‏إظهار الرسائل ذات التسميات جاسم الجزاع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جاسم الجزاع. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

مروان بن محمد و "شيخوخة الدولة"

مروان بن محمد و "شيخوخة الدولة" 

د. جاسم الجزاع


عندما اعتلى الخليفة الأخير الأموي مروان بن محمد منصب الخلافة سنة 127هـ، لم ير أمامه دولة فتية مستقرة، بل وجد نفسه قد ورث دولة أنهكتها الصراعات الداخلية، وتعددت فيها مراكز النفوذ والقوة، واتسعت الفجوة بين السلطة والشعب، فكانت الدولة الأموية يومها تقف على مشارف النهاية والخروج من الزمن، والخليفة مروان مثل رجل صعد إلى سفينة مثقوبة بعد أن اشتد بها الموج، ثم طُلب منه أن يبلغ بها شاطئ الأمان !، 
وكان يقول للناس: لقد ركبت من دولتنا مركبًا صعبًا، فلا تلوموني.

نعم قد كان قويًا، وصاحب خبرة عسكرية وقدرة على الصبر والمواجهة، غير أن شجاعة القائد لا تكفي دائمًا لإنقاذ دولة تراكمت عليها أمراضها، فالدول لا تسقط فجأة، ولا تنهار بسبب معركة واحدة، بل تبدأ نهايتها عندما تعجز عن تجديد نفسها، وتستهلك قوتها في نزاعاتها الداخلية، وتستمر في استعمال الأدوات القديمة لمواجهة واقع جديد صعب وغامض مثل دعوة بني العباس والخراسانية، وبعد نحو خمس سنوات فقط من حكمه، سقطت الدولة الأموية سنة 132هـ في معركة الزاب، والعبرة هنا أن بعض الدول تموت قبل إعلان وفاتها، وذلك حين تفقد الثقة بينها وبين الشعب، وتضعف قدرتها على الإصلاح، ويصبح همّ قياداتها حماية مواقعهم بدلًا من حماية مستقبل الدولة.

والدولة نوع من أنواع المنظمات، وإن كانت أكثرها تعقيدًا واتساعًا، ولذلك فإن الأمراض التي تصيب الدول يمكن أن تصيب الشركات والجامعات والوزارات والجمعيات، مهما كان عمرها قصيرًا، ومن هنا يظهر مفهوم «شيخوخة المنظمة»، وهو لا يعني بلوغها عددًا معينًا من السنوات، بل فقدانها المرونة والفضول والقدرة على التعلم والتطور، فقد نجد مؤسسة لم يمضِ على تأسيسها سوى خمس سنوات، لكنها تُدار بعقلية تجاوزها الزمن، فتبدأ الشيخوخة عندما تتضخم الإجراءات، ويتباطأ القرار، وتكثر الاجتماعات دون نتائج، وتصبح المظاهر أهم من الإنجاز الحقيقي، وتزداد حين تتحول متابعة المسؤول إلى تهديد للموظفين، والنقد إلى إساءة، والاختلاف مع المسؤول إلى مخاطرة وظيفية، فعندها يغادر أصحاب الأفكار المجيدة، ويصمت أصحاب الخبرة الوتيدة، ويتقدم أصحاب المجاملة والنفاق، فنجد منظمة تشتري أحدث الأنظمة التقنية، لكنها تستخدمها لخدمة بيروقراطية قديمة، فتبدو شابة في مبناها وشعارها، لكنها هرمة في عقلها وقراراتها، لذلك يقول أحد مفكري الإدارة إن أخطر علامات الشيخوخة أن تنشغل المنظمة بتمجيد تاريخها، ولا تمتلك تصورًا واضحًا لمستقبلها.

أما العلاج الذي لا بد منه لا ينشغل ابتداء بتغيير الشعار، أو تبديل المسميات، أو إعادة هيكلة شكلية فتوهم الجميع بأن التغيير قد وقع، إنما العلاج الحقيقي يبدأ بإعادة الرشد إلى عقل المنظمة، من خلال مراجعة الإجراءات وإلغاء ما فقد ضرورته وأهميته، ويتم تفويض الصلاحيات من أجل التمكين للجيل القادم من القيادات، وتقليل المستويات الإدارية، وتسريع صناعة القرار، وكما تحتاج المنظمات إلى منح الموظفين مساحة آمنة للنقد والاقتراح، ومن الضروري أن ترتبط الترقيات بالكفاءة والإنجاز، لا بالقرب من مراكز النفوذ والواسطات والمعارف، وأن تُفتح الأبواب أمام قيادات ووجوه وأفكار جديدة، ويظل اعتراف القيادة بأخطائها أهم وسائل العلاج السديد لأن المنظمة التي ترفض تصحيح نفسها وتجويد أفعالها في أوقات الاستقرار، ستجبرها الأزمة على التغيير في أحلك الظروف، فالمؤسسات لا تشيخ بكثرة أعوامها، إنما تشيخ إن تركت ما يفيد إلى ما لا يفيد.

الخميس، 6 أغسطس 2026

لماذا يستسلم البعض للخطاب الديماغوجي؟

لماذا يستسلم البعض للخطاب الديماغوجي؟
د. جاسم الجزاع
أكاديمي كويتي 
Jassimaljezza@hotmail.com

على مدار الأزمنة والعصور، نجد أنه لطالما انساقت الشعوب بضميرها الطيب والبسيط وراء خطابات براقة ومعسولة من بعض الساسة والسياسيين تَعِدهم بالمدينة الفاضلة والرخاء الذي لا ينقطع، لتستيقظ الشعوب لاحقاً على واقع هش وبنيان مترهل، وهنا نتساءل وحق لنا أن نتساءل.. 
هل خدعتنا الديماغوجيا السياسية حقاً، أم أننا كنا شركاء متواطئين في هذا الانخداع؟، 
بداية فالديماغوجيا بمفهومها في الادبيات السياسية ليست مجرد خطاب بليغ أو بلاغة لغوية للاستهلاك الجماهيري، بل يعرفها الباحثون أنها منظومة سياسية لفن " تسويق الوهم "

عبر استخدام الكلمات الرنانة الملهبة للعواطف والأحاسيس البشرية وإثارة الأمنيات، وإذكاء الغرائز العصيبة، وتقديم إجابات شعبوية مبسطة ومغلوطة لمعضلات هيكلية واقتصادية واجتماعية معقدة بشكل كبير، فهي تستخدم ببراعة فائقة في صناعة رأي الجماهير، لترسم لهم إما عدوًا وهميًا أو بطلًا أسطوريًا منقذًا، مما يعطل ملكة التفكير النقدي لدى الشعوب ويستبدلها بالحماس الأعمى والتبعية المطلقة.



أما أركان الديماغوجيا السياسية فتقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية، أولها استقطاب الشارع عبر خطاب متطرف في التأثير المعنوي ويعتمد كلياً على ثنائية الحق المطلق والباطل المطلق (نحن الأخيار في مواجهة الأشرار)، 
وثانيها الاستبدال الممنهج والمخطط للحقائق والأرقام المعقدة بشعارات عاطفية رنانة تخاطب البطون والرغبات والأحاسيس المشتعلة بعيداً عن مخاطبة العقول المفكرة، 
وثالثها شيطنة النقد والتحذير منه وتصويره على أنه جزء من مؤامرة خفية تتآمر على مصالح العامة، فهذا المثلث بمثابة الخلطة السحرية التي تضمن للمتحدث أمام الشعوب السيطرة المطلقة على الوعي الجمعي، وتخدير عقلهم، متجاهلاً التحديات الحقيقية المتمثلة في بناء الدول وتطوير مؤسساتها بكفاءة.

ولعل التجربة السياسية المعاصرة للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" تقدم نموذجًا مباشرًا لتوظيف "الديماغوجيا السياسية" ببراعة فائقة في تهييج الشارع وإثارة النعرات والعصبيات، فلقد اعتمد خطابه الأساسي على زرع حالة من الذعر والخوف الوجودي لدى أتباعه ومحبيه، محذراً إياهم باستمرار من "أعداء خفيين" يتربصون بالدولة من داخل العقر الأمريكي نفسه، ويصور لهم أن كيانهم وهويتهم مهددة وفي خطر دائم دون أن يكلف نفسه العناء في تقديم تعريف واضح أو دليل حقيقي على هؤلاء الخصوم والأشرار، مكتفياً بصب الزيت على النار وإثارة الفوضى العارمة هناك، ولتحقيق هذه الغاية، نجد أن الرئيس ترامب وظّف مصطلحات تستفز العصبيات العرقية والعنصرية وتوقظ الغرائز القومية الضيقة لدى قطاعات واسعة من أتباعه، محولاً السياسة إلى مسرح شعبي محموم وملتهب يمده بالتعصب والانقسام، ويقصي تماماً لغة العقل والأرقام، مما يفسر ذلك الولاء الأعمى والتعصب المطلق الذي تبديه قواعده الشعبية متجاهلةً تماماً التداعيات المدمرة لتلك السياسات على نسيج دولتهم هناك بأكملها.

إذن، وأمام هذا المشهد المعقد والمتقلب، ما هو دورنا كشباب عربي تجاه هذا التغلغل الديماغوجي المستمر والمتجدد في عالم السياسة وأهلها ؟، نجد أن مواجهة هذا التغلغل الديماغوجي يتطلب بناء حصانة فكرية في عقولنا قوامها النقد الحي والمنطقي، والتشكيك الإيجابي في كافة الشعارات المطلقة التي لا تستند إلى براهين أوأدلة مادية ملموسة، وينبغي على النخب الفكرية العربية والمثقفين العرب تفكيك الخطابات الشعبوية وتوضيح مآلاتها على المدى البعيد، بدلاً ممن الاكتفاء بالاستنكار السلبي الانسحاب.

