‏إظهار الرسائل ذات التسميات تنمية بشرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تنمية بشرية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 18 يناير 2026

لماذا أرعبت مقالة دان كوي القارئ العربي؟ حوار صريح بلا مجاملة مع الذات؟

 

لماذا أرعبت مقالة دان كوي القارئ العربي؟ حوار صريح بلا مجاملة مع الذات؟

جاسم الجزاع

لم تنتشر هذه المقالة ” كيف تصلح حياتك خلال يوم واحد” لدان كوي  لأنّها “ملهمة”، بل لأنّها حقاً مزعجة على نحوٍ ذكي جداً، ففي عصر اعتاد فيه القارئ أن يُدلَّل نفسيًا، جاءت مقالة دان كوي لتفعل العكس تمامًا، وهي  أن تسحب البساط من تحت المعاني الجاهزة والمعلبة، وتضع القارئ وجهًا لوجه بكلّ جرأة أمام مسؤوليته الوجودية، وهذا هو سرّ انتشارها الأول، وربما السر الأهم.

وما يلفت الانتباه منذ البداية أنّ النصّ لا يتعامل مع فكرة “التغيير” بوصفه مشروعًا للتحسين والتطوير، بل بوصفه انقلابًا جذرياً  في مسار الرؤية، فكوي لا يقول: “افعل أكثر” بشكلٍ مباشر، بل يقول ضمنيًا: “أنت ترى العالم بطريقةٍ تجعلك تفشل، وتُصرّ على تسميته فشلًا”، وهذا التحويل من منطق الأداء غير المحسوس به  إلى منطق الإدراك والوعي منح المقالة عمقًا فلسفيًّا غير مألوف في محتوى التنمية الذاتية، وجعلها قابلة للتداول بين الكثير ممّن سئموا  وملوا الخطاب التحفيزي السطحي.

والسبب الثاني في وجهة نظري لانتشار المقالة  هو أنّها تُعيد الاعتبار للألم بوصفه أداة وعي، لا عيبًا نفسيًّا يتم تجنبه،  فالنصّ لا يطلب من القارئ أن “يتجاوز” معاناته، بل أن ينقّب ويحلّل و يبحث فيها، وأن يسأل: ما الذي تحميني منها هذه الحياة التي أشتكي منها؟ هذا السؤال وحده كفيل بأن يهز بنيته النفسية الكاملة. وفي علم الإدارة لا تبدأ التحوّلات الكبرى من الرؤية الإيجابية، بل من نفاد الصبر  على الواقع القائم.

والسبب الثالث أرى أنّ المقالة ناجحة لأنّها كُتبت بمنطق “النظام” أو “المؤسسة”  لا “الفرد” و الفردانية، فالإنسان هنا ليس ذاتًا حرّة فقط ولا ضحية كاملة، بل منظومة من الأهداف والآمال والرغبات والطموحات، لذلك استعان الكاتب بفكرة أنّ الذكاء هو القدرة على التوجيه المستمر  للذات والثبات على نفس المسار، فأعطت النصّ شرعية معرفية تتجاوز التجربة الشخصية، ودون أن يتحوّل أيضاً  إلى أطروحة أكاديمية جافة.

أمّا السبب الرابع في قوة الانتشار للمقالة  هو طول النص ذاته ، ففي زمن السرعة والثقافة المنطلقة من الفاست فوود، نجد أنّ الطول هنا يعمل قد أبلى بلاء حسناً، وجعل من يُكمل القراءة يستشعر من حيث لا يعلم أنّه ينتمي إلى دائرة “المتهم” الذي يريد اثبات براءته، و المنتظر للفرج على أملٍ بعيد، لذلك يستشعر قارئ المقالة أنّه مستهدف بقوة لذلك لم يجد بداً من المتابعة بالقراءة حتى ولول كانت طويلة .

و أجمل ما في المقالة أنّها لا تمنح القارئ عدوًا خارجيًّا ولا تصنع منافسيه و خصومه، ونجدها لا تلوم النظام السياسي، ولا السوق، ولا العائلة وحدها، بل تؤمن المقالة أنّ العدوّ الحقيقي للانسان، كما يسميه كوي، هو “النمط الداخلي”  أو ذات الانسان أو ضميره أو وعيه، وهذه النقلة الأخلاقية هي ما جعل النصّ ثقيلًا على النفس، لكنّه كان في قمة الصدق، فالقارئ لا يخرج غاضبًا من الآخرين، بل غاضباً من نفسه، وهذا قلق نادر في المحتوى الرقمي في السوشل ميديا.

لذلك نجحت المقالة لأنّها لا تُغلق الدائرة والخاتمة ، فلا نهاية حاسمة، ولا “خطة من خمس خطوات للنجاح”، بل مسار مفتوح للقارئ يحدد هو نفسه أولوياته، وأسئلة يومية، ويوم واحد يُطلب منك أن تكون فيه صادقًا حتى تستيقظ من غفلتك.




الثلاثاء، 20 يونيو 2023

د. فواز عبدالحق الزبون رئيس الجامعة الهاشمية


 د. فواز عبدالحق الزبون رئيس الجامعة الهاشمية


قصة رئيس الجامعة الهاشمية الأستاذ الدكتور فواز عبدالحق الزبون ، من طفلٍ صغير ولد بلا أصابع في أحد يديه ثم شاء الله أن يصبح بعين واحدة أثر إصابة العين الأخرى ; إلى رئيس أحد أكبر وأفضل الجامعات الأردنية "الجامعة الهاشمية" ومثال يحتذى به بعلمه وحكمته .

الخميس، 4 مايو 2023

جئت لأرى الإمام مالك

 جئت لأرى الإمام مالك

محمود القلعاوي

يروى أن الإمام مالك في أحد مجالسه حول أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم - صاح صائح: جاء للمدينة فيل عظيم، فهرع الطلبة كلهم -فلم يكونوا يعرفون الفيلة قبل-، إلا طالبا واحدا اسمه يحيى بن يحيى الليثي، وكان من تلاميذه النجباء. فقال له مالك: هل رأيت الفيل قبل ذلك؟ قال: إنما رحلت لأرى مالكا لا لأرى الفيل.

هدف واضح بيّن في ذهن التلميذ النجيب "يحيى"، وهو طلب العلم، فكان السير نحو ما يريد دون الاستسلام للمشتتات، حتى كان حامل الرواية المعتمدة لموطأ الإمام مالك في شرق البلد وغربها.

يذكر السيد جيمس شرمان صاحب كتاب التخطيط أول خطوات النجاح، أن فريقا للأبحاث السلوكية من كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد، أخذ عيِّنةً عشوائية من مائة من طلاب السنة النهائية، وكانت الدراسة حول سؤال:

ماذا يريد كلُّ واحد منهم أن يكون بعد عشرِ سنوات من تخرُّجه، فكان جوابهم؛ إنهم يريدون أن يكونوا قوًى مؤثِّرة في دنيا المال والأعمال.

ولاحَظ الباحثون أن عشرةَ طلاَّب فقط من المائة وضَعوا أهدافا محددة مفصَّلة، مكتوبة، ووضَعوا خططا لتحقيقها.

وبعد مرور عشر سنوات، قام فريقُ الأبحاث نفسُه بزيارات متابعة لكامل أفرادِ العينة، فوجَدوا أن ما يملِكه هؤلاء الأشخاصُ العشَرة الذي حدَّدوا أهدافهم كتابة، يعادلُ 96 في المئة من إجمالي الثروة التي يملِكها الآخَرون.

والسؤال: كيف يصل من لم يحدد هدفه ويكتب حلمه؟! تحديد الهدف يساعد على تركيز الفرد على أهمّ الأمور في حياته، وتحديد طريقه وتنظيم وقته وتحفيز نفسه، وإلا كان هدر الوقت والجهد على ما هو غير مهم في حياته.

