الخميس، 24 فبراير 2011

مصر النهاردة وحوار مع وزير الداخلية

الأحد، 6 فبراير 2011

رسالة السماء إلى الشعوب الميتة

رسالة السماء إلى الشعوب الميتة

شريف عبدالعزيز

من أروع المشاهد القرآنية في كتاب الله عز وجل، تلك المشاهد التي تتكلم عن أحوال يوم القيامة وتفاصيلها، والمواقف المؤثرة والمعبرة التي تقع في هذا اليوم الآتي لا محالة، وروعة القرآن تتجلي في تلك المشاهد أنها تقدم للمستمع كأنها رأي العين وتقع في التو واللحظة، رغم أنها ستحدث يوم القيامة، فالتعبير بالمضارع عن المستقبل واحد من أروع الأساليب القرآنية في الإقناع والتأثير، حتى يعتبر الناس ويرتدعوا عن السير في الطريق الذي سيوردهم التورط في أمثال هذه المشاهد يوم القيامة.

تخاصم أهل النار:


يعتبر مشهد تخاصم أهل النار، من أكثر المشاهد القرآنية تأثيراً في الشعوب والجماعات والأمم، ذلك أن الخطاب فيها يوجه إنذاراً شديد القوة والرهبة ليس للأفراد وحدهم فحسب، ولكن للشعوب الضعيفة والجماهير المستذلة والجماعات الخائفة، من مواجهة الطغيان والجبروت الذي عليه النخب والزعامات، تحذير سماوي لهؤلاء الذين يظنون أن السير في ركاب الظالمين، والركون إليهم والسكوت علي مفاسدهم ومظالمهم، يحقق الأمن والأمان والسلامة والمعافاة، لأن هؤلاء الظلمة والطواغيت لن ينفعوهم لا في دنيا ولا في آخرة، وتنازعهم وتخاصمهم في عرصات يوم القيامة سيكون مشهدا من أروع مشاهد اليوم الآخر.

وقد أخذ هذا المشهد عدة صور في القرآن الكريم وتكرر في عدة مواضع في كتاب الله عز وجل، كل موضع منها يخاطب الوحي الشعوب والجماعات والأمم، بسياقات ودلالات مختلفة تجتمع تحت مفهوم واحد وهو: رفض اليأس والاستسلام، وفي كل موضع يتضح المعني مرة بعد مرة.

المشهد الأول: تخاصم الأتباع مع قادة الفكر الضال

الأتباع الذين سلموا عقولهم ورؤوسهم وتفكيرهم، إلى أصحاب الأهواء والأفكار الضالة ومروجي الانحرافات، الأتباع الذين تنازلوا عن أخص ما ميز الله به الإنسان؛ وهو التفكير والعقل، وتركوا غيرهم يعبث به ويفسد فيه ويملئه ضلالاً وانحرافاً وضياعاً وباطلاً، حتى صاروا مثل الببغاء يردد ما يقوله هؤلاء القادة المضللون بلا وعي ولا تدبر ولا فهم، يتلقون علومهم ومعارفهم من هؤلاء الضالين المضللين، يعتمدون فقط علي ما تبثه وسائل إعلامهم، فلا يسمعون إلا صوتهم، ولا يعملون إلا برأيهم، هؤلاء الأتباع الذين باعوا رؤوسهم، وتنازلوا عن تكرمة الله لهم بالعقل، يحذرهم الله عز وجل في عدة مواضع من كتابه العزيز، فيقول في سورة الصافات من الآيات 27 حتى 32: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنْ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ﴾.

وقال الله عز وجل للأتباع عديمي العقل مسلوبي الإرادة أتباع كل ناعق في سورة سبأ من الآيات 31 حتى 33: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ ﴾.

المشهد الثاني: تخاصم السادة الأقوياء والعبيد الضعفاء

السادة من الملوك والزعماء والأمراء وشيوخ العشائر والحكام والسلاطين، وغيرهم ممن ولي من أمر الناس شيئاً، وهو يتسلط علي العباد بالظلم والطغيان والفساد وكبت الحريات وتكميم الأفواه ونهب الخيرات والاستئثار بالمنافع والثروات، ورغم كل هذه الجرائم يكون من شعوبهم ورعيتهم من يواليهم ويشد أزرهم ويرضي بأفعالهم الشريرة الآثمة، ولكن أي شعوب تلك التي ترضي بالهوان والاستسلام للطغيان، إنها الشعوب التي ذكرها الله عز وجل في كتابه العزيز في سورة إبراهيم الآية 27: ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ﴾.

وقوله عز وجل في سورة الأحزاب من الآية 66 حتى 68 قوله: ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ﴾.

ولنقرأ ما قاله المفسرون في تفسير هذا المشهد العظيم:

"الضعفاء هم الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الكريم على الله حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه وجعلوا أنفسهم تبعاً للمستكبرين والطغاة، وإنما هم ضعفاء لأن الضعف في أرواحهم وفي قلوبهم وفي نخوتهم وفي اعتزازهم بأخص خصائص الإنسان، فإن المستضعفين كثرة والطواغيت قلة فمن ذا الذي يخضع الكثرة للقلة، إنما يخضعها ضعف الروح وسقوط الهمة وقلة النخوة والتنازل الداخلي عن الكرامة، إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه للجماهير فهي دائماً قادرة على الوقوف لهم لو أرادت؛ فالإرادة هي التي تنقص القطعان، إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء، وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة".

وتتوالى المشاهد بين الضعفاء والأقوياء، والسادة والعبيد، والأتباع والمتبوعين، والزعماء والرعية المطيعة، والجميع يتخاصمون ويتلاومون ويتعاتبون، ويلعن بعضهم بعضاً ويتبرأ بعضهم من بعض، ويبلغ أعلي درجات التبكيت والحسرة علي الشعوب الجبانة المؤثرة للموت علي الحياة عندما يقوم فيهم إبليس خطيباً وواعظاً ومعلناً براءته منهم ومن أفعالهم وطاعتهم لهم واغترارهم بأمانيه ووعوده الكاذبة.

الشعوب بين الموت والحياة:


الشعوب العربية ظلت توصف لفترة طويلة بأنها شعوب ميتة لا حراك فيها، قابليتها للاستكانة والذلة أصبحت مثل الميراث الذي تتناقله الأجيال، كأن الجبن والضعف مثل الجين الوراثي الذي يورث في السلالات العربية، علي الرغم من أن الوعاء المعرفي والخلفية الثقافية لتلك الشعوب تحمل كل معاني الصمود والعزة والكرام ورفض الطغيان.

