الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

فلسطين بعد 7 أكتوبر.. جدلية المقاومة والاستعمار

فلسطين بعد 7 أكتوبر.. جدلية المقاومة والاستعمار

نور الدين قدور رافع

لا تزال فلسطين تنزف، ولا يزال الاحتلال يمعن في التنكيل بضحايا حرب الإبادة والحصار، والعالم لا تتجاوز كلماته حناجره، بين الشجب تارة ودعوة إسرائيل إلى احترام الاتفاقيات الإنسانية والقانون الدولي تارة أخرى، اللذين لطختهما طغمة متصهينة استحوذت على قراراته. إذ بعد ثلاث سنوات عجاف من الاستهداف الممنهج لمقومات الحياة في فلسطين، والتنكيل بشعبها، يقف العالم أمام أعظم مأساة شهدها التاريخ، تسرد فيها للحضارة الإنسانية جور الإمبراطورية.

لا تمثل غزة جوهرة التحرير الفلسطيني فحسب، فبعد ثورة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تداعت الإمبراطورية لوأد عملية التحرير، والتآمر على مقومات الحضور الفلسطيني والاعتراف به شعبا لا تنتهي جذوره عند الأرض، بل تمتد لتطال شعوبا وأمما كانت بالأمس تقارع قوى الاستعمار التقليدي، وهي اليوم تنظر إلى ذات السياسات الاستيطانية والتهجيرية والأرض المحروقة؛ في زمن تنقل فيه الصورة معاناة الملايين الذين لا مكان يأويهم. ففلسطين أحيت أولئك الذين اختاروا الصمت متألمين، كما ورد على لسان الوزيرة القطرية لولوة الخاطر، وهي تخاطب العالم بنفس إنساني، مواسية أهل غزة.

وعلى هول المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في الضفة وغزة، من احتلال يوشك أن يبتلع الشرق بأكمله تحت مشروعه "إسرائيل الكبرى"، تظل تبعات انتفاضة 7 أكتوبر/تشرين الأول من أهم المحطات التاريخية في مسار الأمة وأصعبها؛ فهل حقا أساء الفلسطينيون التقدير في اختيار مسار 7 أكتوبر/تشرين الأول كما يزعم البعض، أم أن الشرط الاستعماري كان حتمية لانتفاضة تحرر الأرض، عنوانها التضحية؟

لعل انتفاضة 7 أكتوبر/تشرين الأول جاءت لتلخص المأساة الفلسطينية، وتدفعها نحو مصير التحرير ومآلاته المخيفة. فلا حرية بلا معاناة، ولا استقلال من دون شهداء، ولا وطن من دون تضحية

رفض الاستعمار

يندد الكثيرون بعملية طوفان الأقصى، ويعتبرونها السبب في معاناة الملايين من الفلسطينيين، ولعل نبرتهم الانتقامية من المقاومة التي تسعى لتحرير الأرض نشأت بعدة خطابات تحريضية، جعلت من مسألة مناهضة الاستعمار خيارا إستراتيجيا تتحكم فيه قوى مغايرة لتلك التي تعيش الشرط الكولونيالي، ويرجعونها إلى كون القرار ليس فلسطينيا فقط، بل كان يمكن الرجوع إلى الحاضنة العربية والإسلامية لاتخاذ قرارات مصيرية.

مثل تلك الادعاءات يسهل تصديقها، خاصة إذا كانت الأمة تعيش حالة من الإذعان والخوف اللذين سيطرا عليها عقب موجة الربيع العربي، حيث تم وأد التجارب الديمقراطية في المنطقة، والاستفراد بالمسألة الفلسطينية عبر سياسات الحصار والتهجير القسري. وبدلا من أن تنقل صورة أوشفيتز القرن كاملة عبر وسائل الإعلام العربية والغربية، على أن ما يحدث في فلسطين هو استعمار إحلالي، جاءت المبادرات العربية للسلام لتصيغ شكلا ناعما من الوجود الاستيطاني للصهيونية، وتمنح الاحتلال الإسرائيلي تنازلات في الجولان وغزة، إلى جانب مشاريع نزع سلاح المقاومة.