ومما هو معلوم، أن التركيز نحو الهدف أمر مهم جدا في تحقيق النجاحات، فكثير من الناس يسيرون بلا هدف فلا يحققون نجاحا حتى لو كان بسيطا، وغياب الأهداف يجعل الحياة تافهة صغيرة غائبة عنها متعة النجاح.

يقول عمر بن عبد العزيز؛ "إنّ لي نفسا تواقة، وما حققت شيئا إلا تاقت لما هو أعلى منه؛ تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها، وتاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، والآن تاقت نفسي إلى الجنة، فأرجو أن أكون من أهلها".

أما توماس إديسون، صاحب الإخفاقات العشرة آلاف مرة في تجارِبِه في طريق اختراعه المِصباح الكهربائي قبل أن ينجحَ في اختراعه، فقد سأَله أحد الصحفيين: لقد أخفقتَ حتى الآن خمسة آلاف مرة في اختراعِ المِصباح الكهربائي، فلماذا تُصرُّ على المضيِّ قدما في تجارِبِك؟ فأجابه: لقد أخطأتَ أيها الشاب، لقد نجحتُ في اكتشاف خمسة آلاف طريقة لا توصلُني إلى ما أريد.

الثلاثاء، 30 نوفمبر 2021

7 علامات تدل على أنك تسير في الاتجاه الخاطئ

 7 علامات تدل على أنك تسير في الاتجاه الخاطئ

عبدالرحمن المعيذر
@Abdulraman9


هناك سبع علامات تدل على أنك تسيير في الاتجاه الخاطئ ؟وهي كالآتي :


1️⃣- لست أنت من يتخذ قراراتك

لا يجب أن تتحول حياتك إلى تقليد لحياة الآخرين، فحياتك يجب أن تعيشها بكل تفاصيلها ولحظاتها وبكل ألمها وأن تتخذ القرارات الحاسمة بنفسك سواء العاطفية أو العملية .

2️⃣- لا تنظم أوقاتك وأولوياتك

حاول التوفيق دائماً بين شغلك وحياتك الخاصة .

3️⃣- جهدك لا يأتي بنتائج
إذا وجدت بأن نتائجك صفر من المجهود المضني الذي تقوم به فيجب عليك إعادة النظر في الطريقة التي تعمل بها .

4️⃣- لا تنهي مشاريعك بالوقت المطلوب
حسب دراسات في علم النفس أكدت بأن العقل البشري غالباً ما يميل إلى تذكر الأشياء التي لم ينهيها، فتبقى عالقة في الذهن، مما يسبب تشویشاً .

5️⃣- تختار دائما الطريق السهل
لا تختر الطريق السهل لأن نتائجه دائماً تكون محدودة، اسع دائما إلى المغامرة والاجتهاد والابتكار، فكل الناجحين
حول العالم يتميزون بالمغامرة والمثابرة.

6️⃣-جعلت من حياتك قصة درامية حزينة

لا تجعل من حياتك قصة درامية،مليئة بالأحزان التي لاتنتهي ابدا

7️⃣- تهتم بمن لا يهتمون بك
إذا وجدت بأنك تخصص وقتا أطول بالاهتمام بأشخاص معينين، في حين أنهم لا يبادلونك نفس الشعور، أو
أنك تضع لهم مكانة خاصة في قلبك لا يضعونها هم، فالأفضل لك محاولة إعادة النظر في علاقتك هذه .

الثلاثاء، 17 أغسطس 2021

* جـزء مـن النـص مفـقـود *

* جـزء مـن النـص مفـقـود *





تقول المؤلفة (إم جيه رايان) المشاركة في تأليف سلسلة الكتب التي طبع منها أكثر من مليون نسخة, وكانت تحت عنوان (Random Acts of Kindness):

كنت أرأس جلسة تدريب في إحدى الشركات الكبيرة عن الاختلافات الموجودة بين الأشخاص في طرق التفكير، وكنت أوضح لهم أنه على الرغم من أننا جميعًا نمتلك العقل, إلاّ أن كلاً منا يستخدمه بطريقة مختلفة عن الآخرين.

رفع أحد الحاضرين يده للكلام, وكان شاباً مهذباً من ولاية (لويزيانا) وقال: "هل تقصدين أن ابني لا يحاول أن يتحدّاني عندما لا ينظر إليّ وأنا أحادثه؟, وأن رئيسي في العمل الذي لايستجيب للمذكرات التي أقدمها له ليس وغداً!!, وأنني إذا ما قدمت له أفكاري مشافهة كانت فرصتي أفضل في النجاح؟"

أجابته قائلة: "نعم, هذا هو ما أقصده تماماً", لذلك قال أحد المفكرين: "أعظم اكتشاف تم التوصل إليه في جيلي هو أن الإنسان يستطيع أن يغير حياته، وذلك بأن يغير من طريقة تفكيره".

رائع أن نتأمل في جزء يسير من مواقف الحياة التي نعيشها مثلاً... تأمّل معي ..

عندما تسير على طريق وفق منهج ضيق معين، وتكتشف بعد حين أنك أخطأت الطريق، فهذا يعني أن.. "جزء من النص مفقود".

عندما تطلق العنان لهواك وتتلاطم بك الشهوات ستعرف بعد ذلك أن في حياتك.. "جزء من النص مفقود".

ما إن حكمت على شخص، وتهجّمت عليه، وغلّطت أفكاره ومعتقداته، إلاّ أنه بالكاد يوجد.. "جزء من النص مفقود".

طالما كنت سلبياً ومحبطًا، وترى كل شيء أمامك غمامة سوداء تأكد تماماً أن داخلك .. "جزء من النص مفقود".

عندما ترى أن ثمة أشخاصاً انغمسوا في غياهب الدنيا، وأعرضوا عمّا أمر به الله فلابد أن تعي أن هناك.. "جزء من النص مفقود".

قراءة التاريخ رائعة، ولكن مهما قرأت وبحثت وتأكدت واستنتجت ستجد يوماً أنه يوجد .. "جزء من النص مفقود".

بعد مرور سنوات على زواجك، وشعرت أن الأمر أصبح روتينياً ومملاً، وتتضجر من صغائر الأمور، فضلاً إذا كان لديك أطفال، وكانت الحياة صاخبة، وفكّرت أنك تعجّلت في قرار الزواج أصلاً, سبب ذلك حتماً أن هناك.. "جزء من النص مفقود".

إذا أكملت دراستك، وتخرّجت، وأصبح لديك وظيفة أو عمل معين، ثم بدأت تتذمر من ذلك فهذا بسبب .."جزء من النص مفقود".

مهما عشنا وتعلّمنا وقرأنا وخضنا تجارب سنكتشف يوماً أن.. "جزء من النص مفقود".

فالحياة سفينة لامرسى لها تسير بنا ونحن نعتقد أننا ربان هذه السفينة؛ لأننا لانرى كل ما حولنا، بل نرى حد الأفق فقط، ثم نسير ونرى ما كان يخفى علينا؛ لأننا كنا أصلاً نسير في جزء متواضع فقط والباقي كان .. "جزء من البحر مفقود". .





الأحد، 13 يونيو 2021

قراءة في كتاب الهشاشة النفسية


قراءة في كتاب الهشاشة النفسية 
 لماذا صرنا أضعف وأكثر عرضة للكسر؟

           


كتاب : الهشاشة النفسية

العنوان الفرعي:لماذا أصبحنا أضعف وأكثرعرضة للكسر ؟

تأليف : د. إسماعيل عرفه

نبذة

وإحدى نتائج هشاشتنا النفسية هي أننا نقوم أحياناً بتضخيم أي مشكلة تظهر في حياتنا إلى درجة تصويرها ككارثة وجودية، في عملية تسمى في علم النفس بـ Pain catastrophizing.


