‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. محمد الأحمري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. محمد الأحمري. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 15 يوليو 2019

تطوّر المفكّر

تطوّر المفكّر


د.محمد الأحمري

كاتب ومدير منتدى العلاقات العربية والدولية

يواجه المفكّر مشكلة كبيرة في مسيرة تطوّره الفكريّ، في أنه يجد قبولًا من الناس لأفكاره، ويعرف بعضها القريب والبعيد منه وعنه، وحين يصل إلى ما بعد الأربعين تبدأ كثير من إشراقات الوعي والنضوج تدبّ في روحه وتشرق على عقله، يخاف منها في بداية الأمر، ولكنه يتحدث بها ويناقش من يتوقع منه الوعي والمعرفة، فهو يتساءل عن آخرين أسئلة يتوقعها الناس جهلًا أو يقولون لعله يريد أن يَردّ ويكتب عنهم وعن آرلكأن المطلوب من المفكر اليوم أن يحتفل، وليس المطلوب منه أن يغزو، قد يقبل الأكثر بالمشاركة في الحفلة المستمرة، ولكن للعباقرة مواطن أخر، يرونها فيهبون لها، قد يستعجلون فيقفزون مع النافذة، ولكنهم حتى بهذا يدلون على السأم من حفلة مكررة التهى بها الجمع عن العمل، لن يعجب أحد بالذين يفارقون الحفلة اليوم، ولكن أعينا سوف تتبعهم، ثم رؤوس وأقدام وتكون طريقًا وجادّة، وجمع كبير وهدم لأصنام ثم تكون احتفالات كبيرة، قد لا يسعفنا الزمن أن نراها كلها ولكنها واعدة وستقع.
ثم تكون معتادة، ويأتي نجيب آخر ويتمرد على الحفل، ويكره تهديم هذه الصخور التي أصبح تكسيرها بلا معنى ليذهب ويرى الناس أصنامًا أخر لم يروها، بدأ نحتها في الاحتفال، وتتبعه قلة، تخالف سنة الناس، وتتبع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويغيرون على أصنام عجيبة لم ترها عين من قبل، ويوقعونها من القلوب ثم تأتي الجماهير وتحتفل بكسر الصخور الجديدة، وفي أوج الحفل ينتبه آخر لأصنام جديدة وهكذا، تلك من مسيرة التجديد للعقل وللقلب وللدين، حتى يأذن الله بشأن آخر. ائهم وانحرافاتهم، أو أن لديهم شيئًا مجهولًا يَحسُن بالمفكر معرفته.
اليوم يهوى أمورًا وموضوعات لم يكن يعطيها مكانة كبيرة، تنفتح عيناه على قضايا أخر، تهتز كثير من آرائه السابقة. وهنا تبدأ معركة الفكر في الداخل والخصومة العنيفة بين ما كان يراه وما أصبح يراه اليوم، معركة مرعبة يراها ولا يجهر بها.
يحاول أن يجند جيشًا قمعيًّا من جنده القديم، يجلس مع جيش المحافظين يأنس بهم ويأمل أن يهيئ الله منهم فارسًا شجاعًا يضرب بصارمه رقبة هذه الأفكار التي تدور في الرأس، يتلمح بعينيه فلا يرى ذاك الشجاع، ويكرر موقف شوقي “ووجدت شجعان العقول قليلًا”، وهناك يرمي  فكرة كليلة، ورأيًا فطيرًا، ويكبت ألمًا حارًّا ويغطي على فكرته التي يضغط بخارها بقوة فوق قدرته على الكبت، ويحاول أن يسيطر على غبار المعركة كي لا يراه أحد، فيمشي وحيدًا، يطرح الفكرة على نفسه، ويرد عليها، يا لها من متعة مؤلمة ومغامرة غريبة في أعماق الذهن أن تصنع الفكرة وترد عليها، وحيدًا دون قرين، وبعض من كان يراهم مؤهلين بقوا كما هم، أو هربوا ليكونوا أتباعًا متحجرين لمحافظين في الطرف الآخر.
هذه الكتب الجديدة تسوق تفكيرًا جديدًا، هذا العمر يَسخَر من طفولة الأمس، هذه الروح المقفرة تبحث عن ريّ، هذه العبادة المنعشة والتطلع لآفاق الروح تتطلب قولًا جديدًا وشوقًا جديدًا.
هذه الغربة تبحث عن أنس، كتب الأمس لا تكفي وكتب اليوم لا يوثق بها، كتب اللحظة براقة ولكن لها لغة مختلفة واهتمامات أخرى، إنها قادمة من عالم آخر، عالم شباب بدأ يهجره وراءه، وفكر شاب يبدأ الشروق.
الشرق مغدق كنوزه التي لم يعد قادرًا على التقاطها جميعًا، ثمار رائعة وشهية لا تقف عند حد، وعين خفت بريقها، ويد تضعف عن معاناة الكتاب، وزحمة حياة وقضايا أوسع من آفاق شخص، ولكنه وللأسف نفس الشخص القديم، يقوى عقله، فيضعف بدنه، يشرق يومه فيرى قِصره الشديد، يكتب سطرًا فينفتح أمام عينيه عالم لا طاقة له به، فليغلق دونه فيضان العالم.
الكتب الجديدة والنمو الفكري، هذه الوجوه المحببة للكتب وللأفكار عناصر تحارب الرجل حر الفكر، سيوف تسل فوق عنقه كل يوم، إن جدد فكرته اتهموه، وإن جمد حمدوه، يا لهم من تلاميذ قساة، وأصدقاء غرباء عنه، لا يستطيع التعبير عما يجول بخاطره، قائمة الاتهامات لا نهاية لها، وعالم الوعي مطارد في جزيرة بعيدة لا يراها أحد.
ترى لو أن المفكر استطاع أن يكوّن شخصيته في العشرين، أيام الجهل المتعصب، ثم يغلق عليها هناك ألا ما كان أسعده! وإنها لحالة نفسية يجالد عليها مفكر في نهاية عمره. يتمناها ولا يجدها. إن يكن حقًّا يعاني من فهم الناس الصحيح له فهو ناجح جدًّا، إن كان مرتاحًا لفهمهم له فهو نفسه الذي كان قبل أكثر من عشرين عامًا أو ثلاثين، (لم تزد عن أمس إلا إصبعًا) كما قال شوقي في مجنون ليلى.

إن الوقار والمكانة الاجتماعية بين الإخوان والأصحاب والطلاب تتطلب مزاجًا جامدًا، وقوانين تكرار منضبطة، وجمودًا عند أمس، ويبوسًا على المواقف، يسمّونه ثباتًا، ويمدحونه بأنه ثقل ورزانة، ولكن لك الله أن أفذاذ البشرية لو وقفوا عند مقاييس المجتمع وعاداته وأقيسته ومصالحه ورزانته وثقله وعاداته وتقاليده لما وجدنا في حياة الإنسان شيئًا ممتعًا ولا جميلًا، ولا رأينا مغامرة نشكره عليها، ولا إبداعًا يفتح العين ويفل الحجاج، ويأخذ القلب معه في رحلة للقلب والعاطفة نحو بلاد للفكر والإبداع لم نسمع بها.

قليلون أولئك الذين يغادرون الأعراف لينزلوا مع العقل والقلب حيث نزلا، إنهم يهربون منهما، ويعكفون بعد الأربعين والخمسين على أطلال لهم، يحبونها لما تجلبه من ذكريات، وما توثق من عادات، وما تؤوي من أصدقاء، فنحن دومًا أبناء ما جرينا عليه، ونخاف من المغامرة فيما نحتاج إليه، والدروب التي لم تُعبّد ولم تُسلك يهزأ العقلاء من سالكيها، تجلب الضحك عليهم، غير أن غلمانا للناقدين سوف تعجبهم المحاولة بعد أن ثبت أنها ممكنة، ثم يدكها المشاة، ثم تصبح الجادة، ويصبح سالكوها راشدين على المنهاج.
وجاءت كلمة المنهاج هنا دون إعداد ولا انتظار، وهي من الكلمات التي تروق للجميع. هناك مناهج العادات، ومناهج العقول ومناهج العلوم، وكم تروعني هذه الكتب (كتاب توماس كون مثلًا) التي تكتب في مناهج العلوم وفلسفتها، إذ يبدو أن الأسئلة التي ثارت في اليونان ثم في بغداد وقرطبة، وفي لندن وباريس وبرلين ونيويورك، تولد من جديد الأسئلة نفسها بلا إجابات غالبًا. والممتع أن الإنسان في هذه الأحوال يقتنع بأنه قال وهو ربما لم يقل شيئًا رغم هذه السنين، ولكنه يحس أنه من العيب عليه أن يقال إنه لم يقل شيئًا. والجيد في قول الإنسان أنه ينتقد نفسه دون توقف، وفاضل من يجيب السؤال ويفتح باب الاحتمال. 

