فلسطين بين الاعتراف الدولي وموازين القوة
- غزة في عيون العالم.. حين تصطدم فلسطين بموازين القوة
لم تعد القضية الفلسطينية في هذه اللحظة مجرد ملف إضافي على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل أصبحت واحدة من أكثر القضايا التي تكشف طبيعة التحولات التي يعيشها النظام الدولي، وحدود قدرة المؤسسات الدولية على تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات فعلية. فمع افتتاح الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تعود غزة إلى واجهة النقاش الدولي، في وقت ما زالت فيه الحرب وآثارها الإنسانية والسياسية والأمنية تلقي بثقلها على المنطقة والعالم.
وتأتي هذه الدورة في ظرف دولي مختلف عن السنوات السابقة، إذ لم تعد الحرب في غزة محصورة في إطار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة أوسع بأزمة النظام الدولي نفسه، وبمستقبل القانون الدولي، وبقدرة الأمم المتحدة على فرض قواعدها عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن فلسطين حاضرة بقوة في أعمال الجمعية العامة، بينما يغيب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عن قاعة الأمم المتحدة للعام الثاني على التوالي بعد رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة الدخول. وقد صوتت الجمعية العامة في 17 سبتمبر/أيلول بأغلبية 152 دولة مقابل ثلاث دول وامتناع أربع دول، للسماح لعباس بإلقاء كلمته عبر الفيديو، في ظل استمرار منع الوفد الفلسطيني من الحضور الشخصي.
هذه الواقعة تختصر جانبا من التناقض الذي يطبع المشهد الدولي الراهن؛ فلسطين تمتلك اعترافا واسعا وموقعا في المؤسسات الدولية، لكنها تصطدم في الوقت نفسه بموازين القوة التي تحدد من يستطيع الوصول إلى المنابر الدولية، ومن يستطيع تحويل القرارات إلى سياسات.
إن ما يجري في الجمعية العامة يتجاوز مسألة إصدار البيانات أو تكرار المواقف التقليدية. فالمجتمع الدولي يجد نفسه أمام اختبار حقيقي لمصداقية منظومته القانونية والسياسية
ومن هنا تأتي أهمية اللحظة الحالية. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بعدد الدول التي تعترف بفلسطين، وإنما بما إذا كان الاعتراف السياسي يمكن أن يتحول إلى مسار دبلوماسي وقانوني واقتصادي قادر على التأثير في الواقع. وقد شهدت السنوات الأخيرة توسعا في دائرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بالتوازي مع ارتفاع مستوى الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، لكن الفجوة بين الموقف السياسي والقدرة على تغيير الوقائع الميدانية ما تزال واسعة.
وفي غزة، تبدو هذه الفجوة أكثر قسوة. فالتقارير الإنسانية للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026 تشير إلى استمرار الضربات وسقوط الضحايا، وتفاقم أزمة المياه والصحة والسكن، فيما تظل عمليات الإغاثة مقيدة بنقص التمويل والوقود والمعدات وقيود إدخال المواد الأساسية.
وتفيد أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن نحو 91 في المئة من الأسر التي جرى تقييمها في غزة تواجه مستويات متوسطة إلى مرتفعة من انعدام الأمن المائي، في وقت يستعد فيه مئات الآلاف لموسم الأمطار داخل مواقع نزوح مكتظة.
الأخطر أن الحرب لم تعد تقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، وإنما بما تركته من تغيير عميق في البنية الاجتماعية والاقتصادية للقطاع. فحين يصبح الحصول على الماء والكهرباء والعلاج والسكن الآمن جزءا من معركة يومية، فإن الحديث عن إعادة الإعمار لا يمكن أن ينفصل عن سؤال السيادة ومستقبل غزة السياسي، ومن يملك قرارها، ومن يملك تمويل إعادة بنائها، ومن يحدد شروط المرحلة التالية.
وفي الضفة الغربية، لا تبدو الصورة أقل تعقيدا. فقد وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2026، كما أدت عمليات الهدم والعنف وقيود الحركة إلى نزوح أعداد جديدة من الفلسطينيين. وبذلك تتسع الفجوة بين الحديث الدولي عن حل الدولتين وبين التحولات التي تجري على الأرض وتعيد تشكيل الجغرافيا الفلسطينية بصورة متواصلة.
ولهذا فإن ما يجري في الجمعية العامة يتجاوز مسألة إصدار البيانات أو تكرار المواقف التقليدية. فالمجتمع الدولي يجد نفسه أمام اختبار حقيقي لمصداقية منظومته القانونية والسياسية. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دعا في كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة إلى وقف الحروب، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وجدد التأكيد على أن حل الدولتين هو الطريق إلى السلام في الشرق الأوسط.
لكن المشكلة الأساسية أن الأمم المتحدة تستطيع أن تجمع الدول، وتصدر القرارات، وتمنح الشرعية السياسية، وتوثق الانتهاكات، لكنها لا تمتلك دائما الأدوات اللازمة لفرض قراراتها عندما تصطدم بإرادة دولة كبرى أو بتحالفات دولية قوية. وهنا تظهر إحدى أعمق أزمات النظام الدولي، والمتمثلة في اتساع الفارق بين الشرعية والقوة.
وقد ظهر هذا التناقض بوضوح في الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع الوفد الفلسطيني. فواشنطن تبرر منع عباس ومسؤولين فلسطينيين من الدخول إلى أراضيها باعتبارات مرتبطة بسياسة السلطة الفلسطينية وبإجراءاتها أمام المحاكم الدولية، بينما ترى القيادة الفلسطينية ودول أخرى أن القرار يضعف الدور الدولي للأمم المتحدة ويقيد المشاركة الفلسطينية في أعمالها.
انتقلت القضية من موقع الصراع الإقليمي الذي كان يمكن إدارته عبر مفاوضات متقطعة إلى قضية مرتبطة بصورة النظام الدولي ذاته
وفي المقابل، تستمر دول أخرى في رفع مستوى دعمها السياسي لفلسطين. وفي خطاب الجمعية العامة، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الدول التي لم تعترف بعد بالدولة الفلسطينية إلى إعادة النظر في موقفها، كما انتقد بنية مجلس الأمن ودعا إلى إصلاحها، رابطا ذلك بأزمة الثقة في النظام الدولي.
وبين الموقفين الأمريكي والتركي، تتحرك دول أوروبية وعربية وآسيوية وفق حسابات مختلفة، بعضها يرتبط بالقانون الدولي، وبعضها بضغوط الرأي العام، وبعضها بمصالحها الإقليمية والدولية. ولذلك فإن التحول في الموقف الدولي من فلسطين لا يمكن اختزاله في ثنائية مؤيد ومعارض، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين المصالح والتحالفات والضغوط الشعبية والاعتبارات القانونية والأمنية.
وهنا تكمن أهمية غزة في عيون العالم اليوم. فقد أصبحت صورة القطاع جزءا من النقاش حول معنى القوة نفسها. هل تستطيع القوة العسكرية وحدها أن تحسم الصراع، أم أنها تنتج في الوقت ذاته تحولات سياسية ودبلوماسية يصعب التحكم في نتائجها؟ وهل يمكن أن يستمر الاعتراف الدولي بفلسطين في التوسع، بينما تبقى الوقائع على الأرض تسير في اتجاه آخر؟
إن ما تغير خلال السنوات الأخيرة ليس فقط حجم الاهتمام الدولي بفلسطين، وإنما طبيعة النقاش حولها. فقد انتقلت القضية من موقع الصراع الإقليمي الذي كان يمكن إدارته عبر مفاوضات متقطعة إلى قضية مرتبطة بصورة النظام الدولي ذاته. القانون الدولي، والمؤسسات الأممية، والاعتراف بالدول، والعقوبات، والمحكمة الجنائية الدولية، والرأي العام العالمي، وإعادة الإعمار، كلها أصبحت عناصر متداخلة في مستقبل القضية.
ولذلك فإن الرهان الفلسطيني لم يعد محصورا في الحصول على اعترافات جديدة، بل في تحويل هذا الرصيد الدبلوماسي إلى نفوذ سياسي قادر على حماية الأرض ومنع تغيير واقعها، وإعادة إعمار غزة، وإنهاء الاحتلال، وفتح مسار سياسي واضح. وفي المقابل، فإن الرهان الإسرائيلي لا يرتبط فقط بإدارة الحرب، وإنما أيضا بإدارة آثارها السياسية والدبلوماسية، والحفاظ على شبكة التحالفات التي شكلت لعقود أحد أهم عناصر القوة الإسرائيلية.
غزة اليوم ليست فقط جغرافيا محاصرة بالحرب، بل أصبحت مرآة يرى فيها العالم حدود قوته، وحدود مؤسساته، وحدود القانون عندما يصطدم بموازين القوة
أما الولايات المتحدة فتجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدا: الحفاظ على تحالفها الإستراتيجي مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه التعامل مع أزمة متصاعدة في صورة النظام الدولي، ومع حلفاء وشركاء يطالبون بدور أكبر للقانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف.
وهكذا تصبح غزة، رغم صغر مساحتها، جزءا من صراع أوسع على شكل العالم الذي سيأتي بعد هذه المرحلة. فالجمعية العامة للأمم المتحدة لا تناقش غزة وحدها، وإنما تناقش بصورة غير مباشرة حدود القوة الأمريكية، ومستقبل الدور الأوروبي، وموقع القوى الإقليمية، وقدرة الأمم المتحدة على البقاء مؤسسة قادرة على إنتاج قواعد مشتركة في عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة.
ولعل المفارقة الأبرز أن غياب الرئيس الفلسطيني عن قاعة الجمعية العامة لم يؤد إلى غياب فلسطين عن النقاش الدولي، بل جعل قضية المشاركة نفسها جزءا من النقاش. وبينما يمكن منع مسؤول من دخول القاعة، يصعب منع قضية بأكملها من العودة إلى جدول الأعمال عندما تصبح مرتبطة بمصالح دولية، وبتحولات في مواقف الدول، وبأزمة إنسانية مستمرة، وبسؤال أوسع يتعلق بمستقبل النظام الدولي.
غزة اليوم ليست فقط جغرافيا محاصرة بالحرب، بل أصبحت مرآة يرى فيها العالم حدود قوته، وحدود مؤسساته، وحدود القانون عندما يصطدم بموازين القوة. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت فلسطين حاضرة في الجمعية العامة، فهي حاضرة بالفعل، وإنما إلى أي مدى يستطيع هذا الحضور الدولي المتزايد أن يتحول من موقف سياسي إلى واقع جديد على الأرض، في لحظة باتت فيها موازين القوة نفسها أمام اختبار تاريخي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق