‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد رفيق كودري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد رفيق كودري. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 1 ديسمبر 2021

الأخ الكبير يراقبك: التمكين الرقمي للاستبداد في الصين

 الأخ الكبير يراقبك: التمكين الرقمي للاستبداد في الصين



محمد رفيق كودري

أنت مراقب.

كل خطوةٍ تخطوها هناك من يرصدها. كل كلمةٍ تتفوه بها هناك رقيبٌ عليها. كل صديقٍ تُحدّثه هناك من يُقيّمه. وكل منتوجٍ اشتريته هناك من يُعاينه. 

في كل وقتٍ وحين، هناك شخصٌ في غرفةٍ مظلمة، يجلس خلف شاشة حاسوب، ويطّلع على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ تقوم بها في حياتك. وبهذا، يُقرَّرُ مصيرك. هم هناك يقومون بواجبهم، يُراقبون أفعالك ثم يُقيّمونها، ثم يحكَمون عليك بناءً على هذه الأفعال، ويُصادقون على الحكم. 

كل حكمٍ يصدر في حقك هو نتيجةٌ لأفعالك، أفعالك تُحدد إن كنت عنصرًا صالحًا أم طالحًا، إن كنت أمينا أم خائنًا، إن كنت مُخلِصًا أم كاذبًا. وكل حكمٍ من هذه الأحكام يؤثر فيك تأثيرًا مباشرًا، لأنه هو ما سيحدد نوع الحياة التي ستحياها، نوع المكان الذي ستعيشُ فيه، نوع الوظيفة التي ستحصل عليها، وحتى نوع الزوجة التي سيُسمح لك بالزواج بها، فالأمر ليس بيدك أبدًا، ولم يكن أبدًا بيدك، لقد كان دائمًا في يد الأخ الكبير، والأخ الكبير يُراقبك.  

لو أخبرتك أن هذا النوع من الحياة ليس نتاج خيال مؤلّفٍ ولم يعد مجرّد فكرةٍ من أفكار جورج أورويل، بل هو حقيقة، ألن تظن أنني أهذي؟ إذ كيف يمكن أن يحدث شيء كهذا في عالمنا؟

أيها الرجل الطيب، إنني لست أهذي، إنه بالفعل حقيقة، وهو يحدث الآن في الصين، ويُطلق عليه: نظام الرّصيد الاجتماعي. 

نظام الرصيد الاجتماعي

هو نظامٌ طوّرته الحكومة الصينية من أجل مراقبة مواطنيها، ومن ثم الحكم على سمعتهم. هدفه الأساسيّ: صناعة المواطن الصالح؛ المخلص والمُجد في عمله، والمتفاني في أداء واجباته. 

يعتمد هذا النظام على المراقبة الشاملة لأكثر من مليار وثلاثمائة مواطن صينيّ، ومن أجل هذا نشر القائمون على البرنامج أكثر من 200 مليون كاميرا مراقبة في جميع أنحاء الصين. وبناءً على هذه المراقبة الشاملة للمواطنين يتم تحليل البيانات ويتم تطبيق مبدأ المكافأة والعقاب، فإن كان المواطن صالحًا يحصل على امتيازاتٍ من الحكومة، كأن تكون له الأولوية في الحصول على الوظائف ذات الرواتب المرتفعة. وأما إن كان طالحًا، فإن رصيده الاجتماعي سينخفض، وسيخضع لعقوباتٍ كالمنع من السفر، وعدم القبول في وظائف محددة، وحرمانه من بعض أشكال الرفاهية كالتمتع بالانترنت. 

إلى الآن، المشاركة في هذا النظام تطوعية، ولكن المتوقع أنها خلال هذا العام (2020) ستكون إجبارية على كل المواطنين. وإن هذا المشروع، سيجعل من الصين واحدة من أعتى الدول الشمولية الدكتاتورية على مر التاريخ، إن لم يجعلها الأعتى. 