إنهم يقدرونك غاية التقدير يوم لا تفاجئهم بشيء، ويخشونك إن كنت ذكيًّا، فالذكاء مرعب، وموقفهم منه صحيح، لزعماء العادات والتقاليد. وحراس هذه المتاحف العاجزون ولو لم تتحجر قلوبهم وتجف أفكارهم، لما حرسوا المتحف من العابثين الصغار ومن مغامري الأفكار الكبار.
سعيد من يأمن على نفسه من فكره، وعبقري من يحطم الأمن الفكري، ويجعله شذر مذر، ولكنه إن فعل فإن الناس يطلبونه أن يقف على أرض ليروه، فسهلٌ على أحد الناس أن يقفز من النافذة، غير أن وقوعه على قدميه مشكوك فيه، وصعب على سكان مدينة أن يضعوا اللبادات تحت المصممين على القفز من النوافذ العالية، ومن يحب أن يتمتع بحرية القفز من النافذة لا يرغب أن يكون مشهورًا. ولا يحب أن يكبر من يضحك الناس الكبار، فيحرجهم عندما يريهم طفولتهم المتأخرة.
إنه يقول تعالوا إليّ وغامروا معي في بحار الأفكار معاشر الكبار الصغار، وهل نسيت أنهم لم يعودوا يقوون على السباحة، ولا أقدامهم تحتمل، ولا قلوبهم تتحمل التعب! فيقول لهم فلم توقفون القلوب عن النبض، والعقول عن الخيال، وعمّا خلقت له! يقولون هذا العرف والواجب، فيصرخ بهم وأين التوحيد؟ ألم نتفق في البداية على تكسير الأصنام؟ أم إنكم فقط تقصدون الأصنام الصغيرة من الطين والحجر؟ إبراهيم أراد بهدم الحجر هدم القلوب المتحجرة التي عمرتها الأحجار، وإلا فيبدو أنكم لم تنتبهوا لمغزى إبراهيم، أشك في ذلك، ولو كان كذلك الموحدون في جيش عمرو بن العاص لذهبوا يكسرون أصنام الجيزة، ومنفيس والأقصر، حيث الأصنام الصغيرة السهلة، ولو كان كذلك لاشتغل قتيبة بن مسلم بأصنام بوذا يدمرها، فهل هناك خلاف كبير بين السلف والخلف على تعريف الصنم، فقد فهمه العباقرة فكرة هو رمزها فهدموها قبلها، وفهمه الخالفون حجرًا فهدموا الأحجار وأبقوا على رمزية تحجير الفكر.
عنصر من تنظيم “داعش” يحطم آثارًا في متحف الموصل العراقية
لا أحب أن أكون مغامرًا كما أريد وسأحافظ على الصمود، لأقول متفقون مع السلف ولكنهم هدموا الأصنام الأخطر، وهدمنا الأصنام الأسهل، فنجحوا، وذهبنا نبحث عن رؤوس في الصخور. ولنعيد قصة معارك الأيقونية واللا أيقونية في عصور النصارى المظلمة، فلكل قوم عصورهم المظلمة، وحين كانوا يعتركون على قطع رؤوس التماثيل (الأصنام في أوروبا) كان يستعبدهم أصنام حقيقية حية ومتحركة تسومهم سوء العذاب، تمامًا كما نفعل اليوم، يسومنا الصنم العذاب فنهدم التمثال القديم، ونتحدث عنه كثيرًا ونحن نستغرق في نحت الأصنام الأسوأ رمزًا وشكلًا!
يبدو أن نصيب بعض الصادقين من المسلمين مع أمتهم، هو نفسه عيبهم ومصدر ضعفهم؛ أنهم يباركون العاكفين على أصنام لهم، وهنا لعلك تدرك حكمة النبوة بعد الأربعين، إنها أيضًا بجوار ما قالوه قطيعة مع العرف ومع العادات ومع مقتضى رزانة الكبار، وقدرهم، ولله در الشجعان الذي استطاعوا أن يحملوا المعاول ويهدموا خرائب الأصنام في قلوبهم وعقولهم، أما الذين هدموا أصنام هبل بعد أكثر من عشرين عامًا من هدمها في القلوب فقد كانت أيديهم قوية وكان سعيهم مشكورًا، وكانوا مقلدين صادقين للذين حطموها وهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدينة، يوم هدمت تلك الأصنام لم نر سواعد خديجة وعلي وسعد وأبي بكر وعثمان وعمار وأمه، لم نر المحطمين الأول، رأينا التلاميذ النجباء، رأينا الصحابة يهدمون، ولم نر المعاول بأيدي “أصحابي” الذين حملوا المعاول الأصعب، وانتصروا في المعارك الأقسى، معارك من مستوى معارك أبي بكر: “إن كان قال فقد صدق” تصديق مرعب ورحلة في المستقبل وهدم للأصنام في الرؤوس أوحت بمستقبل الأحجار الأصنام.
وحتى هؤلاء الذين حطموا أصنام مكة، لم يهمهم أن يكرروا ذلك، فهي عندهم حفلة النصر ومباهج كسب المعركة، قد لا يكونون حريصين عليها؛ لأنهم يحبون تقليد محطمي الأصنام الحقيقية، يتمنون أن يكونوا كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وابن مسعود وخديجة وعمار، يتمنون أن يكونوا كرجال الصف الأول وليس كالذين شهدوا حفل يوم الفتح، ولهذا كان همهم قهر الأصنام في القلوب، في فارس والروم وخراسان والهند وأفريقيا والصين وأوروبا، كانوا يشتاقون أن يكونوا كالمحطمين الأول.

لكأن المطلوب من المفكر اليوم أن يحتفل، وليس المطلوب منه أن يغزو، قد يقبل الأكثر بالمشاركة في الحفلة المستمرة، ولكن للعباقرة مواطن أخر، يرونها فيهبون لها، قد يستعجلون فيقفزون مع النافذة، ولكنهم حتى بهذا يدلون على السأم من حفلة مكررة التهى بها الجمع عن العمل، لن يعجب أحد بالذين يفارقون الحفلة اليوم، ولكن أعينا سوف تتبعهم، ثم رؤوس وأقدام وتكون طريقًا وجادّة، وجمع كبير وهدم لأصنام ثم تكون احتفالات كبيرة، قد لا يسعفنا الزمن أن نراها كلها ولكنها واعدة وستقع.

ثم تكون معتادة، ويأتي نجيب آخر ويتمرد على الحفل، ويكره تهديم هذه الصخور التي أصبح تكسيرها بلا معنى ليذهب ويرى الناس أصنامًا أخر لم يروها، بدأ نحتها في الاحتفال، وتتبعه قلة، تخالف سنة الناس، وتتبع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويغيرون على أصنام عجيبة لم ترها عين من قبل، ويوقعونها من القلوب ثم تأتي الجماهير وتحتفل بكسر الصخور الجديدة، وفي أوج الحفل ينتبه آخر لأصنام جديدة وهكذا، تلك من مسيرة التجديد للعقل وللقلب وللدين، حتى يأذن الله بشأن آخر. 



الأربعاء، 12 أكتوبر 2016

ألم يسرق شوقي من قبل: الليث ملك القِفار؟

ألم يسرق شوقي من قبل: الليث ملك القِفار؟

ألم يسرق شوقي من قبل: الليث ملك القِفار؟
 د. محمد الأحمري
مدير منتدى العلاقات العربية والدولية
حين قرأت نص شوقي "ملك القفار"، وقرأت النكتة التالية له، لا بل نكتتين، شككت في الشاعر أحمد شوقي وقلت: لعله سرقها من الساخر التركي؛ فشوقي يتقن التركية وترجم عنها بعض المقطوعات، أم إنه مما يُسمّونه وقْعُ الحافر على الحافر؟ وكم أتمنى ألا يكون شوقي من السارقين! 
فهو شاعر نحبه لجمال نبرته وغنى عاطفته، ولالتقائنا مع رؤيته في كثير من الأحيان.
وكان العقاد -الذي لا يعجبه العجب- قد اتهمه بالسرقة من القدماء ألفاظًا ومعاني، غير أن العقاد لا يجيد التركية، فلعله لم يعثر على ما ندعيه في هذا المقال. 
ولم يسلم شوقي من تهم كثيرة، فقد نبزوه بالتناقض الذي جعل أحد النقاد الكبار يكتب عنه مقالاً ضافيًا يصف نفسيته وسلوكه.
والقول هنا إنني لا أتهمه بالسرقة ولكن أتساءل، ولاحظ أني قلت: "لعل" ولم أحقق. قال أحمد شوقي في "الليث ملك القفار" معبرًا عمّا ألمّ بملك القفار من سوء توزيع المناصب وفشل الوزراء، وكان ملك القفار قد سئم من توزير الأفذاذ وما يرهقونه به من تصحيح المواقف ونزاهة القرار، فالوزير الفذ متعب؛ لأنه مُنجب، أما الوزير التافه فسهل القود، لكنه -في القصة- يورد نفسه وسيده موارد الفشل والفناء وانحلال المُلك.
ولما تعب ملك القفار بحسب شوقي عيّن الحمار رئيسًا للوزراء، أو كما يُسمّونه المغاربة "كاتب الدولة"، ورقّاه فوق الوحوش التي ضحكت من القرار وفرت في القفار. وهذه نبذة من المسرحية:
قال الحمار وزيري  قضى بهذا اختياري
فاستضحكت ثم قالت ماذا رأى في الحمارِ؟
وخلفته وطارت   بمضحك الأخبارِ
حتى إذا الشهر ولّى كليلة أو نهارِ
لم يشعر الليث إلا وملكه في دمارِ
القرد عند اليمين والكلب عند اليسارِ
والقط بين يديه يلهو بعظمة فارِ
فقال من في جدودي مثلي عديم الوقارِ؟
فجاءه القرد سراً وقال بعد اعتذارِ:
يا عالي الجاه فينا   كن عالي الأنظارِ
رأي الرعية فيكم من رأيكم في الحمارِ
وميزة شوقي صياغة النكتة المسروقة –ربما- مسرحيًّا بطريقة مجلس الحكومة أو الشورى عند ملك القفار.
أما ما قرأت في مذكرات محمد كرد علي فقصة طريفة، زعم أنه قرأها باللغة التركية، وقدمها للضيوف بالفرنسية، زاعمًا أن صحفيًّا تركيًّا ساخرًا كتبها يسخر من السلطان ومقربيه الذين لا يحسنون اختيار الرجال للمناصب في العصر العثماني.
وهنا مختصر النكتة، ومن يعرف كرد علي فلا بد أن يختصر قوله، فهو -باعترافه- في النكتة يطيل القول، ولا يسمح للجليس بالكلام. وكنت قد قرأت في كتاب للكاتب اليهودي الفرنسي "روم لاندو" أنه حضر احتفالاً في بيت كرد علي فأثنى على كرمه.
وبما أن كرد علي كان يجيد الفرنسية، فقد كان هو المترجم بين الكاتب ومن حضر من العرب، غير أن "لاندو" لاحظ أن ترجمة كرد علي أطول بكثير من قول المتحدثين! وهذه الصفة عريقة فيه، ويعترف بها هو نفسه في مقاله "نكتة" (المذكرات، ج2، ص. 346-347).
وكان قد كتب المقال بمناسبة لقاء غداء دعاه إليه رئيس الوزراء في زمانه الشيخ تاج الدين، لإكرام المسيو بينار (كاتم سر البعثة العلمانية في باريس)، مع مديري المدارس العلمانية في بيروت وحلب ودمشق. وكرد علي أديب خفيف الظل يؤنس المجلس، فطلب منه الآدبُ أن يقصّ عليه نكتة سمعها منه من قبل، فقصها عليهم، وأوردها هنا مختصرة. قال: "كان في الآستانة في آخر أيام دولة بني عثمان شاب أديب معروف بخفة الروح وسعة الفضل، وهو صاحب جريدة هزلية اسمها قره كوز (أي: خيال الظل). وكانت لكثرة ما تحوي من المغزى تُترجم بعض الصحف الألمانية والفرنسية ما ينشر فيها من النكات والقصص، واسم منشئها صلاح الدين بك جمجوز.. وكان نائبًا في مجلس النواب عن مدينة إستانبول.
سأله بعض المكارين ذات يوم رأيه في الحاج عادل أفندي رئيس مجلس النواب العثماني فأجابه: إنه رئيسنا، وليس من حقي أن أقول فيه إلا خيرًا، فقال السائل: قل لنا ما درجته من المعرفة؟ وهل يليق بهذا المنصب الكبير؟ فقال: هذا ما لا أعرفه، ولما ألح السائل قال: إذاً أقصّ عليكم قصة وأنتم وشأنكم، وأنشأ يقول: "كان في سالف الزمان جمّال رأى لما أشرف على الموت أن يجمع جِماله ويطلب منها وهو في آخر عهده بأيام الدنيا وأول عهده بالآخرة الصفح عما بدر منه نحوها مذ كانت في خدمته، فقد يكون ارتكب معها أمورًا ما كانت منه عن قصد، كأن يضربها بعصاه، ويشحّ عليها بالعلف أو الماء، أو يسير بها مراحل طويلة، أو يحملها أحمالاً لا تطيق حملها، إذا نفق معه بعض الجمال فيحمل الجمال الحية حمولة ما نفق معه إلى غير ذلك.
وكان هناك جمل في أخريات الصفوف فتقدم قائلاً لصاحب الجمال: كل ما بدر منك نقيم لك الأعذار فيه، وليس لنا أن نؤاخذك عليه إلا مسألة واحدة لا نغتفرها لك، وهي أننا كما ترانا مائة جمل طوال عراض، وأنت ما برحت طوال الوقت الذي قضيناه في أسفارك تقطرنا بذنب حمارك الصغير الذي تركبه، هذا ما لا يسعنا السكوت عنه.
فضحك المدعوون... وكأن الحضور طبقوا القصة على الشيخ تاج الدين. ولما انصرف المدعوون آخذني الشيخ على استئثاري بالكلام في الدعوة، زاعمًا أني لم أترك لغيري مجالاً ليتكلم في نوبته، فقلت له: لقد حرت في أمري معك، إذا سكتُ تطلب مني الكلام وإذا تكلمت ترميني بالإكثار".
تلك نكتة من الزمن الجميل، حين كان للأدباء ألسن وللسياسيين عقول كبار، فلم يأبه الضيف الأديب أن يقول نكتة جارحة قد تمس صاحب الدار، ويخرج كلاهما منشرحًا مرفوع الرأس عالي المقدار.
ورحم الله شوقي، فـ: "إن المصائب يجمعن المصابينا".

الاثنين، 30 مايو 2016

بالله يا أهل الطائرة نزلوني

بالله يا أهل الطائرة نزلوني

بالله يا أهل الطائرة نزلوني

 د. محمد الأحمري  
مدير منتدى العلاقات العربية والدولية

كانت هذه من أول الأغاني التي رنّت في آذاننا صغارا أغنية "في سلم الطائرة" كلمات يسلم بن علي، وأداء طلال مداح، فكنا نتوقع أن أهل الطائرة ينزّلون الراكب في الطريق عندما يقرر النزول، أو حين يرى حبيب قلبه فيقول: "عندما شفت محبوب قلبي بين نخلة وبيت... بكيت غصبا بكيت" كما تقول الأغنية، ولم نكن قد رأينا الطائرة آنذاك فضلا عن معرفة حالها وقوانينها، فكانت طائرة متخيلة وهي تختلف عن الحقيقية.

كبرنا وتبين لنا أن الطائرة ليست مثل السيارة تنزلك حيث رغبت، بل تطير بين نقطتين محددتين سلفا، ومتى طارت فقد أصبح الراكب بيد غيره، ويفقد كل القرارات، أو هو قانونيا قد أصدر وكالة نهائية لقائد الطائرة والشركة والعالم بإدارة مصيره حتى ينزل.

هذه الطائرة بل الأغنية سواء كانت جميلة أو تافهة أصبحت من تراثنا، خاصة في "منطقة الخليج" ذلك العالم الذي تشكل سياسيا وصدرت له تلك التسمية بعد الأغنية، ولن أشغلكم بالفذلكات عن خبر الطائرات، غير أن التراث وتشكيله وتاريخه ومستقبله أكبر من قدرة أي حكومة على تشكيله، لأنه حتى في أشد الدكتاتوريات بؤسا نجد التراث يتفلت من قراراتها، مهما حاولت أن تثبت شيئا وتنفي آخر، فلا يستجيب التراث لقرارات الدكتاتوريات، ولن ينفعها إصرارها وصراخها وقولها هذا تراث وذاك ليس بتراث، وسواء أكدت لكم هذا أم لم أؤكده، فإن التراث هو مجموعة ما يشكل الثقافة ماضية وحاضرة مما صنع قبل هذه اللحظة وأثر في السلوك والتفكير والتصق بشعب أو لغة أو مكان سواء كان حقا أو باطلا أحبه الناس أو كرهوه.

فمثلا من تراثنا الحديث، السلفية والقومية والبعثية والقاعدة والإخوان والجامية واليسار المحلي وحزب البعث وعفلق وعبد الناصر وحافظ وابنه وصدام والأسر الحاكمة إلى جانب ابن باز والبنا وطه حسين والمودودي وإقبال وإدوارد سعيد وأحمد شوقي وأم كلثوم وابن لادن وحمد الجاسر والاستعمار البريطاني والاحتلال الصهيوني والاحتلال المحلي، سواء قبلناه أو رفضناه، وسواء كان حسنا أو قبيحا، فإنه نقش وجوده في التاريخ والذاكرة وقد يبقى ممدوحا أو مذموما منبوذا أو مقبولا، ولهذا يعاني الناس معه دائما ويعتركون، ويسقطون في مشكلاته بدلا من أن ينتقلوا إلى غيره أو يبدعوا سواه، وهذا التراث كثير منه خيالي لم يقع وربما لن يكون.

المهم أن هذا التراث فيه معالم واضحة كثيرة وفيه حشد هائل من كل الأنواع، لا يملك أحد بجرة قلم ولا بشرطي ولا سجن ولا تربية ولا تعليم ولا إعلام أن يمحو هذا التراث لأنه دخل القلوب والعقول والكتب والداخل والخارج، وشكل الوعي الداخلي لنا والخارجي عنا، ولن ينتزع ولكن من الواقع أيضا أنه يمكن إجراء حملات تعظيم أو تشويه أو محاولة تناس، غير أنه في النهاية تراث لا يغيب إلا عند غلبة غيره مما يقنع أو يجبر عليه الناس، وقد يغيض ثم يظهر وينتقم مرة أخرى.

وبهذا، فلن يستطيع أنصار عفلق إلغاء دور البنا، ولا أنصارهما يلغيان دور آخرين، فالمثقف العاقل يوطن نفسه على أن هذه الحقائق معالم كبيرة في طريق التاريخ والثقافة لا تجرع نفسك البقاء في مسألة رفع قوم ووضع آخرين، فدورك أن تبني فكرا وفعلا للمستقبل يكون بانية في تراث أو معلم خير في الطريق.

توقفت بعد خبر الطائرة الأولى، عند خبر طائرة أخرى تحدث عنها الدكتور عبد الله النفيسي، وسمعت فكرتها منه وهو يتحدث معجبا بنظريته؛ طائرة النفيسي قديمة أيضا لعلها في الثمانينيات الميلادية من القرن العشرين، وفيها يرى أن حكام الخليج العربي أشبه بركاب طائرة وتلك الطائرة خطفتها الحكومة الأمريكية، لا يملك المخطوفون من أمرهم شيئا، بل ينتظرون رحمة المختطف وشروطه ويخضعون لإرهابه أو ترويعه، فهل يعني خطف القرار السياسي أم أكثر؟ لا ندري.

حين سمعت خبر طائرة النفيسي أو القصة الثانية للطائرة وركابها كنت قد ركبت الطائرة، وعرفتها، لكن هذه الطائرة المخطوفة شدت فكرتها أذهاننا للماضي وللمستقبل المأمول أو المخيف، وكلاهما طلال مداح والنفيسي لا ينهون قصة الطائرة والبكاء والحب والخوف والرعب وما أعد الله من الفرج لهؤلاء الذين تطير بهم الطائرات عن محبوبيهم أو عن كارهيهم، ومن يخطفه أهو حبيب أم عدو.

وقد عرفنا لاحقا أن زمن الطائرة محدود، وصحبة قائدها محدودة، وإن استمر خطف الطائرة أكثر من أربعين عاما كطائرة القذافي، أو ثلث قرن كطائرتي مبارك وعلي صالح، وربما فهمت من الحال والمآل أن الطائرات التي يقصدها النفيسي هي الخليج كله شعوبا وحكومات، وأننا مخطوفون جميعا، وأن الرحلة ليست قصيرة ونقطة الهبوط غير معلومة، كما أن الطائرة المخطوفة يحرم على ركابها المشاركة في مصيرها أو الحديث عنه، ولو حدثت مشاركة لما كانت الطائرة مخطوفة أصلا، فهذا خروج على طاعة المختطف، خروج مآله الموت له وللجميع أو السجن في مكان ما فيها.حسب المخطوف أن يؤذن له بالاستجابة للقواهر الطبيعية كالنوم يكون مفزوعا قبله وبعده، وربما استرق المخطوف إلتفاتة بلحظ ذليل إلى الخارج ليخمّن في أي سماء هو أو فوق أي أرض.

طائرة الخليج المخطوفة تموج مشاعر مخطوفيها موج البحر، وهي تضطرب في الجو، وتروعهم، وتحرم عليهم التفكير في مصيرهم، وإن كانوا قادرين على الإنقاذ، فشعار الخاطفين: "من أنتم؟"، والرأي خروج على قرار الخاطفين، هنا تخيلت الطائرة بحسب تصوري القديم وتمنيت لها أمنية يسلم وطلال أن تنزل ركابها حيث شاءوا، وناديت معهم: "بالله يا أهل الطائرة نزلوني.. وإن كنت غلطان بالله يا أهل الطائرة فهموني"، وحينها تأكدت أن أمنية فهم طائرة الخليج أصعب من أمنية التنزيل في الطريق، وعلى أي حال قانون الخطف أن تشكر الخاطف على فعله وتتودد له وإن لم تصل.

الخميس، 31 مارس 2016

تغريدات محمد حامد الأحمري

محمد حامد الأحمري: لقد كان أعداء مصر أغبياء حاقدين حين صادروا الثورة وغرسوا العنف والاستبداد

 د.محمد حامد الأحمري

شؤون خليجية-متابعات
قال الكاتب والمفكر محمد حامد الأحمري عبر صفحته الرسمية بموقع التدوينات القصيرة "تويتر" :"لقد كان أعداء # مصر أغبياء حاقدين حين صادروا الثورة وغرسوا العنف والاستبداد والفساد وحاربوا التحرر والديمقراطية # الحرية آتية لا ريب فيها."
الثورة المضادة
تنحى مبارك عن الحكم يوم 11 فبراير 2011 بعد 18 يوما من ثورة شعبية انطلقت احتجاجا على عنف الشرطة والفساد المستشري والسعي الحثيث من جانبه لتوريث السلطة لابنه جمال، إلا أنه بعد خمس سنوات على إسقاط مبارك، عاد الموت تحت التعذيب في أقسام الشرطة، وأضيف إليه الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي للشباب والمعارضين، بحسب منظمات حقوق الإنسان التي تصف نظام عبد الفتاح السيسي الذي انقلب على أول رئيس مدني منتخب محمد مرسي يوم 3 يوليو  2013، بأنه "أكثر قمعية من نظام مبارك".
وفي الوقت نفسه، يجد الاقتصاد المصري صعوبة في التعافي، مع انهيار السياحة وهروب الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع الأسعار، والتضخم، وارتفاع الدولار، وانتشار الفساد.
أطاح نظام السيسي بالمستشار هشام جنينه رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بعد كشفه عن حقائق مخيفة عن الفساد في مصر.
ثورات الربيع العربي وثورة مصر
كانت رؤية الأحمري، ثاقبة تجاه ثورات الربيع العربي رصدها في مقاله بعنوان "التحالف ضد ثورات الإصلاح" في 28 إبريل 2011"، قائلاً: "يشهد العالم العربي تحالف الديكتاتوريات ضد الثورات العربية التي سارت بقوة للخلاص من رموز العمالة والإفساد في العالم العربي، وتلك الشخصيات كانت متعادية في التاريخ الماضي، ولا يجمعها اليوم إلا الحرب ضد النهضة التي شع فجرها على الأمة العربية من تونس إلى مصر واليمن وسوريا..".
وبعد مرور خمس سنوات مرت على الربيع العربي صدقت توقعات الأحمري بعد الانقلاب على الثورة المصرية واليمنية واحتواء الثورة التونسية، حيث قال: إن "..ثقافة العزة والخروج من التبعية للحكومات الغربية مخيفة لمن عششوا في ظلمات الاستبداد، فالصلاح والديمقراطية تهدم عششهم المظلمة التي تكلست ويبست ورمت على فساد مقيم، ولهذا فحربهم على الإصلاح ضروس وستزيد في السنوات القادمة بوتيرة متشددة.."
وبرغم ذلك بشر بالأمل، في المقال نفسه مؤكدا أنه "..ليس من مصلحة الأمة أن يقف أي فرد أو مؤسسة أو طائفة أو حكومة ضد الثورات التي حملت الحرية والكرامة للأمة، وأنهت المفسدين المدمرين للمجتمعات الذين تميزت فترات حكمهم بغاية المهانة والعبودية للمستعمرين والجور على السكان المساكين..إن حلف الظلام ضد الليبيين واليمنيين والسوريين، إن بقي فترة وزادت حلكته، فسوف ينبلج عن فجر عام للأمة العربية..".

لقد كان أعداء أغبياء حاقدين حين صادروا الثورة وغرسوا العنف والاستبداد والفساد وحاربوا التحرر والديمقراطية آتية لا ريب فيها.

الأربعاء، 24 فبراير 2016

بين عقل القرية وعقل الإمبراطورية

بين عقل القرية وعقل الإمبراطورية

بين عقل القرية وعقل الإمبراطورية
 مدير منتدى العلاقات العربية والدولية - الدوحة
حدّث أحدهم عن والده وهو من سكان قرى الحجاز، قال إن والده في نهاية كل أسبوع ينزل مع عدد من أصدقائه قادة القرية إلى تهامة حيث الدفء والهدوء، ويشوون تيساً، ثم يتحدثون في السياسة الدولية، وينتهون إلى أن سكان قريتهم هم خير سكان الحجاز.
ولكن الخاتمة الأهم أنهم ليسوا خير رجال الجزيرة العربية فحسب، بل هم خيرة العالم فهماً وديناً ودهاءً. وينتهي اللقاء إلى لقاء آخر غالبا ما تكون نتيجته هي نفسها!
ما دمنا في بلداننا لم نمر بمرحلة دولة حديثة، ولا دولة ديمقراطية تتبادل الاحترام بين أفرادها، إذ المحكوم والحاكم يصنع كل منهم الآخر، ويتبادلون الأدوار، وأسوأ من هذا أننا لا نناقش الرأي ولا نتبادل الرؤية والمصير ولا نتحدث بحرية في الأمور، ولو كما كان سكان القرى يفعلون.
ما دمنا كذلك، فسيظل كل منا يكتم رأيه صوابا أو خطأ، وقد يأخذ حريته أيضا في الحديث لبعض المقربين جدا أو الموثوقين جدا ليعبر عما في باله، وقد يستطيع شرح خصوصياته الشخصية بلا خطر، ولكن الخطر الأعظم على نفسه ومستقبله وأسرته وربما عشيرته أن يتحدث في الشأن العام، الذي هو شأنه أولا وشأن مجتمعه.
ولأن حرية الرأي في الدكتاتوريات أخطر من أي سلاح أو مخدر، وكل القرارات المهمة ضده، والعقوبات الأكبر تنال من يفكر أو يعارض برأي، وبما أن الرأي جريمة؛ فقد أصبح رأي الحاكم والمحكوم ضعيفا ومترددا وخجلا ومكسورا حتى قبل أن يعمل.
أما إذا عرض قوله أو رأيه في الخارج، فإنه يبعث على الضحك والسخرية، لأنه لم يسمح له بالنمو، ولا بالمواجهة الحرة، ولهذا تجدنا ننكب على الكتب المترجمة والمقالات المترجمة والإعلام الأجنبي، ونهتم بقول السياسي الأجنبي، لأنه رأي مصدره إنسان حرّ وحكومة حرّة، مع هذا فإن ما يجعل "الحق يهمس بيننا ويقام للبهتان منبر" أن الباطل يصرخ في كل زاوية من حياتنا ومن سياسات "حكومات"، لأننا لم نحاول حتى الهمس، ولا اقتحام عقبة قول الحق، فجريمة الصمت حاقت بنا نتائجها وشرّ الصمت يحيط بواقعنا ومستقبلنا.
لا أدعو إلى أن يدخل بقية نخبة مجتمع ومصلحيه ورجال الرأي فيه للسجون كما هي الدورة المعتادة عقوبة على كلمة الحق. 
ولكن على كل منا أن يمارس ويقول الحق ولو سراً، ولوفي مجتمعه الصغير، وأن ينفي عن أسرته وزملائه وأصدقائه خبث وجراثيم التأييد الأعمى، فهو سرطان يفتك بالعقل والخلق والسياسة وكل شيء، ويورث تسلطا أعمى، أدى في بعض المجتمعات إلى أن يتجسس الأطفال على والديهم ويكتبوا عنهم تقارير للسلطات.
أستحي من نفسي وأنا أكتب لكم هذا القول، وأقول "مارسوا قول الحق سرا في بيوتكم وبين أصدقائكم الموثوقين". لكن عقل القرية وداء الدكتاتورية العمياء الذي خسف بأمتنا في العصور الأخيرة وأخرجها من التاريخ، لتكون شراذم خائفة وممتهنة ومهاجرة وهاربة وسجينة، أدى بنا لمطالب صغيرة جدا. فكيف نواجه سرطان الاستبداد الماحق إلا بكل وسيلة ومنها كلمة الحق سرا، فقد تُبقي على بعض عقولنا وعلى شيئ من إراداتنا.
إن سوء الحال الذي نعانيه والمستقبل الأكثر قلقا يجعل الصراحة لا بد أن تتسلل لمقالاتنا ولِما نكتبه ونتحدث به. ليس هناك من مستبد يقبل سماع حقيقة أن الدكتاتورية ورأي شيخ القرية المتفرد بالسلطة هو ما أوصلنا لما نحن فيه من حال سيء ومستقبل مخيف.
كل شيء يحيط بنا يتقدم ويتطور فيما عدا العقل القرويّ الذي يسيّر حياتنا ويتحكم في مستقبلنا. وحتى لا أظلم القرى، فإنها كانت أسعد حالا من مدن الحكومات العربية، وذلك لوجود صيغ مشورة "ديمقراطية" فيها وتصويت حقيقي للوصول للصالح العام. ولكن لما فوجئ العقل القروي فوجد نفسه يحكم شعبا، فإن الهيلمان ربما تغير، ولكن العقل لم يتغير، واستمرت عقليته التي لا تثق إلا بسكان قريته، والعباقرة أقاربه.
تلك هي الحقيقة، فالقرار يتم على عشاء بين الأقارب، وربما كُسرت العادة بأجنبي مقرّب. لكن المناقشة هي هي والنتائج نفسها.
ولم يحدث أن عمّرت بلدان الاستبداد مناقشة جادّة لمصيرها، لا سرية ولا مفتوحة، كما يناقش العدو الصهيوني -طبعا عدو الشعوب وليس عدو الحكام- قضاياه في مؤتمر هرتزيليا، ولا يُطمح مع عقلية القرية أن يحدث نقاش نافع عام بأي صيغة برلمانية كما يتم في برلمانات العالم الناجح.
إن أي حكومة لا تصل لمواقفها ولمستقبلها من خلال مؤسسات وأشخاص ونخب ترسم مواقفها، وتجد نفسها بسبب تعدد مراكز التأثير مجبرة على سلوك سياسي تكرهه قيادتها أحيانا، ليست حكومة حديثة، بل هي عقول مظلمة بظلمات الاستبداد.
ذلك أن عقل القرية صغير ومستبد يدمر ما حوله لينجو بنفسه أو بأقاربه، وهذا واضح جدا في تشكيل الحكومات القروية، فإن القرى الأخرى، التي خاصمت أجداد القروي قد حكم عليها بالحرمان من المشاركة في الغنيمة حتى وإن غزت معه وصنعت له نصرا، فقد حكم على عقولها بالطرد، وحكم على مستقبلها بالهامشية، ويجند سكان قريته لقراره، ويحذر أطفاله من مشاركة القرية الفلانية لأنهم قد يضمرون لنا عداء، وذلك أنه وهو يحكم يستخدم عقلا قرويا صغيرا وصله الدور في مسلسل تخلفي طويل يهيمن على المصائر في مشرقنا الجريح.
مأساة العقل القروي ودكتاتوريته التي منحته الظروف أنه يمنع نفسه من النمو ويحول دون تطوره بنفسه، ويمنع مجتمعه من صياغة أي حل للمآسي التي يصنعها، ولا يقدر على التراجع عن أخطائه، لأن الضعيف يتخذ قرارا ضعيفا، ويتورط فيه ولا يملك الشجاعة للخلاص منه، ولأن قراراته -كما روج لها مروّجوه- تاريخية وموفقة، وسيجد من إمام القرية المستضعف تأييدا، لأن إمام القرية ومعلم الغلمان عادة ما يجمع له سكان القرية معيشته من شيوخها وأغنيائها، ويعطي بكل سهولة مبررا دينيا لقول من يمنحه.
تلك بعض الحقائق الواقعية في حال مجتمعاتنا حين نفترض ونطلب مواجهة العقل القروي للعقل الإمبراطوري، فلم يعد السياسيون المتبصرون يناقشون هذه الحقائق الملمة بنا، فالقرى وعقولها المحافظة لا تستطيع فهم ولا مواجهة العقول الإمبراطورية، وليس لديها تأسيس ولا مؤسسات ولا تسمح بالأفكار المنقذة أن تتدخل ولو كانت ستكون فعالة إلا في اللحظة الأخيرة للانهيار، ومع ذلك فهي تضمر وتستعد للغدر بالناصحين لأنهم أحرجوها يوما ما، وشرحوا لها وللعالم سوء حالها.
العقل القرويّ صغير وينتقم انتقاما صغيرا لأشياء صغيرة ومواقف مثلها، يجيد الكيد ولا يجيد الإستراتيجية. والشعوب المقهورة بهذا العقل لا تملك ولا تنفذ ولا تخطط لإستراتيجية لأنها تعاني من أثر العقل القروي الذي جعل من تكوينه ثقافة عامة.
العقل القروي يعاند ويكابر جدا، ولكنه يستسلم للخارج، ويتعالى على الداخل، ويكيد لسكان القرى المجاورة، ولمن يخالفه من جيرانه، فهو ضيق الأفق، وصغير الهدف، ولو ناطح الكبار.
 والكبار يعرفون تماما أنه ولو خالفهم فسيتبع، لأن ليس وراءه من شعب له رأي، بل رعاع وضاربو طبول، وفداوية لشخصه لا للبلاد ولا للقضايا الكبيرة. ويعلم الخارج أن خصومه هم جيرانه سكان قريته والقرى الأصغر، وأنه يفكر في نهب قرية مجاورة أو كسر جار، بينما أهل مشروع الإمبراطورية يفكرون في العالم، يفكرون في هيمنة على المحيطات وما وراءها من عوالم، فليس العقلان طرفي مواجهة، وشتان بين عقلين تباعد بينهما الغايات والتكوين وإن قاربت بينهما الجغرافيا.
حمى الله القرية -والكل قرى- من تعدد في الرأي يسبب خلافا قد يذهب بمتعة الرحلة ولذة الشواء.

الخميس، 4 فبراير 2016

خطة تقسيم سوريا وإنهاء طموحات تركيا

خطة تقسيم سوريا وإنهاء طموحات تركياخطة تقسيم سوريا وإنهاء طموحات تركيا


بقلم: د. محمد الأحمري 
مدير منتدى العلاقات العربية والدولية

في نقاش مع مثقف مطلع قال وقلت بعضا من التالي:

هناك اتفاق مبرم ضد سوريا أطرافه روسيا وإيران وأمريكا وإسرائيل على تقسيم سوريا لفدراليات كردية وعلوية في الشمال وأكثر غرب سوريا، تكون تمهيدا لاستقلالها كدويلات وربما حتى الدروز ينالون فيدرالية، وهذا التقسيم ينهي سوريا كدولة لها قوة أو مستقبل موحد.

وهذا يقتضي إبعاد الأتراك عن سوريا العربية السنية بحاجزين كردي وعلوي، وستحث هذه النتيجة أكراد سوريا والعراق وتركيا على مشروع وحدة ودولة كردية، وتنتهي طموحات الأتراك في دولة قوية وموحدة، بسبب نزوع علوييها وأكرادها لولاء مع الدويلات الناشئة، وتصبح تركيا بلدا عرقيا صغيرا لا يمثل قوة ولا خطرا على إسرائيل ولا ينصر بقية الأتراك خارجه.

أما إيران، فسيبقى لها نفوذ في بقية سوريا، المهلهلة وبشرط استمرار مصالحها فيها وفي لبنان. غير أن إيران بقبول هذا الوضع والترويج له سوف تدق مسمارا في نعشها، لأن الأكراد والعرب والبلوش سوف يطالبون بعد تحلل السلطة المرشدية قريبا بحقوق ذاتية وتتفتت وحدتها كالعراق وتركيا وسوريا، فليست أكثر حصانة، وليس لدى شباب الفرس الجدد المتطلعين للبرالية ومكدونلد وموسيقى الراب وحرية الجنس والدين أن يموتوا في سبيل أحلام إمامية عرقية، ولا أن يموتوا ليسعد الفقهاء.

وبهذا تتحقق رؤية بعض السياسيين الغربيين، ومنهم كيسنجر، التي تقول إن العرب والمسلمين في إيران وأفغانستان والعراق مجرد قبائل وعشائر تعودت الحياة القبلية، وأجبرت على فكرة الدولة، واليوم على الغرب أن يعيدها طريقتها الأولى، مجرد قبائل متجاورة ومتحاربة ومتصالحة خارج السياق العالمي، وسوف تبيع وتعطي هذه القبائل ثرواتها لتجار الغرب والشرق بلا مشقة.

ولعل أصحاب هذه الخطة يزودون داعش وحركات الجهاد بمبرر لمزيد من تجمع قواهم ومواجهة أعدائهم، يوم يتأكد عامة العرب أنهم يُبادون في فلسطين وسوريا والعراق ولا يوقف الإبادة أحد بل يُكافأ كل معتد بما يود الحصول عليه وزيادة.

وقد يكون من آثار ذلك جمع المتضررين تحت رايات مقاومة مستمرة لا يسلم منها غرب ولا شرق، وها نحن نرى قاصري النظر والجبناء يديرون عالمنا ويورطوننا وأنفسهم فيما لا يحتسب الجميع من مخاطر.

استمر بيننا نقاش طويل، والمهم منه أنه لا يوجد لدى حكومات كثيرة رؤية تؤسس لحلول بديلة عن هذه المآسي، ولا تملك الجرأة لنقاش سياسي أو وطني أو إصلاحي، يقودها المعصومون الأتباع لمهاوي الردى.

الجمعة، 25 سبتمبر 2015

الأربعاء، 29 يوليو 2015

الاتفاق النووي: قُبلة الموت للثورة الإيرانية

الاتفاق النووي: قُبلة الموت للثورة الإيرانية

الاتفاق النووي: قُبلة الموت للثورة الإيرانية

د. محمد الأحمري
مدير منتدى العلاقات العربية والدولية

* إيران من الإمام الغائب إلى الغرب الحاضر

من أسباب التوتر الطويل بين إيران والغرب، أن الثورة أخرجت إيران من كونها مستعمرة خالصة لهم أيام الشاه وتابعة لمراداتهم، إلى دولة مستقلة تعمل لمصالحها أو ترى بحسب رؤية الثوار أو بعضهم على الأصح للعالم، ولكونها خرجت بالثورة من تحت أقدام التبعية للغرب، وهزت مستقبل بقية المستعمرات، وكذا الكيان الصهيوني.

وأيدت الثورة استقلال فلسطين بلا تحفظ، وسلمت السفارة الإيرانية لعرفات أو لمنظمة التحرير الفلسطينية، ودعمت المقاومة الفلسطينية، وهذا دعم تراجع الآن أو ربما انتهى وسينقطع بعد الاتفاق وتتحول إيران لعلاقة أحسن مع منظمة التحرير ومع من يتصالح مع اليهود، وقد تتحول كما فعلت حكومات عربية لتكون ضد المقاومة.

ولأن العلاقات السابقة مع المقاومة حولت اللوبي الصهيوني والأمريكي إلى أعداء متطرفين لإيران هيجوا العالم ضدها، فسيكون للاتفاق ما بعده على مستوى القضايا العربية والإسلامية عموما، وما الاتفاق إلا بداية خطوة انحياز مضاد سيتجلى أكثر مستقبلا، وهناك قوى هائلة في داخل إيران تدفع بالبلاد لتتجه هذا الاتجاه.

الكراهية المتبادلة بين أوباما ونتن ياهو كان لها دور كبير في تجاهل الأخير وعدم إعطائه قيمة علما بأن المصالح الصهيونية مرعية في الاتفاق، وهناك موافقة صهيونية حقيقية على الاتفاق، وأوباما تعامل مع مكايدة نتن ياهو باحتقار متواصل، مما جعل نتن ياهو يحاول تجنيد اللوبي الصهيوني واليمين المتطرف والعرب الأليفة ضد شخصية وسياسة أوباما، وخسر الرهان الشخصي ولم تخسر بلاده بل ربحت وستحاول البحث عن أثمان أكثر، على طريقة التاجر اليهودي شيلوك، ومن الثمن الإفراج عن بولارد الجاسوي الصهيوني المسجون في أمريكا لأكثر من عشرين عاما، رغم أنه حقق أخطر اختراق للبحرية الأمريكية في تاريخها، وعشية تجسس الصهاينة على المحادثات.

وكان مما يثير السخرية أن جواسيس اليهود في المحادثات خطب فيهم كيري محذرا من اختراق الموساد للمحادثات ونقلوا حتى تحذيراته.

الاتفاق سيساعد في إنجاز "إيران المُنتظرة" التي خرجت وسيخرجها الاتفاق من انتظار الإمام الغائب إلى إنجاز دولة "قومية علمانية" تتحرك بحجة الإصلاحيين نحو الخلاص من المؤسسة الدينية النافذة وستؤدي للغرب مصالح أكثر من تجارية لكونها البلد الموازي والمزعج الدائم لتركيا -القريبة من الغرب والمكروهة في الوقت نفسه بسبب التاريخ المستعاد دائما- وكون طهران ضد كيانات السنة الطموحة، وضد أغلبية المسلمين، وضد مخاوف التطرف الموجود في المشرق والمغرب العربي وباكستان وأفغانستان وبقية وسط آسيا وتعطي التوازن المضاد للإسلاميين كما هو مطلوب.

وسوف تُبقي إيران العلمانية القومية القادمة على ضرورات التواصل الشعبوي والغلاف الديني المفيد ولاء ونفوذا، كما فعلت سلفيات أخرى من قبل.

كان من أهداف الغرب الراسخة تدمير الثورة وإنهاء طموحات إيران بالاستقلال وإعادتها إلى بيت الطاعة، وتحقق جزء من هذا بهذا الاتفاق وخسرت به إيران الكثير من استقلالها وسيادتها، مما سوف يؤسس به الاتفاق صراعا داخليا قادما ومزايدات مستمرة.

السلوك الذرائعي الذي أسس له الخميني يغيب مع المتشددين ويعود للظهور مع المعتدلين كروحاني، فإذا كان الخميني قد ابتلع السم وقبل بإنهاء الحرب مع صدام فإن هؤلاء لا يقلون ذرائعية عنه، وذلك بخلاف التصلب القاتل والأعمى الدكتاتوري لدى الذي يقل فهمه للسياسة الدولية والنفوذ الغربي.

كان لجهل أغلب قيادات الثورة الإيرانية وبخاصة المتدينين بحقيقة العالم من حولهم، وقلة تواصلهم، وقضائهم على الخط الليبرالي الإيراني الذي كان وسيطا ووسطا بين إيران والغرب وبين الإسلام والمسيحية أو بين الشرق والغرب. وصنعوا قطيعة فأصبح الغرب بلا أصدقاء نافذين في الحكم، حتى صعد فريق من الشباب المتعلم في الغرب والوفي للثورة وأصبح بيده دور دبلوماسي كبير.

وتقدم لقيادة الدبلوماسية الإيرانية قيادة مبتسمة وخط ناعم محب للكثير في الغرب ومظاهر حياته وأفكاره مع ممارسة ذرائعية ومرونة ومعايشة وحس وطني ووضوح غاية مثّلها الفريق التفاوضي الإيراني، وعلاقات وثيقة وقريبة جدا بين المرشد والمفاوضين.

وقد كان الرئيس روحاني عضوا في مفاوضات من عام 2003 إلى 2005، وقد قدم بنفسه للمرشد مشروع المصالحة مع الغرب قبل الانتخابات، فلعله من خطط المرشد لتخفيف ما تعانيه البلاد.

وقد سبق أن عرضت إيران مع الغرب اتفاقا مسبقا كان أحسن للغرب من هذا الجديد "بحسب مقال كريس باتن" لكن تشدد جماعة بوش تشيني لنيل ما هو أحسن منه خسرهم، وخرجوا الآن باتفاق أسوأ ولم يعد بالإمكان الحصول مع إيران على أحسن منه.

الدبلوماسية الإيرانية تمثل مصالح وشعب إيران، عرف العالم منهم شخصيات متشددة ولينة ولكنهم في النهاية على دراية وعمق وتقديم لمصالح بلادهم وثورتهم، فيما البلدان الدكتاتورية لا تمثل دبلوماسيتها مصالح شعبها، لذا تفشل غالبا، ولأن العنصر الأساسي فيها تنفيذ رغبة شخص بواسطة شخص آخر. بينما يتغير وزراء خارجية إيران كل أربع سنوات تقريبا، ومع ذلك يبقون في الفريق الدبلوماسي متعاونين.

هذه الدبلوماسية تستخدم ما بيدها وأحيانا ما لا تملك ببراعة، فحتى في الأسابيع الأولى لسيطرة الحوثي على صنعاء تجرأت إيران وأشار مفاوضوها إلى أن بأيديهم عاصمة جديدة وعدوها ورقة جديدة في المفاوضات.

كما إن لدى طهران دعم دبلوماسي ثقافي كبير داخل أمريكا من اللوبي الإيراني والشيعي، وخرجت قيادات ذات أهمية بالغة من أبناء الإيرانيين المهاجرين بعد الثورة، ممن يحملون جنسيات أمريكية، ومن بعض شيعة هنود، يؤمنون بسقوط تطرف إيران الديني، وهم متعصبون لها قوميا أو مذهبيا.

* أمريكا .. هل كان لديها خيار:

صرح كيري في مقابلاته ومحاجاته في الكونجرس وفي مجلس العلاقات الخارجية بأن عدم الموافقة على هذا الاتفاق سوف تعني عزلة لأمريكا، لأنه أصبح يعرف هو وكبار الساسة أن أوربا وغيرها من دول العالم لن تبقي الحصار لزمن طويل وأنه سينكسر من جهات عديدة سرا وجهرا، ولن يبقى لزمن طويل فاستبق سقوطه بجلب فوائد كبيرة من إنهائه.

