجيه الرسائل إلي أعيانهم  ، ومناصحتهم ، والاتصال  بهم ، كي يثمر الحوار  , أعرف أن هناك رسائل ومناصحات . ولكنها تأخذ شكل العموم الذي قد يُصغى إليه وقد لا يصغى إليه ، وما أنادي به هو الحوار المباشر  .  .  .  أشبه ما يكون بالمناظرة . 
 
أيها الكرام !
 
من بديهيات العقل أنه لابد للحق من قوة تحميه  . . . لا بد من أهل الجهاد كي يقوم سلطان الرحمن ويندحر سلطان الشيطان , ولا أحسب أن عاقلا ــ  فضلا عن عالم ـــ  يخالف في هذا .  ثم هم قاموا ولن يتراجعوا . ولهم مدد من بين أجيال الصاعدة . فلكل قوم وريث . فلا مناص إذا من الاتصال بهم ومناصحتهم شفويا وجها لوجه . وهذا الأمر يحتاج من يتجشم الصعاب ، وموضوع الحوار معهم  يتبين من الملاحظات التالية  .
 
أولاً : يَغضُ كلُ من يتابع ما يحدث في العراق  الطرفَ  عن ظاهرة تعدد فرق المجاهدين [4] أو (  المقاومة ) ولم أرَ  أحدا  حاول قراءتها على غرار  التجربة الأفغانية ، رغم التشابه الكبير بين التجربتين ، فالجهاد من أجل تحرير العراق ـــ الأرض ـــ  وهذا من شأنه أن يعيد القضية ثانية أدبارها  إلى قضية وطنية ، و إن أخذت مَسحة دينية .وبين الصفوف وطنيون ، وليس بعيدا أن يدخل بين الصفوف  حين تبدوا  بشائر النصر  بعض المنافقين ويتكرر ما حدث في الجزائر  من قبل .   . لذا نريد حوارا يدعوا إلى وحدة الصف  وتنقيته . فهل تفعلون ؟
 
ثانيا :  نظر حكيم [5] للتاريخ , فوجد أن من قاتلهم السلف الصالح ...  رضوان الله عليهم  من الصحابة والتابعين وتابعيهم  أسلموا ودخل الإسلام بلادهم  وصاروا جنداً من جنود الإسلام , ومن قاتلهم الخلف ـ الذين تخلو عن هدي السلف ـ  لم يسلموا بل عاندوا واستكبروا وملئت قلوبهم حقداً وغِلاً على الإسلام والمسلمين . فقد رأوا مقاتلين  ولم يجدوا دعاة . وهذا هو الحال اليوم قتال أكثر منه جهاد ــ لا أشكك في النوايا وإنما أصف الفعال ـــ فحرق وتمثيل ، وثأر للأشخاص ، وشعارات جاهلية تبرز من حين لآخر , مما يضيع به غاية الجهاد . ونحتاج منكم أيها الكرام أن تبينوا لهؤلاء أنهم دعاة قبل أن يكونوا مقاتلين . . . أعرف جيدا ما يطرح من نصائح وما أطالب به غير ذلك . . . حوار مباشر  كما أسلفت . 
 
ثالثا  :  اتصال العلماء المباشر بالمجاهدين ، وقيادتهم لصفوفهم فيه حماية للمجاهدين  من أنفسهم ، إذ أنه لو استمر الحال على ما هو عليه اليوم ربما تكرر ما حدث في أفغانستان من قبل كما أسلفت  ،  وحماية للأمة وعلمائها من المجاهدين ، فما ذا لو انتصروا  وهم قد صنفوا كثيرا من علماء الأمة ودعاتها ضمن ( مََن خالفهم  أو مَن خذلهم )  ؟ .
 
رابعا : نريد من طلبة العلم ( تغطية ) الأحداث ، وأن لا يتركوا الأمر للصحافيين و ( المفكرين ) ، فهؤلاء غير هؤلاء . الصحفيون يتكلمون عن فلسطين الأرض والعراق الأرض ، وأمريكا  ( البلد ) ،  ويتكلمون عن (  المقاومة الوطنية الشريفة ) ، وجُلهم بادي الرأي يبحث عن سبقٍ صحفي  .
ومنطق طلبة العلم  أنه جهاد  يستهدف الكفر  أيا كان جنسه أو لغته أو موطنه ، وأن الغزاة مشركون لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وإن كان المال أحد أهدافهم ، وأن للنصر أسباب أخرى غير التي يدندن بها العلمانيون  . . . نعم هؤلاء غير هؤلاء في الأهداف والمنطلقات  . وهم ـــ أي طلبة العلم  ـــ تبعا لكم أيها العلماء . فهل توجهونهم لتغطية الأحداث ؟  

وحتى لا أطيل عليكم أعرض بعض الأمور  كحل للخروج من هذه الأزمة :
 
ـــــ  قبل أي شيء لم شمل علماء الأمة ، وليس العدد من الأهمية بمكان ,  ففي كل مواطن الفتن عبر التاريخ ، نجد أن من يثبتون قلة يعدون على أصابع اليد الواحدة . ويصور لي الخيال الأيام كأنها أرض والرجال فيها نبت طيب ونبت خبيث ، وفي أيام الإمام  أحمد مثلا . . . أجد  أن أرض العراق بها شجرة أو اثنتين ، وكذا الشام ومصر  والجزيرة العربية ، والباقي عشب أخضر طيب الرائحة نضر ، بيد أنه ضعيف الساق ، لا تَحْمِلُ عليه متاعا ولا تجد له ظلا  تفيء إليه .  
ثم إن فكرة تجميع أكبر قدر ممكن مع التنازل عن بعض الضروريات تحتاج إلى مراجعة  على ضوء قوله تعالى  " لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا  " .
 
ـــ كان جمال الدين الأفغاني عجولا  يريد أن ينقلب على أبناء جيله في يوم وليلة ، وأن يعتنق الناس أفكاره بخطبة أو خطبتين ،  فجلس إليه تلميذه المخلص محمد عبده ـــ  وكلاهما إلي بغيض  ــــ وقال له : عَلِّم عشرة وكل واحد من هؤلاء العشرة يعلم عشرة فيكون عندك في ثلاثين أو أربعين عاما مائة من القيادات التي تستطيع  الأخذ بزمام الأمة حيث تريد[6] . وهو ما كان ، فإن رحت  تعدد من اشتركوا في تغريب الأمة والسير بها على درب الكافرين وهي تحسب أنها مهتدية وجدتهم قلة . وهو ما أنادي به اليوم .
ثم إن الاهتمام بخاصة الطلبة له بُعد آخر ، وهو حفظ التراث العلمي للشيخ ، فما ضيع الليث بن سعد إلا إهمال طلبته ، ولم يترك أبو حنيفة كتبا وإنما ترك أبرارا عرفوا فضل أستاذهم فدونوا  ودرَّسوا .
فمن أراد أن تكون له صدقة جارية  ، وأن يترك أثرا  فليجب طلبي .
ثم إنه لا بد من الأخذ بيد الأمة ــ أعني عامة الناس ــــ  وإشراكهم في الحلول .
أي يكون الخطاب ذو شقين شق تربوي للخاصة ، وآخر يخاطب به العامة .ولعل النقاط التالية تزيد الأمر بيانا .
 
ــــ زمام الأمة ليس بيد علمائها . وهناك من تنصت إليه الجماهير  من غير العلماء ، بل إن الجماهير تشارك في صناعة القرار  ،وما أراه هو أن نتوجه  بخطاب إلى عامة الناس يبين حق العلماء في قيادة الأمة أو بكلمات أوضح : لَمِّ العامة على الأئمة الربانيين . وإسناد الأمر إلى أهله .
 
ــ (الكثرة الغالبة من المجادلين لا تجادل بحثاً عن الحقيقة . ولا رغبةً في المعرفة ، وإنما فقط لإثارة الشبهات ومحاولة الفتنة . والرد الحقيقي عليهم ليس هو الدخول معهم في معركة جدلية ولو أفحمهم الرد في لحظتهم !
  إنما الرد الحقيقي يكون بإخراج نماذج من المسلمين تربت على حقيقة الإسلام فأصبحت نموذجاً تطبيقياً واقعياً لهذه الحقيقة ، يراه الناس فيحبونه ويسعون إلى الإكثار منه وتوسيع رقعته في واقع الحياة . هذا هو الذي  ( ينفع الناس فيمكث في الأرض ) [7]  أطالب بالاستقلال في الخطاب وعدم السير وراء ردود الأفعال .  .   .  . عدم الانشغال بالآخر  كثيرا ، وإنما خط طريق جديد في الطرح  ، ويكون بيان فساد آراء المخالف  ضمن بيان الحق .
 

محمد جلال القصاص
صباح الاثنين 15‏/04‏/1426
الموافق  ‏23‏/05‏/2005

 

--------------------------------------
[1] هكذا أرى أن العولمة بأبعادها الثلاث ــــ الفكرية  والعسكرية والاقتصادية ــــ  هي المسمى الحقيقي للحملة الصليبية ،وقد شرحت هذا في تقريري عن المقاومة الإسلامية في العراق المنشور في موقع المسلم بعنوان " المقاومة الإسلامية في العراق من يحصد ثمارها ؟
[2] محمد أبو رمان ــ من مقال ( محمد عبده وعوده لمشروع الإصلاح الديني ) . موقع الإسلام اليوم . قلتُ :  الهوى هو السبب في الانحراف عن الجادة بإفراط أو تفريط , و النصوص بريئة من ذلك . و يقيني بأن الانهزامية والانبهار بالآخر  وثقل الواقع في حس الليبراليين ــ كل الليبراليين إسلاميين وعلمانيين ـــ  هما اللذان أوجد  الرغبة عند هؤلاء في تحسين الصورة أمام الغرب الكافر  ، والتشبه به واقتفاء أثره عند بعضهم . وهما ــ الانهزامية والهوى ــ السبب  في إلقاء هؤلاء تبعية التخلف الذي وصلت إليه الأمة في عصورها الأخيرة على الشريعة الإسلامية لا على  الإنسان المعاصر الذي أقعده الإرجاء عن حمل الرسالة الصحيحة كما حملها الجيل الأول رضوان الله عليهم . وهذا أمر بين الفساد  ، إذ أن الفكرة هي التي تصوغ الواقع ، لا أن الواقع هو الذي يصوغ الفكرة . وهذا أمر بديهي لو تدبروا ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور . ثم الجهل المطبق هو الذي جعل هؤلاء يتناسون أن الرسالة التي نحملها هي تعبيد الناس لله وليس النهوض بمستوياتهم المعيشية . وإن كانت الثانية ــــ  النهوض المادي ــ  إحدى نتائج  الاستقامة على شرع الله .
[3] ومن يتدبر يعرف أن الأحكام الشرعية سابقة على المقاصد . فمن الأحكام تستنبط المقاصد . لا العكس كما يريدون اليوم . راجع إن شئت مقال ( المقاصديون الجدد )  لسعد مقيل العنزي . المحايد العدد : 132
[4] قرات في موقع المفكرة ــ وهي أقرب المواقع لهم ـــ أن هناك  23 مجموعة ضمن المقامة . وكذا الحال في فلسطين .
[5] هو الشيخ الدكتور سفر الحوالي في " مقدمة في التطور الفكري والحداثة "
[6] أكتب من حفظي والمقصود هو المعنى .
[7] . محمد قطب مقدمة شبهات حول الإسلام بتصرف يسير 

نظرة على المشهد المصري

 

نظرة على المشهد المصري

محمد جلال القصاص
 @mgelkassas

بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

نظرة على المشهد المصري


من أجل تقديم رؤية واضحة للمشهد في مصر، كيف تكون وإلى أين يصير؟ علينا أن نحدد الفاعلين (اللاعبين) في المشهد المصري، وإمكانات كل فاعل وأهدافه التي يسعى لتحقيقها، ومن خلال المقارنة نستطيع أن نتوقع من يستطيع تحقيق نسبة أعلى من أهدافه، وبالتالي نستطيع تصور المشهد إلى أين يتحرك.
ويمكن تقسيم الفاعلين في المشهد المصري إلى ثلاث دوائر أساسية: دائرة داخلية (الداخل المصري)، ودائرة إقليمية(المحيط العربي)، ودائرة دولية (الفاعل الدولي).