ظلت تلك الصفة لازمة ولاصقة بالشعوب العربية حتى جاءت ثورة الشعب التونسي التي حطمت كافة القيود وأزالت جدر المخاوف التي كانت تكبل الإرادة الحقيقية لهذه الشعوب، ولعل سر عظمة هذه الثورة أن شعب تونس كان متفائلاً وصامداً ورافضاً لكل دعاوي اليأس والاستجابة لصوت العقل العاجز، وكل محاولات الإحباط التي كانت تخرج من هنا وهناك والتي دوماً ما كانت ترفع لافتة "لا فائدة"، صامداً أمام التشاؤم، ضارباً المثل الأعلى في إمكانية الشعوب أن تغير وتتحرك، حتى في ظل أعتى النظم الاستبدادية وأكثرها ديكتاتورية في المنطقة، ولعل تفاؤل الإرادة الذي كان عليه التوانسة هو سر نجاح هذه الثورة الشريفة، فالشعب التونسي قد فضل الحياة على الموت، العزة على الذلة، والكرامة على المهانة.

والشعوب العربية الأخرى إذا أرادت أن تحذو حذو الشعب التونسي فعليها أن تختار بين الحياة والموت، عليها أن تعرف أن الخلاص والنصر إذا لا يأتي بالأحلام والأماني بل لابد من وجود تلك الروح الإيمانية الفعالة والمؤثرة التي ترمي بكل سهم من أجل التغيير، وهو الحلم الذي لا تناله إلا الشعوب الحية، وليس للشعوب الميتة فيه من نصيب، ولعل رسالات السماء إلى الشعوب الميتة من سوء المصير أقوى دافع لها أن تتحرك وتتغير قبل أن يكون المشهد الحتمي يوم القيامة إلا وهو مشهد تخاصم أهل النار.

الثلاثاء، 1 فبراير 2011

لا تخونوا الأمة باسم الدين


لا تخونوا الأمة باسم الدين

د.محمد الأحمري

أليس لنا حق أن نعيش مثلهم بشر أسوياء، لا يتولى إدارة حياتنا من ينهبنا ويذلنا لهم؟
ألم يروا أن تأييد الحكام المستبدين ومرهبي الشعوب نفاقا لهم هم صناع الإرهاب

أصبحت على مكالمة من جماعة مصرية تتساءل عن مناقشات حامية يثيرها البعض باسم أنه لا يجوز للمشايخ والدعاة أن يكونوا أتباعا للغوغاء ويتظاهرون معهم ويؤلبون على الحكم؟

صدمني الموقف لأنه أثناء الحديث تبين أن هناك من يستعمل الدين في تخذيل الأمة عن المضي في ثورة تحريرها ممن استعبدها ونهبها وأذلها وأخرجها من التاريخ العظيم لمصر ودفاعها عن للأمة، وجعل بلدا كمصر مجرد مكتب للدعاية للسياسة الصهيونية والاحتلال الأمريكي.

أي شيخ يخذل الأمة ويتولى يوم الزحف ويغدر بأمته في معركتها، ويأمر بإسلام الأمة رقابها ومصيرها لمن عرفوا سوء حاله في كل شيء. باسم الإسلام يهدمونه ويذلون شعبه، هذا هو الفهم الذي يجعل الدين أفيونا للشعوب.

الشارع العربي الإسلامي جدد الدين والكرامة ويطارد المنافقين والمجرمين. ليس لنا أن نزايد على جهد وعمل المصريين الرائع وثورتهم المباركة، بل واجب كل حر تأييدها، والتشهير بالذين يحاولون سرقتها، لصالح من يعملون لتغيير الوجوه وإبقاء السياسات، إنها معركة مصر مع التبعية، ومع الهوان ومع الخذلان، إنها معركة أمة تريد الحياة ويريدون لها الموت.

ثورة مصر هذه مثال عظيم لإتباع سنة حسنة قام بها أبطال تونس الذين خلعوا من رقابهم عار الاستبداد والديكتاتورية، إنه مجد لكل عربي ومسلم عاش عصر الاستقلال من العملاء والسجانين، أعداء الأمة خدم أعدائها. ولا نامت أعين الجبناء. مجد عظيم تحقق بثمن مهما غلا فهو قليل مقابل تحرير أمة.
ألم تروا الأمة في تونس تزف حريتها لشعبها وللعالم العربي ولكل مضطهدي العالم؟

يا له من نصر تخطو مصر على خطاه، ويوم تتحرر مصر، فعسى أن يتحرر العالم العربي كله، ويوم تغوى وتخان وتدمر، فإنه الخطر الكبير، لم تنم أعين الصهاينة على خطوات مصر نحو الحرية، لم ينم ساسة أمريكا خوفا من انفلات مستعمرة من أيديهم وأن يحكم الشعب نفسه بنفسه، تابعت قنوات أخرى تعجبت من هبة المستعمرين، محاولين استعادة استعباد مصر والمصريين، إنها حركة موت أو حياة للأمة.

يرسلون رئيس السي آي آيه إلى المنطقة لعقد صفقة نهب واستعادة استعباد مصر، ويحاولون إغواء الناس بمعونات ورشاوى وسيفعلون بإعلان عن إعانات، ودعاية لزعامات تابعة، وضغوط مدمرة لإبقاء مصر مستعمرة تحت حاكم عسكري، إنهم يحاربون الديمقراطية والحرية في بلادنا لتنعم بها بلادهم، يحاربون استقلالنا ليستمر حكمهم لنا وامتصاصهم لخيراتنا.

أليس لنا حق أن نعيش مثلهم بشر أسوياء، لا يتولى إدارة حياتنا من ينهبنا ويذلنا لهم؟
ألم يروا أن تأييد الحكام المستبدين ومرهبي الشعوب نفاقا لهم هم صناع الإرهاب والسبب في قتل الأمريكان في كل أرض، أليس أولى بأمريكا إنهاء استعبادها لشعوبنا عبر خدمها، أليست السياسات الإرهابية لوكلائها من أسباب هزائمها العظمى وتراجع ثروتها وقوتها وانتشار كراهيتها في العالم الإسلامي، أليس آل مبارك وآل بن علي وأمثالهم سبب أساسي للإرهاب.

إن سياسة عبيدهم هي التي أنتجت من يقاتلون أمريكا في كل أرض، أليس من حقنا أن يختفي الحكام الإرهابيون العرب من أرضنا، وأن ينتهي استعباد الشعوب إننا نأمل في علاقة إنسانية مع الغرب لا استعبادنا عبر إرهابيين عملاء لهم. لقد وصلت الرسالة ولكنهم لا يكفون للأسف.