الأربعاء، 5 أغسطس 2026

هل نحتاج حقاً إلى كل هذه السنوات في الدراسة الجامعية؟

هل نحتاج حقاً إلى كل هذه السنوات في الدراسة الجامعية؟
د. جاسم الجزاع
أكاديمي كويتي


في مشهد نراه يتكرَّر سنويًّا في محيطنا العربي، نجد أنفسنا أمام أزمةٍ هيكليَّة معقَّدة جدًّا وعميقة ونجدها متصاعدة وهي تتمثَّل في الفجوة السحيقة والواضحة بين مخرجات المؤسسات الجامعية العربية  وواقع سوق العمل المتسارع، فالالتزام الأعمى بالنمط التقليدي للتوسُّع غير المدروس وغير المنطقي في منح الشهادات الأكاديمية دون قراءةٍ موضوعية لحاجة السوق العربي الفعلي، أفرز تضخُّماً أكاديميًّا خطيراً يضخ آلاف الخريجين كلَّ عامٍ بلا طائلٍ اقتصادي حقيقي،  فإنَّ تكديس سنوات الدراسة الطويلة في تخصصات استهلكها الزمن، ولم تعد تلامس تحديات الإدارة الحديثة أو متطلبات الإنتاج، أصبح استنزافاً طائلاً لطاقات الشباب وموارد الدول على حدًّ سواٍ، وخصوصاً حين ندرك بوضوحٍ تام أنَّ النسبة الأكبر من الوظائف المتاحة اليوم لا تتطلَّب بتاتاً كلَّ ذلك العناء النظري و البطء البيروقراطي الأكاديمي الذي تمارسه الكليات التقليدية التي تعيش في برج عاجي بمعزلٍ بعيد عن نبض السوق.

فقد تجلَّت هذه الإشكالية الخطيرة بوضوحٍ جلي في معضلة  “السنوات الطويلة” في الدراسة الاكاديمية، إذ تؤكِّد بعض التحليلات المتعلِّقة بسياسات التوظيف الحديثة ودراسات سوق العمل حقيقة جوهرية، مفادها أنَّ معظم المهن الإدارية والتنفيذية والتشغيلية في مؤسسات الأعمال والقطاعات المختلفة لا تحتاج فعليًّا إلى الأربع أو الخمس سنوات الكاملة التي يقضيها الطالب حبيساً لمقاعد المحاضرات النظرية والمقررات البيروقراطية والمملة، فإنَّ المهارات الإدارية الأساسية، والقدرات التنفيذية، وحتى الجدارة المطلوبة يمكن اكتسابها بكفاءةٍ متفوقة وعبر مساراتٍ مرنة ورشيقة تشمل برامج التدريب المهني المكثف، والشهادات والمسارات التعليمية المصغرة، والخبرة الميدانية المباشرة خلال مدةٍ وجيزة لا تتجاوز بضعة شهور معدودة، وبذلك تتجاوز جمود المناهج التقليدية وأساليب التلقين العقيمة التي تفصل الخريج فصلاً تاماً عن بيئة العمل الحقيقية.

لذلك فإنَّ الإفراط غير المبرَّر في إطالة مدة التعليم النظري يخلق تكلفة عالية جدًّا ومدمِّرة لكلٍّ من الفرد والدولة على حدٍّ سواء، فعندما يُهدر الشاب زهرة عمره وأجمل سنوات شبابه في تحصيل معارف نظريَّة بحتة بعيدة عن متطلبات السوق الفعلي، فإنَّه يفقد تماماً فرصة الانخراط المبكر في عجلة الإنتاج الحقيقي، وبناء مسيرة مهنية واكتساب الخبرة المباشرة التي تصنع الفارق  في السوق، ولقد أدى هذا الخلل المتراكم إلى تكريس ظاهرة البطالة المقنَّعة في الهياكل الوظيفية، وترسيخ ثقافة اجتماعية وهمية تقدِّس الأوراق والشهادات الشكلية على حساب الإنتاجية الحقيقية والكفاءة الفعلية التي تبحث عنها المؤسسات الناجحة والشركات الكبرى التي تلهث خلف الأداء لا الألقاب.

لهذا كلُّه، أضحى من الواجب على المسؤول إحداث مراجعةٍ جذريَّة وصارمة لفلسفة التعليم العالي في العالم العربي، وعلاقته الحتمية بمنظومة العمل والإنتاج، فالإصلاح الحقيقي لا يكون بالمسكِّنات التجميلية بل يبدأ حتماً بتقليص سنوات التخصصات النظرية غير المبرَّرة، والتحوُّل الواعي نحو مساراتٍ ترتكز على الجدارات والكفاءة والتدريب الميداني المقرون بالإنتاج الفعلي، بالإضافة إلى تصحيح النظرة القاصرة تجاه التعليم التقني والمهني، فقد حان الوقت لإدراك أنَّ بناء الإنسان المزوَّد بالمهارة الحقيقية والقدرة الميدانية هو الغاية الإدارية الأسمى، لا مجرَّد تكديس الألقاب والأوراق التي تثقل كاهل الاقتصاد ولا تسمن ولا تغني من عمل.
















































































































































































































































































































الأربعاء، 29 يوليو 2026

قراءة في تصريحات إيلون ماسك حول الإسلام

قراءة في تصريحات إيلون ماسك حول الإسلام
د. جاسم الجزاع
 باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

نلاحظ أنه عندما تشتبك أدوات التأثير الرقمي العابر للقارات مع الجهل المريع الثقافي، ينتج حينها خطاب إعلامي يحمل في طياته إشكاليات عميقة فقد جاءت التصريحات والمواقف الأخيرة مع الأسف لإيلون ماسك، مالك منصة "إكس"، لتعكس معضلة جوهرية لا تتعلق فقط باختلاف الآراء، بل بجهل منهجي واضح بحقيقة الإسلام كديانة عالمية كبرى ومنظومة حضارية وتشريعية متكاملة، وإن هذا التناول السطحي والساذج الذي صدر في لقائه الأخير تجاه مفهوم الإسلام، يعيد تسليط الضوء على خطورة تصدر شخصيات ذات نفوذ واسع للمشهد الفكري دون حد أدنى من الموضوعية أو الاستناد إلى ثقافة رصينة تفهم الأديان خارج إطار الصورة النمطية والمستنقعات الإعلامية الضيقة والموقف والانطباع المسبق.


وإن هذا الاختزال العنصري ضد الإسلام وعزله عن جذوره العقدية والتاريخية والحضارية لا يُرى أبداً كزلّة عابرة، بل هو انعكاس لأزمة فكرية تعاني منها بعض النخب المؤثرة على المشهد العالمي حين تتعامل مع الهوية والثقافة للآخر بمنظور أحادي القطب، فالإسلام لم يكن يوماً مجرد طقوس معزولة أو ممارسات مشوهة، بل هو إرث إنساني يرتكز على قيم مستقرة في العدل والكرامة وبناء العمران البشري، ويتجلى حجم الخلل لدى ماسك حين يُقارن موقفه بمنهج نخب فكرية وغربية منصفة، فنجد على الصعيد الآخر مؤرخين ومفكرين كباراً سبروا غور الحضارة الإسلامية وأعدوا حولها دراسات موضوعية عميقة، كالمستشرقة الألمانية زغريد هونكه في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب" التي وثقت أثر الحضارة الإسلامية الإنساني والفلمنكي، وكذلك المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي الذي أشاد بالقيم الاجتماعية للإسلام وقدرته على الإخاء بين البشر ومحو العرقية، فضلاً عن إنصاف المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون لعدالة التشريع الإسلامي وسماحته، فعندما يُصدر قائد مؤسسة رقمية تتحكم بملايين التدفقات المعلوماتية أحكاماً متسرعة تغفل هذا التاريخ العريض، فإنه يسهم بلا شك في تكريس حالة من الجهالة الجمعية وتغذية للخوارزميات بما يخدم تعميق الفجوة الثقافية بين الشرق والغرب، ويتجاوز بذلك مسؤوليته الأخلاقية والمعرفية في إدارة فضاءات كان من المفترض أن تكون مخصصة لتبادل الفهم الصحيح وتقريب وجهات النظر بين الشعوب ومنع تكريس الصور المشوهة والجهل المركب.


فأمام هذه المعطيات، فإن ما نملكه تجاه هذا الأمر يتجاوز حدود الاستنكار المؤقت إلى ضرورة تبني استراتيجية عمل واعية ومؤسسية، فإننا مطالبون
 أولاً بإنتاج خطاب معرفي وثقافي رصين يؤثر بلغات حيّة وبطريقة جديدة عصرية ليخاطب العالم بعقلانية عن المقاصد وشمولية الحضارة الإسلامية، 
وثانياً - في رأيي المتواضع - الضغط الفكري والمؤسسي عبر استثمار المساحات المتاحة في المنصات الرقمية لفرض السردية الحقيقية التي تعبر عن هويتنا وليس كما يشوهها الآخرون، فالرد الحقيقي على الجهل لا يكون بالانكفاء عنه والإنزواء، بل بصناعة الوعي المضاد، وتطوير أدواتنا التأثيرية، وبناء حضور استراتيجي يمتلك القدرة على تفكيك هذه الاتهامات وتقديم الإسلام في صورته العالمية النقية كقيمة حضارية وإنسانية لا غنى عنها للبشرية جمعاء.

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

قطر وتحديات ما بعد "القوة الناعمة"

قطر وتحديات ما بعد "القوة الناعمة"

د. جاسم الجزاع

 باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com
تُعد دولة قطر للمتأملين أنموذجاً حياً وفريداً في الاستخدام الذكي والاستراتيجي لمفهوم "القوة الناعمة" في العلاقات الدولية وبناء الصورة النمطية للدولة، حيث نجحت دولة صغيرة المساحة في حجز مكانة ريادية ومؤثرة على الساحة العالمية وهذا ملاحظ للعيان، فقد تأسست هذه الرؤية الطموحة وترسخت ركائزها الأولى في عهد الأمير الوالد الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، واستكمل مسيرتها بنفس الوتيرة والتوجه الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وتجلت هذه القوة في منظومة متكاملة ومتعددة الأبعاد، فبدأت بإطلاق شبكة "الجزيرة" الإعلامية التي أحدثت ثورة استثنائية في المشهد الإعلامي العربي والعالمي، ومروراً بالاعتماد على اقتصاد وطني قوي وتكتيكات استثمارية مرنة عبر فقه الإدارة المالية للدولة القطرية في إدارتها لأصول مالية ضخمة في مختلف قارات العالم، وكما أثمرت هذه الجهود بالاستضافة التاريخية والاستثنائية لبطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، والتي أبهرت العالم وغيرت الصورة النمطية عن المنطقة العربية والعرب وأخلاقهم، فضلاً عن ترسيخ مكانة الدوحة كعاصمة عالمية موثوقة للوساطة السياسية وحل النزاعات الدولية المعقدة بالطرق السلمية كالتي بين أمريكا وطالبان وغير ذلك، مما جعل من قطر رقماً صعباً في التأثير في الجيوسياسية الإقليمية والدولية.



ومع ذلك، فلنكن واقعيين، فإن دخول دولة قطر لمرحلة "ما بعد القوة الناعمة" يفرض عليها اليوم مواجهة جملة من التحديات الجديدة والمعقدة لضمان استدامة هذه الميزة المكتسبة ألا وهي " القوة الناعمة" والتي استغرق بناؤها عقوداً وجهوداً، فليس الأمر كافياً بأن تحقق لك تأثيراً استثنائياً وقوة ناعمة إنما التحدي هو استمرار هذا التأثير وتنميته، والحفاظ على هذا الزخم التأثيري يتطلب جهداً استراتيجياً وفكرياً قد يفوق جهد التأسيس نفسه، فالعالم المعاصر الآن يشهد تحولات متسارعة في مراكز القوى العالمية، كالحروب الفجائية كالتي بين أمريكا وايران حالياً وتأثيرها على دول الخليج وقطر، ووجود زيادة ملحوظة في حدة التنافس الشرس الإقليمي والدولي على أدوار "الوساطة" بين الدول وإدارة الملفات الحساسة، وكذلك الاستثمارات الرياضية والاقتصادية، وتأثير المنصات الإعلامية وتصارعها، ومن أبرز التحديات التي تواجه قطر في هذه المرحلة الانتقالية هي كيفية تحويل هذه القوة الناعمة التأثيرية إلى طبيعة ثابتة تنموية ذات نمو مستدام وطويل الأجل، بالإضافة إلى التعامل المرن والمستمر مع الحملات المضادة من الخصوم ومنها الضمنية المخفية ومنها العلنية المكشوفة كالمحاولات السياسية لتشويه هذه الإنجازات، فضلاً عن التحدي الاجتماعي المتمثل في ضرورة الموازنة الدقيقة في المستقبل بين الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم العربية والإسلامية للمجتمع القطري، وبين الانفتاح الفكري العالمي المتزايد والمعقد.


لذلك يكون الانتقال بنجاح إلى مرحلة "ما بعد القوة الناعمة" وتطوير آلياتها لزيادة فاعليتها وتأثيرها واستدامتها، بأن تتبنى الدولة القطرية استراتيجيات تطويرية مبتكرة ومواكبة للمستقبل للحفاظ على "القوة الناعمة"، ومن ذلك أنه يجب التركيز المكثف على تعزيز أكثر للقطاعات المختصة بالاستدامة، كالابتكار التكنولوجي، واقتصاد المعرفة، والذكاء الاصطناعي، وحماية الثقافة التنظيمية وصياغة القيم المجتمعية، لتتحول الدوحة إلى مركز عالمي للتكنولوجيا والحلول الرقمية ومصنع للقيم المؤسسية، وأيضاً من الضروري بناء "الدبلوماسية الثقافية الشعبية " من خلال دعم أكثر لقطاعات التعليم العالي، والبحث العلمي، واستقطاب أفضل الكفاءات والعقول العربية والعالمية مما يحول قطر أكثر إلى منارة فكرية رائدة ذات تأثير مستدام، وأخيراً يمكن للدولة أن تقوم بزيادة مساحة قوتها الناعمة من خلال قيادة ملفات حيوية وإنسانية وعالمية جديدة " غير سياسية" تتصدر الاهتمام الدولي، مثل مكافحة التغير المناخي مثلاً، أو ملف الاستثمار في الطاقة المتجددة، أو الابتكار في تأمين سلاسل الإمداد والأمن الغذائي العالمي وغير ذلك مما يستجد، مما يضمن الحفاظ على تحول القوة الناعمة القطرية من مجرد أداة لإثبات الحضور في المشهد العالمي وبناء السمعة القوية، إلى استراتيجية بنيوية راسخة تسهم وتساهم في صناعة "الدولة المؤثرة المستدامة" ويمنعها من الاضمحلال في مصادر القوى.



السبت، 11 يوليو 2026

جسور الأسر: كيف اقتحم المسلمون غرف صناعة القرار الصيني؟

 جسور الأسر: كيف اقتحم المسلمون غرف صناعة القرار  الصيني؟


د.جاسم الجزاع


لطالما ظلَّت بلاد الشرق الأقصى منيعة أمام الفتوحات العسكريَّة العربيَّة المباشرة منذ العهد الأموي الأول، إلا أنَّ التحوُّل التاريخي الأكبر حدث بطريقةٍ غير متوقَّعة عقب الاجتياح المغولي المدمر للحواضر الإسلاميَّة في الشرق كالدولة الخوارزمية مرورًا بالخلافة العباسية، فبالرغم من قسوة الكارثة العسكريَّة وسياسة التفريغ والتهجير السكاني القسري التي انتهجها المغول للعلماء، والفقهاء، والحرفيين من مدنٍ خلَّاقة كبخارى وسمرقند إلى منغولية وعمق الأراضي الصينية، إلا أنَّ هذه المأساة الإنسانية سُرعان ما تحوَّلت إلى فرصةٍ دعوية وحضارية غير مسبوقة، فلقد نجح هؤلاء الأسرى والمهاجرون في اختراق جدار العزلة الصيني العظيم، مستغلين قنوات وجودهم القسري في هذه البيئة الجديدة ليصبحوا هم والمغول بمثابة الجسور البشرية والعقائدية التي عبرت من خلالها رسالة الإسلام، وفكره، وثقافته لتبلغ بلاد الصين وكوريا وشرق الجزر اليابانية.


ولم يكن هذا النُّفوذ الديني وليد الصُّدفة، بل ارتكز بالدرجة الأولى على الكفاءة العالية والموهبة الإدارية والعلمية الفذة التي تميَّز بها رجالات الإسلام، وهي السِّمات التي استهوت أباطرة المغول في بلاد الصين وجعلتهم يتشبثون بهم لتوظيفهم في تطوير مؤسَّسات الدولة وإدارتها،  وبفضل هذه الخبرات الاستثنائية لديهم، فقد ارتقى العديد من الشخصيات الإسلامية إلى سدة القرار السياسي والاقتصادي الأعلى في البلاط المغولي، متولين مناصب قياديَّة عليا في الدولة المنغولية الحاكمة وعلى رأسهم الوزير السيد محمود يلواج و مسعود بيك، والوزير الفذ أبو عمر شمس الدين البخاري الذي أدار شؤون الإمبراطورية لخمسةٍ وعشرين عاماً وأحدث ثورة عمرانية وزراعيَّة ومالية عبر تنظيم التعامل بالنقود الورقية، تلاه الأمير العالي الوزير أحمد، ثمَّ الحفيد الأمير “أبو بكر” الذي بلغت حظوته أنَّ أسهم في حسم الصراع على العرش وإجلاس تيمور خان في العاصمة بكين، وهذا النُّفوذ السياسي المرموق وفّر مظلَّة حماية قوية للدعوة العربية و الإسلامية، وأثمر على المدى البعيد عن تحوُّلات عقائدية إستراتيجية حاسمة داخل البيت المغولي الحاكم،  وتجلّى ذلك بوضوح في إقليم “تنقوت” (وادي الغرب الصيني العظيم)،  حيث اعتنق الأمير المغولي “آننده خان” الإسلام نتيجة تنشئته على يد الفقيه المسلم حسن الاقتجي، وقام بدفع رجال جيشه إلى الدخول في التوحيد، مشيِّداً المساجد في القرى والمعسكرات، لينتزع في نهاية المطاف اعترافاً رسميًّا من الحكومة المركزيَّة بالإسلام كدينٍ قويم في الدولة الصينيَّة يجب احترامه.


لذك عند دراسة هذه التحوُّلات الدينية الكبرى وكيفية العيش وسط محيط بشري هائل يغلب عليه المعتقد المخالف لك وهو البوذي، فقد تجلّت العبقريَّة التنظيميَّة للتجمعات الإسلاميَّة في الصين لحماية أنفسهم من ذوبان هويتهم وانصهارها، فقد انتهج المسلمون أسلوباً ذكيًّا عبر الانفصال السكاني والاجتماع في أحياءٍ ومدن مستقلة وخاصة بهم، وأقاموا نظاماً اجتماعيًّا ودستوريًّا محكماً يضمُّ في كلِّ تجمّع شيخاً للإسلام، وقاضياً، وزعيماً للتجار يتولى إدارة شؤونهم التجارية وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية والفصل في قضاياهم، وبالموازاة مع ذلك، حرصوا أشد الحرص على بناء الشبكات العلاقاتية التعليمية والروحية التي تُديم ارتباطهم بالعالم الإسلامي وتصون عقيدتهم وتراثهم، فنجد انتشار المساجد الكبرى والجامعات، كالجامع الذي يتَّسع لمائة ألف مصلٍّ في بكين، والزوايا والمدارس العلميَّة المتخصصة في تدريس العلوم القرآنية والحديث النبوي وإعداد الفقهاء والقضاة، و إن هذه المعطيات المتكاملة أثبتت تاريخيًّا أنَّ الهزيمة العسكريَّة العابرة للمسلمين لم تكن نهاية المطاف، بل من الممكن أن تكون تحمل في طيات الهزيمة النصر المبين المؤزَّر، فحنكة دعاتهم، وعلم وزرائهم، ورسوخ تنظيماتهم الاجتماعيَّة جعلت من كنف الحكم المغولي الغليظ بيئةً خصبة رسّخت الإسلام ليكون الديانة الثانية في بلاد الصين، وقوة حضاريَّة وثقافيَّة فرضت مهابتها واحترامها في أقصى الشرق العنيد.

الأربعاء، 8 يوليو 2026

هل سيعود أبرهة إلى جزيرة العرب؟


هل سيعود أبرهة إلى جزيرة العرب؟
د. جاسم الجزاع
* باحث وأكاديمي كويتي



بينما كنت أتابع إحدى المنصات العربية، استوقفتني أطروحة ألقاها أحد الذين يقتاتون على إثارة الجدليات العقيمة في وسائل الإعلام، ويمارسون هواية ضرب الأصول والمرويات التاريخية التي استقرت في وجدان الأمة العربية وضميرها الثقافي لقرون طويلة، حيث راح هذا المتحدث ينكر بجرأة تامة وقوع حوادث جمة ومنها حادثة "عام الفيل" جملة وتفصيلاً، مستنداً إلى قراءات قاصرة وتأويلات مستشرقين حاولوا التشكيك في النص القرآني عبر نقوش أثرية أسيء فهمها، ويغلب عليها الجهل والجهالة، وإن هذا الإنكار المتهافت دفعني تلقائياً لإعادة قراءة هذه القصة العظيمة وتأملها بعمق وجدية أكاديمية، فحملة أبرهة الحبشي لم تكن في حقيقتها مجرد رد فعل، بل كانت تمثل حلقة من حلقات الصراع الجيوسياسي المحتدم بين القوى الكبرى العالمية التي تحيط بالجزيرة العربية، فلقد كانت القوة المسيحية البيزنطية والأحباش تسعى بكل ثقلها لبسط النفوذ الاستعماري على الدويلات والقبائل العربية، والدخول في صراع إستراتيجي مباشر مع النفوذ الساساني الوثني، وفي هذا السياق، تحرك أبرهة من حالة الخمول والتبعية ليرسخ حكمه في اليمن، محاولاً تحويل أرض العرب إلى ساحة خلفية لتصفية الحسابات السياسية، والسيطرة على خطوط التجارة البرية العالمية المارة عبر الحجاز وتهامة، والتي منحت مكة موقعاً إستراتيجياً وممراً حيوياً للقوافل الشرقية.



وفي غمرة هذا الصراع الاستعماري المحموم، جاء بناء أبرهة لكنيسته الشاهقة التي عُرفت بـ "القليس" في صنعاء، مستعيناً بأحجار جُلبت من قصر بلقيس، ومزيناً إياها بالذهب، والفضة، والرخام، والياقوت الأحمر، في محاولة بائسة لإبهار ملك الحبشة والقيادة الرومانية وصرف حج العرب إليها وتحويل حركتهم الاقتصادية والدينية لليمن بدلا من العمق الحجازي. ولأن أيديولوجية الطغيان تعمى دائماً عن فهم الوجدان العقدي وحرمة المقدسات لدى الشعوب وجالبة للفوضى في الإقليم، فقد ارتكب النصارى الأحباش خطأً إستراتيجياً وفادحاً حينما حاولوا استفزاز مشاعر القبائل العربية وتحدي رمزية الكعبة المشرفة، وتعددت الروايات التاريخية حول الشرارة المباشرة التي جاءت كرد فعل لهذا الاستفزاز، ومنها قصة دخول رجل من كنانة العرب وتدنيسه لجدران القليس بالقاذورات لبيان حقارتها رداً على دعوة السلطة اليمنية النصرانية لتهميش الكعبة المشرفة.

وعندها حشد أبرهة جيشه العرمرم المدعوم مادياً ومعنوياً من القيادة الإثيوبية والرومانية، يتقدمه فيل ضخم يُدعى "أبو الفيلة"، وحاصر مكة مساقاً بطغيانه وجبروت آلته العسكرية، وتجلت أسمى مواقف السياسة المحنكة والعقلانية في رد سيد قريش عبد المطلب بن هاشم، حين قال لأبرهة بثقة مطلقة ويقين حازم بعدما طلب استرداد إبله المسلوبة: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه !، ولأن العوامل البشرية والقوانين المادية تفرض الانسحاب، واللجوء إلى رؤوس الجبال لعجز القبائل العربية عن مواجهة هذا الجيش الطاغي كحسبة مادية، إلا أن النتيجة النهائية تظل دائماً معلقة بمشيئة مسبب الأسباب وحده، وحين وجهوا الفيل صوب مكة ليدخل الحرم، برك الفيل الأكبر وأبى التقدم رغماً عنهم، بينما كان يهرول سريعاً إذا وجهوه نحو اليمن أو الشام أو المشرق، ولم ينتهِ الطغيان البشري حتى أتاهم أمر الله ونزل العذاب الإلهي بالمغمس، حيث أرسل الله أضعف جنده طيراً أبابيل متتابعة ومتفرقة، تحمل حجارة من سجيل حوّلت ذلك الجيش العرمرم إلى "عصف مأكول".، كما خلدها الله للبشرية في سورة "الفيل"، ولقد أبيدت تلك المخططات الشيطانية بالكامل، وهلك الطاغية أبرهة بجسد يتساقط قطعة قطعة حتى انصدع صدره في صنعاء، ليتوج هذا النصر الرباني برفع مكانة مكة وقريش دينياً وسياسياً بين سائر القبائل العربية، وليصبح هذا العام تاريخاً مجيداً تؤرخ به العرب، وإرهاصاً ودلالة واضحة على شرف البيت الحرام الذي شهد في نفس العام مولد المصطفى ﷺ.

الاثنين، 6 يوليو 2026

أمريكا.. بين النفوذ والمأزق

أمريكا.. بين النفوذ والمأزق

د. جاسم الجزاع
* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com


أثناء تصفحي لإحدى الدراسات السابقة المختصة بتحليل الشؤون السياسية ذكرت فيها مقالة نشرت في 2010 بعنوان "من ينقذ أمريكا من نفسها" للكاتب عادل مالك، والذي شخّص فيها طبيعة الاندفاع في السياسة الخارجية الأمريكية التي استنزفت صورتها وقوتها في مستنقعات الحروب الاستباقية حينها، فألهمتني المقالة إلى قراءة ومطابقة لما آلت إليه الأمور اليوم في عهد الرئيس دونالد ترامب، فالكيانات الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية، ومهما بلغت قوتها، تظل عرضة للإصابة بـ "الأمراض الإدارية والإستراتيجية" والتي يمكن أن تكون قاتلة حين تعجز عن كبح تمددها الإستراتيجي وتغولها البيروغرافي، وتفقد القدرة حينها على تقييم مخرجات قراراتها العليا بكفاءة عالية وكأنها تتأرجح بين أمزجة السيد ترامب خلال يومه مما أربك حتى وسائل الإعلام العالمية في التكهن وشرح وتحليل مواقفه السياسية.


ونستشعر الآن نحن في الخليج أن السياسة الأمريكية أصبحت بين دفتي النفوذ والمأزق!، وإن إعادة قراءة هذا المأزق الأمريكي اليوم تبدو حاجة حيوية وأكثر إلحاحاً، فالولايات المتحدة لا تزال تملك اليد الطولى والسيطرة الديناميكية على مجريات الأحداث العالمية، لكن عند التدقيق في سلوك الرئيس ترامب الراهن يكشف عن تحولٍ جذري جعل من البيت الأبيض ما يشبه مقر إدارة لشركة استثمارية كبرى، وكأنه بات سلوك السيد الرئيس يطابق تماماً سلوك "رئيس تنفيذي" (CEO) لشركة مغالية في نفعيتها، فلا يرى العالم إلا من خلال عدسة "الصفقة والمكسب المباشر"، دون اعتبار للحسابات الإستراتيجية التقليدية أو المصالح القومية الأخرى بعيدة المدى التي طالما أرست نفوذ واشنطن عبر عقود سابقة، وهذا الأسلوب أدى بوضوح إلى تهميش حاد لمؤسسات الدولة العريقة، بل وحتى "المؤسسات العميقة" والتي باتت تُستبعد من هندسة القرارات المصيرية لصالح صفقات الغرف المغلقة، وهو ما فجّر جدالاً علنياً محتدماً وصراعاً حقيقياً على الصلاحيات بين سلطة السيد الرئيس، وبين أجهزة الدولة ومؤسساتها الأخرى التي تحاول كبح هذا الاندفاع. 

فإن هذا السلوك الذي يطغى على أعراف الحكم السابق يعيد هندسة المشهد الجيوسياسي لشرقنا الأوسط في لحظات مفاجأة، ويجعل فهم "العقلية النفعية" الحاكمة في واشنطن وإقامة عدة دراسات عنها ضرورة لمعرفة اتجاهات الرياح هناك وهنا لتفادي عواصفها المفاجئة التي تخلط الأوراق دون إنذار مسبق خصوصاً عندنا في الخليج العربي.

وأمام هذا النفوذ الطاغي والمهيمن، لا ينبغي لنا في منظومة دول مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي أن نقف في موقع "المتلقي السلبي" لنتائج هذه السياسات وتقلباتها المزاجية، بل إن الواجب القومي والإستراتيجي يحتم علينا صياغة رؤية مشتركة تعتمد على "التحصين الداخلي" وبناء "ثقافة مؤسسية إقليمية" قادرة على المناورة وحماية المكتسبات الخليجية والعربية، فإن دورنا اليوم ليس مجرد وساطة لتهدئة النيران، بل التحول إلى "مهندسي استقرار" يملكون بدائلهم الخاصة، فالنفوذ الأمريكي العالي لا يواجه إلا بامتلاك أدوات القوة الاقتصادية، والدبلوماسية الوقائية الذكية، وتقديم نموذج إداري وتنموي رائد يفرض حضورنا كشريك إستراتيجي أصيل لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية قادمة وأول الأمر أن تتصالح الأنظمة مع شعوبها وتكون يداً واحدة فهذا لعمري هو رأس الدفاع عن المكتسبات.


الثلاثاء، 30 يونيو 2026

هل تغيرت سيكولوجية الجماهير في القرن 21 ؟

هل تغيرت سيكولوجية الجماهير في القرن 21 ؟

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com




يُقصد بسيكولوجية الجماهير كما يعرفها البعض بذلك العلم الاجتماعي والنفسي الذي يدرس سلوك الأفراد عندما ينخرطون في حشد أو جماعة بشرية، حيث تذوب حينها الشخصية الواعية للفرد الواحد لصالح "عقل الجماعة "، وهو تصرف يقوده الوجدان لا المنطق، وتتراجع فيه ملكة النقد الذاتي خوفاً من بطش الجماعة، وتعد كتابات الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون، ولا سيما كتابه العمدة والمشهور بـ "سيكولوجية الجماهير"، الحجر الأساسي والمنطلق الفكري الأبرز في هذا المجال المعرفي، حيث يرى لوبون أن الجماهير ليست مجرد تجمع عددي، بل هي كيان نفسي جديد يتميز بالاندفاع والشراسة، وسرعة التصديق، والتبسيط الساذج للأفكار المعقدة، والنزوع نحو التطرف والغلو في المشاعر، حيث يتحرك الحشد البشري ككتلة واحدة مدفوعة بالغرائز البشرية واللاوعي الجمعي، وحسب نظريته، فإن المحرك الأساسي لهذه الجماهير ليس الحقيقة العقلانية أو البرهان العلمي، بل المحرضون والزعماء الذين يتقنون استخدام لغة العاطفة والديماغوجيا، والعدوى النفسية، والتركيز على الصور الذهنية المؤثرة والتكرار المستمر للكلمات ذات المعنى المؤثر، مما يسهل قيادة الحشود وتوجيهها نحو أهداف محددة عبر الشعارات الحماسية الملهبة للمشاعر بدلاً من الحجج والبراهين والخطط المنطقية المفصلة.



ومع دخول القرن الحادي والعشرين وما بعد الألفية، نجد أنه لم تتغير الغرائز البشرية لسيكولوجية الجماهير في جوهرها ومنطلقاتها، لكن "البيئة الحاضنة" الحالية التي تنشط فيها شهدت تحولاً جذرياً غير مسبوق في التاريخ البشري، فلقد انتقلت الجماهير من الميادين الملموسة والشوارع إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، ليتشكل مفهوم "الجماهير الشبكية الافتراضية" التي تجتمع وتفترق في ثوانٍ معدودة عبر وسم "هاشتاق" أو مقطع مرئي واسع الانتشار، والفارق الجوهري في عصرنا هو أن العدوى النفسية والتحريض اللذين تحدث عنهما لوبون أصبحا يعملان بسرعة وعبر القارات، وتذكيهما وتزيدهما خوارزميات ذكية مصممة خصيصاً للفت الانتباه وإثارة الغضب والمشاعر لزيادة التفاعل، وهذا الواقع الجديد أنتج ظاهرة شبيهة بـ "غرف العزلة"، حيث يعزل الأفراد أنفسهم داخل إطارات فكرية متشابهة تعيد إنتاج آرائهم وتضخمها، مما يضاعف الاستقطاب السياسي والاجتماعي، ويجعل الجماهير الرقمية أكثر حدة وشراسة في إقصاء المخالفين وممارسة الاغتيال المعنوي والإلغاء الرقمي مما أظهر مفهوم "الذباب الإلكتروني"، والتي هي مدفوعة بوهم المعرفة وسهولة التعبئة عن بُعد دون أدنى مسؤولية واقعية.

لذلك فإن مواجهة الآثار السلبية والمخاطر الناتجة عن سيكولوجية الجماهير الحديثة لا تعني محاولة كبحها تدفق الآراء الجمعية أو قمعها، بل تتطلب إعادة صياغتها بذكاء عبر أدوات هذا العصر ذاته، لتحويلها من طاقة عاطفية تدميرية مساقَة من أطراف شريرة إلى قوة بناءة واعية ومسؤولة في المجتمع، فتبدأ هذه الصياغة بـالتحصين المعرفي الشامل للشعوب، من خلال إدراج مهارات التفكير النقدي والتربية الإعلامية الرقمية في المناهج التعليمية، لتمكين الأفراد منذ الصغر من تفكيك السرديات والحكايا الموجهة وتمييز الأخبار الزائفة من الحقائق، وتلي ذلك خطوة إدارة الخوارزميات، عبر فرض تشريعات وقوانين ملزمة لشركات التكنولوجيا الكبرى تمنع المتاجرة بانفعالات البشر وتحد من صناعة الاستقطاب المصطنع، وأخيراً يكمن الحل في تحويل "التفاعل الافتراضي" السلبي إلى "مشاركة مدنية" إيجابية، من خلال توجيه الزخم الرقمي الجارف نحو مبادرات تنموية، وتطوعية، وفكرية حقيقية تؤثر إيجاباً على أرض الواقع

الاثنين، 29 يونيو 2026

يوسف زيدان والفشل في صناعة “الترند”

 يوسف زيدان والفشل في صناعة “الترند”


   د.جاسم الجزاع



عادت الضجة الزيدانية للرّوائي المصري الدكتور يوسف زيدان لتشعل منصات التّواصل وتُثير صخَباً واسعاً في الفضاء الثّقافي العربي، وذلك إثر سلسلة من تصريحاته الإعلامية الأخيرة والجريئة التي تعمّدت استهداف الموروث التاريخي وتفكيك الثوابت السائدة لدى العرب والمسلمين، فمن التّشكيك الصريح في التّفاصيل المتواترة لقصة “عام الفيل” ووصف أبرهة الحبشي بـ”القديس المسيحي” الذي لم يقصد مكة لهدم الكعبة أساساً، إلى نسف الرواية التاريخية المستقرة حول معركة “عين جالوت” والادّعاء الصادم بأنّ الغلبة والنصر كانا للمغول وليس للمماليك، يواصل المدعو زيدان نهجه الفكري القائم على إحداث الصدمة والبلبلة المعرفية السلبية بكافة الوسائل، وإنَّ هذا الأسلوب لا يقف عند حدود إعادة قراءة الوثائق و المخطوطات بنظرة نقدية –إن كانت نقدية أصلاً-، بل ويتعمد مهاجمة ما يصفه دائماً بـ”أوهام الرموز” المستقرة في الوجدان العربي والاسلامي، مثل هجومه الحاد على المناهج التعليمية والقصص الأدبية التي ترفع من شأن العهد المملوكي ورجالاته، وتكمُن خطورة هذا المنحى لزيدان تحديداً في اعتماده على الإثارة التّلفزيونية والمنصّات الرقمية واجتزاء السياقات لتسجيل حضور إعلامي لافت وصناعة “ترند”، ممّا يحوّل النقاش الأكاديمي الرصين الذي يدعيه من غرفه البحث الرصين إلى حالةٍ من البلبلة والتراشُق المجتمعي، وحالته تبحث عن الغرابة المحضة وتفتقر في جوهرها إلى التثبُّت، والتدقيق، والمنهجية العلمية الصارمة التي تحترم التّاريخ العربي والاسلامي الموثق.

وأمام هذا الصنف من الطروحات المثيرة للجدل، تبرز الحاجة الملحّة إلى صياغة استراتيجية لمواجهة ناضجة وواعية لهذا المنحى، وتتجاوز تماماً ردود الأفعال العاطفية والمشاحنات الرقمية التي لا طائل منها، فإنّ الطريق الأمثل والركيزة الأولى للرد تكمُن في مضاعفة الجهد المعرفي لبناء وعي تاريخي رصين وعميق بين فئات الشّباب العربي، من خلال تقديم المادة التاريخية المحققة عبر وسائل حديثة وأدوات جذَّابة تدعم التفكير النقدي لدى الشعوب العربية، وتكشف زيف الادّعاءات بالدليل والبرهان السّاطع، وأمّا الرَّكيزة الثانية، فتتطلَّب حكمةً بالغة في التعاطي الإعلامي تتمثّل في “عدم تضخيم هذه الأعمال والأفعال و الأقوال “أو منح أصحابها حجماً وتأثيراً أكبر من حجمهم الحقيقي، فالاستمرار في السِّجال المباشر والردود الغاضبة يمنح هذه الآراء الشاذة وقوداً مجانياً للاستمرار في غيِّها و تمرُّدها، ويسهم في انتشارها بدلاً من محاصرتها وتقييدها، فالردُّ الحقيقي والفعَّال يكون دائماً عبر إيجاد بناءٍ معرفي موازٍ وقوي يُحصِّن العقول الناشئة، ممّا يجعل من الوعي المجتمعي حائط صد طبيعي وتلقائي يلفظ الأفكار المتهافتة، دون الحاجة المستمرة للدخول في معارك جانبيّة لا تفعل شيئاً سوى صناعة أبطال وهميَّين يتغذّون على الصخب والتراشق وصناعة ” الترند ” .