هذه العملية هي عبارة عن حالة شعورية تعتريك عند وقوعك في مشكلة ما، تجعلك تؤمن أن مشكلتك أكبر من قدرتك على التحمل، فتشعر بالعجز والانهيار عند وقوع المشكلة وتظل تصفها بألفاظ سلبية مبالغ فيها لا تساوي حجمها في الحقيقة، وإنما هي أوصاف زائدة لا وجود لها إلا في مخيلتك، فيزيد ألمك وتتعاظم معاناتك، ثم ماذا؟! .. ثم تغرق في الشعور بالتحطم الروحي والإنهاك النفسي الكامل، وتحس بالضياع وفقدان القدرة على المقاومة تمامًا، وتستسلم لألمك وتنهار حياتك كلها بسبب هذه المشكلة.


كما تتجلى الهشاشة النفسية في أشكال أخرى في تعاملاتنا اليومية: فنحن نعظم مشاعرنا ونجعلها حَكمًا نهائيًا على كل شيء تقريبًا ونقرر اعتزال كل ما يؤذي مشاعرنا ولو بكلمة بسيطة .. نكره نقد أفكارنا لأن النقد بالنسبة إلينا صار كالهجوم .. نعشق اللجوء إلى الأطباء النفسيين في كل شعور سلبي في حياتنا ونهرع إليهم طلبًا للعلاج .. لا نتقبل النصيحة ولا نرغب في أن يحكم أحدٌ علينا .. نلتمس العذر لأي خطأ أو إجرام بدعوى أن مرتكبه متأذي نفسيًا..

هذا الكتاب إذن يحلل ما يحدث لفئة من الشباب والفتيات الذين تأثروا بظاهرة الهشاشة النفسية، ثم يقدم الحلول العملية المقترحة لتقوية النفس وتدريبها على الصبر وتحمل المسؤولية. 

قراءة تقوى الإدريسي

 

‏يستمد الكتاب أهميته من أنه أول محاولة في المكتبة العربية تتناول مشكلة الهشاشة النفسية بالدراسة من عدة نواحي: مظاهرها، وأسبابها، ومقترحات عملية للتغلب عليها. ورغم أن هذا الموضوع قد قُتِلَ بحثا في الوسط الغربي إلا أن لهذا الكتاب قصب السبق بتتبع تجليات الهشاشة في العالم العربي بالدراسة وذلك بعد ملاحظة المؤلف أن الظاهرة صارت جزءاً من واقعنا المحلي بعد العام 2017 وذلك عقب تغيرات عدة عصفت بمجتمعاتنا أدت للتمحور حول الذات بدلاً من الاهتمام بالسرديات الكبرى للأمة، وعزز هذا الوضع الإنتشار المهول لوسائل التواصل الاجتماعي.


‏إذن، الكتاب ليس أكاديمياً ولا بحثياً- كما يؤكد الكاتب-  بل محاولة إجتهادية تكشف النقاب عن عوار هذا الداء الآخذ في ضخ سمومه بوحشية خصوصاً في جيل زي/z “مواليد 1997 ومابعدها ” كما اصطُلِح، ومن ثم فتح الباب لمزيد إهتمام بها بصورة مكثفة طلباً للعلاج الأمثل!

‏يتكون الكتاب من مقدمة، وثمانية فصول، ثم خاتمة، وكل فصل منه يتناول استعراض موجز للمشكلة من زاوية منفصلة ثم محاولة إيجاد حلول مقترحة لها.

‏في الفصل الأول بعنوان “جيل رقائق الثلج”، ‏يوضح لنا المؤلف ماذا يقصد بمصطلح الهشاشة وذلك بتشبيه هذا الجيل برقائق الثلج لسرعة انهياره ولتعزز قيمة الفردانية فيه، وشرح بأمثلة واقعية كيف أن الدلال المفرط أسهم بشدة في تشويه نفسية هذه الفئة،‏ ويقول أننا “أمام جيل غير ناضج يرفض أن يكبر ويتحمل مسؤولياته، يتحطم سريعاً في العشرينيات، يميل لتهويل المشاكل البسيطة وتضخيم الألم لجذب التعاطف!”. ‏فمن المفارقات التي ذكرها أن مرحلة المراهقة الآن تتأخر ممتدة حتى عمر 25 بدلاً من 18 كما في الأجيال السابقة!

ونصح بتعضيد دور التربية، والعمل والإحتكاك بذوي الخبرة مع ملازمة أهل العلم، لتحصيل المزيد من النضج.

‏في الفصل الثاني تكلم عن: “هوس الطب النفسي”، ‏ينتقد هنا السعي المفرط وراء المعالجيين النفسيين كثقافة عامة”موضة” عند أبسط الصدمات، في حين أن هذه الصدمات في الحقيقة هي جزء من تكوين الحياة! وينقل عن أحد كبار علماء النفس أن مصطلحات الطب النفسي في نفسها غير واضحة المعالم في التشخيص فمثلا: “‏ما الحد الفاصل بين السواء/الاضطراب النفسي!”، وحذر من التوسع في تضخيم التشخيصات الخاطئة مما يجعل كثير من السلوكيات السوية مرضية!

‏ويعود ليقول أن للجسم البشري طريقته في التعامل والتكيف مع الضغوط،  مثل: البوح، والمشي، واللعب، والأكل، الخ، وأن العقاقير تضاد هذا الإتزان الطبيعي، بجانب مساوئ استخدامها على المدى البعيد!.

و‏قدم عدة حلول لتجاوز فترات السلبية التي يعاني منها المرء في فترو ما، مثل: العلاقات الإجتماعية المتينة، وملء الفراغ، عدم اللجوء للأطباء النفسيين إلا بعد فترة طويلة، مع ترك مساحة للنفس لمعالجة مشاعرها بنفسها…

بطبيعة الحال، في واقعنا السوداني فلا يبدو أننا نعاني من هذه الإشكالية، فنحن لا نزال ندور في  هاجس الخوف من الطبيب النفسي و”الاستقما” التابعة له!

‏في الفصل الثالث تساءل عن: “الفراغ العاطفي أم الفراغ الوجودي “!

‏حيث أبان فيه أن الفراغ العاطفي يقتات على عدة عوامل مثل: وهن شبكات القرابة، وضعف الروابط الإنسانية، وتأخر سن الزواج، ودور الإعلام في تجسيد العلاقة بين الجنسين بتكثيف العزف على وتر الحب والرومانسية. وقد هيأ هذا السياق الأرضية المناسبة لخبير العلاقات”اللايف كوتش”،‏ ليكون المستفيد الأكبر الذي يضع لجمهوره قوالب جاهزة من النصائح، التي لا تراعي خصوصية الأفراد! ‏ثم تناول ظاهرة “الفراغ الوجودي” كأحد سمات هذا الجيل، فالإنسان المعاصر يعاني بعيداً في معرفة الغاية من وجوده، في الوقت الذي تجيب فيه الرأسمالية بالترفيه، وتزيده تشتيتاً!


ونصح بالخروج من المازق بالرجوع إلى الله تعالى وتثبيت دعائم الإيمان به سبحانه، حيث سيجد المرء “راحة نفسه وصلاح باله وطمأنينة قلبه في ظلال طاعة الله وأنس القرب به”. وأشاد بدورة التربية الإيمانية للأستاذ “فاضل سليمان” ونصح بالإطلاع عليها حيث يقدم في عشرة دروس مقدمات عن التربية الروحية والتوازن الإيماني للمسلم، وتصوره عن الحياة والموت وما بعد الموت كما قررته نصوص الشريعة.