نحن بحاجة أكثر من أي وقت مضى أن نؤيد رواد الخير والسابقين للتضحية وليس الصمت والتشكيك، بل تأكيد التعريف بخيانة من خان غزة ونهب مصر واستتبع الأمة وهرب أولاده بثروة مصر وأبقى لها الديون والتبعية. نحتاج إلى التعريف بأن من يؤيد الشر واللصوصية فهو شريك فيها، ومن يقيم الدعاية للفساد ويسهم في سرقة الثورة فهو خائن للأمة.

بارك الله هذه الحيوية والشباب والمستقبل العظيم لأمة لتزيل أغطية العمالة والمذلة من طريقها.

  • تاريخ النشر: 28 صفر 1432 (1‏/2‏/2011)

الخميس، 20 يناير 2011

لا تصدق أن الرسول يقول: أطيعوا الأمير و لو سلب الأموال وضرب الظهور


لا تصدق أن الرسول يقول: أطيعوا الأمير و لو سلب الأموال وضرب الظهور

بقلم د . عبدالله الحامد
من أجل ذلك ينبغي أن ننتبه لفقهاء النكوص الذين يلوون أعناق النصوص، ويقررون أن الإسلام يقول:"أطع الأمير ولو ضرب ظهرك وسلب مالك"، فالحديث حتى لو لم يكن سنده منقطعا-وهو منقطع- معلول شاذ متنا، لأن الأدلة المحكمة، تقطع بأن وظيفة الدولة –في الإسلام-حماية ظهور الناس وأموالهم وأعرضهم، وتقطع أن الحاكم وكيل عن الأمة في حفظ الحقوق وتطبيق الشريعة، وتقطع بأن الوكيل إذا أخل بمقتضى الوكالة افتقد المشروعية.
لا تصدق أن الرسول يقول: أطيعوا الأمير و لو سلب الأموال وضرب الظهور
لأن وظيفة دولة الإسلام حماية ظهور الناس وأموالهم وأعراضهم
أ – حق الأمن على الحياة:

لقد أوجب الإسلام على الدولة الإسلامية كفالة (الحقوق الشخصية)، وهي حماية الإنسان من الاعتداء، وحماية ماله، وعدم جواز القبض عليه أو معاقبته إلا بالقانون العادل الشفاف، الذي تدركه النفوس المستضيئة بنور الطبيعة، كما تؤكده النفوس المستضيئة بنور الشريعة، فكلا النورين لا يتناقضان ولا يتعارضان.

ولذلك حرم الله قتل النفس ، وإزهاق الروح ، وكل ما يضر بالحياة ، وعد الله قتل النفس قتلا للبشر جميعا " من قتل نفسا أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " (المائدة : 32) ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم " (رواه مسلم ).

ولما وقف صلى الله عليه وسلم أمام البيت الحرام قال : "ما أطيبك وما أطيب ريحك وما أعظمك وما عظم حرمتك، والذي نفسي بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك ، ماله ودمه" رواه ابن ماجه.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " ووقف الرسول الكريم في خطبة الوداع، ليذكر الناس بأهم ما يجب عليهم: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا " (رواه البخاري).

وحرم الإسلام الانتحار، ولم يجعل للإنسان حقا في أن يقتل نفسه، لأن الحياة تكريم وامتحان، فلا يجوز أن يفر منه الإنسان، فقال تعالى " ولا تقتلوا أنفسكم إنه كان بكم رحيماً " (النساء:29).
وليست الحرمة خاصة بدم المسلم، فقد صرحت نصوص أخرى، بأن الإسلام قرر أن المسلم وغير المسلم سواء في كافة الحقوق القائمة على المواطنة، ولذلك اعتبر الاعتداء على الكفار المسالمين، كالاعتداء على المسلمين، كما في الحديث الذي رواه عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم " من قتل معاهداً، لم يرح رائحة الجنة " (رواه البخاري).

وأوجب الله القصاص في القتل، ولم يفرق الإسلام بين أن يكون القتيل رجلا أو امرأة، بالغا أو صبياً، عاقلاً أو مجنوناً، عالماً أو جاهلاً، شريفاً أو وضيعاً، مسلماً أو ذمياً، فيقتل الرجل بالمرأة، والبالغ بالصبي، والعاقل بالمجنون، والعالم بالجاهل، والشريف بالوضيع، والمسلم بالذمي،والجماعة بالفرد، لعموم قوله تعالى "وكتبنا فيها إن النفس بالنفس " ولما روى عن محمد بن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاد مؤمناً بكافر، وقال إنا أحق من وفى بذمته ، ويعلل الفقهاء ذلك "بأن تحقيق الحياة التي أشار الله تعالى إليها في قوله:"ولكم في القصاص حياة، يا أولي الألباب" في قتل المسلم بالذمي[قصاصا] أبلغ منه في قتل المسلم بالمسلم، لأن العداوة الدينية قد تحمل على القتل[عدولنا]، فكانت الحاجة إلى الزجر أمس" (انظر بدائع الصنائع 7/237).

بل إن الإسلام احترم الإنسان ميتاً، كما احترمه حيا أيضا، فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن تشويه الجثة بعد الموت فقال : "إياكم والمثلة"وعن جابر رضي الله عنه قال:"مرت بنا جنازة فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا، فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي قال:"إذا رأيتم الجنازة فقوموا".

ب- حق الأمن على المال:

وأمن الإسلام الإنسان على ماله، فحرم السرقة الصغرى، وهي التي يغتصب فيها الإنسان مال أخيه سراً، وعاقب عليها بقطع اليد، وحرم السرقة الكبرى، وهي (الحرابة)، وعاقب عليها بالقتل.

وأجاز للإنسان أن يدافع عن ماله بكل وسائل الدفاع، حتى لو ألجأه ذلك إلى قتل المعتدي، ولا قود عليه إذا ألجئ إلى قتل الصائل عليه، بل اعتبره الإسلام شهيداً، إن جندله الصائل قتيلا ، لقوله عليه السلام "من قتل دون ماله فهو شهيد" (رواه البخاري).

ج- حماية الأعراض والنسل:

ولقد شمل الإسلام الأعراض بأقوى حماية ، ووضع عقوبات شديدة على جريمة الزنا وهتك العرض والقذف، فقال تعالى " والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ، ولا تأخذكم يهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم والأخر ، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (النور:2).

وحرم الإسلام قذف المحصنات والمحصنين، وعاقب عليه بالجلد قال تعالى : "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وألئك هم الفاسقون" (النور : 44) فعوقب هاتك العرض بالجلد، وبإسقاط شهادته ويستوي في ذلك القاذف الشريف والوضيع.

ولقد صان الإسلام جسد الإنسان وعقله ووجدانه، فحرم تعذيب الجسد والاعتداء على البدن، من جرح أو ضرب أو سجن أو جلد، وحرم تعذيب النفس بسجن أو تخويف، أو سب أو شتم، أو سوء ظن أو قذف، قال صلى الله عليه وسلم:" سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (متفق عليه).

وقرر الإسلام جملة من الأحكام والعقوبات التي تكفل حماية الإنسان من كل ضرر أو اعتداء، ليتسنى له أن يمارس حقه الشخصي، وحرية التصرف في شئونه، دون إعاقة أو ضرر، فقال تعالى: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص" (المائدة : 45) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في تحريم الضرب والجلد "من جلد ظهر مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان" (رواه الطبراني في الأوسط ) وقال:" ظهر المسلم حِمى إلا بحقه" ( رواه البخاري) .

وغير المسلمين في كافة الحقوق الإنسانية، كالمسلمين، فقد مر الصحابي هشام بن حكيم على أناس من الأنباط؛ أقامهم الأمير بالشمس وصب على رؤوسهم الزيت، فقال حكيم: ما هذا؟ فقيل: يعذبون في الخراج، فقال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يضرب الذين يعذبون الناس في الدنيا " ثم دخل على الأمير فحدثه، فأمر بهم الأمير فحلوا.

حرم الإسلام القدح في الأعراض ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"، ونهى عن الغيبة والنميمة، وشرع القصاص في الأعراض، كما قال ابن تيمية ( السياسة: 80): "القصاص في الأعراض مشروع أيضا، وهو أن الرجل إذا لعن رجلاً، أو دعا عليه، فله أن يفعل به كذلك، وشرع القصاص في القذف وما دونه".

لقد أقر القانون الإسلامي هذه الحقوق قبل أربعة عشر قرنا، من قول ميثاق حقوق الإنسان:"لا يجوز ان يعرض احد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة، أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، أو بحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات" (المادة : 12).
د- حرمة المسكن:

أكدت الشريعة الإسلامية حرمة مسكن كل فرد أو أسرة، فلا يجوز انتهاك حرمة المساكن بدخولها دون إذن أهلها، فضلا عن الاعتداء عليها، قال تعالى " يا أيها الذين امنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم، حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحداً، فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، فإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم، والله بما تعلمون عليم"(النور:27-28)
ومن أجل حفظ حرمة المساكن حرم الله التجسس والتلصص على بيوت الآخرين فقال" ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا "(الحجرات :12) فحرم ذلك لأنه انتهاك للخصوصية، وهي من حقوق الإنسان الأساسية، وهي حرمة مسكنه، وحرية شخصه، وحرمة الاطلاع على سره، ولو كانت غاية الاطلاع مشروعة، لأن الغاية المشروعة لا تبرر الوسيلة المحرمة.

وحرم الإسلام التلصص من خلال ثقب في باب، أو نافذة في جدار، أو ستارة شفافة، أو خلال مكان مرتفع، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"من نظر إلى دار جاره، فإنما نظر إلى كوة من النار"
ولذلك أسقط الإسلام أرش من أصابه أذى وهو يتلصص على قوم بعيونه، من وراء ثقب فى باب أو جدار أو ستار، أو يقتحم بيتا دون أذن أهله، قال صلى الله عليه وسلم:" من اطلع في بيت دون إذنهم، ففقأوا علينه فلا دية له" (رواه البخاري).

وغير المسلمين في ذلك كالمسلمين، وإنما نص على كون الإنسان مسلما من باب التغليب، كما أن خطاب المسلمين جاء بصيغة المذكر أيضا من باب التغليب، لأن الخطاب يشمل الرجال والنساء، إذ لا قرينة تخصص الرجال أو المسلمين بالحقوق الإنسانية، التي هي حقوق يكتسبها الناس بكونهم بشرا، لا بكونهم مسلمين أو غير مسلمين.

من أجل ذلك ينبغي أن ننتبه لفقهاء النكوص الذين يلوون أعناق النصوص، ويقررون أن الإسلام يقول:"أطع الأمير ولو ضرب ظهرك وسلب مالك"، فالحديث حتى لو لم يكن سنده منقطعا-وهو منقطع- معلول شاذ متنا، لأن الأدلة المحكمة، تقطع بأن وظيفة الدولة –في الإسلام-حماية ظهور الناس وأموالهم وأعرضهم، وتقطع أن الحاكم وكيل عن الأمة في حفظ الحقوق وتطبيق الشريعة، وتقطع بأن الوكيل إذا أخل بمقتضى الوكالة افتقد المشروعية.

ولكن فقهاء كثيرين –ولا سيما في عهود الظلم والرعب- يئسوا من حكم العدل والشورى، جنحوا إلى النصوص المتشابهة، فضلوا وأضلوا، وأغلبهم لا يشعرون.

وصدق الله العظيم:"هو الذي أنزل الكتاب منه آيات محكمات، وأخر متشابهات"، فكل نص ينقض كون الحاكم وكيلا وكلته الأمة لصيانة حقوقها، وأنه يجب أن يذعن لإرادتها التي يبلورها نوابها المنتخبون المستقلون فهو متشابه، يرد إلى المحكم، كما قرر الأصوليون.

وكل الحقوق التي اهتدت إليها الطبائع السليمة والعقول الناضجة، ولا تقوم العدل والعمران من دونها؛ هي حقوق في الشريعة، ولا يقع في التوهم والغفلة عن سنن الشريعة؛إلا من لم يضع(مصباح)الكتاب والسنة، في (زجاجة) التطبيق النبوي والراشدي، و(مشكاة)حقائق علوم الإنسان والطبيعة، ولتفصيل هذه القاعدة؛ انظر للكاتب(لكي لا يكون القرآن حمال أوجه/ المصباح في زجاجة ومشكاة (دار الناقد الثقافي/دمشق 1430ه/2009م).