تلك الحالة الاستيطانية التي فرضتها إسرائيل قدمت على أنها حقوق يتقاسمها الفلسطينيون مع اليهود المرحلين من أوروبا قسرا، بل انتقلت الفكرة من "الأرض مقابل السلام" إلى "نزع سلاح المقاومة مقابل السماح لعمال الإغاثة الدوليين بدخول معبر رفح". وهذا الانحراف الثوري تجاه تعريف الاستعمار ورفضه نتجت عنه ثقافة تمجد الاستيطان والإبادة والتهجير، وتحمل المستعمر المقاوم الخيارات العنيفة، بدلا من أن تنكر على المستعمر بربريته. فما معنى أن يسمى كيان أنشئ خصيصا لتكملة مشروع سايكس-بيكو دولة ديمقراطية استثنائية في الشرق، في حين تنتقى أشد العبارات وقاحة ضد من يقارعون الاستعمار؟

حتمية التحرير

يفرض الشرط الكولونيالي حتمية تاريخية متعلقة بالحرية، فمع الاستعمار تنبري المقاومة بشتى وسائل الرفض، إذ تأتي في سياقات مختلفة، تبدأ من التمسك بالثقافة والهوية والتاريخ، لتصل إلى التضحية بالنفس في سبيل تحرير الأرض. وفلسطين ليست استثناء في التاريخ، بل امتدادا لحقيقة مفادها أن المستعمر هو من يحفر قبره بمعوله. فالحتمية التاريخية لا تعني بالضرورة أن يستكين المستعمر إلى المستعمر وينتظر تهاوي قوته، كما يدعي البعض، بل يجب على المقاوم أن يبحث عن وسائل وطرق بديلة لمواجهة ترسانة القتل الاستيطانية.

ولعل انتفاضة 7 أكتوبر/تشرين الأول جاءت لتلخص المأساة الفلسطينية، وتدفعها نحو مصير التحرير ومآلاته المخيفة. فلا حرية بلا معاناة، ولا استقلال من دون شهداء، ولا وطن من دون تضحية. هذه هي المعادلة التي تفرضها الحتمية التاريخية على أمة ما تريد تصفية الاستعمار وأشياعه، فما تفرضه الكولونيالية الصهيونية عبر سياسات ممنهجة لمحو الأثر الفلسطيني تخطى حاجز الركون إلى مبادرات السلام والدعوة للاعتراف بشظايا دولة فلسطينية.

قد نميل نحن الذين لم نعاين الشرط الكولونيالي إلى الدفع نحو وهم خيار السلام، لكن الحقائق على الأرض يعرفها كل من عايش السياسات الاستيطانية والتنكيل اليومي بالأسرى. إذ ماذا تعني ورقة السلام العربية الإسرائيلية التي لا تعترف الصهيونية حتى بحقوق اليهود ذوي الأصول الأفريقية؟ فالمحتل يقوم على العنصرية والاستيطان والتهجير، ولا سبيل إلا لفرض المقاومة خيارا حتميا، ما دام الموت يأخذ أشكالا ناعمة ومستدامة باسم مبادرات السلام.

إن رمزية فلسطين في وجدان أمتنا، وفي ذاكرة الشعوب المناهضة للاستعمار وماكينة الصناعات الإمبراطورية العابرة للجغرافيا، تمثل مفترق طرق لمن أراد أن يلحق بركب الحقيقة والحرية والعدالة الإنسانية

آخر الركب

بالعودة إلى ما قالته الوزيرة القطرية، وهي تطأ أرض غزة المباركة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، من أن غزة "أحيت الموات فينا"، فإنها كانت حقا تنقل ما تشعر به الأمة تجاه أقدس القضايا الإنسانية وأكثرها عدالة عبر التاريخ، لا لشيء إلا لينعم الفلسطينيون بحياة تليق بهم، وباعتراف ينهي الاحتلال الصهيوني. تلك العبارة التي صدحت بها السيدة لولوة لخصت واقعا متناقضا، ونظاما دوليا متواطئا، وخذلانا يحيط بفلسطين من كل جانب، لتتقدم لولوة الخاطر أول ركب المناصرين، مسمعة صوتها للعالم بأن فلسطين لا تزال قلب الأمة النابض، مهما توالت مشاريع تصفية القضية، وتلاحقت على شعبها المآسي.

إن رمزية فلسطين في وجدان أمتنا، وفي ذاكرة الشعوب المناهضة للاستعمار وماكينة الصناعات الإمبراطورية العابرة للجغرافيا، تمثل مفترق طرق لمن أراد أن يلحق بركب الحقيقة والحرية والعدالة الإنسانية. فالمسألة لا تتعلق بتضاؤل التغطية الإعلامية وانحراف العدسة نحو حروب افتعلها حراس الصهيونية في الشرق، أو بالانحياز الفاضح للسرديات المضللة والمناهضة لمنطق المقاومة، بل بقدرة شعوب العالم الحرة على الاستمرار في رفض الاستعمار بشتى وسائل الانحياز للمقاومة، سواء ثقافيا أو سياسيا، أو دفاعا عن الحق الفلسطيني بالبندقية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق