لماذا نثق بالذكاء الاصطناعي حين يخالفنا؟
لا أحد ينكر مدى الحاجة التي أصبحت تراود الجميع لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وأحيانًا بل غالباً لا نسأل الذكاء الاصطناعي كالجات جي بي تي وغيره بحثًا عن الإجابة، بل لكي نختبره، فنسأله سؤالًا نعرف مسبقًا ما الذي نريد سماعه، فإذا وافقنا ابتسمنا قليلًا ثم يساورنا الشك: لعله يجاملني؟ ولعله صاغ الإجابة على هواي ومرادي؟، فنغيّر السؤال، ونعيد صياغته، وربما نقول له: لا أريدك أن توافقني، بل خالفني، فإذا خالفنا شعرنا فجأة أن الإجابة أصبحت أكثر موضوعية!، لكن لماذا؟ وهل مجرد مخالفة الرأي تجعل الإجابة أكثر صحة؟ والغريب أن هذه المسألة لم تعد مجرد انطباع شخصي فقد تناولتها دراسات حديثة حول علاقتنا بالذكاء الاصطناعي، ووجدت في بعضها أن الإنسان قد ينظر إلى الرأي المخالف الصادر عن الذكاء الاصطناعي باعتباره أقل تحيزًا من الرأي الآخر وكأننا بدأنا نمنح الآلة شيئًا من الحياد الذي لم نعد نمنحه لبعضنا البعض.
والمشكلة أننا ما زلنا نسيء فهم وظيفة الذكاء الاصطناعي ودوره أنه ليس شيخًا نسأله عن الفتوى، ولا طبيبًا نستفتيه لأجسادنا، ولا قاضيًا نستقضيه خصوماتنا، ولا مفكرًا يمتلك سر الحقيقة، بل هو أداة هائلة لجمع المعرفة وترتيبها وتحليلها ومقارنتها وصياغتها، وقيمته الكبرى ليست دائمًا في أن يقول لك: هذا هو الجواب الألمعي، وإنما في أن يريك كم جوابًا يمكن أن يوجد للسؤال الواحد يفتح كل جواب منها أفقاً جديداً، وهنا تكمن ثورته الحقيقية، فلقد نقل الإنسان من مشكلة ندرة المعلومات إلى مشكلة أخطر بكثير. ماذا نفعل أمام زخم المعلومات المتضادة؟ ولهذا قد يكون أخطر استخدام للذكاء الاصطناعي أن ندخله ونحن نبحث فقط عمّن يؤكد أفكارنا القديمة.
لذلك أرى أن طريقة سؤالنا له قد تكون أهم من الإجابة نفسها، فلا تسأله فقط: هل رأيي صحيح؟ بل قل له: ما أقوى الحجج التي تنقض رأيي وتضاده؟، ثم اسأله: ما الأدلة التي تؤيد الرأي الآخر؟ وما المصادر؟ وما الذي لا نعرفه بعد؟ وما درجة ثقتك بهذه النتيجة؟، بل أحياناً يمكن أن تطلب منه أن يتقمص دورين متناقضين، دور يدافع عن الفكرة أولًا، ثم دور ثان يهدمها ثانيًا، وبعدها يقارن بين الحجتين، وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من "أداة وآلة تصنيع للإجابات" إلى شريك فعلي لك في التفكير، وكلما كان السؤال أكثر دقة، والسياق أوضح، وطلب المصادر أكثر صرامة، أصبحت النتيجة أنفع وأفضل، مع بقاء ضرورة الرجوع إلى المصادر الأصلية في المسائل الحساسة والمتخصصة.
وربما المفارقة الكبرى هنا ليست في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في الإنسان الذي يجلس أمامه، فالانسان مجبول على الارتياح لمن يوافقه الرأي ويتجنب بطريقة ما من يخالفه في آراءه، لكننا أمام الآلة نرى أن الفرد منا يطلب العكس: "خالفني حتى أثق بك"، وهذه فرصة فكرية نادرة برأيي، لأن قيمة الذكاء الاصطناعي لن تكون في أن يفكر بدلًا منا، بل في أن يجبرنا على التفكير بطريقة أفضل، فلا تصدق إجابة ما لأنها وافقتك، ولا تصدقها لأنها خالفتك أيضاً، بل صدّق الدليل الذي استطاع أن يثبت حجته.