السبت، 1 يناير 2011

خطأ شائع يفوق الجُرْمْ

خطأ شائع يفوق الجُرْمْ
الدكتورة زينب عبدالعزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية

يقول المثل العامى من قبيل التهوين : "خطأ شائع ولا صواب مجهول" !.. لكن هناك من الأخطاء الشائعة ما يفوق الجُرْمْ والإجْرا م حتى وإن كان بحسن نية ، لذلك وجب التنويه والتصويب ، خاصة إذا كان هذا الخطأ يمس الدين و أبجدية المعلوات العامة معاً .. ولولا شيوع هذا الخطـأ ، ليس بين عامة الناس فحسب وإنما بين بعض كبار العلماء والباحثين والدارسين ، لما فكرت فى تناوله. والموضوع إختصارا يتعلق بكيفية التعبير عن الرسالات التوحيدية الثلاث ، وكتبها ، وخطأ المساواة بينها ، فالخطأ هنا يفوق الجُرْمْ حقاً وشرعاً.

والرسالات التوحيدية هى بترتيب نزولها : اليهودية ، المسيحية ، والإسلام.

وأصلها : التوحيد بالله عز وجل.
فحينما حاد اليهود عن رسالة التوحيد وقتلوا الأنبياء بغير حق ، وعادوا إلى العجل والكفر والشرك بالله ، لعنهم الله سبحانه وتعالى..
وارسل عيسى بن مريم ، عليه السلام، الى خراف إسرائيل الضالة. وهو ما يؤكده عيسى بن مريم بوضوح قائلا : "وما أتيت إلا من أجل خراف بيت إسرائيل الضالة" (متى 15 : 24).. الأمر الذى يحدد ويحصر رسالة يسوع فى العودة بخراف اليهود الضالة الى رسالة التوحيد ، وليس لتنصير العالم..
بدليل أنه حينما تم اكتشاف قرّات جديدة اندلعت مشكلات بين الأتباع وفى الكنيسة نفسها حول تلك الأجناس الجديدة وهل هى مخلوقة من نفس الإله أم أن هناك آلهة أخرى قد خلقتها. وليس المجال هنا تناول هذه الجزئية.
 كما كانت الصلاة والسجود أيام المسيح حسبما يحددها بوضوح أيضا ، إذ يقول : "لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد" (متى 4 : 10). أى أنه يؤكد بصريح العبارة أنه ليس بإله ، ويفرق بينه وبين الرب. وهو ما يوضح فى نفس الوقت ان الصلاة والسجود ايام اليهود وايام السيد المسيح كانت لله وحده، لا شريك له ، صلاةً وسجوداً .. وحينما حاد النصارى عن التوحيد وكفروا ، وذلك بتأليه السيد المسيح فى مجمع نيقية سنة 325 ، ثم غالوا فى الشرك بالله باختلاق بدعة الثالوث ، لعنهم الله عز وجل وكشف الكفر الذى وقعوا فيه. فأرسل سيدنا محمد ، عليه الصلاة والسلام ، لإستتباب رسالة التوحيد فى العالمين. 

وإذا تناولنا الكتب السماوية لرأينا ان التوراة التى أنزلها الله ووارد ذكرها فى القرآن ، قد تم تحريفها وليست هى التى بين أيدى اليهود حاليا. والعهد القديم أو باقى الأسفار ظلت كتابتها وتعديلاتها وتبديلاتها ومختلف صياغاتها تمتد حتى القرن العاشر الميلادى. وكل ذلك منشور وهُرىّ بحثا ومعترف به فى كل مكان ولا جدال فيه. أى انه لا التوراة الحالية ولا الأسفار الخمسة الأولى التى كانت تنسب الى موسى عليه السلام ، والتى ثبت انه لم يكتبها ، فما من إنسان سيتحدث عن نفسه فى صيغة الماضى أو يصف أين تم دفنه وما إلى ذلك من تحاريف ظلت سارية طالمة التداول كان محدودا والسيطرة عليها من الحاخامات كانت سهلة. ونفس الوضع بالنسبة لباقى الأسفار. وبالتالى فإن الحديث اليوم عن التوراة يجب أن يقوم بالتفرقة الصارمة بين التوراه الوارد ذكرها فى القرآن الكريم ، وبين التوراة وباقى الأسفار التى كتبها وحرفها العديد من البشر لمدة تمتد لأكثر من عشرة قرون من التعديل والتبديل. وهو الثابت أيضا فى القرآن الكريم الذى كان سباقا فى هذا التحديد وهذا الكشف. لأن عملية كشف هذا التلاعب لم تتم بصورة قاطعة إلا منذ عصر التنوير وتتواصل حتى يومنا هذا ، بفضل تقدم العلوم اللغوية والتاريخية والأثرية.

والعهد الجديد أو الأناجيل الأربعة قد عرفت وعانت من نفس مصير التحريف والتغيير والتبديل كالتوراة.. ففى القرن الرابع الميلادى طلب البابا داماز ممن أصبح القديس جيروم أن يدمج الأناجيل، وكان عددها قد فاق الخمسين إنجيلا آنذاك. فأعاد القديس جيروم صياغة الأناجيل الأربعة وما معها ليجعلها بالصورة التى هى عليها حاليا، وتم حرق باقى النصوص أو إخفاء ما يطلق عليه الأناجيل المحجبة أو "الأبوكريفا". وتكفى مطالعة المقدمة التى كتبها جيروم هذا الى البابا لندرك حقيقة ما تم فعلا ، فمما يقوله فيها :

" تحثنى على أن اقوم بتحويل عمل قديم لأخرج منه بعمل جديد ، وتريد منى أن أكون حكماً على نُسخ كل تلك النصوص الإنجيلية المتناثرة فى العالم ، وأن أختار منها وأقرر ما هى تلك التى حادت أو تلك التى هى أقرب حقا من النص اليونانى. أنها مهمة ورعة ، لكنها مغامرة خطرة إذ سيتعيّن علىّ تغيير أسلوب العالم القديم وإعيده إلى الطفولة. وأن أقوم بالحكم على الآخرين يعنى فى نفس الوقت أنهم سيحكمون فيه على عملى. فَمَن من العلماء أو حتى من الجهلاء، حينما سيمسك بكتابى بين يديه ويلحظ التغيير الذى وقع فيه ، بالنسبة للنص الذى اعتاد قراءته ، لن يصيح بالشتائم ضدى ويتهمنى بأننى مزور ومدنس للمقدسات ، لأننى تجرأت وأضفت ، وغيّرت، وصححت فى هذه الكتب القديمة ؟

" وحيال مثل هذه الفضيحة ، هناك شيئان يخففان من روعى ، الأمر الأول : أنك أنت الذى أمرتنى بذلك ؛ والأمر الثانى : إن ما هو ضلال لا يمكن أن يكون حقاً. وهوما تقره أقذع الألسنة شراسة. وإذا كان علينا أن نضفى بعض المصداقية على مخطوطات الترجمة اللاتينية، ليقل لنا أعداؤنا إيها أصوب ، لأن هناك من الأناجيل بعدد الإختلافات بين نصوصها. ولماذا لا يروقهم أن اقوم بالتصويب إعتمادا على المصادر اليونانية لتصويب الأجزاء التى أساء فهمها المترجمون الجهلاء ، أو بدلوها بسوء نية ، أو حتى قام بعض الأدعياء بتعديلها.