جورج أورويل (1984)
الروائي جورج أوريل، واسمه الحقيقي: إريك آرثر بلير

في روايته، 1984، يخضع جميع المواطنين إلى مراقبةِ الأخ الكبير، الذي هو زعيم الحزب الحاكم، حزب الاشتراكية الانجليزية، أو الانجسوك كما تُعرف باللغة الجديدة، تتم المراقبة عبر لوحةٍ معدنية مستطيلة الشكل تشبه مرآة معتمة تُعرف بشاشة الرصد، معلقة على الجدران، في الشوارع وحتى في البيوت، إنها شاشة رصدٍ ترصد كل صغيرة وكبيرة، حتى عضلات الوجه التي قد تتفاعل مع شعور الإنسان في لحظة ما كانت مراقبة، فليس للإنسان أن يُظهر عدم الرضى أو الاستياء من أوضاع البلاد المزرية مثلا، أو أن يفكر خارج الصندوق الذي فرضه عليه الحزب، فرفة عينٍ واحدة قد تودي بك إلى معسكرات غسل الدماغ، ثم إلى حبل المشنقة بتهمة ارتكاب جريمة فكر.  

إن دولة أوقيانيا التي تكلم عنها جورج أوريل في روايته، والتي يعيش فيها وينتمي إليها بطل الرواية “ونستون سميث”، هي من أعتى نماذج الدول الشمولية التي قد يتخيلها الإنسان إذا ما أطلق العنان لمخيلته. وإن النموذج الصيني يُشبه بشكل عجيبٍ النموذج الذي وضعه جورج أوريل لدولة أوقيانيا التي تجري فيها أحداث الرواية؛ ولعل إقليم شينجيانج، الذي يسكنه مسلمو الأويغور، في الصين أسوء من أوقيانيا نفسها. 

مأساة الأويغور في إقليم شينجيانج بالصين
مصدر الصورة

الأويغور، هم أقلية تسكن في ما يعرف قديما بتركستان الشرقية، تعرض الإقليم للغزو من قبل الصين سنة 1949 وغُير اسمه إلى شينجيانج. أصبح الأويغور يمثلون 45 بالمئة من نسبة السكان في الإقليم بعد أن كانوا الأغلبية، استوطنوا هناك عام 565 قبل الميلاد. عرقهم يعود للأتراك واعتنقوا الإسلام إبّان الفتوحات الإسلامية. 

لأن الصين دولةٌ ملحدة، وتوجهها الاشتراكيّ لا يمكن أن يتفق مع الإسلام الذي هو دين الأغلبية في هذه المنطقة، يخضع الأويغور لإجراءات تعسفية كالمنع من الصلاة والمنع من الصيام، ومنع النساء من ارتداء اللباس الشرعيّ ومنع الرجال من إعفاء اللحية، ولكي يضمن الحزب الاشتراكيّ عدم تمرّد هذه الفئة؛ يُخضعها لمراقبة شاملة من خلال ما سماه الخبراء “البرنامج التجسسي الأكثر تطورًا في العالم”، بحيث توجد كاميرات مراقبة في كل زاوية من زوايا شينجيانج تُراقب الجميع، فيجب أن يفكر كل فردٍ مرتين قبل أن يقوم بأي حركة، فهفوةٌ واحدة قد تودي به إلى معسكرات الاعتقال الجماعيّ أين يوجد أكثر من مليون مسلمٍ معتقل، معسكراتٌ يتم فيها غسل أدمغتهم ليخرجوا منها مُتشرّبًين مبادئ الحزب الشيوعيّ الصيني. 

وهكذا يفرض الأخ الكبير في الصين سلطته، مُعزِّزًا قبضته الأمنية بتمكينٍ رقميٍّ ليس له في العالم مثيل، وتتفاوت شراسته وفق المصلحة والمنفعة، ووفقًا لِما يمثله المواطن، حسب درجته الاجتماعية، من تهديدٍ لنفسه فالمجتمع فالبلد حسب فكر الحزب الشيوعي الحاكم في الصين. أما بالنسبة لتركستان الشرقية، فقد خضعت منذ احتلالها من طرف الصين في عام 1949 لِضُروبٍ شتى من الاستبداد والقوانين التعسفية في حق المسلمين أصحاب الأرض هناك، ويبدو واضحًا جليًّا للرائي أن تركستان الشرقية كانت ومازالت ضحية استشراسٍ سلطويٍّ لم نرَ له في العالم شَبَه.