علما بأن كثيرا من دول العالم تكره حكومة إيران، إذ لم تقدم ما يجعلها محبوبة ولا مقبولة، ففيها حكم قاس متشدد دينيا وسياسيا، متفلت من القيود، وكما يُؤمِّن فهو أيضا يعكر الاحتلال الأمريكي في العراق وأفغانستان ويطالب بمزيد من القرار والنفوذ، ويحسم النزاعات الصغيرة دمويا أحيانا كما فعل سليماني بقتل أمريكيين ليستخرج دبلوماسييه المخطوفين عند الأمريكان، ويسرق أمريكا عيانا "راجع كتاب أوليفر نورث–تحت النار"، ويفجر جنودها كما في لبنان والدمام، ويحاورها ويعاملها بالمثل، وهذا ما لم تتعوده أمريكا منذ أيام الاتحاد السوفيتي.

عرفت الدبلوماسية الإيرانية أن أمريكا تعاني من تراجع حقيقي في العالم، ولكنها ما زالت تحشده ضدهم، وأدركت أن قدارت أمريكا تواجه مشكلات عالمية أخرى قادمة وتحالفات بديلة كظاهرة البركس "البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا"، وقد أقامت الصين بنكا دوليا جديدا في آسيا وهذا خطر ماحق للصندوق والبنك الدوليين في أمريكا، وعلاقات أمريكا مع روسيا سيئة، وأوربا تتململ من خسائرها من محاصرة إيران، وهي تشهد أزمات مالية هائلة.

وفي حال زادت المشكلات والملاحظات على السياسة الأمريكية تجاه إيران، فقد ينفرط نظام الهيمنة السياسية الأمريكية على آخرين ويجد المتمردون عليها بدائل كثيرة تستعد، وليست تلك البدائل صغيرة ولا هامشية.

* تبدل التوجهات:

ظهر في المنطقة خريطة قادمة مخيفة وغير معروفة، فالعالم السني يتشكل بشكل جديد، وإيران أصبحت مهمة كدولة مستقرة وعاصمة لمذهب ديني وسياسي، حكومتها علنا تواجه المصالح الصهيونية في الماضي على الأقل، ولكن شعبها يكن مودة للصهيونية، بينما ظهرت في المقابل تركيا تقوم بدور قيادي للسنة وشعبها يكره الصهيونية بعمق، رغم مهادنة حكومتها الظاهرة.

وهذا خطر يهدد يهود جاء من حيث لم يحتسب الصهاينة، هذا التخوف الكبير من تحولات تركيا كممثل للسنة المعادين للصهاينة جعل بيريز يفرح بتراجع أردوغان وحزبه في الانتخابات الأخيرة ويقول لقد تخلصت تركيا من أن تكون خمينية!

إسرائيل قد تجد في الاتفاق فرصة جديدة لاستعادة نفوذها في إيران، وستعمل على تعميق الخلاف الفلسطيني الإيراني، والتركي الإيراني.

كيف وقد خربت إيران علاقاتها مع حماس والجهاد بسبب موقف الحركتين من بشار وتأييدهما للثورة السورية، وقد سارعت إيران في إنشاء بدائل وموالين لها في فلسطين من خلال أفراد فلسطينيين تشيعوا، وسمّتهم "الصابرين" ورفعوا في غزة رايات مستنسخة من راية حزب الله، وأطلقوا بعض الصواريخ. أرادت جعلهم بديلا يضايق حماس والجهاد ولتستغني عنهم أو ليعودوا لها تحت ضغط جناح جديد تام الولاء لها.

إسرائيل في واقع الأمر تَحن كثيرا للعلاقة مع إيران وتهمها جدا أكثر من غالب الدول العربية، بسبب تاريخ سابق ومودة منذ أيام الشاه، وكونهما قوميتين تعاديان العرب، ووجود جالية إيرانية يهودية كبيرة هاجرت من إيران إلى فلسطين، ووصل بعضهم إلى رئاسة الجمهورية وإلى وزارة الدفاع.

الصلح يعني خلاص إيران من حصار طويل، واستعادة أموال ومبلغ مائة مليار-مع خلاف حول الرقم الحقيقي- تسلم مباشرة لإيران من أموالها المجمدة وهذا مبلغ كبير لبلد يعاني حصارا وحاجة، فمثلا سكان إيران حوالي ثلاثة أضعاف حكومات الخليج بينما ميزانيته تقل عن ثلث دخل الخليج، مع فقر وتعطل في مشاريع الزراعة والصناعة مستمر منذ خمسة وثلاثين عاما، ولكن عائدات الانفتاح هي الأهم من الأرصدة.

ويعني الصلح أن تفتح البنوك والشركات الغربية والشرقية بنوكها ومكاتبها في طهران ومدنا أخرى وهي سوق واعدة وغرب عنده الخبرة والمخترعات ويعاني، وهناك إمكانات هائلة لإيران تتلمظ شركات فرنسا وبريطانيا وأمريكا وألمانيا لاستعادتها.

قطاع النقل مثلا كالطائرات يفتح شهية فرنسا "أيرباص، وبوينج أمريكا، كما أن أسبانيا وألمانيا واليابان والصين تسعى لتجديد سكك الحديد وتحديث آبار النفط وحتى صناعة السلاح.

هناك مودة خاصة للإيرانيين في الغرب تختلف عن العرب، فهناك قصة النسب المشترك "كونهم من الجنس الآري كالألمان"، وهناك الغرائبية والحنين لماضي فارس البعيد، ولجمالها وأساطيرها في الثقافة الغربية بطريقة وقلّ في الشرق من يتمتع بسمعتها منذ العصور القديمة، وتجددت محبتها بعد المواجهات مع العرب والترك المستمرة، فهي الصديق البعيد في علاقة "يدي المقصّ" الفارسي الغربي ضد العدو القريب.

المعاهدة ليست نجاحا خالصا بل فيها ما يشبه نصوص استسلام وتجريد من السيادة فيما يخص السلاح والتفتيش الدائم والانتهاك المستمر.

*ا لمصالحة ومستقبل الخليج:


أما حال حكومات الخليج مع الاتفاق، فإن حكومات الخليج تعاني أمراضا مزمنة في سياستها مع الخارج، فهي تابعة مطيعة أو خائفة تسترضي الخارج وتتملقه بتلبية جميع شهواته وتمويل مصانع سلاحه وبنوكه وإعادة دولارات النفط له وتمويل خدماته حتى القذرة منها، وقد لحقت إسرائيل بالمعسكر الغربي في استتباع وتخويف الخليج، وكان الاتفاق وتجسس اليهود على المحادثات وتسريبها لبعض حكومات الخليج فرصة إذلال جديدة على حكومات الخليج بحجة امتلاك معلومات لا يعرفونها ولا يصلون لمثلها، وكلما حدث في الخارج حدث كشف زاوية مظلمة من هذا الواقع التعيس، وعُقد حكومات الخليج الثابتة كالانتفاش والتكبر في الداخل والهوان والتبعية للخارج.

لا تمثل الاتفاقية خطرا محيقا بحكومات ولا شعوب الخليج، فهي خطوة في طريق طويل ولم يتحقق منه إلى الآن إنجازات كبرى، وستأخذ الاتفاقية أثرها على مدى أطول، ونتائجها مقسّطة بطريقة نكدة، لتستكمل ذل الإيرانيين وتعلقهم بوعود بعيدة، ولن ترمي بإيران إلى واجهة كل قوة وتجديد كما يتوهم كثيرون، ولكن يبقى هناك فرق بين حكومات مكونة من شعوبها وتخطط لها وبين من يشعر أنه مختلف أو وسيط بين شعوب مكونة من غرباء مستضعفين وبين الأجانب الأحباب.

وقد آن لحكومات الخليج أن تقلع عن تعلقها سياسة إفقار الجيران المختلفين وإذلالهم، ولتبقى هي محظية للغرب وإسرائيل مدللة وغنية، فقد فشلت هذه السياسة، وثارت نتائجها بوجهها في العراق وإيران واليمن، ولتنظر لمثال السياسة الأوربية التي تنقذ اليونان بأي طريقة، وكذا أمريكا وكندا مع المكسيك، فأن يكون لك جار مستغن عنك ومتكامل معك، خير من جار تضره وتذله بثروتك ويستعد ليوم النقمة.

* قبلة الموت:


هذه الاتفاقية أشبه بـ: "قُبلة الموت"التي قَبّل بها الغرب الثورة فهي موت لكثير من جوانب سيادتها وقيمها واستقلالها إن التواصل الكبير الذي ستحققه المصالحة، أو كما سماه ظريف في مقابلته مع نيويوركر: "التفاعل والتكامل"، سوف يجعل شعبا ملّ التزمت والثورة والانغلاق يقبل على قرب وتفاعل عام مع الغرب، وهذا يعني تنازل واقعي عن كثير من خطاب الثورة الديني ولكنه لن يلغي المكاسب الوطنية، والتي قال عنها ظريف أيضا: "كانت المقاطعة نعمة على إيران" لعله تبرير ولكن إيران كسبت بعزلتها الكثير وهو التماسك والاعتماد على الذات، وترسخ فكرتها الداخلية وتبيّن هوية كانت تريدها الثورة ولكن هذه الأمور بعضها في مهب الريح، وهناك عواصف ستهدمها.

إيران هشة ثقافيا وليس كما يلوح لكثيرين، والتعليم واللغة الدينية قد لا تستمر نافذة في الجيل الجديد، ومشاعر التفوق موجودة والكراهية للعرب كبيرة، بسبب حرب صدام القومية، ثم الحروب العقائدية بين التشيع والتسنن، والملل من قضايا العرب أصبحت راسخة عند الحكومة والآيات فضلا عن عامة الشعب، مما يعني رفع اليد عن كثير من قضايا العرب، ولعل المواجهة تقلّ في الخارج ويسود الاهتمام بالذات.

ولذا، فسوف تفتح الاتفاقية على الحكومة الإيرانية نيران الداخل ومطالبه الإصلاحية والاقتصادية والسياسية وسوف تنشغل إيران بداخلها كما لم يحدث من قبل، فالحكومات تعلم أن الهدوء في الخارج يعني انشغال إن لم يكن اشتعال أسئلة الداخل، وستواجه تحديات وتمردات على نهجها؛ أدناها ستقول كيف حاصرتمونا وأفقرتمونا كل هذه السنين ثم انتهيتم بالاستسلام!

خسرت إيران الكثير في هذه المعاهدة، وانتقصت سيادتها بطريقة غير مسبوقة، وباستجابتها للتفتيش المستمر والمفاجئ، ورهنت أرضها لرغبة الدول الكبار ومتابعتهم الدائمة.

التعليم العالي راق في إيران رغم الحصار، والطاقة العملية هائلة، وتجاوزت البلاد حصارا نفطيا وتجاريا وحاربت في كل مكان، دون مجاعة ولا هوانوإذا انفتحت لها السبل فهي أمام فرص عظيمة لا تقل عن فرصة الأتراك في النمو لكن هذا بشرط أن تتراجع العقائد "الزميتة" للوراء كثيرا.

خطة ظريف القادمة ولعلها خطة حكومته تحسين العلاقات مع دول الخليج، وفتح التجارة معها، ولا يستبعد تسويات في اليمن وسوريا، مع التمسك بالهيمنة على عراق إلى أقصى حد، وكذا اهتماما تجارة ونفوذا في القوقاز وباكستان وتركيا وأفغانستان، وإستراتيجية إيران القادمة ستنصب على الحفاظ على ما كسبت وترسيخ نفوذها الاقتصادي والثقافي والصناعي وتحسين أوضاع شعبها المثقل بالفقر والقطيعة مع العالم.

هناك دعايات تحرص على نشرها أطراف إيرانية ومفادها تحريض للغرب وتهم ضد حكومة خليجية تختلف معها؛ إذ تزعم إيران أنها تدعم أو تمول داعش والنصرة وطالبان والقاعدة وتقلق العراق، وإنها وراء الخراب في المنطقة. وليس اليمن فقط بل وإنها تدعم المنظمات الإرهابية التي خطفت دبلوماسيين إيرانيين وقتلتهم في بيروت وفي شرق إيران، راجع مقابلة ظريف، نيويوركر: 16\7\2015.

وتستغل هذه الأصوات موقف أوباما من الخليج، فلديه عدم ثقة بحكومات الخليج ومستقبلها وقالها لهم في مقابلته مع فريدمان في النيويورك تايمز و"متلفزة" وهو يرى الخطر على تلك الحكومات من شعوبها وليس من خارجها. ولكنها تردّ على أوباما وغيره بمزيد من الخطابة عن الخارج كإيران وداعش.

تتعلل أحيانا حكومات خليجية بخطر إيران وكثير من تلك الضجة لأجل تبرير قمع الشعوب ومصادرة الحقوق والحريات، وإلا فهي مؤيدة وموافقة للاتفاق، ومن المعروف أن كل مستبد يعيش بتهويل أخطار دائمة على الشعب من الخارج ومن العملاء ومن غير المخلصين للحاكم، ومن ناقصي الوطنية، وما الوطنية عند المستبد إلا تفرده باستعباد المقهورين.

لاحظ أوباما أن الاتفاق لو لم يحدث فسوف تطور إيران السلاح النووي بعيدا عن أي رقابة عليها. ولهذا، فنجاح الاتفاق أمريكيا بكونه يحد من التطور النووي العسكري السريع وينشئ رقابة مستمرة تؤخره لمدد عديدة.

هناك جوانب شخصية أخرى أيضا مثل كراهية أوباما للحروب، وانسحابه من المواجهات وتنفيذه لمزاج أمريكي بعد خروج بوش وعسكرته المرهقة لأمريكا وللعالم، وشعوره بالأثر السلبي للعسكرة على الاقتصاد والحياة وتراجع أمريكا في مجالات عديدة أمام منافسيها.

أما كيري، فهناك اتهام بوجود مؤثر علاقات نسب في العائلة وصلة بإيران، ولكن الأهم من هذا أنه أيضا غير مقتنع باستمرار المقاطعة، ولا باستمرار الحروب، وكان كيري الممثل الأبرز للشباب المحاربين في فيتنام وبدأت شهرته شابا كمقاتل في فيتنام وأستدعي في شبابه إلى الكونجرس وأدلى بشهادة مؤثرة ضد استمرار الحرب الفيتنامية.

هناك تململ من حكومات عديدة من الحصار الأمريكي لإيران ينذر بكسره وبتعامل تجاري أوروبي وآسيوي مع إيران، وقد يفلت القرار من يد من أسسه ويكسر الحصار عمليا، فكانت فرصت إسقاطه بأحسن ما يمكن أن ينتهي إليه.

الاتفاق طريق واحد وقد بدأ كسر الحصار، ولن يرجع العالم من الحصار إلى ما قبله، وشركات العالم مشغولة بالسباق على السوق، والتاجر آني، يسخر الماضي للحظة الحاضرة وللصفقة المتوقعة، وكانت زيارة وزير الاقتصاد الألماني في أقل من أسبوع من توقيع الاتفاق رسالة واضحة ثم زيارة وزير خارجية فرنسا ووعد بريطانيا بفتح سفارتها، وكوريا الجنوبية قادمة والباقون في سباق، وكما جندت أمريكا العالم للمقاطعة لن تستطيع تجنيدهم لها مرة أخرى.

* المخاوف الخليجية:

المخاوف الخليجية من تخلي أمريكا عن حمايتها فيه مبالغة من جانب المحميين، فأمريكا لن تتركهم للضياع، فهي أولا تحتاج نفطهم الرخيص وغازهم القادم للأسواق العالمية، وتقدر أهميتهم وضرورة استعمالهم لتوازناتها القادمة والمستمرة في أمور منها ضبط الإسلام، وضبط تمرد أو خروج إيران لإزعاجات أكبر، وكذا أي قوى أخرى.

فأمريكا التي كانت على خلاف مع حزب البعث العراقي أيام صدام استخدمته لقمع الثورة الإيرانية وإذلال إيران زمنا طويلا، وللتسويق لسلاحها. وأمريكا ليست من الغباء أن ترمي بالخليجيين بعيدا عن قبضتها وهي تنافس تحيزات عالمية قد تنشأ في المنطقة والعالم، ثم إن الاتفاق حمل معه خبث الابتزاز بأن عليكم بشراء المزيد من السلاح فهو يؤمنكم ويجعل لكم مكانة عندنا وقوة ضد إيران.

المزايدات الفرنسية ما هي إلا لمزيد تحكم في سوق السلاح العربي النهم لصناعتها العسكرية، ولكنها لا تقدم ولا تؤخر في الاتفاق وتعلم ذلك والعالم، وهي من أحرص الدول على سوق إيران بكل فروعه. وحين لقي وزير خارجية فرنسا وزير الخارجية الإيرانية ما زاد إلا أن وعده بالزيارة، ولم نسمع عن أي عنتريات، وما أن وقع الاتفاق حتى أعلن الوزير الفرنسي التوجه لطهران.

هذا الاتفاق يعطي فرصا أهم وأعمق للعرب لو وجد في المنطقة من يحرص على بناء اقتصاد أو صناعة أو تحسين للعلاقة مع الشعوب، وفوق ذلك لو وجدت همة إصلاح، أما سياسة الرياء والصراخ من آثار الاتفاقية والخطابة والشكاوى فهي للاستهلاك العام، وحشد الضجة والتخويف للمساكين وكأنهم يعارضون الاتفاق، بينما أبلغت حكومات المنطقة موافقتها وتلقت زيارة التطمينات الديكورية. هذا الإست غباء للشعوب عملية مستمرة.

موقف حكومات الخليج متفرق ومضطرب وتعرف ذلك إيران قبل غيرها، فأكثرهم شاركوها وأمريكا في قرارات كبرى في المنطقة، مثل إسقاط صدام حسين، واحتلال العراق، ومحاربة سنة العراق، بحجة أن منهم إسلاميون، ويشاركونها في الحرب على "داعش" وشاركوا أمريكا في إسقاط طالبان، وبعض حكومات الخليج توافق إيران في إبقاء بشار وفي تأييد الحوثي وصالح. وما زالت المشاركات قائمة في أمور مهمة مثل الموقف من السيسي مثلا.

الاتفاق يعني المزيد من تجذير الخلاف الأوربي الأمريكي، مع أن ظاهره وفاق وإجماع ولكن أوربا ستتجه بعده لمصالحها الدائمة مع طهران، ولم نر نقاشا مهما في برلماناتها ولا حكوماتها ولا صحافتها يحمل ترويعا من الاتفاق. وإيران تدرك هذا تماما، وتعلم أن أوربا بعيدة عن الموقف الأمريكي، وما كان يصح قديما أصبح الآن مختلفا.