في فصل جديد بعنوان:  “‏الجانب للمظلم للسوشيل ميديا”، ‏ناقش الكاتب هنا مشاكل وسائل التواصل الاجتماعي،‏ ومنها:

– تعزيز النرجسية، أي أن الجميع صار يدور حول نفسه ويسعى لتضخيم أناه، ويظهر هذا بجلاء في تنافس حصد اللايكات والتفاعل الايجابي، ومن ثم الخوف من النقد؛ فلا أحد هنا يريد أن يخسر أحداً؛ مما يؤدي لتمييع الأفكار والمعتقدات لتصبح “أفكار من ورق” أي أنها قابلة للتحوير على مقاس الجمهور وقت ما استدعى الأمر.

– التغيير من أجل التغيير، وهوس التصفح والسعي وراء كل ماهو جديد، والبحث عن الإثارة وفقدان التركيز العميق.

‏وللتعافي أرشد الكاتب هنا للفطام من سلطة السوشيل ميديا، بالإعتزال المؤقت بين فترة وأخرى، كما أحال لكتاب “مصيدة التشتت” لمزيد من سبر الحلول.

وها هنا أقول، ربما كان سيزيد من قوة الطرح ويساعد على فهم أكثر للإشكالية المطروحة في هذا الفصل، لو رجع بنا الكاتب لدراسة الجذور الفلسفية لتأثير التقنية على الإنسان، ابتداء من العلاقة بين الإنسان والآلة، وكذلك التنظير الحداثي للعلم التجريبي المعاصر منزوع القيمة، الذي يهتم بالتقنية كوسيلة بغض النظر عن الغاية والهدف منها وتوجيهها القيمي المناسب.

‏الفصل التالي كان بعنوان: ” لا تحكم على الآخرين”، تناول المؤلف إحدى أهم المشاكل -في نظري- الطاغية بين أبناء هذا العصر، ‏وهي سيادة فكرة “اللاحكم”، ألا تحكم على الآخرين مهما بدر منهم! ويرى أن ذالك نتاج التأثر بهوس الثقافة الغالبة بفكرة التسامح وتقبل الآخر وتمييع هوية الفرد، ‏مما يعزز هذا على صعيد آخر من الحساسية المفرطة تجاه النقد والمواجهة بالأخطاء! ‏إن تخلية المجتمعات من الأحكام غير ممكن وذالك كمحاولة النظر للكلمات دون قراءتها! كما أن ‏أزمة هذا السياق تظهر في حالة من المراهقة النفسية وفيها  تعود النفس على حالة من عدم المسؤولية تجاه السلوك والأفعال مع عدم القدرة على تحمل النقد وأعباء الحياة. ‏ويؤكد على أنه يدعو  إلى حسن أداء النصيحة إبتداء وذلك بإقامة الأحكام الصحيحة المنطلقة من الأخلاق، المستندة على وقائع حقيقية لا أوهام ويتم فيها مراعاة الأسلوب، والتوقيت، والألفاظ، وغيرها من الآداب المعروفة المبثوثة في كتب الفقه وفقه الدعوة.

في الفصل الذي يليه، يصف لنا المؤلف حالة من “عبودية المشاعر” في فصل بعنوان: “مشاعرك أسوأ حكم في حياتك”‏، حيث يصف  شيوع ثقافة تعظم من قدر المشاعر بشكل غير مسبوق، ويتم التلاعب بذلك بشكل مفرط من قبل الإعلام،  الذي أجاد تسويقها.‏ إن الإنسان المعاصر وصل لحالة من تفضيل للمشاعر الهائلة والملتهبة- “مشاعر الصدمة”- على المشاعر الهادئة “مشاعر التأمل”؛ مما آل لتردي الإحساس الذاتي ولتوتر العلاقات المعتمدة على الإستقرار والثبات كالزواج.

‏وفي فصل آخر بعنوان “مخدرات الشغف”، ينتقد المؤلف بشدة الخطابات التحفيزية التي تبيع الوهم و تبني تجارتها على الإجابات والشعارات المريحة على شاكلة: “لا تبحث عن قدراتك بل شغفك!”،  في الوقت الذي تنهار فيه هذه الشعارات عند أول عقبة في الواقع، ‏في خطاب مؤجج يغفل القدرات والسياقات الخاصة المحيطة بالأفراد!


‏ثم يتساءل هنا: “ما قيمة الشغف إذا لم يكن الفرد قادرا على تأمين مستقبل معيشته؟”

‏ويضيف، بدلاً من ذلك، لماذا لا نهدي الشباب لرسم خطط واقعية تعرفهم بالسوق ومتطلباته مع تكوين مستمر للمهارات  والتعلم الدائم  مع البحث عن الفرص لا الشغف” ؟

وفي آخر الكتاب، في الفصل الثامن: “مفتاح النجاة: أنا مريض نفسي إذن أنا أفعل ما أريد”، حذر المؤلف من موجة من التساهل مع الإجرام بحجة مراعاة الحالة النفسية لتصبح هنا الحالة النفسية مبرراً لفعل كل شخص ما يريد، فوصلت لمرتبة من القداسة المانعة من المحاسبة، فالشرير هنا هو الضحية لا المجرم  ومن ثم ننتهي بخلق حالة من التماهي مع الشر!وينوه إلى أن الشريعة  تضع أُطُراً صارمة ومحددة لرفع العقوبة بسبب الإضطراب النفسي، ولا يكون  ذالك إلا على يد أهل الإختصاص من أطباء النفس وفقهاء الشريعة، فلا يكفي مجرد إدعاء الجاني، ففي الأصل أن كل إنسان مسؤول عن أفعاله “كُلَّ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ رَهينَة”.

‏ختاماً، فالكتاب من وجهة نظري المتواضعة في مجمله جيد جداً، ويحتاج للمزيد من التنقيح والمراجعة واختمار الأفكار، وترتيب الفصول والمكرر، وأن يعضد بتجارب أصحاب الخبرات التربوية والبحوث الأكاديمية الجادة. ومن الملاحظ أن الكاتب قد أسهب في نقل عدة منشورات مطولة من وسائل التواصل والتي  كانت أحيانا “لطولها”  تتداخل عندي مع النص الأصلي، كما أن الحلول قد طرحت في شكل نقاط عامة مستعجلة – كما نبه المؤلف- ربما كانت تحتاج دراسة وشرح أكثر في جوانب تخصصية فكرية واجتماعية وشرعية، لكن يحسب له بلا ريب أن فتح الباب لمن بعده في هذه المضمار المهم غير المطروق، وكلي أمل أن ينضج أكثر مع مقبل الطبعات القادمة بإذن الله، وجزى الله تعالى عنا المؤلف خير الجزاء ونفع به.



الهشاشة النفسية (الكتاب المسموع)


أقرأتلخيص الهشاشة النفسية
لماذا أصبحنا أضعف وأكثر عرضة للكسر؟


الاثنين، 7 يونيو 2021

حرب السلام مع النفس

 

حرب السلام مع النفس


منصور بن محمد فهد الشريده
@Aboesam742Are


بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم


ارتكبتَ خطأً، اتخذت قرارًا غير صائب ، جرحت مشاعر شخص ما ، فشلت في امتحان ، لم تُكمل واجباتك اليومية ، استيقظت متأخرًا عن صلاة الفجر ، نسيت أن تسدد فاتورة ما ، لم ترتق لمستوى تطلعاتك ولو بالقليل ، قصرت في بر والديك وصلة ارحامك والإحسان إلى جيرانك وتفقد أهلك وابنائك.

لم تُفلِح في شرح نقاطك أثناء اجتماع أو عرضٍ مهم، فاتك موعدٌ هام ، فاتك زواج زميل عزيز عليك ، كنتَ مُحْرَجًا على ذلك الزواج المهم ، كما أن الارتباك الذي حلّ بك لم يختفي.
تجلعنا مثل هذه الحالات ساخطين على أنفسنا حيث نتساءل لماذا نحن حمقى أو ضعفاء أو غريبي الأطوار أو سخيفين أو حتى مساكين ، فنعاقب أنفسنا بحرمانها من النوم والراحة ونتوجه إلى تقسيم قائمة المهام ، فتخيب ظنوننا بأنفسنا مما يدفعنا الى التفكير فقط بهذه الأمور.
ومع ذلك فهذه هي اللحظات التي يكون فيها الصفح عن الذات أمرًا مهمًا.
يقول الطب النفسي : بأن الصفح عن الذات هو تحمل المسؤولية عن تصرفاتنا برأفة وبجدّية ، كما أشار أنه بتلك الطريقة فكل منا يقول لنفسه: ” أنا مُتَحسّر أنك تصرفت بهذه الطريقة فأنا أتفهم الدافع ، وأود أن أحبك بدلاً من أن أعيبك عليها.”
▪فكيف إذن تُسالم نفسك؟
كيف انشر السلم مع نفسي “ الرحمة هي أساس المسامحة والمسالمه ، فهي تتطلب ممارسة وقد تكون صعبة في البداية.
لكنها تزودنا بطريقة صحية لنصبح أقوى. إنها تعزز صحتنا وسعادتنا فضلاً على أنها تُلهِمنا وتشجعنا.”
فلنأخذ المثال الآتي: أنت على مقربة من التاريخ المحدد لتسليم بحث مدرسي ٍ ما ولكنك لست مستعدًا لكتابته إطلاقـًا ، فتقول لنفسك: “يجب أن أكتب هذا البحث حالاً وإلا فأنا شخص فظيع وطالب فاشل”.
هل يشجعك مثل هذا القول على أن تمضي قدمًا وتكتب البحث؟
وفي المقابل، ماذا يحدث لو قلت لنفسك “لست مستعدًا لكتابة هذا البحث فالأسبوع كان طويلاً وشاقـًا ولا أشعر بأني قادر على الكتابة ، لِم لا أضع مسودّة فقط.”
مجرد مخاطبة نفسك بهذه الطريقة تحسّن مزاجك ومن المُحتمل أن تدفع بك إلى العمل على البحث ، فالتسامح والسلم فعال ونافع.

إليك بعض الخطوات من أجل تعزيز تسامحك ومسالمتك مع ذاتك آخذة الرأفة كأساس:

▪ ركّز على المسالمة بشقيه:
، فإن السلم مع الذات له مرحلتان ، فالأولى هو أن نسامح أنفسنا عن أي فعل مؤذٍ أو إساءة قمنا بها، كارتكاب خطأ في العمل أو جرح مشاعر شخص ما.
أما الثانية فهي أن نقر بأننا بشر نمتلك مشاعر معقدة وتصرفات لا نستطيع التحكم بها رغم أننا مسؤولون عنها. وأخذت كمثال التحول إلى موقف الدفاع عندما نحس بتهديد ما على الرغم من أن ذلك الشخص لم يقصد إزعاجنا.
يتطلب هذا فعلاً عملاً شاقـًا؛ فإمكانية أنك تستطيع فعل ذلك هي أخبار سارّة ، وفي حالة ما احتجت مساعدة يمكنك أستشارة أخصائي في أي وقت.

▪ تعاطف مع الآخرين:
كثيرًا ما يكون تعاطفنا مع غيرنا أسهل من تعاطفنا مع أنفسنا، فكّر بما سيكون عليه شعورك حيال شخص آخر في نفس الوضعية.
تأمل في هذا السؤال “هل تستطيع النظر إلى شكوكك وتفهم كيف كنت تبذل قصارى جهدك ماليًا واجتماعيًا وأكاديميًا بالموارد المتاحة لك؟”

▪ اعمل على المسألمة وكن راضيًا عن نفسك:
كانت إحدى النساء تعاني من اضطراب مستعصٍ ما أدّى بها الى عدم حبها وتقبلها لذاتها ، حيث قالت بأن المريضة كانت ترى بأن مشاكلها النفسية اقتحمت كل علاقاتها. فتعاونتا ، الطبيبة والمريضة ، على مسألة حب الذات وتقبلها الى جانب التقليل من حدة الاضطراب الذي كان لسببين وراثي وكيميائي، كما أن هذا الاضطراب زاد من إحساسها والذي بدوره حسّن في علاقاتها وعملها على نحو فريد.
فإن المريضة دخلت معالم تقبل الذات والصفح عنها حيث استطاعت أن تُفصح عما يُخالجها قائلة: “أتمنى فعلاً لو لم يكن الاضطراب صراعًا بهذا الشكل، فقد يكون مرهِقـًا ومُنهِكـًا لي وللناس من حولي. أسعى جاهدة لأتغلب عليه كي لا يتحكم في ردة أفعالي ولا في قراراتي، ولكن في بعض الأحيان يتحكم فيها.
فهذا ليس خطأي ولكنه حقيقة التعامل مع الاضطراب.”

▪ استعمل عبارات مشجعة:
انتبه إلى ما تقوله لنفسك، حاول أن تستعمل عبارات مشجعة وصادقة.

▪ إليك أمثلة واقعية:
تتحدث مع نفسك “يا الله، أردت ذلك حقـًا ولكن لم تسر الأمور على ما يُرام، طبعًا أحاسيسي مجروحة”
“يرتكب الناس الأخطاء دائمًا، فنحن بشر.”
“أكره التعلم بهذه الطريقة ولكن ها أنا أفعل ذلك.”

▪ جرّب الخيال:
تصوُّر الأشياء قد يكون فعّالا: تخيّل احتواءك لنفسك في قلبك ، تخيّل أنك تحتضن نفسك، إرسال المحبة بتلك الصورة سيساعد في تعميم المشاعر الإيجابية والتي بدورها تزيد من الإحساس بالرحمة.”
تأكد من جديد على أهمية تقبل فكرة أنك إنسان يخطئ بطبعه ويتخذ قرارات غير مُوفّقة. وأنك ستكسب كثيرًا إن تبنيت هذا الموقف ، وهذا لا يعني رفضنا التحسين في المرات المقبلة ولكن هو ببساطة مواجهة الأحاسيس والتعقيدات التي تجعل منا أناسًا مفعمين بالحيوية وفريدين.
تقبلو تحياتي.
 

الأحد، 23 أغسطس 2020

الإيمان: أولى الأسرار في صناعة الهمة

الإيمان: أولى الأسرار في صناعة الهمة


اتفقت خلاصات البشر على ضرورة توفر شرط “الإيمان” لصناعة الهمة، وتنوعت المراجع والمؤلفات الإسلامية والغربية التي تؤكد رسوخ هذه الحقيقة.

ولا شك أن المسلمين قد تفوّقوا على بقية الأمم في سمو الروح بالإيمان وفي معرفة الله جلّ في علاه، فكان تاريخهم مضرب الأمثال سواء على مستوى قوة الروح أو القدرة على الثبات أو الانبعاث في أسوأ الظروف المادية أو إقامة حضارة مبهرة ماجدة ممتدة، فقدموا بذلك أفضل نموذج قدوة لصناعة الهمة.

يقول مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في وحي القلم: “الإيمان وحده هو أكبر علوم الحياة، يُبصِّرك إن عميتَ في الحادثة، ويهديك إن ضللت عن السكينة، ويجعلك صديق نفسِك تكونُ وإياها على المصيبة، لا عدُوَّها تكونُ المصيبةُ وإياها عليك، وإذا أخرجَتِ الليالي من الأحزان والهموم عسكر ظلامها لقتال نفس أو محاصرتها، فما يدفعُ المالُ ولا ترد القوة ولا يمنع السلطان، ولا يكون شيء حينئذ أضعف من قوة القويّ، ولا أضيعَ من حيلة المحتال، ولا أفقرَ من غِنى الغني، ولا أجهل من علم العالم، ويبقى الجهدُ والحيلة والقوة والعلم والغنى والسلطان، للإيمان وحده؛ فهو يكسر الحادث ويقلل من شأنه، ويؤيد النفسَ ويضاعفَ من قوّتها، ويَرُدُّ قَدرَ الله إلى حكمة الله؛ فلا يلبثُ ما جاء أن يرجع، وتعود النفس من الرضا بالقدر والإيمان به، كأنما تشهد ما يقع أمامها لا ما يقعُ فيها.”

وبنفس الخلاصة خرج أبو فهر محمود شاكر رحمه الله، حين قال: “الإيمان صيقل الحياة الدنيا، ينفي خَبَثَها ويجلو صدأها، فإمّا ركبها من ذلك شيء، عاد إليها يحاداثها، ويصقلها حتى يتركها بيضاء نقية”.

وسبق الرافعي وشاكر العلامة ابن القيم رحمه الله بخلاصته في باب الإيمان حيث قال في مفتاح دار السعادة: “الإنسان مضطر إلى نوعين من الحياة: حياة بدنه التي يدرك بها النافع والضار، ويؤثر ما ينفعه على ما يضره ومتى نقصت فيه هذه الحياة ناله الألم والضعف بحسب ذلك، وحياة قلبه وروحه التي يميز بها الحق والباطل والغي والرشاد فيختار الحق على ضده فتفيده هذه الحياة قوة التمييز بين النافع والضار في العلوم والإرادات والأعمال”.

وقال في مدارج السالكين:” فَإنَّ الإيمانَ هو رُوحُ الأعْمالِ، وهو الباعِثُ عَلَيْها، والآمِرُ بِأحْسَنِها، والنّاهِي عَنْ أقْبَحِها، وعَلى قَدْرِ قُوَّةِ الإيمانِ يَكُونُ أمْرُهُ ونَهْيُهُ لِصاحِبِهِ، وائْتِمارُ صاحِبِهِ وانْتِهاؤُهُ “.

وقد أثبتت عدة دراسات أجريت لتبيان علاقة الإيمان بالصحة النفسية كان منها دراسة كمال مرسي، أن زيادة الإيمان يؤدي إلى زيادة الصحة النفسية، ونقصانه يؤدي إلى وهن في النفس، فالإيمان سبب للصحة النفسية والصحة النفسية نتيجة للإيمان.

ومن الكتب الغربية التي سلطت الضوء على هذا المفهوم رغم اضطراب قواعدها الإيمانية بارتكازها على النصرانية المحرّفة، كتاب «دع القلق وابدأ الحياة»، وهو الكتاب الشهير الذي ألفه ديل كارنيجي وترجمه عبد المنعم الزيادي وأشار إليه الأديب الفقيه علي الطنطاوي رحمه الله.

وكارنيجي مؤلف أمريكي ومطور الدروس المشهورة في تحسين الذات ومدير معهد كارنيجي للعلاقات الإنسانية، ولد في 1888م عام وتوفي في عام 1955م.
ديل كارنيجي (1888-1955) صاحب كتاب: دع القلق وابدأ الحياة.
وتضمن كتاب كارنيجي بعض خلاصات أستاذ الفلسفة بجامعة هارفارد الأمريكية، وليم جيمس كقوله: “إن أعظم علاج للقلق هو الإيمان”. وقوله: “إن بيننا وبين الله رابطة لا تنفصم، فإذا نحن أخضعنا أنفسنا لإشرافه -سبحانه- تحققت كل أمانينا”.
وقال ديل كارنيجي:”ترى لماذا يجلب الإيمان بالله والاعتماد عليه سبحانه الأمان والسلام والاطمئنان؟ سأدع وليم جيمس يجيب على هذا السؤال: إن أمواج المحيط الصاخبة لا تعكر قط هدوء القاع العميق، وكذلك الإيمان لا تعكره التقلبات السطحية، فالرجل المتدين حقاً عصيٌّ على القلق، محتفظ أبداً باتزانه، مستعد دائماً لمواجهة ما عسى أن تأتي به الأيام من صروف. فلماذا لا نتجه إلى الله إذا استشعرنا القلق؟ ولماذا لا نؤمن بالله ونحن في أشد حاجة لهذا الإيمان؟”.
ويدفعنا هذا لعرض خلاصات فيكتور فرانكل زعيم مدرسة “اللوجوثيرابي” أو ما يعرف بـ”العلاج بإحياء المعنى” حيث قال فرانكل: “إن بحث الإنسان عن معنى لحياته قوة أولية في حياة الإنسان وليست تبريرًا أوليًا لدوافعه الغريزية، وهذا المعنى متفرد وخاص ويجب أن يصل إليه ويحققه الشخص نفسه، وبهذا فقط تتحقق أهميته وترقى هذه الحاجة إلى المعنى لدى الشخص. وهناك بعض الكتاب يؤكدون على أن المعاني والقيم ليست إلا عمليات نفسية دفاعية وتكوين رد فعل وتسامي، ولكن عن نفسي فأنا لا أستطيع أن أعيش فقط في سبيل دفاعاتي النفسية وليس عندي استعداد أن أموت في سبيل تكوين رد الفعل، ولكن الإنسان يستطيع أن يعيش وأن يموت في سبيل مثله وقيمه”.
وفي هذا الكلام اعتراف ضمني بأهمية الإيمان وأثره في تحقيق الحياة الطيبة من فرانكل، الطبيب النفسي الذي قال عنه بعض الباحثين المسلمين: “وربما لو أن فيكتور فرانكل قد درس الإسلام دراسة وافية لأمكنه إكمال ما بدأه في هذا الاتجاه الصحيح”.
وبوضوح أكثر من فرانكل يقول سيرل بيرت، أحد أبرز علماء النفس البريطانيين، مؤكدًا على أهمية الدين بعد إخفاق علم النفس الحديث في تحقيق الراحة التي ينشدها الإنسان: “وإن الدين في تعابيره تتضمن أرقى أفكار الإنسان وأحاسيسه عما يحيط به من ألغاز الوجود وتبين أسمى موقف له نحو معضلات الفناء إذن فمهما يكن رأي عالم النفس في التفصيل فإنه مضطر أن يعترف أن الدين من أكثر العوامل الاجتماعية بقاءً، ومن أقوى الوسائل الفعالة للسمو بحياة الفرد والمجموعة البشرية”.
ويقول د. أ.أ.بريل المتخصص في علم النفس: “إن المرء المتدين حقًا لا يعاني قط مرضًا نفسيًا”.
واتفقت الدراسات النفسية وخلاصات علماء النفس الغربيون والمسلمون على حد سواء على ضرورة العقيدة والإيمان في حياة الإنسان لينعم بحياة مستقرة طيبة وليتمتع بالأمن والصحة النفسية التي تؤهله لأفضل حياة.
وتأتي هذه المقدمة لتقدم حقيقة دامغة لا تقبل الجدال ولا الارتياب في أنه لا حياة بدون إيمان، ولا صناعة للهمة بدون هذا الوصال السماوي باتباع دين الله.
وليس أي دين بلا شك، فجميع الأديان ما عدا الإسلام مشوّهة مليئة بكثير من الانحرافات.
وهذا ما يفسر كون الإسلام أسرع الديانات نموًا وانتشارًا في العالم إذ يجد فيه المعتنقون له ما لم يجدوه في مختلف الأديان الأخرى، بل يجدون فيه كل ما ترقى به النفس البشرية وتسمو وتتجاوز كل عقبات الخوف في الحياة فلا يخشى إلا الله.
يقول محمد عثمان نجاتي: “إن المؤمن الصادق الإيمان لا يخاف من الأشياء التي يخاف منها معظم الناس عادة وهي: الموت، والفقر، والمرض، كما أنه لا يخاف الناس ولا مصائب الدهر وهو ذو قدرة كبيرة على تحمل المصائب لأنه يرى أنها ابتلاء من الله تعالى يجب عليه أن يصبر عليه”.
ثم إن فقدان الإيمان مصيره النهايات الثابتة التي تنتهي لها حياة الملحدين، فمنهم من ينتهي به الحال للانتحار ومنهم من يتخبط ويتناقض فيؤمن حينا ويجحد حينا آخر فلا تستقر نفسيته ولا يعرف الأمن والاطمئنان ومنهم من يتوب ويعود منيبًا إلى ربه بعد أن أدرك عظم جرمه.
ولن تجد ملحدًا في هذه الحياة مطمئن النفس مستقرًا وقادرًا على صناعة شيئ يحمل معنى في حياته، ذلك أن من فقد الإيمان فقد معه كل نور وكل قيمة، كما قال الله تعالى ( أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) (الأنعام:122).
قال أهل التفسير: “أو من كان ميتا بالكفر والجهل وهوى النفس… فأحياه الله تعالى بنور الإيمان والعلم والمعرفة…. كمن مثله في ظلمات الكفر والجهل أعمى القلب أهذا وهذا سواء؟”.

إن الدين عند الله الإسلام

فالإيمان الصلب المتين الذي نتحدث عنه هو الإيمان بالله وحده لا شريك له، وهو الأصل الذي رسخه الإسلام وقام عليه، فلا يُقبل دين غيره، قال تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران: 19).
يقول ابن كثير في تفسير الآية: “وقوله تعالى ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) إخبار منه تعالى، بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فمن لقى الله تعالى، بعد بعثة محمد صلّى الله عليه وسلّم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال تعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) الآية”.
“ثم بيّن- سبحانه- أن اختلاف أهل الكتاب في شأن الدين الحق لم يكن عن جهل منهم بالحقائق وإنما كان سببه البغي والحسد وطلب الدنيا فقال تعالى (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)”.
وكان من آخر ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).
لهذا أيها المسلم وأيتها المسلمة، (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ) ذلك أن أول سر من أسرار صناعة الهمة هو الإيمان المطلق الذي لا يتزعزع ولا يتلجلج، إيمان بوحدانية الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، بتوحيد لا يقبل الشك ولا الشرك. رأس ماله كتاب لا ريب فيه. والتوحيد مُستِقرٌّ في فِطَر عامَّة البشر، فهم مُقِرُّون لله تعالى به؛ قال تعالى ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (لقمان: 25).
ولا يكون الإيمان إلا “بالإيمان الجازم والتصديق التامُّ بالله تعالى وما جاء عنه، وما يجبُ له سبحانه، والإقرار برسالة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وتصديقه والاتِّباع له في كلِّ ما شرَعه الله، وتحقيق ذلك نيَّةً وقصدًا، وقولاً وعملاً بمقتضى ذلك، وتركًا لكلِّ ما ينقص كمالَ الإيمان الواجب أو يُنافِيه ويُضادُّه”.
قال تعالى ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ) (البقرة: 177)، وقال تعالى ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (القمر: 49).
وسأل جبريل عليه السلام – معلما الصحابة- ما الإيمان؟ فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإيمان: أنْ تُؤمِن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخِر، وتؤمنَ بالقدَر خيره وشرِّه”.
وقال – صلى الله عليه وسلم – جامعا الأركان القوليَّة والعمليَّة للإسلام بقوله: “بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شَهادةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وصَومِ رمضانَ وحجِّ البيتِ لمنِ استطاعَ إليهِ سبيلًا “.
يقول ابن القيم في الفوائد: “والإيمان حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علما، والتصديق به عقدا، والإقرار به نطقا، والانقياد له محبة وخضوعا والعمل به باطنا وظاهرا وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان، وكماله في الحب في الله والبغض في الله والعطاء في الله والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده، والطريق إليه تجريد متابعته رسوله ظاهرا وباطنا”.
وذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أنَّ الإيمان في اللغة هو التصديق؛ وذهب آخَرون إلى أنَّ الإيمان في اللغة هو الإقرار أي: الاعتراف بالشيء عن تصديقٍ به. وقال في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بفراسته اللافتة: “فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد”.
وقال بعض السلف: “ليس الإيمان بالتمنِّي ولا بالتحلي، ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال”.
ومن حِكمة الشعر في ذلك قول القائل:
إِيمَانُنَا عَقْدٌ وَقَوْلٌ وَعَمَلْ يَزِيدُهُ البِرُّ وَيَنْقُصْهُ الزَّلَلْ

فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

ثم إن معرفة الله عز وجل فطرة راسخة في الإنسان منذ خلقه، وهي أساس الإيمان بالله وهي وسيلة التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وسيلة تورث السكينة والطمأنينة إلى الله تعالى والرضا به رباً ومعبوداً، يعايشها العبد بالتفكر والنظر في آيات الله الكونية والآيات الشرعية، قال تعالى (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:185) وقال سبحانه ( أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) (المؤمنون: 68) وقال تعالى(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: 29) 
ومن تدبر كتاب الله، وتفكر في خلقه سبحانه وتأمل في حكمته وقدرته سينال قدرًا كبيرًا من المعرفة بالله تعالى، بديع السماوات والأرض.
قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية:”الطريق في معرفة الله تعالى النظر في مخلوقاته، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر أسهل من ذلك لسلكه إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم”. 
وقال ابن القيم في الفوائد:” الرب تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته عن طريقين: أحدهما: النظر في مفعولاته، والثاني: التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة”.
وننقل من فوائد ابن القيم في هذا الصدد، استنباطًا رائعًا خلاصته:” القرآن كلام الله، وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته، فتارة يتجلى في صفات الهيبة والعظمة والجلال، فتخضع الأعناق وتنكسر النفوس وتخشع الأصوات ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء.
وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال الدال على كمال الذات، فيستنفد حبه من قلب العبد قوة الحب كلها بحب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله، فيصبح فؤاد عبده فارغا إلا من محبته، فإذا أراد منه الغير أن يعلق تلك المحبة به أبى قلبه وأحشاؤه ذلك كل الإباء كما قيل:
يراد من القلب نسيانكم     وتأبى الطباع على الناقل
فتبقى المحبة له طبعا لا تكلفا، وإذا تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف والإحسان انبعثت قوة الرجاء من العبد وانبسط أمله وقوي طمعه وسار إلى ربه وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره، وكلما قوي الرجاء جد في العمل كما أن الباذر كلما قوي طمعه في المغل غلق أرضه بالبذر، وإذا ضعف رجاؤه قصر في البذر.
وإذا تجلى بصفات العدل والانتقام والغضب والسخط والعقوبة انقمعت النفس الأمارة وبطلت، أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص على المحرمات، وانقبضت أعنة رعوناتها فأحضرت المطية حظها من الخوف والخشية والحذر.
وإذا تجلى بصفات الأمر والنهي والعهد والوصية وإرسال الرسل وإنزال الكتب شرع الشرائع، انبعثت منها قوة الامتثال والتنفيذ لأوامره والتبليغ لها والتواصي بها وذكرها وتذكرها، والتصديق بالخبر والامتثال للطلب والاجتناب للنهي.
وإذا تجلى بصفة السمع والبصر والعلم انبعث من العبد قوة الحياء فيستحي ربه أن يراه على ما يكره، أو يسمع منه ما يكره، أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه فتبقى حركاته وأقواله وخواطره موزونة بميزان الشرع غير مهملة ولا مرسله تحت حكم الطبيعة والهوى.
وإذا تجلى بصفات الكفاية والحسب والقيام بمصالح العباد وسوق أرزاقهم إليهم ودفع المصائب عنهم ونصره لأوليائه وحمايته لهم ومعيته الخاصة لهم انبعثت من العبد قوة التوكل عليه والتفويض إليه والرضا به، وما في كل ما يجريه على عبده ويقيمه مما يرضى به هو سبحانه والتوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله وحسن اختياره لعبده وثقته به ورضاه بما يفعله به ويختاره له.
وإذا تجلى بصفات العز والكبرياء أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت إليه من الذل لعظمته والانكسار لعزته والخضوع لكبريائه وخشوع القلب والجوارح له، فتعلوه السكينة والوقار في قلبه ولسانه وجوارحه وسمته ويذهب طيشه وقوته وحدته.
وجماع ذلك أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات إلهيته تارة، وبصفات ربوبيته تارة، فيوجب له شهود صفات الإلهية المحبة الخاصة والشوق إلى لقائه والأنس والفرح به والسرور بخدمته والمنافسة في قربه والتودد إليه بطاعته واللهج بذكره والفرار من الخلق إليه، ويصير هو وحده همه دون ما سواه، ويوجب له شهود صفات الربوبية التوكل عليه والافتقار إليه والاستعانة به والذل والخضوع والانكسار له، وكمال ذلك أن يشهد ربوبيته فى إلهيته، وإلهيته في ربوبيته، وحمده في ملكه، وعزه في عفوه، وحكمته في قضائه وقدره، ونعمته في بلائه وعطاءه في منعه وبره، ولطفه وإحسانه ورحمته في قيوميته، وعدله في انتقامه، وجوده وكرمه في مغفرته وستره وتجاوزه، ويشهد حكمته ونعمته في أمره ونهيه، وعزه في رضاه وغضبه، وحلمه في إمهاله، وكرمه في إقباله، وغناه في إعراضه.
وأنت إذا تدبرت القرآن وأجرته من التحريف وأن تقضي عليه بآراء المتكلمين وأفكار المتكلفين أشهدك ملكا قيوما فوق سماواته على عرشه يدبر أمر عباده يأمر وينهى، ويرسل الرسل وينزل الكتب ويرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل ويخفض ويرفع يرى من فوق سبع، ويسمع ويعلم السر والعلانية فعال لما يريد موصوف بكل كمال منزه عن كل عيب لا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بإذنه، ولا تسقط ورقه إلا بعلمه ولا يشفع زهد عنده إلا بإذنه ليس لعباده من دونه ولي ولا شفيع.” انتهى.
فسبحان الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور سبحانه الحكيم الخبير علام الغيوب، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور جل وعلا لا تكفي الكلمات لوصف عظمته وقدرته ذو الجلال والإكرام.
وهكذا تنطلق النفس المؤمنة المطمئنة التي لا حول ولا قوة لها إلا بالله، تشق عنان الحياة عابدة لله مستعينه به فتحقق بشاشة الروح والرضى من القلب والثقة بوعد الله وتتجاوز المحن والابتلاءات بثبات وصبر ويقين، لا تركن ولا تطغى خشية من الله وعذاب الآخرة، وتسابق بالخيرات مستقيمة، رغبة في الجنة والمراتب السامقة فينعكس هذا المشهد على المجتمع وعلى الأمة، فتحفظ الحقوق، وتزدهر الحضارة وتتحقق البشرى.
ومما لا يجب إغفاله في هذا المقام، أن المسيرة سيتخللها مكر الشيطان وتربصه قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة: 208) لهذا فسيستمر التدافع بين نزعات الخير والشر في داخل الإنسان حتى يخرج الأعز منها الأذل وهذا يستوجب معرفة بعوامل تعزيز الخير وإخماد الشر، ثم سنتحدث بعدها لزاما عن روعة العطاء ورقي الإنسان وسعادته، فردًا وجماعة وأمة.
وإنه لمن تمام النجاح والفوز أن ينطلق العبد في صناعة الهمة من توطيد وصاله بخالقه سبحانه، بحسن ذكره وشكره وعبادته، بالتفكر في عظمته وقدرته، بإقبال المخلص بقلبه وجوارحه، فلا يكون ممن قال الله فيهم الله سبحانه ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر: 67).
وأي قلب حي يتدبر هذه الآية العظيمة ولا يخشع! ولا يتملكه الوجل، ولا تقشعر من وقعها جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله!
وبقدر حرصك على القرب من الله سبحانه وتعالى بقدر ما تنعم بفضله وكرمه وإحسانه إليك وتلك السكينة والطمأنينة والسعادة التي تقر في قلبك لا تضاهيها سعادة في الدنيا.
وكيف يطيق العبد أن يسير في هذه الأرض المكتظة بالعقبات والتحديات دون أن ينشد توفيق الله ومعيته! كيف يمكنه أن يستشعر القوة دون أن يستمدها من خالقه، كيف يمكنه أن يعتد بنفسه الضعيفة مستكبرا وهو الذي يقعده المرض والشوكة الصغيرة يشاكها!
فجدد الإيمان وأطلق البصر في السماء، واقطع حبال الغفلة بصدق الدعاء والرجاء واللجوء إلى الله سبحانه، قبل أن تخطو أي خطوة ومع كل خطوة وبعد كل خطوة! فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : يقول الله تعالى : ( أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ) رواه البخاري ومسلم .
وقال الشاعر:
     وإني لأدعو الله حتى كأنني     أرى بجميل الظن ما الله صانع

الإيمان بالنفس

وإن كان الحديث عن الإيمان بالله العظيم يضبط الأصل والمنطلق الذي يقوم عليه أداء المرء السليم، ويكسب المؤمن المعية الإلهية التي لا سبيل للنجاح والنجاة بدونها، فإن هناك إيمان ينضوي تحت هذا الإيمان ألا وهو الإيمان بالنفس ومقوماتها وقدرتها على تحقيق صناعة الهمة، وهو البند الثاني في خطتنا لبناء الهمة، وهو يستدعي المعرفة التامة بالنفس البشرية وسبل حفظ سلامتها وتحقيق رقيها، وإلمام المرء بهذه المعطيات بعد معرفته بالله ونظام هذا الكون، يسمح بمعرفة خصائص نفسه ونقاط ضعفه والتحديات وأسباب التفوق والنجاح.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه “إن البعد عن الله لن يثمر إلا علقما.. ومواهب الذكاء والقوة والجمال والمعرفة تتحول كلها إلى نِقم ومصائب.. عندما تعرى عن توفيق الله.. وتحرم بركته”.
والحديث عن معرفة النفس البشرية حديث تطول فصوله، سنتناوله بعمق أكثر في حلقتنا الرابعة بعنوان “معرفة النفس البشرية لصناعة الهمة”.
فأحسن الظن بالله يا صانع الهمة، وردد إلى لقاء مقبل: “سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته”.
لا إله إلا الله..
من سلسلة “صناعة الهمة” للدكتورة ليلى حمدان.
لقراءة السلسلة.