الجمعة، 10 سبتمبر 2021

“الشّيطانية” التي تُروج لها نيويورك تايمز

“الشّيطانية” التي تُروج لها نيويورك تايمز



دانيال حاقيقاتجو

ترجمة: محمد رفيق كودري




لم تكن الشيّطانية لتبلغ هذا المبلغ من الشعبية لولا جهود وسائل الإعلام المُهيمنة اليوم. عندما يسمع الناس مصطلح “الشيطانية”، أو عبادة الشيطان، فإنهم يفكرون في طقوس الدم والتضحية بالأطفال وتقديمهم قَرابين لإبليس. هذه، بكل تأكيد، جوانبٌ من “الشيطانية”، لكن جوهر عبادة الشيطان هو عبادة الذات.تأمّل هذا الردّ الشيطانيّ على سؤال من ربّ العزّة أعلَمنا به القرآن الكريم: “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ”.


مبدأ عبادة الذات مكتوبٌ في التعويذة التي يؤمن بها الشيطانيّون: “افعل ما تريد، ما تريده سيكون القانون كله”. أي، لا يوجد شيءٌ فوقنا يمكن أن يملي علينا كيف يجب أن نتصرف، وفقًا للشيطانيين. لا توجد أخلاقياتٌ تتجاوز ما يريد المرء أن يفعله. أيا كان ما يعتقد المرء أنه أخلاقي، فهو أخلاقي. يكفي أن يرى المرء بأن ما فعله أمر صائب وأخلاقي، ليكون أمرًا صائبًا وأخلاقيًّا.


وإذا كانت الأخلاق، بهذه الطريقة، تحدد ذاتها بذاتها، فوجُود مفهوم “الذنب” أمرٌ غير منطقي. كيف يمكن أن تكون مذنبًا إن كنت تعتبر نفسك المُشرّع؟ كيف يمكن أن تكون مُذنِبًا، إن كانت الفضيلة هي أن تفعل ما تريد؟


إن الليبرالية والشيطانية  تشتركان في هذا النفور من مفهوم الذنب والخطيئة، لأن الفكرة ذاتها تُقوّض مفهوم عبادة الذات. إن الاعتراف بالذنب، هو اعتراف المرء بأنه ارتكب خطأ، وأنه مسؤول أمام قوة عُليا،  للتبرير والتكفير عن هذا الخطأ. لكن العقل الليبرالي والعقل الشيطاني  يتلوّيان عند التفكير في هذا التسلسل الهرمي، عند التفكير في الخضوع لُحكم قوة عليا.


لذا فإن الليبراليين وعبدة الشيطان ينتهزون كل الفرص لتقويض مفهوم الذنب والخطيئة، والصحف والمنصات الإعلامية العالمية مثل نيويورك تايمز كثيرًا ما تُقدم لهم هذه الفرص. 


تسأل كاتبة المقال: “بما أنني لم أفلح في جعل ولدي يستوعب مفهوم الخطيئة، هل يعني هذا أنني فشلتُ في  إعطائه أساسًا أخلاقيًّا؟”. 


جوابُنا: نعم، بالضبط. 


“لقد سيطر مفهوم الخطيئة على طفولتي. إذ قد نشأت في ولاية أنديانا في ظل آباء أصوليين، وكانت الخطيئة هي المقياس الذي حُوكِمتُ به. لم تكن الأفعال والكلمات وحتى الأفكار في مأمنٍ من التدقيق والمراقبة. كان الإله وكأنه يدق في رأسي بمكبر الصوت مُعلنا: أنت إنسان غير صالح، أنت سيء، أنت سيء!. وكُنت أعاني من كوابيس متكررة، أرى رياحًا رهيبة تعصف في غرفة نومي، وكنت أعتقد أنها الإله، إله غير مرئي، إله انتقاميّ.”


من الواضح أن الكاتبة تعاني من مشاكل نفسية، ربما مشاكل تعود للطريقة التي أنشأها  عليها والداها ، الأب خاصة، وتعتقد أن لها علاقة بالمفهوم الديني للخطيئة. أو ربما تُعاني من المس، بالمعنى الحرفي. 


“ولكن بعد ذلك، عندما أصبحتُ في سن المراهقة، والْتحقتُ بمدرسة  عامة مختلطة،  بدأت نظرتي للعالم تتغير  ولو بقدر طفيف، لم يعد العالم العلماني يخيفني، بل أصبحتُ مفتونةً به. ولقد دفعتُ ثمن ذلك. ففي السابعة عشرة من عمري، بعد أن قُبض عليّ أُمارس “الزنا” مع صديقي  بالمدرسة الثانوية، تم إرسَالي إلى مدرسة إصلاحية مسيحية، أين يتعرض الأطفال للضرب باسم الرب.” 


في الحقيقة، إن كان الضرب سيجعل المراهقين والمراهقات يُعرِضون عن الزنا، فاستمرّوا بضربهم! شيءٌ آخر، من المضحك وضعُها لكلمة “الزنا” بين مزدوجتين، ماذا تقصد بذلك؟ 


“هناك، في الكنيسة، تعلمت أن  ثمّة صلة قوية بين التعصّب والنفاق.” 


نقول: لمجرد أنك عانيتِ من تجربة أقلُّ من ممتازةٍ مع الدين المسيحي،  لا ينبغي أن تُعممي القول بأن كل الأديان سيئة. لم يخطر ببالها أبدا أن المسيحية قد تكون باطلة، وأنه قد يُوجَد دينٌ آخر صحيح. وهل تودين معرفة ماهو الدين الصحيح؟ سأعطيك تلميحًا: إنه الدين الذي يوجِب عقوبة “الجلْدِ” على مُمارِس “الزِّنا”. 


“لقد كنت أفقد إيماني بالتدريج، ولكن الحقائق المطلقة التي آمنت بها في طفولتي انهارت تمامًا عندما شاهدتُ سلسلة “Cosmos” للفيزيائي كارل ساجان، المكون من ثلاثة عشر جزءًا،  تضمنت نظرةً عامة على نظرية التطور التي أثارت فضولي وأنا طفلة، ولكنّ منطقها كان معقولًا تماما بالنسبة لي.” 


أيُّ إيمانٍ عميقٍ كان لديها، حتى تطلّب الأمر “برنامجًا تلفزيونيًّا” لِيَنهار.. لا بد أنه كان إيمانًا راسِخًا حقا.


“وبعد سنواتٍ من العيش حياة “علمانية”، أدركت أن تصوّري للخطيئة قد تطور وارتقى. لمّا كنت صغيرة، كان شغلي الشاغل دخول الجنة. لكنني اليوم أعتقد أن هذه الحياة هي الحياة الوحيدة التي سنعرفها. هذا الكوكب، هو وجودنا الوحيد. لم يعد يدفعني الخوف من جحيمٍ غير مُثبت. وإنما تدفعني مخاوف العالم الحقيقي، كالظلم وانعدام العدالة.”


بعبارة أخرى: هيلاري كلينتون أصبحت إلهها.


“أنا أربي  ابنَتَيَّ حسب قاعدتي الأخلاقية، بالنسبة لي، فإن أعظم خطيئة على الإطلاق هي الفشل في أن أكون مواطنا صالحًا في هذا العالم. لذا، فإن ما أعلمهما إياه هو الانفتاح على الآخرين بدل الانغلاق.”  


لم تستطع أن تقبل قانونًا أخلاقيًّا طلب منها ألّا تُمارس الجماع كخنزيرٍ بريّ، فاخترعت قانونها الأخلاقيّ الخاص. ويا للهول، كيف تصادف أن يكون قانونها الأخلاقي مُطابقًا تماما للنموذج المُسلَّم به في منصة الحزب الديمقراطي لعام 2018 بقيادة هيلاري كلينتون؟ 


“بدأنا في اصطحاب أطفالنا إلى المسيرات عندما كانت ابنتنا  الصغرى، دافيا، رضيعة نحملها على أكتافنا، وكانت ابنتنا تيسا، البالغة من العمر  ثلاثَ سنوات، ترقص بين صفوف المتظاهرين كما لو كانت حفلة جماعية. لقد خرجنا في مسيرة من أجل العدالة العرقيّة، ومن أجل حقوق المرأة. كنيستُنا هي الشارع، تجمُّعنا وتوحدُّنا هو حملتُنا الصليبية. كُنّا نعلم أطفالنا احترام الأرض والمحافظة عليها من خلال التقليل من إعادة التدوير.” 


زميلة صليبية

“إني أكون فخورة عندما أرى ابنتيَّ فاعلَتَيْن في مواجهة الظلم،  مشكِّكَتَيْن في العالم من  حولهما دائما.” 


نعم، جميل، فلتُشكك  ابنتَاكِ في كل شيء ما عدا العقيدة اليسارية المزيفة التي  تغذّيهما بها. جِديًّا، إن هذا إساءةٌ للأطفال، يجب أن يُؤخَذ هؤلاء الأطفال بعيدًا من طرف هيئة حماية الطفل. 


تُضيف الكاتبة: “ولقد ألهم نشاطهم حتى الأخرين. في عام 2016، ألّفت تيسا مع عشرين تلميذًا في المدرسة الابتدائية رقصةً جماعيّةً بعنوان: “أطفال من أجل هيلاري كلينتون” في بيركلي.” 


هذا مؤلم بحق. تخيل أن الأطفال يقتدون بهيلاري كلينتون، يتطلعون إلى أن يكونوا تلك القاتلة. 

التأثير الجميل والإنسانيّ لهيلاري كلينتون على الأطفال في ليبيا

“ابنتي، لها قانون أخلاقي، لم يُفرض عليها، ولم تتبعه قسرًا، ولكن من رغبتها الخاصة في جعل العالم مكانًا أفضل.” 


رغبتُها؟ أو ربما غسلكِ لدماغها. لقد حولت طفلاً بريئًا إلى روبوت بغير روحٍ مبغضٍ للّه. 


هذا ما يتوهّمه العلمانيون الليبراليون: أن كل الأطفال يولدون بفطرة الخنازير اليسارية. في الواقع، لدى جميع البشر، بشكل طبيعي، شعورٌ بالتواضع، ولهم القابلية للشعور بالخزي إذا ما اقترفوا ذنبًا، والشعور بأنهم مسؤولون أمام خالقهم. كلنا عندنا ضميرٌ  وهبنا الله إياه، حتى نلتفت إليه باستمرار طالبين منه العفو والمغفرة والخلاص. 


تماما مثل الشعور البدني، كالألم في الجسد، الذي هو طريقة الجسم  لإنذارنا خطرا ما  علينا أن نفعل شيئًا لمُعالجته، فإن الشعور بالذنب بعد الخطيئة هو طريقة قلبنا لإِخبارنا أن هناك  خطأ ما، وأن علينا مُعالجته. نحن بحاجة إلى العودة إلى الله دوما، وإلى توسُّل المغفرة.  


لكن العقلية الشيطانية تعتبر أن الشعور بالذنب هو عاطفة سلبية يجب استئصالها أو على الأقل تجاهلها والسخرية منها. هذا هو، بالذات، الفكر الدافع وراء جملة “لا تحكم علي”، ولقد أصبح هذا الهراء متداولًا في الأوساط الإسلامية للأسف. 


الخميس، 20 أغسطس 2020

ما وراء التطبيع

ما وراء التطبيع 
?What’s Behind the New Israel-UAE Peace Deal
ترجمة: كودري محمد رفيق
لقد وافقت دولة الإمارات العربية المتحدة على تطبيع العلاقات مع دولة الكيان الصهيوني، مُمَهِّدةً الطريق للدول العربية الأخرى لفعل الشيء نفسه، على الرغم من الغضب الشعبي في فلسطين وفي العالم الإسلامي. 

ما المطلوب بموجب اتفاقية السلام الجديدة هذه، المعروفة بـ “الاتفاق الإبراهيمي”؟ 

يَعِدُ الاتفاق بين دولة الكيان الصهيوني والإمارات العربية المتحدة بإقامة علاقاتٍ طبيعية بين البلدين، ويشمل العلاقات التجارية، السياحية، الرحلات الجوية المباشرة، التعاون العلمي، والعلاقات الدبلوماسية الكاملة. وكذلك، ما تم الإشارة إليه فقط دون ذكره، تعزيز التعاون الأمني بين الدولتين ضد التهديدات الإقليمية، خاصة إيران ووكلائِها. ومن المهم معرفة أن دولة الكيان الصهيوني والإمارات تربطهما بالفعل علاقات أمنية، إلا أن الاتفاقية تجعل هذا التنسيق الأمني علنيًّا. 
ووفقا للحكومة الإماراتية، فإن الاتفاق الإبراهيمي، كما سمّاه دونالد ترامب، “يوقف فورًا” الخطط الإسرائيلية لضم أجزاء من الضفة الغربية، ويفتح فرصةً للصهايِنة والفلسطينيين لاستئناف إجراءات إنهاء الصراع والبدء في مفاوضات السلام من جديد. بينما فضّل الساسة الإسرائيليون استخدام مصطلح “تعليق” خطط الضم مؤقتا، عوض مصطلح “الإيقاف الفوري” لها. ومن الواضح أن ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد شعر أنه مضطرٌّ لإثبات أن تطبيع العلاقات مع دولة الكيان الصهيوني لم يأتِ دون تكلفةٍ على الإسرائليين، أما بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن استخدامه لمصطلح “تعليق” هو بمثابة محاولةٍ لتهدئةِ الجماعات والفصائل السياسية المؤيدة للضم، والتي انتقدت بالفعل هذا الاتفاق. 

لماذا وقع الاتفاق الآن؟ 

عندما ننظر عبر الضباب نحو عمق المشهد ووضوحه، نجد أن دولة الكيان الصهيوني والإمارات كانتا تتجهان ببطءٍ نحو التطبيع في السنوات الأخيرة الماضية. ففي عام 2015، افتتحت إسرائيل مكتبًا دبلوماسيا في العاصمة الإماراتية أبوظبي مرتبطًا بالوكالة الدولية للطاقة المتجددة. كما زار مسؤولون إسرائيليون كبار أبوظبي، وشارك إسرائيليون في مسابقات إقليمية في الإمارات، ومن المقرر أن تشارك إسرائيل في معرض إكسبو الدولي 2020 بدبي، والذي أُجِّل افتتاحه إلى أكتوبر 2021 بسبب جائحة فيروس كورونا. 
بدأ التقدم الملحوظ نحو الاتفاق عندما لم تبدأ إسرائيل عملية ضم أراضي الضفة الغربية في 1 يوليو كما كان مقررا لها. وبحسب ما ورد، فقد انتهز الإماراتيون الفرصة لتقديم وعدٍ بتطبيعٍ كاملٍ للعلاقات إذا تم التخلي عن مخطط الضم. في الواقع، لقد كان هذا هو النص الفرعي الافتتاحي لمقالٍ نشره السفير الإماراتي لدى الولايات المتحدة في أكبر صحيفة يومية إسرائيلية، يديعوت أحرونوت، في شهر يونيو الماضي. وتماشيا مع الرغبة الإسرائيلية القوية لتوسيع علاقاتها الدبلوماسية الرسمية مع الدول العربية في الخليج العربي، أشرفت إدارة دونالد ترامب على الدبلوماسية الثلاثية التي أدت في نهاية المطاف إلى الاتفاق الإبراهيمي. 

كيف يمكن أن يؤثر هذا الاتفاق على العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية وعلى المنطقة؟ 

ورغم الوعد الإسرائيلي بوقف الضم، رفضت القيادة الفلسطينية الاتفاق واستدعت سفيرها من أبوظبي احتجاجا عليه. فمن وجهة نظر القيادة الفلسطينية وأنصارها، فإن الاتفاقية تعكس “سوء نية” من جانب إسرائيل والإمارات والولايات المتحدة، حيث أن العلاقات الإسرائيلية الإماراتية كانت طبيعية حتى قبل الاتفاق الإبراهيمي. 
إن هذا النقد في الواقع لا مبرر له. فإن دولة الكيان الصهيوني ليس لها اهتمامٌ كبير بالمفاوضات مع الفلسطينيين فقد شددت قبضتها على الضفة الغربية دون مراعاةٍ لأحد. وتُحافظ، بالتعاون مع مصر، على حصارٍ مُحكَمٍ على قطاع غزة الذي تقوده حماس. وقد نقلت إدارة ترامب السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس مُعلنةً أن القدس عاصمة إسرائيل، وأنهت أو في أحسن الأحوال قلّصت، بشكلٍ كبيرٍ، المساعدات التي كانت تصل إلى الفلسطينيين. كما أصدرت خطة السلام التي يعتبرها الفلسطينيون غير عادلة وغير محققة لتطلُّعاتهم أو حافظة لحقوقهم الشرعية. بينما تنظر القيادة الفلسطينية في رام الله إلى التطبيع المستمر للعلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة على أنه “مؤشر” على خيانة أبوظبي للقضية الفلسطينية، ترى أبوظبي أنه ليس من صالحها إخضاع مصالحها الوطنية لقيادة فلسطينية فاسدة وغير فعّالة. كل هذا يشير إلى أن أي توقع لمفاوضات جديدة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية هو توقعٌ في غير محله. 
داخل المنطقة، رحبت البحرين ومصر والأردن وعمان علانية باتفاق إبراهيم، بينما التزمت المملكة العربية الصمت على الرغم من وجود تكهُّناتٍ كبيرة بين المحللين تزعم أن عدم الرد من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان هو علامة على دعمهِ الاتفاقية. وفي الجهة الأخرى، انتقدت إيران وقطر وتركيا الاتفاق، وهددت الأخيرة بسحب سفيرها من أبوظبي. وتظل منظمات المجتمع المدني في جميع أنحاء المنطقة ثابتة في معارضتها لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. 

هل توجد اتفاقيات أخرى مع دول عربية أخرى يتم التحضير لها من خلف الكواليس؟ 

من بين دول الخليج جميعا، تبدو مملكة البحرين هي الأقرب لتطبيع العلاقات مع دولة الكيان الصهيوني. لقد أشرف الملك حمد بالفعل على بعض الخطوات الرسمية نحو التطبيع، منها سماحِه للمسؤولين الإسرائيليين بحضور اجتماعٍ إقليمي في البلاد. بالإضافة إلى ذلك، فقد التقى وزير الخارجية الإسرائيلي بنظيره البحريني. 
عُمان مرشحٌ محتمل آخر للتطبيع، فقد التقى نتنياهو مع السلطان الراحل قابوس بن سعيد في مسقط في أواخر عام 2018. ومع ذلك، قد يتصرف السلطان هيثم بن طارق، الذي وصل إلى السلطة في يناير 2020، بحذرٍ أكبر تجاه التطبيع فهو مازال قيد تعزيز سلطته. وقد يسعى السودان والمغرب أيضا لإقامة علاقاتٍ دبلوماسية مع إسرائيل.  

كاتب المقال: ستيفن كوك
لقراءة المقال بالانجليزية هنا