المحيط الداخلي:

في المحيط الداخلي عدد من الفاعلين الرئيسيين:

1. المؤسسة العسكرية (جيش، شرطة، مخابرات..)، وهؤلاء:

 صندوق مغلق بالنسبة لغيرهم، فما يتعلق بالمؤسسة العسكرية على مستوى السياسات أو على المستوى التنفيذي لا يطرح ضمن النقاشات المدنية النخبوية، بمعنى أن المؤسسة العسكرية بجميع تجلياتها صندوق مغلق بالنسبة للنخبة ومنطقة محرمة، ومستقلة تمامًا عن الشعب.
 مسيطرون بأشخاصهم على مؤسسات الدولة بجميع تفاصيلها، إذ أن نسبة العسكر في الأجهزة الإدارية (حسب تقارير خارجيةمحايدة[1]) تتجاوز 85%، وهذا التغلغل في مؤسسات الدولة المدنية موجود من قديم.
فضلًا عن ذلك فإن العسكر يتحكمون في مؤسسات أخرى سيادية مثل القضاء والإعلام، والمؤسسة الاقتصادية. ولهم حضور شعبي بفعل الخطاب الإعلامي الموجه.
 لهم سياق مستقل يتطور منذ سقوط مبارك في 11فبراير2011، ويتجه للسيطرة التامة على كل شيء، ويمارسون تصفية للخصوم، ويتحركون بقوة لتطبيق النموذج الجزائري، بمعنى فرض قبضة أمنية قاسية وفزاعة من الحرب الأهلية تجلس العوام عن مساندة المعارضين لهم. ومما يذكر أن الجزائر كانت أول دولة زارها قائد الانقلاب العسكري.
 ينتهجون سياسات تعمل على إضعاف المجتمع المصري، وتوريطه من أجل الرضا بهم وعدم القدرة على التحرك ضدهم، فارتفاع أسعار الكهرباء والوقود والسلع الأساسية وتخفيض الرواتب مع زيادة رواتب القضاة والعسكر، وطرح أراضي للبيع في الصحراء (المدن الجديدة) حيث لا يرجى تعميرها في القريب، وتعديل القوانين لتمكين كبار المستثمرين دون أن يستثمروا بالفعل كل هذا من شأنه أن يضعف المجتمع ويقهره. فضلًا عن سياسات الاعتقال والبطش الممنهج والذي يستهدف إلى توزيع الخوف على الشعب. فضلًا عن أنهم يقدمون تفسيرات للمشاكل تتكئ في الجملة على الشعب، فالفقر سببه زيادة عدد السكان المفرطة، ونقص الماء سببه طرق الري (ولا دخل للفلاح فيها)، وعدم ترشيد الاستهلاك، وهكذا...

2. القوى الديمقراطية:

تلك التي ثارت ضد استبداد مبارك، وفجرت ثورة يناير 2011 مطالبة الحرية والكرامة الاجتماعية، هذه القوى انشغلت بالنزاع على السلطة، ولم تتجه لترسيخ مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية، واستغل العسكر اختلافهم وتحالف مع بعضهم، واستخدمه ضد البعض الآخر حتى أحدث انقلاب 3يوليو 2013. هؤلاء تورط بعضهم مع العسكر، وبعضهم بدأ يتراجع عن دعمه للعسكر، وبعضهم اصطدم مع العسكر واعتقل بالفعل (أفراد من 6 إبريل). إلا أنهم عمليًا اختفوا من المشهد.. أكلهم العسكر.

3. الإخوان المسلمين:

 رؤية الإخوان كفاعل في المشهد السياسي المصري يجب أن يتم على عدة مستويات من التحليل:
أ- مستوى الفعل الثوري، ومحطاته الرئيسية.
 دخلت الجماعة في مسار لم تكن مستعدة له بدايةً، فليست جماعة ثورية، ولا تمتلك برامج وفاعلين يحولون الشعارات التي تُرفع في حال المعارضة إلى برامج فاعلة على الأرض.
 ولم يظهر منها رشد في التحالفات السياسية التي عقدت في فترة تصدرها للمشهد السياسي، إذ قد وثقت في العسكر، وخاصمت الكتل المشاركة في الثورة أو نافستهم على السلطة، ولم تتبن صيغة توحد الإسلاميين حولها، وجل أطروحاتها قامت على مركزية الجماعة في الفعل، وعلى ضبط مسألة السلطة بدايةً لا ترسيخ قواعد الحرية والعدالة الاجتماعية.
ب‌- مستوى التفاعل مع رفقاء المعارضة:
ويشمل ذلك تفاعل الإخوان مع القوى العلمانية التي أظهرت رفضًا للعسكر، وهم قلة نخبوية، ولازالت أطروحاتهم سلطوية (تتعلق بالسلطة)، وهؤلاء بلا رصيد شعبي ويتخذون من فشل تجربة الإخوان ورفضهم إقليميًا ودوليًا دليلًا على أحقيتهم بالسلطة وترأس الكيانات المعارضة، وتحركات الإخوان نحوهم إيجابية حذرة، ولكنها لم تثمر إلى الآن شيئًا ملموسًا.

وكذا تفاعل الإخوان مع القوى الإسلامية التي ساندتهم بوضوح في أزمتهم منذ ظهرت المعارضة لهم وهم في الحكم، ثم حال الانقلاب عليهم، وهؤلاء بين من تفلت كالجماعة الإسلامية وحزب الوسط وحزب الوطن (السلفي)، وبين من يشد يده بيد الإخوان يومًا بعد يوم، وهم الجزء الأكبر من السلفيين، ويمتازون بأنهم في حالة سيولة حركية (لا يخضعون لتنظيمات كما الإخوان وحزب النور) ولذا يتحركون بسهولة. فالسلفيون مقسمون بين مؤيد للانقلاب يقف معه كلية وهؤلاء يمثلهم حزب النور وما يعرف بالسلفية الجامية، وهم الآن في حالة تناقص، وبين معارض للانقلاب (وهم الجزء الأكبر من السلفيين) يتخذ مواقف مؤيدة أو مزايدة على الإخوان، وبين من راح يبحث عن مكان في منطقة هادئة توصف بأنها معارضة للنظام القائم، وهؤلاء أفراد. ويصعب الحديث عن السلفيين كفاعل مستقل في الساحة، فهم موزعون كداعمين للفاعلين الرئيسيين في المشهد السياسي، وكتلتهم الحرجة مع الإخوان.

مستوى تطوير الجماعة:

مستوى الحفاظ على الجماعة وتطويرها في ذات الوقت لتواكب التحديات القائمة، سواء التحديات النابعة من الداخل، وخاصة الشباب المندفعون نحن مزيدٍ من الفعل الثوري، والرغبة في إزاحة القمع الذي يقع جله عليهم في السجون والمطاردات، أو التحديات القادمة من الانقلاب والموالين له والمتمثلة في الاعتقال ومصادرة الأموال، ونقص عدد الكوادر بفعل الاعتقال والقتل. وسؤال: التطوير يدور حول نسبة الفعل الثوري؟، ويظهر بوضوح أن الجماعة تتأرجح في خانة السلمية، ولن تتخل عن طابعها الإصلاحي لصالح الثورية على الأقل في المدى القريب، إلا أن حضور الخطاب "الجهادي" في الساحة يمثل تحديًا للجماعة ويجذبها نحو شيءٍ من الثورية. فلن يشكل الإخوان قاعدة للفعل المسلح في المشهد المصري وإنما رديف داعم له في الحشد ضد النظم القائمة، وفي بعض الأفراد الذين ينفرون من الإصلاح للثورية المسلحة.

حضر أحدهما ولم يحضر الآخر:

المحللون على أن الضغط على الجماعات الإصلاحية يولد اتجاهين: الأول يتشدد ويقاتل دفاعًا عن نفسه، والثاني يتراجع ويميل إلى عدوه، ولم يظهر من جماعة الإخوان من ينادي بالتقارب مع الانقلاب أو بتحولات أيدلوجية في اتجاه الديمقراطية، الواضح أن خط التصعيد في اتجاه الفعل الثوري، وربما كان ذلك بسبب انتشار الخطاب "الجهادي" ممن خلال وسائل الاتصال التي يشارك فيها الجميع، وربما كان السبب صمود قيادات الجماعة وشبابها.

الجماعات المسلحة:

وهؤلاء في المشهد كفاعل، وأهم ما يتعلق بهم هو:

 التنامي المستمر، سواء في الانتشار الجغرافي فقد بدؤوا في سيناء، وظهرت عملياتهم في القاهرة والبحيرة ومحافظات الصعيد والآن الواحات بالغرب، أو في كثافة الفعل، أو في نوعية العمليات. والواضح أنهم في حالة تطور وصعود.
 يمثلون ضغطًا على الإخوان وحائل دون سلوكهم طريق المراجعة الفكرية في اتجاه مدني.
 خطابهم يتطور، ويتجه نحو قضايا عامة، تتعلق بهموم المواطن العادي وهموم المثقف الإسلامي، وربما يشكلون قاعدة لحرب عصابات ضد الدولة، وخاصة أن ثقافتهم يظهر فيها بوضوح تأثرهم بتجارب "ماو سي تونج"، و ما سبقه من حروب العصابات.

البيئة الإقليمية:

الخليج يعمل كقاطرة للأحداث منذ الربيع العربي، ويدعم عدد من الفاعلين في المشهد المصري، وعلى رأسهم التوجهات الدينية الموالية له (السلفية الوهابية)، والعسكر، والمعادلة الآن بدأت تتحول فليس من مصلحة الخليج معاداة الإخوان وهو يحارب الحوثيين في اليمن، وليس من مصلحته معاداتهم وهو يحارب المعارضين لبشار والجماعات المتطرفة في الشام والعراق (داعش)، وهو يبحث عن حليف قوي في المنطقة ويتجه صوب تركيا، وهو يلملم الشمل الخليجي ويوصل حبال المودة مع قطر، ولذا تباطئ في دعمه للعسكر، وهذا يعني أن على العسكر أن يعتمدوا على أنفسهم، وهو مأزق وخاصة بعد تراجع الاقتصاد المصري وظهور ازمات لدول الخليج.
الفاعل الدولي:
هو الذي يدير المشهد، ويتعامل مع المنطقة العربية ككتلة واحدة، ويتحرك في إطار تخريب المنطقة ليتفرغ للصين وروسيا، وينتقل لهم في الهند وكوريا لتكون المواجهة مع الصين على أراض مجاورة بعيدة عن دول الغرب وخاصة أن المواجهة _إن حصلت_ ستكون نووية. وفي إطار ذلك يتحرك بعجلة في اتجاه القضاء على الصحوة الإسلامية، وإعادة توطين العلمانية في الخليج وإيران ومصر، والتي يغرس بذورها بأدوات الإعلام والابتعاث للغرب. وفي التفاصيل يدعم العسكر، أو يدفعهم لمزيد من التنازل من وقت لآخر، وذلك بتقديم دعم جزئي لمن يعارضون العسكر وخاصة في الخارج.

المشهد غدًا (والعلم عند الله):


بين ثلاثة احتمالات (سيناريوهات):

الأول: أن يطبق النموذج الجزائري، ويتم تحكم العسكر لفترة طويلة بفزاعة الاستقرار وقبضة الأمن القاسية. وهذا بعيد لفشل الحكومة في تسويق فكرة ممارسة الحركات الإسلامية وخاصة الإخوان الإرهاب والقتل.. فالمواطن العادي يرصد فشل النظام القائم في تلبية طلباته، ويحمل النظام المسئولية، والناس يعيشون حالة ثورية في الجملة، ونسبة الوعي عالية لا كما قد كان في التجربة الجزائرية.

الثاني:
 تجميع القوى المعارضة لاستعادة ثورة يناير مرة ثانية، وهذا الفعل راجح، ويلقى دعمًا من الخارج كبديل لفشل العسكر، ورموزه موجودة وبدأت تظهر في المشهد، فمن قريب ظهر البرادعي، ويظهر أيمن نور من وقت لآخر، وظهرت تحالفات في المنفى على خلفية يناير، ولا يلقى هذا الفعل معارضة في الداخل، إلا أن هذا الخيار لا يستطيع التعامل مع العسكر، ويظل بالخارج ينتظر فرصة هبة شعبية كما حدث في يناير. وعمليًا يتم تفعيله في إطار الضغط على العسكر لمزيد من التنازلات.

الثالث:
 استقلال الإسلاميين بالفعل الثوري وحدهم. أو إعطاء المعارضة هوية دينية، وهذا وارد، وخاصة بعد اليأس من الصلح مع النظام الحالي، وبعد تخلي قوى يناير عنهم في محنتهم، وظهور محدودية تأثير غير الإسلاميين من الثوريين على الشارع؛ وإصرار من عاد منهم على تصدر المشهد، وتنامي الفعل المسلح الإقصائي. وظهور تجربة جماهيرية نجحت في الحشد من قبل (الشيخ حازم أبو اسماعيل). ينقص هذه الفكرة أن تطرح بشكل جدي للتفكير، ومن ثم التأطير، وتكوين رؤية وإيجاد أدوات للتنفيذ.
محمد جلال القصاص

[1] نشرها الدكتور الصايغ في كارنيجي)

إلى دعاة الديمقراطية!!

 إلى دعاة الديمقراطية!!
خباب مروان الحمد
باحث في مركز آيات


ليس شرطا أن تكون الديمقراطية، مسك الختام، ونهاية التاريخ، وخاتمة المطاف للإدارة السياسية الحاكمة،

فيمكن البحث عن بديل أفضل وأحسن في تنظيم العدالة والمسؤولية والرشاد في أنظمة الدولة..

في الوقت نفسه نجد جملةٌ من مراجعات لبعض كبار الديمقراطيين، ونقد حقيقي من المعارضين للديمقراطية حتى من الأوساط الغربية،

وليس شرطا عندهم أن من نقد الديمقراطية فهو يؤيد الاستبداد فهذه مغالطة رجل القش كما يقول المناطقة،

بل إن النقد الشديد للديمقراطية عند كثير منهم تجعل الطرف الآخر المؤيد للديمقراطية أن يبحث عن سلبياتها

ويقر بذلك لا أنه كحال كثير من العرب الذين حملوا الفكرة الديمقراطية وكأنها مقدسة عندهم لا تحتمل النقد!!

وهاكم بعض النماذج على ما أتحدث عنه:

1) كان هيجل يعارض الانتخابات المباشرة ويرى أنها لا تفي بالغرض، ويقول: ففي الدول الرأسمالية تتبرجز البروليتاريا أي يتم شراء أصواتها بالمال.

2) يقول آرنولد توينبى: أصبح استخدام اصطلاح الديمقراطية مجرد شعار من الدخان، لإخفاء الصراع الحقيقي بين مبدأي الحرية والمساواة.

3) يعترف جان جاك روسو بأنه لا وجود فعلا للديمقراطية الحقيقية،كما في كتابه بعنوان: الاعترافات!

4) يقول ألكسى دوتوكفيل (أبو الديمقراطية) في كتابه (الديمقراطية في أمريكا) إني أحب بكل شعوري الحرية واحترام القانون و لكني لا أُحب الديمقراطية!!

5) يقول جون إستيوارت مل وهو رأس الليبراليين:

مشكلة الحرية تطرح بإلحاح داخل الدولة الديمقراطية، بقدر ما تزداد الحكومة ديمقراطية بقدر ما ينقص ضمان الحرية الفردية.

6) يقول الليبرالي باسكال سالان، يتضح من خلال ملاحظة بسيطة انه لا وجود فعلا لعلاقة «تلقائية» بين الديمقراطية و الحرية.

7) يقول فرانسيس فوكايوما، إن الأغلبيات الديمقراطية يمكن أن تقرر فعل أشياء فظيعة لأقطار أخرى ويمكن أن تتغول على الحقوق والقيم الإنسانية..

فهذه دعوة لنقرأ الديمقراطية من جديد،

ففي العالم الغربي كتب كثيرة تنتقد النظام الديمقراطي والتي سيظهر منها ملاحظات إضافية كثيرة في الديمقراطية المزعومة.

غير ما كتب عنها في نقدها من رؤية شرعية بحتة.

 وإن الكشف عن ذلك ضرورة ماسة؛ ولا عجب أن نرى بعض المفاهيم السائدة اليوم ستنقلب رأسا على عقب في العقدين القادمين…

وما العقدان سوى أيام قلائل في حياة البشر!!

الأربعاء، 1 ديسمبر 2021

الأخ الكبير يراقبك: التمكين الرقمي للاستبداد في الصين

 الأخ الكبير يراقبك: التمكين الرقمي للاستبداد في الصين



محمد رفيق كودري

أنت مراقب.

كل خطوةٍ تخطوها هناك من يرصدها. كل كلمةٍ تتفوه بها هناك رقيبٌ عليها. كل صديقٍ تُحدّثه هناك من يُقيّمه. وكل منتوجٍ اشتريته هناك من يُعاينه. 

في كل وقتٍ وحين، هناك شخصٌ في غرفةٍ مظلمة، يجلس خلف شاشة حاسوب، ويطّلع على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ تقوم بها في حياتك. وبهذا، يُقرَّرُ مصيرك. هم هناك يقومون بواجبهم، يُراقبون أفعالك ثم يُقيّمونها، ثم يحكَمون عليك بناءً على هذه الأفعال، ويُصادقون على الحكم. 

كل حكمٍ يصدر في حقك هو نتيجةٌ لأفعالك، أفعالك تُحدد إن كنت عنصرًا صالحًا أم طالحًا، إن كنت أمينا أم خائنًا، إن كنت مُخلِصًا أم كاذبًا. وكل حكمٍ من هذه الأحكام يؤثر فيك تأثيرًا مباشرًا، لأنه هو ما سيحدد نوع الحياة التي ستحياها، نوع المكان الذي ستعيشُ فيه، نوع الوظيفة التي ستحصل عليها، وحتى نوع الزوجة التي سيُسمح لك بالزواج بها، فالأمر ليس بيدك أبدًا، ولم يكن أبدًا بيدك، لقد كان دائمًا في يد الأخ الكبير، والأخ الكبير يُراقبك.  

لو أخبرتك أن هذا النوع من الحياة ليس نتاج خيال مؤلّفٍ ولم يعد مجرّد فكرةٍ من أفكار جورج أورويل، بل هو حقيقة، ألن تظن أنني أهذي؟ إذ كيف يمكن أن يحدث شيء كهذا في عالمنا؟

أيها الرجل الطيب، إنني لست أهذي، إنه بالفعل حقيقة، وهو يحدث الآن في الصين، ويُطلق عليه: نظام الرّصيد الاجتماعي. 

نظام الرصيد الاجتماعي

هو نظامٌ طوّرته الحكومة الصينية من أجل مراقبة مواطنيها، ومن ثم الحكم على سمعتهم. هدفه الأساسيّ: صناعة المواطن الصالح؛ المخلص والمُجد في عمله، والمتفاني في أداء واجباته. 

يعتمد هذا النظام على المراقبة الشاملة لأكثر من مليار وثلاثمائة مواطن صينيّ، ومن أجل هذا نشر القائمون على البرنامج أكثر من 200 مليون كاميرا مراقبة في جميع أنحاء الصين. وبناءً على هذه المراقبة الشاملة للمواطنين يتم تحليل البيانات ويتم تطبيق مبدأ المكافأة والعقاب، فإن كان المواطن صالحًا يحصل على امتيازاتٍ من الحكومة، كأن تكون له الأولوية في الحصول على الوظائف ذات الرواتب المرتفعة. وأما إن كان طالحًا، فإن رصيده الاجتماعي سينخفض، وسيخضع لعقوباتٍ كالمنع من السفر، وعدم القبول في وظائف محددة، وحرمانه من بعض أشكال الرفاهية كالتمتع بالانترنت. 

إلى الآن، المشاركة في هذا النظام تطوعية، ولكن المتوقع أنها خلال هذا العام (2020) ستكون إجبارية على كل المواطنين. وإن هذا المشروع، سيجعل من الصين واحدة من أعتى الدول الشمولية الدكتاتورية على مر التاريخ، إن لم يجعلها الأعتى. 

جورج أورويل (1984)
الروائي جورج أوريل، واسمه الحقيقي: إريك آرثر بلير

في روايته، 1984، يخضع جميع المواطنين إلى مراقبةِ الأخ الكبير، الذي هو زعيم الحزب الحاكم، حزب الاشتراكية الانجليزية، أو الانجسوك كما تُعرف باللغة الجديدة، تتم المراقبة عبر لوحةٍ معدنية مستطيلة الشكل تشبه مرآة معتمة تُعرف بشاشة الرصد، معلقة على الجدران، في الشوارع وحتى في البيوت، إنها شاشة رصدٍ ترصد كل صغيرة وكبيرة، حتى عضلات الوجه التي قد تتفاعل مع شعور الإنسان في لحظة ما كانت مراقبة، فليس للإنسان أن يُظهر عدم الرضى أو الاستياء من أوضاع البلاد المزرية مثلا، أو أن يفكر خارج الصندوق الذي فرضه عليه الحزب، فرفة عينٍ واحدة قد تودي بك إلى معسكرات غسل الدماغ، ثم إلى حبل المشنقة بتهمة ارتكاب جريمة فكر.  

إن دولة أوقيانيا التي تكلم عنها جورج أوريل في روايته، والتي يعيش فيها وينتمي إليها بطل الرواية “ونستون سميث”، هي من أعتى نماذج الدول الشمولية التي قد يتخيلها الإنسان إذا ما أطلق العنان لمخيلته. وإن النموذج الصيني يُشبه بشكل عجيبٍ النموذج الذي وضعه جورج أوريل لدولة أوقيانيا التي تجري فيها أحداث الرواية؛ ولعل إقليم شينجيانج، الذي يسكنه مسلمو الأويغور، في الصين أسوء من أوقيانيا نفسها. 

مأساة الأويغور في إقليم شينجيانج بالصين
مصدر الصورة

الأويغور، هم أقلية تسكن في ما يعرف قديما بتركستان الشرقية، تعرض الإقليم للغزو من قبل الصين سنة 1949 وغُير اسمه إلى شينجيانج. أصبح الأويغور يمثلون 45 بالمئة من نسبة السكان في الإقليم بعد أن كانوا الأغلبية، استوطنوا هناك عام 565 قبل الميلاد. عرقهم يعود للأتراك واعتنقوا الإسلام إبّان الفتوحات الإسلامية. 

لأن الصين دولةٌ ملحدة، وتوجهها الاشتراكيّ لا يمكن أن يتفق مع الإسلام الذي هو دين الأغلبية في هذه المنطقة، يخضع الأويغور لإجراءات تعسفية كالمنع من الصلاة والمنع من الصيام، ومنع النساء من ارتداء اللباس الشرعيّ ومنع الرجال من إعفاء اللحية، ولكي يضمن الحزب الاشتراكيّ عدم تمرّد هذه الفئة؛ يُخضعها لمراقبة شاملة من خلال ما سماه الخبراء “البرنامج التجسسي الأكثر تطورًا في العالم”، بحيث توجد كاميرات مراقبة في كل زاوية من زوايا شينجيانج تُراقب الجميع، فيجب أن يفكر كل فردٍ مرتين قبل أن يقوم بأي حركة، فهفوةٌ واحدة قد تودي به إلى معسكرات الاعتقال الجماعيّ أين يوجد أكثر من مليون مسلمٍ معتقل، معسكراتٌ يتم فيها غسل أدمغتهم ليخرجوا منها مُتشرّبًين مبادئ الحزب الشيوعيّ الصيني. 

وهكذا يفرض الأخ الكبير في الصين سلطته، مُعزِّزًا قبضته الأمنية بتمكينٍ رقميٍّ ليس له في العالم مثيل، وتتفاوت شراسته وفق المصلحة والمنفعة، ووفقًا لِما يمثله المواطن، حسب درجته الاجتماعية، من تهديدٍ لنفسه فالمجتمع فالبلد حسب فكر الحزب الشيوعي الحاكم في الصين. أما بالنسبة لتركستان الشرقية، فقد خضعت منذ احتلالها من طرف الصين في عام 1949 لِضُروبٍ شتى من الاستبداد والقوانين التعسفية في حق المسلمين أصحاب الأرض هناك، ويبدو واضحًا جليًّا للرائي أن تركستان الشرقية كانت ومازالت ضحية استشراسٍ سلطويٍّ لم نرَ له في العالم شَبَه.



فتنة مسايرة الواقع (1-4)

 فتنة مسايرة الواقع (1-4)

كما يجب على الداعية أن يبدأ طريقه متجردا لله تعالى، يجب كذلك أن ينظر الى طول الطريق، وأن يرصد في نفسه ملامح التغير أو الثبات، وأن يتعهد في نفسه أخلاقها وقيمها وما يتطرق اليها وما يطرأ عليها..

علامة التوفيق في زمان الفتنة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والـسـلام عـلـى نـبـينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فـإن مــن علامة توفيق الله ـ عز وجل ـ لعبده المؤمن أن يرزقه اليقظة في حياته الدنيا؛ فلا تراه إلا حذِراً محاسباً لنفسه خائفاً من أن يزيغ قلبه، أو تزل قدمه بعد ثبوتها.

وهذا دأبه في ليله ونـهـاره يفرّ بدينه من الفتن، ويجأر إلى ربه ـ عز وجل ـ في دعائه ومناجاته يسأله الثبات والوفاة على الإسلام والسُّنَّة غيرَ مبدّل ولا مغيّر.

وإن خوف المـؤمن ليشتد في أزمنة الفتن التي تموج موج البحر والتي يرقّق بعضها بعضاً، وما أخال زماننا الـيـوم إلا مـــــن هذه الأزمنة العصيبة التي تراكمت فيها الفتن، وتزيّنت للناس بلَبوسها المزخرَف الفاتن، ولم ينج منها إلا من ثبته الله ـ عز وجل ـ وعصمه؛ نسأل الله ـ عز وجل ـ أن يجعلنا منهم.

و هنا أتحدث عن فتنة شديدة تضغط على كثير من الناس فيضعفون أمامها، ألا وهي فتنة “مسايرة الواقع” وضغط الفـسـاد ومسايرة العادات، ومراعاة رضا الناس وسخطهم.

وهي فتنة لا يستهان بها؛ فلقد سقط فيها كثير من الناس وضعفوا عن مقاومتها، والموفَّق من ثبته الله ـ عز وجل ـ كما قال تـعـالى: ﴿يُثَـبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ﴾ (إبراهيم: 27).

يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ عن هذه الآية:

“تحت هذه الآية كنز عظيم، من وُفِّق لمظنته وأحسن استخراجه واقتناءه وأنفق منه فقد غنم، ومن حرمه فقد حرم”. (1)

وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال له ربه تبارك وتعالى: ﴿ولَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ (الإسراء: 74) فـسِـواه من الناس أحوج إلى التثبيت من ربه تعالى، وفي هذا تأكيد على أهمية الدعاء وسؤال من بيده التثبيت والتوفيق وهو الله ـ سبحانه وتعالى.

فتنة “مسايرة الواقع” عبر التاريخ

إن فـتـنة مسايرة الواقع والتأثر بما عليه الناس لتشتد حتى تكون سبباً في الوقوع في الشرك الموجِب للـخـلـود فـي الـنار ـ عياذاً بالله تعالى ـ وذلك كما هو الحال في شرك المشركين الأولين من قوم نوح وعاد وثمود والذين جاؤوا من بعدهم من مشركي العرب، فلقد ذكر لنا القرآن الكريم أنهم كانوا يحتجّون عـلـى أنبيائهم ـ عليهم السلام ـ عندما واجهوهم بالحق ودعوهم إلى التوحيد وترك الـشـرك ـ بـأنـهم لم يسمعوا بهذا في آبائهم الأولين، وكانوا يتواصون باتباع ما وجدوا عليه آباءهم ويحرض بعـضـهـــم بعضاً بذلك ويثيرون نعرة الآباء والأجداد بينهم.

وسجّل الله عز وجل عن قوم نوح ـ عـلـيـه الصلاة والسلام ـ قولهم: ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 24).

وقال تعالى عن قــوم هـود: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا…﴾ (الأعراف: 70)، وقال ـ تبارك وتـعـالى ـ عـن قــوم صـالـح: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُواً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا…﴾ (هود: 62).

وقال ـ سبحانه وتعالى ـ عـن قــوم فـرعون: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (يونس: 78)، وقال عن مشركي قريش: ﴿وإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا…﴾ (البقرة: 170) والآيـــات في ذلك كثيرة.

والمقصود التنبيه إلى أن تقليد الآباء ومسايرة مـا عـلـيـه الـنــاس وألِفوه لهــو مــن أشد أسباب الوقوع في الكفر والشرك.حتى لو تبين الحق للناس؛ ولكن لوجود الهوى وشدة ضغط الواقع وضعف المقاومة يُؤْثِرُ المخذول أن يبقى مع الناس، ولو كان يعتقد أنهم على باطل وأن ما تركه وأعرض عنه هو الحق المبين، وإلا فما معنى إصرار أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يموت على عقيدة عبد المطلب الشركية مع قناعته بأن محمداً صلى الله عـلـيه وسلم رسول الله والحق معه! لولا الهوى ومسايرة ما عليه الآباء وخوفه من مصادمتهم وتضليلهم؟

نعوذ بالله ـ تعالى ـ من الخذلان.

فتنة “مسايرة الواقع” في الواقع المعاصر

وإذا جئنا لعصرنا الحاضـر وبحـثـنـا عن أسباب ضلال علماء الضلال الذين زينوا للناس الشرك والخرافة والبدع الكفرية رأينا أن مــن أهــم الأسباب:

مسايرتُهم للناس، وميلُهم مع الدنيا ومناصبها، وظنهم أنهم بمصادمة الناس سـيخـسرون دنياهم وجاههم بين الناس؛ فآثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وسايروا الناس مع اعـتـقـادهـم ببـطـلان ما هم عليه.

وكذلك الحال في سائر الناس المقلِّدين لهم في الشرك والخرافة والسحر والشعوذة، لــو بــان لأحـدهم الحق فإنه يحتج بما عليه أغلب الناس، فيسير معهم، ويضعف عن الصمود أمام باطلهم، إلا مــن رحم الله من عباده الذين لا يقدِّمون على مرضاة الله ـ تعالى ـ شيئاً، ولا يتركون الحق لأجل الـنــاس، ولا يـسـايـرونـهم على ما هم عليه من ضلال وفساد؛ بل يتذكرون قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من التمس رضا الله في سخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس في سـخــط الله ســخـط الله عليه وأسخط عليه الناس». (2)

أثر الهوى في هذه الفتنة

والأصـــــل فـي مسايرة الناس على ضلالهم وتنكبهم الحق هو الهوى المتغلب على النفوس بحيث يطمس البـصـيرة، حتى ترى المتّبع لهواه يضحّي بروحه في سبيل هواه وباطله وهو يعلم نهايته البائسة.

ومـــن كانت هذه حاله فلا تنفعه المواعظ ولا الزواجر كما قال الإمام الشاطبي، رحمـه الله تعالى:

“فـكـذلـك صاحب الهوى ـ إذا ضل قلبه وأُشرب حبُّه ـ لا تعمل فيه الموعظة ولا يقبل البرهان ولا يكترث بمن خالفه”. (3)

أما ما يتعلق بما دون الكفر من فتنة مسايرة الواقع فهي كثيرة ومتنوعة اليوم بين المسلمين، وهي تترواح بين الفتنة وارتكاب الكبائــر أو الصغائر، أو الترخّص في الدين، وتتبّع زلاتِ العلماء لتسويغ المخالفات الشرعية الناجـمة عــــن مسايرة الركْب وصعوبة الخروج عن المألوف، واتباع الناس إن أحسنوا أو أساؤوا.

نتاج الفتنة “إمعة”..!

ومَنْ هــــذه حاله ينطبق عليه وصف “الإمَّعة” الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وحذَّر منه؛ حـيـث قــــــال: «لا تكونوا إمَّعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا؛ ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا». (4)

قال الشارح في تحفة الأحوذي: «”الإمعة” هو الذي يتابع كل ناعق ويقول لكل أحد “أنا معك”؛ لأنه لا رأْي له يرجع إليه، تابعاً لدين غيره بلا رؤية، ولا تحصيل برهان».

والفتنة بمسايرة الواقـع وما اعتاده الناس كثيرة في زماننا اليوم لا يسلم منها إلا مـن رحـم الله ـ عز وجل ـ وجاهد نفسه مجاهدة كبيرة؛ لأن ضغط الفساد ومكر المفـسـديـن وترويـض الـناس عليه ردحاً من الزمان جعل القابض على دينه اليوم المستعصي على مسايـرة الواقع فـي جــهـــــاد مـريـر مـــع نفسه ومع الناس كالقابض على الجمر، ولعل هذا الزمان هو تأويل قول الرسول صلى الله علـيه وسلم: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر». (5)

وإن مما يعين العبد على هذه المشقة الشديدة والصبر العظيم هو عِظم الأجر الذي يناله هذا القـابض علـى دينه المستعصِي على مسايرة الناس وضغط الواقع وما ألِفه الناس.

ويكفي في ذلك قـولــــه صلى الله عليه وسلم: «فإن من ورائكم أيام الصبر. الصبر فيه مثل قبضٍ على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله.

وزادني غيره قال: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم». (6)

خاتمة

كما يجب على الداعية أن يبدأ طريقه متجردا لله تعالى، يجب كذلك أن ينظر الى طول الطريق، وأن يرصد في نفسه ملامح التغير أو الثبات، وأن يتعهد في نفسه أخلاقها وقيمها وما يتطرق اليها وما يطرأ عليها..

وذلك لئلا يتأثر بضغوط واقعه ولا يتسرب الى نفسه شيء من انحرافاته، بل يكون هو المؤثر وهو المحدد لما يجب أن يكون عليه المجتمع.

………..

الهوامش:

  1. بدائع التفسير، 3/ 17.
  2. رواه الترمذي، ح/ 2338.
  3. الموافقات للشاطبي، 2/ 268.
  4. تحفة الأحوذي، 6/ 145، رقم الحديث (2075) وقال الترمذي حسن غريب.
  5. رواه الترمذي، ح/ 2186.
  6. أخرجه أبي داود، ح/ 3778، والترمذي في تفسير القرآن 2984، وأخرجه ابن ماجة في الفتن 4004.

لتحميل البحث كاملا على الرابط التالي:

اقرأ أيضا:

أردوغان: التطبيع مع مصر وإسرائيل

 أردوغان: التطبيع مع مصر وإسرائيل

وائل قنديل

يقول أردوغان إنه سيفعل مع مصر وإسرائيل مثلما فعل مع الإمارات. .. 

بعيدًا عن أنه لا يوجد تطبيع حلال وآخر حرام، كما أن قليله مثل كثيره، مُدان ومستهجن، فإن المؤلم في هذه المقاربة الأردوغانية أنه لم يعد ثمّة فرق بين مصر وإسرائيل والإمارات، عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الطبيعية.

هكذا، بمنتهى البساطة، سيذهب الرجل إلى التطبيع مع إسرائيل ومع مصر، كما سبق وطبَّع مع الإمارات، وكأن ثلاثتهم على مسافة واحدة من فلسطين التي كنا نظنها البوصلة والمسطرة لتحديد المواقف من مسألة التطبيع مع العدو الذي يحتلها، والذي صار إخوتها القريبون والبعيدون يطمحون في صداقته.

فيما كان رئيس الكيان الصهيوني إسحاق هرتزوغ يقتحم، على رأس مجموعة من غلاة المستوطنين، الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل المحتلة، أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إن بلاده ستتخذ خطوات تقارب مماثلة مع مصر وإسرائيل بعد المحادثات مع الإمارات. 

وفي اللحظة التي كان يجري فيها الإعلان عن تزويد إسرائيل المملكة المغربية بطائرات مسيرة انتحارية، بقيمة 22 مليون دولار، كانت جماهير الشعب المغربي تتظاهر دعمًا لفلسطين في 27 مدينة مغربية، ولم يفلح تدخل قوات الأمن لمنعها في ثني الغاضبين عن رفع شعارات تضامنية مع فلسطين ومناهضة للتطبيع ومندّدة به، مثل بـ"الروح بالدم نفديك يا فلسطين"، و"فلسطين أمانة والتطبيع خيانة"، و"الشعب يريد إسقاط التطبيع"، و"المغرب وفلسطين شعب واحد مش شعبين". 

بالتحاق أردوغان بقطار التطبيع، مجدّدًا، مع الاحتلال الصهيوني، يصبح لدينا المغرب والأردن وتركيا، وثلاثتهم يزعمون إنهم الأقرب لفلسطين بشعارات إسلامية مختلفة، خلف أنظمة عربية أخرى تقود المسيرة، رافعة شعارات براغماتية شديدة الوضوح، الإمارات ومصر نموذجين، التزامًا بالتصوّر الأميركي للمنطقة، الذي وضعه دونالد ترامب وجاريد كوشنر، زوج ابنته، وهو التصور الذي ورثته الإدارة الجديدة بعد انتخاب جو بايدن وتنفذه حرفيًا.

وعلى ذكر كوشنر، تكشف صحيفة نيويورك تايمز، في أحدث تقاريرها، إنه لم يغادر المنطقة بأحلامه ومشروعاته، إذ لا يزال يجني أرباحًا كبيرة من دول الخليج التي تنفذ الآن حرفيًا بنود ما عرف باتفاق أبراهام، وهو أهم إنجازات صهر ترامب الشاب، في أثناء عمله في الإدارة الأميركية السابقة.

تقول الصحيفة "عندما يبدأ مسؤولو البيت الأبيض السابقون جني الأموال من وقتهم الذي يقضونه مع حكومتنا من خلال التودّد إلى الملوك، فإن ذلك يقلب المعدة قليلاً. هل هذا غير قانوني؟ هل هي مستنقعات للنفاق؟ وتجيب:"نعم".

كوشنر لا يزال يعبث بالمنطقة ، حيث أسّس في وقت سابق من هذا العام معهد إبراهيم لاتفاقات السلام، وهي مجموعة غير ربحية، تسعى إلى توسيع العلاقات التجارية بين إسرائيل وجيرانها العرب.

تبيع إسرائيل العرب وسائل منع التظاهر ضدها وقمع أي تضامن مع فلسطين التي تحتلها، فيما يدفع العرب لإسرائيل مالًا بلا حدود، تستخدمه في توسيع استيطانها وتشديد احتلالها ومضاعفة أعمالها الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني.

هذا في الحقيقة أبعد من أحلام المتطرفين الصهاينة، وأكبر من أهداف ترامب وكوشنر، حين شرعا في إعادة رسم خرائط المنطقة، وأقسى من كوابيس الفلسطيني الذي يواجه هجمات الاحتلال والمطبعين من إخوته وجيرانه معًا.

يبقى أنه حين سلك المطبّعون العرب الطريق إلى علاقات صداقة وتعاون مع إسرائيل، انتفض الجميع غضبًا وتنديدًا ونحيبًا على فلسطين التي تتلقى طعنات الغدر، بينما يخيم الصمت على مشهد صعود أردوغان إلى القطار ذاته، وهنا يتجدّد السؤال الأبدي: هل يختلف الحكم بصحة الفعل وأخلاقيته باختلاف الفاعلين؟ بصيغة أخرى: هل هناك سرقة حلال وسرقة حرام، وبالقياس ذاته: هل هناك تطبيعٌ مقبول وتطبيعٌ مرفوض؟