" وإذا كان علينا دمج المخطوطات ، فما يمنع أن نرجع ببساطة إلى الأصول اليونانية ونبعد بذلك عن أخطاء الترجمات السيئة أو التعديلات غير الموفقة من جانب الذين تصوروا أنهم علماء ، أو الإضافات التى أدخلها الكتبة النعسانين ؟ "


وفيما يلى الصورة الفوتوغرافية لأول صفحة من الخطاب-المقدمة أو الإعتراف الذى يتصدر تلك الطبعة اللاتينية للأناجيل ، وهى بمكتبة فرانسوا ميتران بباريس :
 


وأكتفى بهذا القدر من خطاب القديس جيروم لنرى كيف أن المؤسسة الكنسية تعلم تماما بحال نصوصها المؤسف ، ورغمها لا تزال تحاول فرضها على العالم وخاصة على المسلمين فى كل مكان. وظلت المؤسسة الكنسية تفرضها على الأتباع ، حتى مجمع ترانت (1545-1563) فى دورته الرابعة بتاريخ 8 إبريل 1546 ، على انها "منزّلة من عند الله وإن الله وحده هو المؤلف الوحيد لها" !

وكانت تمنع الأتباع من قراءتها إلا فى حضور قس من القساوسة ليجيب على أية تساؤلات حول ما بها من متناقضات.. ومع تزايد الدراسات والأبحاث التى تكشف وتدين التلاعب فى هذه النصوص أعلن مجمع الفاتيكان الأول (1869-1870) ، فى دورته الثالثة بتاريخ 24 إبريل 1870: "ان من كتبها بشر تحت وحى من الروح القدس" .. وعندما استتبت الأبحاث الكاشفة بصورة قاطعة وبات من المحال تكذيبها أعلن مجمع الفاتيكان الثانى (1963-1965) فى دورته الثالثة بتاريخ 18 نوفمبر 1965: " أن هذه الأناجيل كتبها بشر ، وان بها الصالح والبالى (...) لكنها تمثل دروسا تعليمية من عند الله (...) وانه لكى نفهمها لا بد من أن نأخذ فى الإعتبار مختلف أنواع الكتابات الأدبية والسرد القصصى والتراث السائد آنذاك" .. أى أنها مجرد سرد قصصى ولا علاقة لها بالتنزيل من عند الله ، وهو ما كتبه لوقا فى بداية إنجيله ، حيث قال :
"إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة فى الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة رأيت أنا أيضا إذ قد تتبعت كل شئ من الأول بتدقيق ان اكتب على التوالى إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذى عُلِّمت به " (1-4).. أى انه يكتب قصة من القصص بناء على الكلام الذى احيط به علما ، لأنه سمعه كما يقول ولم يشاهده .. فهل هناك أية مصداقية لهذه الأناجيل أو هل هناك أكثر من كل هذه الإعترافات الرسمية من المؤسسة الكنسية برمتها بأن هذه الأناجيل ليست منزلة من عند الله ، وبتأكيد من أحد الحواريين فى بداية إنجيله موضحا أنه يكتب قصة من ضمن القصص ، فهل يجوز بعد ذلك كله أن يقول أى مسلم ، أيا كان مستواه العلمى ، أنها منزلة من عند الله أو ان يساويها بالقرآن الكريم فى قدسيتها ؟ حاشا لله !

لقد أوضح لنا القرآن الكريم مختلف أنواع التحريف والتبديل والتغيير وكتْم الحق وهم يعرفون ، ولا يسع المكان هنا لنقل ثلث القرآن الكريم الذى يتحدث عن الكفر والكفار والشرك بالله ، علما بأن كلمة "كفروا" وردت 194 مرة وكلمة "الكافرين" 93 مرة ، وتصريفات الجذر "كفر" وردت 385 مرة، لذلك فلا اذكر منها إلا بعض الآيات على سبيل المثال لا الحصر :
ويكشف الله العلىّ الكريم تلاعبهم فى النصوص قائلا :

* "فَوَيْلٌ للذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَاذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ" ( 79 البقرة ).
ويقول المولى عز وجل فى تحريفهم للنصوص : 
* "(...) وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (الآية) ، (75 البقرة)
* "فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ"، (59 البقرة).
وفى تلبيسهم الحق بالباطل يقول سبحانه وتعالى :
* "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (71 آل عمران).
وفى الشرك بالله يقول رب العالمين : 
* "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ " (الآية) ، (17 المائدة).
* " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" ( 73 المائدة).
* "وَلَا تَجْعَلُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ ۖ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌۭ" (51 الذاريات) .
وقد حذّرنا الله سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم من الإنسياق للذين فضح كفرهم برسالة التوحيد ، حذرنا فى ذلك الكتاب الذى لا ريب فيه ، فى ذلك الكتاب الحكيم الذى اُحْكِمَت آياته و أنزله سبحانه وتعالى ليخرج الناس من الظلمات الى النور ، ونحن نعلم يقينا إنه لكتاب عزيز ، و"إن كتاب الكفار لفى سجّين" (7 المطففين) ، فكيف يمكن مساواتهما ؟ كيف يمكن مساواة القرآن الكريم بكتابٍ إعترف أصحابه بأنه من نسج بشر ، ومحرّف ، وليس منزّل من عند الله ؟ !
كيف يمكن مساواته بكتاب حذرنا ربنا سبحانه وتعالى من كل ما فيه من أنواع التحريف والتزييف والتغيير وكتمان الحق لفرض الباطل ؟ بل لقد أثبت العديد من علمائهم ورجال دينهم كل ما سبق ان أثبته القرآن الكريم من تلاعب وكل ما أورده من إتهام فاضح .. ومعرفة هذا الكشف الباتر فى حدته و القاطع فى وضوحه هو الذى أبعد الأتباع فى الغرب عن دينهم وعن كنيستهم ، بعد أن عرفوا الحقيقة التى ظلت المؤسسة الكنسية تعتم عليها لمدة قرون دامية ..
لذلك لا يجب أبدا ولا يجوز ، لا شرعا ولا قانونا ، أن نتحدث عن المسيحية الحالية أو عن آناجيلها ونصوصها الكنسية على أنها منزّلة من عند الله ، كما لا يجب ولا يجوز مساواتها بالإسلام وبالقرآن الكريم ، وخاصة مساواة مثل هذه الأناجيل بكتابنا العزيز ، لأنه الكتاب الوحيد الذى يُطلق عليه حقا وبتحديد من الله عز وجل فى علاه :
"إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (80-77 الواقعة)
23 سبتمبر 2010 

الخميس، 30 ديسمبر 2010

قانون:ولقد كرمنا بني آدم/وإنما ولدتهم أمهاتهم أحرارا


قانون:ولقد كرمنا بني آدم/وإنما ولدتهم أمهاتهم أحرارا

بقلم د . عبدالله الحامد
والذلة هي فقدان المناعة، الذي يجر على الأمة كل الموبقات، فكل استسلام للحجاج يفضي حتما إلى الاستسلام لقيصر، هذه نهاية تلك البداية، وهذا ليس دليلا على أن الكرامة صنو الحياة، بل على أنها هي روح الحياة.

قانون:ولقد كرمنا بني آدم/وإنما ولدتهم أمهاتهم أحرارا
الحاكم الذي يغتال الكرامة شر من الوحش الذي يغتال الحياة

أ=ما مقتضى: كرمنا بني آدم نصوص الكرامة قطعية كلية:

لقد كرم الله تبارك وتعالى الأناسي وفضلهم على كثير من مخلوقاته فقال "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير من خلقنا تفضيلا " (الإسراء : 70 )،ومن تكريمه الإنسان أن أمر الملائكة بالسجود له، فقال تعالى: "وإذا قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " ( سورة ص:71).

وكل ذلك لأن الباريء الكريم خلق الإنسان لعبادته اختيارا، ولم يجبره على العبادة إجبارا، فقال:"وهديناه النجدين"، ولا يتم للإنسان أن يكون عبدا لله اختيارا، مالم تتوافر حريته عن من سواه فلا يخضع إلا لله ، ولا يطيع إلا الله ، ولا يخاف إلا الله، ولا يرجو إلا الله، فتنازل الإنسان عن حريته وكرامته لمخلوق مثله، إنما هو تنازل عن درجة الآدمية الفطرية، وهبوط في الدرك الحيواني، هذا المعنى أشار إليه عمر بن الخطاب عندما قال: " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".

ولا يجوز ترويع الإنسان مسلما كان أو غير مسلم أيضا بأي حال من الأحوال كما في الحديث الشريف "لا يحل لمسلم إن يروع مسلما " ( رواه أبو داود والترمذي) وعن أحمد في رواية عند الطبراني "لا تروعوا المسلم فان روعة المسلم ظلم عظيم".
وقال تعالى : " إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبيناً "، أي ما لم يكن باغيا محاربا، ويستوى فى هذه الحقوق غير المسلمين مع المسلمين، لأنها حقوق تكتسب بالمواطنة والذمة. ولذلك لا تجيز الشريعة الإسلامية لأمير أو رئيس أن يؤذي فرداً أو جماعة، أو أن يضربهم ، كما لا يجوز أن يعتقلهم أو يقتحم بيوتهم، إلا بحكم القضاء العادل، فضلا عن أن يروع أطفالهم ومحارمهم.

حرم الإسلام التجسس وتتبع العورات، فقال تعالى:"يا أيها الذين امنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا"
وأكدت السنة تحريم تجسس الدولة على المجتمع، وقد ذكر ابن خلدون خطورة تجسس الدولة على الشعب، وما يؤدي إليه من المفاسد .

وحرم الإسلام كل قول أو عمل يمس كرامة الإنسان، فحرم الغيبة والنميمة، وحرم الهمز واللمز والتنابز بالألقاب، قال تعالى: "يا أيها الذين امنوا لا يسخر قوم من قوم عسى إن يكونوا خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى إن يكن خيرا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون، يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن، إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه؟" (الحجرات: 11-13) وقال تعالى: "ويل لكل همزة لمزة" وقال: "ولا تطع كل حلاف مهين هما مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم ".

ب- حرية التنقل والسفر:

أباح الإسلام للإنسان التنقل داخل الوطن والسفر خارجه، بحرية تامة ، لأن الحركة شأن الحياة والأحياء، ولا حياة دون تنقل، فالإنسان يغدو ويروح، للبحث عن العمل والكسب والمعاش، ولقد أباح الله التنقل للتجارة والاكتساب، وعده من نعمه على عباده فقال تعالى : " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ، فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور " (الملك:15) ومن وصايا عمر بن عبد العزيز: "افتحوا للمسلمين باب الهجرة"، وقوله " دعوا الناس تتجر بأموالها في البر والبحر، ولا تحولوا بين عباد الله ومعايشهم "،وكان المسلمون وغيرهم ينتقلون داخل بلاد الإسلام، وخارجها للتجارة والسياحة وطلب العلم.

وبناء عليه لا يجوز للحاكم أن يمنع أحدا من التنقل والسفر والحركة؛إلا قضاء لعقوبة أو تحقيقاً لمصلحة راجحة أو دفعاً لمفسدة متوقعة، وأن تقرر ذلك جهة محايدة عن الحكومة، مفوضة شعبيا، هي سلطة القضاء. وأي حكومة تمنع الناس من السفر ، فإنما هي حكومة طغيان، وذلك أمر قطعي دلت عليه الأدلة اللفظية والمعنوية، التي تقرر مقاصد الشريعة، لقد قرر الإسلام ذلك قبل إن يقول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م: "لكل فرد حرية النقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة، ويحق لكل فرد إن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده ، كما يحق له العودة إليه" (المادة :13).

ومن أنواع السفر الهجرة من دار الكفر أو الاضطهاد والاستبداد والإهانة، إلى دار الإيمان أو الحرية والكرامة، وهو حق للمسلم أو واجب عليه-حسب الحال والغاية والمآل-لا يجوز للمسلم أن يمنعه منه خوف فقر أو كبد، قال تعالى " والذين امنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ، والذين آووا ونصروا ، أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم " (الأنفال: 74).

ولذلك فإن القيود التي تضعها الحكومات، لحجر الناس، قيود مهينة، لأن من حق الإنسان أن يتنقل في بلاد الإسلام، ولا سيما الهجرة من بلد الضيق على أرض الله الواسعة، قال تعالى: " يا عبادي الذين امنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون " (العنكبوت:56).

ج=حاكم يغتال الكرامة شر من وحش يغتال الحياة:

ولا تتضح أهمية الكرامة في الشريعة، إلا بتصور علاقتها بالحرية والاختيار، وعلاقة الحرية والاختيار، بقاعدة (التسخير) الذي ورد في النصوص الشرعية: "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً " (الجاثية 13) و " وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ، وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار " (إبراهيم : 32-33) فكل ما حول الإنسان مسخر لنفعه، فقد عده الله من نعمه الظاهرة والباطنة، إذ أخرج من الأرض ماءها ومرعاها ، والجبال أرساها متاعا للبشر ( كما في سورة النازعات )، وشق الأرض، وأنبت فيها الحب، والزيتون والنخل، والحدائق الغلب، متاعاً للبشر ( كما في سورة عبس).
لقد حمى الإسلام كرامة الإنسان من الإهانة والإذلال، فقال تعالى "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " فلا خير في الذليل المهين، لأنه لا يصلح لحمل رسالة الإسلام إلا الأحرار الأعزة الكرام ، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" لا تضربوا المسلمين فتذلوهم". إن العقيدة الإسلامية توجب على المسلم أن يكون عزيزاً كريماً ، وتوصي الإنسان بالتمرد على كل ذل واستعباد، لأن عبوديته لله ، تشده إلى الله فلا يرى عظيما غير الله، ولا يرى مخوفاً غير الله، ولا يرى مرجواً غير الله:

عش كريما أو مت وأنت عزيز =بين ضرب الطلى وخفق البنود

وأي حكومة تذل الإنسان، وتروضه على الخضوع والركوع والطاعة العمياء، فقد حرمته شيئاً أغلي من المال والشراب والغذاء والدواء، إنه الكرامة والعزة " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين [من الحكام وفقهائهم الخانعين] لا يفقهون"(انظر: عبد الكريم زيدان: الفرد في الشريعة الإسلامية).

الناس في الشريعة أحرار مكرمون، وكرامتهم ثابتة بأصل الخلقة الإنسانية، مؤمنهم وكافرهم،فالله هو الذي وهبهم الكرامة، وما وهبه الله لا يجوز للدولة انتقاصه، فضلا عن إلغائه، لأن الدولة إنما وظيفتها حفظ الحقوق، لا العدوان عليها، وهذا المبدأ مهم جدا، لكي لا يقول الفقهاء الخانعون لغبش الاستبداد: ينبغي الصبر على الحاكم الظالم، وينبغي التضحية بالعدل من أجل الأمن، ولكي لا يزيدوا الطين بلة فيقولوا: إن طاعة الحاكم الجائر من أصول العقيدة!، (للمزيد انظر رد الكاتب ترهاتهم في كتيب السلفية الوسطى: سلفية العدل عديل الصلاة، لاسلفيات الاستسلام للطغاة، ما أقاموا الصلاة/دار الناقد الثقافي دمشق 1430هـ).

أي عقيدة هذه وأي سلف صالح يتحدثون عنه، وكل أمن يقوم على انتهاك الكرامة، فإنما أمن فرعوني ، وهو ظلم مبين، وهو من صفات الطاغوت، كما قرر القرآن الكريم، في قصة موسى وفرعون، في مطلع سورة القصص"إن فرعون علا في الأرض ".

ولكي يتبين أن الكرامة صنو الحياة، ينبغي أن نتذكر أن الإسلام فرض جهاد الطغاة من الحكام جهادا سلميا، كما شرع جهاد المعتدين على الدولة جهادا حربيا بالسيوف، كلاهما فرض عين،ولمزيد من مقاربة ذلك انظر للكاتب(كيف تكون الكلمة أقوى من الرصاصة[جهاد الاستبداد السلمي] الدار العربية للعلوم بيروت).

بيد أن الطغاة شر من الغزاة لأن الغزاة لا يقتلون كل الناس، بل يقتلون المحاربين، ولكن الطغاة يسلبون الأمة العزة والكرامة، فيجعلون أهلها أذلة، كما قالت بلقيس"وجعلوا أعزة أهلها أذلة"، والذلة هي فقدان المناعة، الذي يجر على الأمة كل الموبقات، فكل استسلام للحجاج يفضي حتما إلى الاستسلام لقيصر، هذه نهاية تلك البداية، وهذا ليس دليلا على أن الكرامة صنو الحياة، بل على أنها هي روح الحياة.

د= قانون:إنما ولدتهم أمهاتهم أحرارا:

فالمساواة من القيم الإسلامية العظيمة، وهي من صوالح الأخلاق الإنسانية، التي اهتدت اليها الطبائع والخبرات فى الأمم، وأكدتها الشرائع والنبوات منذ القدم.

إن الناس سواسية أمام القانون، (بشرط أن يكون القانون عادلا لا فرعونيا) وهي قاعدة قانونية استقرت في التشريعات العالمية منذ الثورة الفرنسية، التي رست على ضوء منها مبادئ حقوق الإنسان العالمية، التي استرشد الناس فيها ، بما وهبهم الله من فطرة الطبائع ، وما بقي لديهم من ومضات الشرائع، وكلا المصدرين إنما هو من هبة خالق السماء والأرض، لا محاباة لفرد على آخر، ولا تميز لأحد على أحد، بلون أو جنس أو قبيلة أو منصب، أو مال أو قرابة أو مذهب. وقد طبق هذا القانون المسلمون الأولون في عهد النبوة والخلافة الراشدة.

ومن نماذج ذلك قصة عمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص، فقد لطم أحد أبناء عمرو بن العاص قبطياً مصريا، لأن القبطي سبقه في المضمار، صارخا في وجهه: كيف تسبق ابن الأكرمين ؟ فرحل القبطي من مصر إلى المدينة، مشتكيا عمرا إلى عمر ، فأمر الخليفة عمرو بن العاص وابنه بالحضور، فلما حضرا
قال الخليفة للقبطي: أهذا الذي ضربك ؟
فقال القبطي:نعم .
فقال الخليفة للقبطي: اضربه ، فأخذ القبطي يضربه حتى اشتفى.
فقال الخليفة للقبطي :زد ابن الأكرمين، ثم التفت الخليفة للقبطي مخاطبا عمرا: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
كأن عمر يخشى على المسلمين-ماحدث بعد ذلك- أن يتأثروا بأنماط قمع فراعنة مصر وأكاسرة المدائن، وقياصرة الروم.