وإذا تأملنا بتمعُّن مسار الفكر و الثّقافة العربية الحديثة على مرِّ العقود والسنوات الماضية، سنجد أنَّ السَّاحة الثقافية لم تخلُ يوماً من أشباه يوسف زيدان، ممّن اتّخذوا من قاعدة “خالف تُعرف” وسيلة أساسية للبقاء تحت الأضواء وجذب الانتباه، ثمَّ انطفأ بريقهم تدريجياً واختفوا تماماً من المشهد العام، فلقد شهدنا أسماءً كثيرة ملأت الدنيا ضجيجاً بطروحاتٍ صادمة ومقالات نارية حول الدين، والتاريخ، والهوية، وظنَّ الكثيرون حينها أنَّهم سيهدمون الثوابت ويغيّرون القناعات، لكن الأيام تجاوزتهم سريعاً وأصبحوا اليوم في طيِّ النّسيان بمجرّد أن انفضَّت من حولهم هالة الإثارة والمفاجأة. 
وهنا تتجلَّى بوضوحٍ الحكمة التاريخية السائرة والمأثورة: 
  “أميتوا الباطل بالسكوت عنه”  
فالأطروحات والآراء التي تفتقر إلى الأساس العلمي المتين والمنهج الرصين تحمل في حقيقة الأمر بذور وأسباب فنائها في داخلها، ولا يمكنها العيش أو الاستمرار إلا على أصداء الضجيج والاعتراضات .

السبت، 27 يونيو 2026

هل نعيش نفاقاً رقمياً؟!

 هل نعيش نفاقاً رقمياً؟!  

د. جاسم الجزاع *

في عصر هذه الشاشات التي لا تسقط من بيد أيدينا، نجد أنه أعيد تعريف مفهوم «العلاقات والصداقات» لينكمش في مساحات افتراضية جامدة، ويمكن أن نسميها بـ «العلاقات والصداقات الرقمية»، نتجت عنها علاقات مصلحية في المتابعة بين الطرفين في «السوشيال ميديا»، وهي حالة من النفعية الحديثة التي تنشأ وتزدهر خلف الستائر الإلكترونية، حيث تُقاس قيمة الفرد بمقدار ما يقدمه من دعم رقمي متبادل ورواج افتراضي وصناعة ترندات، وليس بعمق أثره الإنساني أو صدق معدنه، ففي هذا الفضاء الإلكتروني، يتحول الأصدقاء إلى مجرد أرقام صماء في قائمة المتابعين، وتصبح المشاعر الإنسانية مجرد تفاعلات عابرة ، من إعجاب، أو مشاركة، أو تعليق مقتضب، تدور كلها في حلقة مفرغة من تبادل المنافع السطحية ، فما دمت تُغذّي حضور الآخر الرقمي وتخدم وجوده وتدعم منصته، فستظل موجوداً في حساباته، وبمجرد أن يتوقف العطاء، تسقط من قائمة الاهتمام وكأنك لم تكن. 

وتتجلى مظاهر هذه المصلحة في سلوكيات يومية باتت مألوفة في أيامنا، ولعل أبرزها ما نراه في «مجاملات المنصات» المنافقة، حيث يُحتفى بالإنجازات ويُتضامن مع الأزمات بضغطة زر واحدة لا تكلف صاحِبها التفاتة قلب حقيقية ولا ثانية من وقته، فهي شبكات اجتماعية كثيفة المظهر، خاوية المخبر، تنفضّ فوراً وتضمحل بمجرد غياب المصلحة المشتركة أو توقف الحساب عن المتابعة والظهور، مما يكشف عن هشاشة الروابط الافتراضية التي تذوب كالملح عند أول اختبار حقيقي لعمقها ومصداقيتها. 

ولتحويل هذه العلاقات الافتراضية الجافة إلى علاقة إنسانية حقيقية ولها أثر، يتعين علينا نقل الروابط من وراء الشاشات الصامتة إلى أرض الواقع الحي، وتحريرها تماماً من قيد «المنفعة الفورية» والتبادل النفعي الرقمي، فيبدأ ذلك بـ «أنسنة» التواصل من خلال المبادرة بالسؤال الصادق وغير المشروط، ومشاركة اللحظات الحية والأحاديث المباشرة بعيداً عن أزرار الإعجاب، وبناء جسور متينة من التكافل المعنوي والمادي الذي يتجاوز حدود الفضاء الرقمي الضيق، فعندما نتحول بوعي من مجرد «متابعين» على منصة إلى «شركاء حقيقيين» في معترك الحياة مع الآخرين، فيدعم بعضنا بعضاً في العلن والخفاء دون انتظار عائد خوارزمي أو زيادة في عدد المشاهدات، حينها فقط نضمن أن هؤلاء الأصدقاء لن يكتفوا بوضع وسم تعزية بارد، بل ستجدهم أول الحاضرين لمواساتنا والوقوف في جنازاتنا. 

* باحث أكاديمي






الأربعاء، 24 يونيو 2026

أمريكا.. بين النفوذ والمأزق

  أمريكا.. بين النفوذ والمأزق

د. جاسم الجزاع



أثناء تصفحي لإحدى الدراسات السابقة المختصة بتحليل الشؤون السياسية ذكرت فيها مقالة نشرت في 2010 بعنوان "من ينقذ أمريكا من نفسها" للكاتب عادل مالك، والذي شخّص فيها طبيعة الاندفاع في السياسة الخارجية الأمريكية التي استنزفت صورتها وقوتها في مستنقعات الحروب الاستباقية حينها، فألهمتني المقالة إلى قراءة ومطابقة لما آلت إليه الأمور اليوم في عهد الرئيس دونالد ترامب، فالكيانات الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية، ومهما بلغت قوتها، تظل عرضة للإصابة بـ "الأمراض الإدارية والإستراتيجية" والتي يمكن أن تكون قاتلة حين تعجز عن كبح تمددها الإستراتيجي وتغولها البيروغرافي، وتفقد القدرة حينها على تقييم مخرجات قراراتها العليا بكفاءة عالية وكأنها تتأرجح بين أمزجة السيد ترامب خلال يومه مما أربك حتى وسائل الإعلام العالمية في التكهن وشرح وتحليل مواقفه السياسية.


ونستشعر الآن نحن في الخليج أن السياسة الأمريكية أصبحت بين دفتي النفوذ والمأزق!، وإن إعادة قراءة هذا المأزق الأمريكي اليوم تبدو حاجة حيوية وأكثر إلحاحاً، فالولايات المتحدة لا تزال تملك اليد الطولى والسيطرة الديناميكية على مجريات الأحداث العالمية، لكن عند التدقيق في سلوك الرئيس ترامب الراهن يكشف عن تحولٍ جذري جعل من البيت الأبيض ما يشبه مقر إدارة لشركة استثمارية كبرى، وكأنه بات سلوك السيد الرئيس يطابق تماماً سلوك "رئيس تنفيذي" (CEO) لشركة مغالية في نفعيتها، فلا يرى العالم إلا من خلال عدسة "الصفقة والمكسب المباشر"، دون اعتبار للحسابات الإستراتيجية التقليدية أو المصالح القومية الأخرى بعيدة المدى التي طالما أرست نفوذ واشنطن عبر عقود سابقة، وهذا الأسلوب أدى بوضوح إلى تهميش حاد لمؤسسات الدولة العريقة، بل وحتى "المؤسسات العميقة" والتي باتت تُستبعد من هندسة القرارات المصيرية لصالح صفقات الغرف المغلقة، وهو ما فجّر جدالاً علنياً محتدماً وصراعاً حقيقياً على الصلاحيات بين سلطة السيد الرئيس، وبين أجهزة الدولة ومؤسساتها الأخرى التي تحاول كبح هذا الاندفاع. 

فإن هذا السلوك الذي يطغى على أعراف الحكم السابق يعيد هندسة المشهد الجيوسياسي لشرقنا الأوسط في لحظات مفاجأة، ويجعل فهم "العقلية النفعية" الحاكمة في واشنطن وإقامة عدة دراسات عنها ضرورة لمعرفة اتجاهات الرياح هناك وهنا لتفادي عواصفها المفاجئة التي تخلط الأوراق دون إنذار مسبق خصوصاً عندنا في الخليج العربي.


وأمام هذا النفوذ الطاغي والمهيمن، لا ينبغي لنا في منظومة دول مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي أن نقف في موقع "المتلقي السلبي" لنتائج هذه السياسات وتقلباتها المزاجية، بل إن الواجب القومي والإستراتيجي يحتم علينا صياغة رؤية مشتركة تعتمد على "التحصين الداخلي" وبناء "ثقافة مؤسسية إقليمية" قادرة على المناورة وحماية المكتسبات الخليجية والعربية، فإن دورنا اليوم ليس مجرد وساطة لتهدئة النيران، بل التحول إلى "مهندسي استقرار" يملكون بدائلهم الخاصة، فالنفوذ الأمريكي العالي لا يواجه إلا بامتلاك أدوات القوة الاقتصادية، والدبلوماسية الوقائية الذكية، وتقديم نموذج إداري وتنموي رائد يفرض حضورنا كشريك إستراتيجي أصيل لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية قادمة وأول الأمر أن تتصالح الأنظمة مع شعوبها وتكون يداً واحدة فهذا لعمري هو رأس الدفاع عن المكتسبات.



الاثنين، 22 يونيو 2026

ما بين فانس والماوردي: الثقة وهمٌ سياسي!

ما بين فانس والماوردي: الثقة وهمٌ سياسي!


شهدنا في الأيام الأخيرة تصريحاتٍ لافتةً ومثيرةً للجدل أدلى بها نائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس”، والتي انتقد فيها بشدة الموقف الإسرائيلي الرافض لمذكرة التفاهم والاتّفاق الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، ووصف فانس ردود الفعل الغاضبة داخل حكومة بنيامين نتنياهو بأنّها “حالة من الذعر الغريب والهلع”، معتبراً أنّ هذا الهجوم يعكس انعداماً عميقاً للثّقة تجاه واشنطن، وهي أقوى حليف استراتيجي لتل أبيب، ووجّه فانس تحذيراً شديد اللهجة للمسؤولين الإسرائيليين مثل بن جفير، مذكّراً إياهم بأنّ الرئيس دونالد ترامب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم المتعاطف معهم حالياً، وأنّ ثلثي الأسلحة الدفاعية التي تحمي إسرائيل تُصنع بأيدٍ وأموال أمريكية، فكانت هذه  التصريحات المفاجئة دلالةً على تحوُّل في الخطاب الأمريكي، وبدا واضحاً أنّ “الثّقة المطلقة” غير موجودة في قاموس المصالح السّياسيّة، وأنّ واشنطن تُطالب حلفاءها بالخضوع لرؤيتها بشكلٍ صريح.

وهذا التّوتر العلني يُثبت أنّ “الثّقة” كمفهومٍ في عالم السّياسة ليس له قيمة أخلاقيّة أو عاطفية، بل هو انعكاسٌ مصلحي براغماتي بحت يُبنى على موازين القوى وصراع النفوذ، ففي العلاقات الدبلوماسية، يُعد “حسن الظنّ” المطلق ضرباً من السذاجة والغباء والحمق الذي يؤدي بالدول إلى مهالك حتمية، بينما يمثل “سوء الظنّ” الممنهج المبني على الحذر واليقظة الاستراتيجية أداة ضرورية لحماية الأمن القومي للدول، فالتحالفات مهما بلغت متانتها التّاريخية، تهتزُّ وتصطدم عندما تتعارض مع المصالح والرؤى الاستراتيجية، وقد أدرك التّراث العربي الإسلامي القديم هذه الحقيقة السياسية مبكراً وصاغها كقاعدةٍ ذهبيّة لإدارة الدول، حيث يُروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قوله: “من الحزم سوء الظنّ“، وهو ما يؤكّد أنّ قيادة الأمم تتطلّب افتراض الحذر لا الطمأنينة، وكما عمّق الفيلسوف والمؤرخ الكبير ابن خلدون هذا المفهوم في مقدمته مؤكّداً أنّ الدول في علاقاتها وصراعاتها مدفوعة بالعصبية والمصلحة والمنفعة، ولذلك فإنّ من يظنّ أنّ القوى الكبرى تحرّكها المبادئ يجهل طبائع العمران السّياسي، وإنّ الثّقة السّياسيّة في جوهرها متغيّرة ومؤقّتة، ترتبط دوماً بمدى نفعية الطرف الآخر وقدرته على المناورة، وبمجرّد أن ينتهي هذا النّفع تظهر لغة التّهديد والعلو على الآخر  بقطع الإمداد وتذكير الحليف بحجمه الحقيقي.


أمام هذه الواقعية السياسية المرعبة، يتجلّى الواجب الشّرعي والسّياسي على القائد والسياسي المسلم في تبنّي عقيدة حذرة تقوم على الوعي واليقظة التّامة، مستلهماً ذلك من التوجيهات القرآنية ومن إرث مفكري السياسة الشرعية، وقد فصّل الإمام الماوردي في كتابه الشهير “أدب الدنيا والدين” و”الاحكام السلطانية” في شروط تدبير الملك وحفظ البيضة، موضّحاً أنّ سلامة الدولة مرهونةٌ بيقظة حكامها وقدرتهم على استشفاف مكر الأعداء، حيث يرى أنّ استرسال الحاكم في حسن الظنّ لغير أمارة (أي: علامة) واضحة يُعدُّ تفريطاً يرفع الأمان عن الرعية.

الأربعاء، 10 يونيو 2026

خرافة «الحياد العلمي» في مراكز الأبحاث الغربية

 خرافة «الحياد العلمي» في مراكز الأبحاث الغربية

د. جاسم الجزاع


دائماً ما نجد أنه حين يتحدث الأكاديميون أو الباحثون في المحافل الدولية عما يسمى بـ "الحياد العلمي"، يتبادر إلى أذهاننا سريعًا ذلك المختبر المعقم والمنعزل عن أي مؤثرات خارجية وتجرد الباحث من أهوائه ونزعاته، ليقف أمام الحقيقة بعيدا عن أي عوامل مؤثرة إلا من أدواته المنهجية الصارمة، لكننا كلما غصنا في سبر أغوار المنظومة الأكاديمية ، وتأملنا بعمق في تفاصيل "نفسية الباحثين" ودوافعهم الخفية، أدركنا أن هذا الحياد المطلق ليس سوى خرافة حالمة لا وجود لها على أرض الواقع، فالعلماء في نهاية المطاف بشر، يعتريهم تمامًا ما يعتري عامة البشر من تحيزات نفسية، ونزعات أيديولوجية، ورغبات غريزية في التقدير، والوجاهة، أو حتى مجرد البقاء المادي والخوف على المستقبل الوظيفي، فالباحث لا يترك هويته، أو قناعاته الثقافية، أو مخاوفه الاقتصادية عند باب المختبر أو عتبة الجامعة، بل يدخل بها مستسلمًا بوعي أو بدون وعي لآليات توجيه المعرفة، ليتضح لنا أن العقل العلمي ليس آلة مصمتة تُنتج الحقائق المجردة، بل هو كائن حي يتنفس بيئته، ويتأثر بسياقه النفسي والاجتماعي المحيط به.

وهذا التحيز النفسي والمؤسسي لا يظل حبيس الصدور، بل يتجسد بوضوح وبشكل كبير في بنية البحوث الأكاديمية والدراسات الغربية المعاصرة، والتي باتت تُفصَّل في كثير من الأحيان على مقاس أجندات الجهات المموّلة وصانعي السياسات، وتكفينا نظرة فاحصة على تاريخ "صناعة السكر" و"شركات التبغ" في العقود الماضية بالولايات المتحدة، وكيف اشترت اللوبيات والشركات الكبرى ذمم مراكز بحثية جامعية مرموقة لتوجيه أصابع الاتهام في أمراض القلب والوعائية إلى الدهون بدلاً من السكر، أو لتقليل مخاطر التدخين وتضليل الرأي العام العالمي لسنوات طويلة، واليوم، يتكرر المشهد ذاته وبشكل أكثر دهاءً في مراكز الفكر ودراسات العلاقات الدولية والعلوم السياسية والاجتماعية في الغرب، حيث يُعاد توجيه المعارف وصياغة المفاهيم حول حقوق الإنسان، والثقافات والأديان، والصراعات الإقليمية، لخدمة مصالح شركات ذات علاقة بإشعال الحروب والتوتر، أو حتى لتبرير التوجهات الاستعمارية الجديدة، ليتراجع البحث عن "الحقيقة" خطوات إلى الوراء لصالح إرضاء "المموّل" وضمان تدفق أمواله.

ومن يتأمل هذه المعضلة العميقة يجد أنها تعود بالأساس إلى نموذج "تسليع المعرفة"، حيث تحولت الجامعات والمراكز البحثية من منارات علمية تبحث عن الحقيقة المجردة لخدمة الإنسانية والمنفعة العامة، إلى مؤسسات ربحية شبيهة بالشركات، تعتمد في بقائها ونموها وتصنيفاتها الدولية على المنح، والتمويلات الخارجية، وعقود الرعاية التجارية، وهذا الواقع المرير جعل "أمان الباحث" واستمراره في وظيفته مرتهنًا بمدى مواءمة نتائجه البحثية لرغبة الجهة المانحة، تحت شعار خفي ألا وهو "انشر ما يرضينا، أو واجه مشكلة قطع الدعم عنك"، فالعلاج الحقيقي لهذه الآفة، فيبدأ أولاً من تفكيك قدسية هذه المراكز البحثية واحتكارها لإنتاج المعرفة، والاعتراف الصريح بوجود هذه التحيزات في عقول الباحثين دون مجاملة، ويتطلب هذا الأمر عمليًا السعي نحو إيجاد قنوات تمويل بديلة ومستقلة كإحياء نظام الأوقاف العلمية- كما كان معمولا به في تراثنا العربي الإسلامي- والصناديق التشاركية المجتمعية المستقلة عن نفوذ الشركات الكبرى والسياسيين بالتوازي مع فرض معايير أخلاقية صارمة للشفافية تلزم الباحثين بالإفصاح الكامل والعلني عن أي تضارب محتمل في إنتاج المعرفة، ليعود البحث العلمي إلى مساره الصحيح كأداة لنهضة الإنسان، وحمايتها من أن تكون وسيلة لشرعنة أهداف رأس المال المتوحش.

الثلاثاء، 9 يونيو 2026

الدراما التاريخية: صناعة للوعي أم تجارة وأرباح؟

 الدراما التاريخية: صناعة للوعي أم تجارة وأرباح؟


منذ أن نشأت وجيلي ونحن نرى التاريخ يتنفس عبر الشاشة ويتجسد أمام أعيننا بعد أن قرأناه في الكتب و المجلدات ، ومتأثرين بعبقرية الثنائي حاتم علي ووليد سيف اللذين صاغا موروثاً درامياً عربياً لا يُنسى، فكان من الطبيعي أن نترقب تلك القفزة الكبرى التي أحدثتها الدراما التاريخية التركية في السنوات الأخيرة. 
فبعد رحيل المخرج الكبير حاتم علي -رحمه الله- شهدت الساحة الدرامية العربية أفولاً حاداً وانكفاءً محزناً في إنتاج المسلسلات التاريخية النخبوية؛ حيث غابت تلك الروائع التي كانت تجمع بين الرصانة اللغوية والعمق الفكري مثل “التغريبة الفلسطينية” وثلاثية الأندلس وصلاح الدين و ” مسلسل عمر ” ، تاركةً خلفها فراغاً إنتاجياً ومعرفياً هائلاً، وعجزاً عربياً عن تقديم الهوية التاريخية بأسلوب يواكب العصر، مما جعل الساحة الفنية مشرعة الأبواب أمام التجارب التي لم تثمر عن كبير تأثير .

وفي ظل هذا الفراغ العربي، كانت الدراما التاريخية التركية قاب قوسين أو أدنى من تشكيل وعي جماعي جديد لجيل كامل من الأتراك والعرب المهتمين بالتداخل التاريخي المشترك، ومحاولة فهم إرث الفترة العثمانية برؤية معاصرة ، وجاءت بداية طفرة المنتج “محمد بوزداغ” من خلال مسلسل “قيامة أرطغرل” كمثال صارخ للتجديد، وتقديم ملحمة بصرية قادرة على جذب الجماهير وإعادة إحياء الذاكرة الجمعية للتاريخ العثماني ،  لكن النجاح الساحق لأرطغرل تحول إلى فشل إذ سرعان ما سقطت أعمال بوزداغ اللاحقة، ومعه طيف واسع من الدراما التركية التاريخية ، في فخ التكرار النمطي، والوقوع تحت مقصلة “الرايتنج” ونسب المشاهدة الأسبوعية ، ففقدت هذه الدراما التاريخية  بوصلتها الفكرية، وغرقت في استنساخ المعارك المفتعلة، والمؤامرات المكررة داخل القصر أو خارجه، مبتعدة تماماً عن العمق الفلسفي والتاريخي الذي يبحث عنه المشاهد الملتزم بصناعة الوعي مع شيء من المتعة .

إلا أنه في الفترة الأخيرة، وتحديداً مع مسلسل “الفاتح: سلطان الفتوحات”، شهدت فيه شخصياً  تحولاً لافتاً أعاد للمشهد هيبته وعمقه الاستراتيجي ،  حيث  نمطية الطرح بذكاء شديد من خلال ربط التاريخ العثماني وبطولاته بالإرث العربي الأصيل، وتجلى ذلك في ربط الحدث بالمدينة المنورة وعمقها الرمزي والديني المرتبط بالبشارة النبوية التي بدأت من صلب الثقافة العربية والمسير النبوي ، وهذا الربط الذكي أثمر عن عمل فريد في أجزائه الثلاثة، فأنصفت التجربة  شخصية السلطان محمد الفاتح وخرجت بها من قوالب “البطل الخارق الصامت” إلى أفق إنساني أرحب للفهم والغوص فيها ،  فلقد عشنا من خلال هذا العمل دراما سلوكية حقيقية، وسيناريو متقناً يغوص في حديث النفس، والتردد البشري الطبيعي، والمنافسة الداخلية الشرسة وصراع الأجنحة بين القوى السياسية والوزراء التي سبقت وتزامنت مع فتح القسطنطينية، مما جعله نموذجاً يوازن بحرفية نادرة بين الحقيقة التاريخية والضرورة الدرامية.

وأمام هذا الواقع المليء بالتحديات الفكرية في مجال صناعة الوعي بالدراما ، أصبح لزاماً علينا كعرب، وعلى الأتراك والأمم الأخرى أيضاً، أن نتحرك بجدية لتخليص التجربة الدرامية التاريخية من الشوائب التجارية التي طرأت عليها وأفسدت نقاء رسالتها ،  فلقد بات السيناريو اليوم في كثير من الأعمال أسيراً لرأي الجمع الجماهيري “التريند”، وتحول تركيز بعض المخرجين والمنتجين الجيدين نحو البحث عن الاستثمار البحت وتحقيق أعلى العوائد المالية على حساب القيمة المعرفية والتوثيقية ، 
 وإن هذا الانزلاق يهدد بتحويل الفن من أداة تنويرية إلى عملية “تزوير ناعم” للوعي وتسطيح للعقول من خلال تزييف الحقائق لإرضاء عواطف المشاهدين ،  فالرسالة الفنية يجب أن تظل خالصة، ومنزهة عن حسابات السوق التجارية الضيقة، لتكون حجر زاوية حقيقي في بناء جيل واعٍ، يقرأ ماضيه بمسؤولية ونقد وتأمل، لا جيل يستهلك تاريخه وأمجاده كوجبة ترفيهية سريعة تفقد قيمتها بانتهاء شارة العرض.

الخميس، 4 يونيو 2026

ترامب وإيران: مصلحتنا أولاً

ترامب وإيران: مصلحتنا أولاً



د. جاسم الجزاع*
هل نحن مع الغرب في علاقة تبعية عمياء تُغيب عقولنا وتطمس هويتنا، أم في حالة تمرد دائم ورفض مطلق؟  
إن هذا التساؤل يقع في قلب التجاذبات الفكرية والسياسية التي نشاهدها، حيث انقسم الرأي المجتمعي إلى اتجاهين؛ اتجاه يغلو في تبني النماذج الغربية دون مراعاة لمصلحتنا الخاصة ومراعاة لظروفنا الداخلية، واتجاه آخر يفرط في تحجيم دور التعامل مع القوى الدولية بناءً على نظرة تقليدية جامدة ترفض كل أجندات تأتي من الغرب.  
والواقع أن الخروج من هذا المأزق يتطلب تجاوز هذه الثنائية العقيمة نحو صيغة عقلانية متوازنة تدرك أن الغرب ليس شيطاناً ناصباً للعداء في كل حين، وليس في الوقت ذاته أنموذجاً مثالياً يملك الحقيقة المطلقة ويفرض وصايته السيادية علينا، فإن النمط الذي يمثل الوعي الرصين هو الذي يتعامل مع الغرب كـ «شريك سياسي واقتصادي» محكوم بقوانين المصالح المشتركة والتبادل الحضاري. 
وإذا تأملنا في دقائق سياستنا الخارجية وعلاقتنا ككويتيين مع الغرب، وتحديداً مع الولايات المتحدة الأميركية وقبلها بريطانيا، فسنجد بوضوح أن هذه العلاقة التاريخية لم تكن يوماً على غير مصلحتنا الوطنية، بل كانت «المصلحة العليا للوطن» هي القائد الحقيقي والمحرك الأساسي لكل الاتفاقيات والتحالفات، فالتاريخ والبحوث المعاصرة تؤكد أن خط الدفاع الأول عن أمننا واستقرارنا كان على رأس الأولويات، ولم يكن ذلك ارتماءً في أحضان التبعية الغربية أو ذوباناً فيها، فإن هذا المنحى السياسي يثبت أن هدف القيادة الكويتية عبر الأزمنة المختلفة هو تهيئة بيئة تخدم تطلعات التنمية في الكويت وفق رؤيتها المستقبلية، فالعلاقات الدولية لا تُبنى إلا على معيار جودة المخرجات السياسية والأمنية التي تحمي المصلحة الوطنية. 
وأمام المعطيات والتحولات الكبيرة التي تهز بيئتنا الإقليمية من حولنا، وما نراه اليوم من تذبذب واضح في مواقف الإدارة الأميركية بقيادة ترامب بشأن إنهاء الحرب مع إيران، يصبح من الواجب المحتم استمرار التمسك بخط «التوازن الذكي» بين المتطلبات المفروضة كواقع جيوسياسي وبين الاستقلالية الوطنية الصلبة التي تركز على مصلحتنا ككويتيين أولاً وأخيراً في هذا الشأن، عبر تحصين جبهتنا الداخلية، وتدعيم كفاءاتنا الوطنية، والتوكل على الله وحده في إدارة مساراتنا، فالتاريخ يعلمنا أن الوحدة الوطنية والاعتماد على الذات الداخلية هما صمام الأمان الحقيقي أمام تذبذب القوى الخارجية. 
* باحث أكاديمي

الثلاثاء، 2 يونيو 2026

هل خدعتنا كتب التنمية البشرية؟

هل خدعتنا كتب التنمية البشرية؟

د. جاسم الجزاع



أجتاحت المكتبات العربية في بداية الألفية الجديدة موجة عارمة وغير مسبوقة من كتب التنمية البشرية وتطوير الذات، حيث تحولت من مجرد إصدارات عابرة إلى ثقافة عامة موجهة تهيمن على أرفف المكتبات الخليجية والعربية، ولقد كنتُ –كغيري من أبناء هذا الجيل– شاهداً حقيقياً على ذلك التدفق المعنوي المستمر، حيث تفتّح أعيننا على عناوين براقة تَعِدُ بالنجاح المطلق، والثراء السريع، والصلابة النفسية التي لا تقهر أمام معضلات الزمن، فكنا نلتهم تلك الصفحات بشغفٍ ونتطلع باحثين عن البوصلة السحرية التي تدير تفاصيل حياتنا وتطور ذواتنا وتخطط مساراتنا و تحقق أهدافنا، وكنا مدفوعين بتلك الكلمات التي تعني بالتغيير وتفجير الطاقات المكنونة وإخراج المارد من قمقمه رغبة منا في اعتلاء مناصب ومكاسب اجتماعية ووظيفية، ومؤمنين بيقين تام بأن بين دفتي كل كتاب من تلك الكتب تكمن الشفرة السحرية الخفية التي ستعيد صياغة واقعنا بالكامل وتمنحنا تفوقاً استثنائياً مستداماً في حياتنا وبيئات العمل والمجتمع المحيط بنا.

إلا أن الحقيقة
تتمثل في أن هذه الكتب سرعان ما اصطدمت بأرضية الواقع المأزوم، لتتكشف لنا مبالغات غير معقولة وسلوكيات مغلوطة خطيرة صنعتها هذه الكتب في عقول العوام من القراء الباحثين عن طوق النجاة في حياتهم، فبدلاً من أن تكون هذه الإصدارات شعلة من نور تفتح للناس الأبواب المغلقة بالبصيرة وتضيء لهم الفكر القويم، أغرقت هذا الجيل في وهم "المثالية الصارمة" وصنعت ما يمكن تسميته بـ "النفاق النفسي المعاصر" والعيش في " النجاح الوهمي والخيالي"، حيث يطير الفرد فوق أجنحة شعارات رنانة تدعي القدرة اللامحدودة على تجاوز كل الآلام، بينما يعيش بحقيقته في واقع مرير وحالة من الانهيار الصامت والعجز التام أمام أول عائق يواجهه في حياته، وإن هذه المبالغات التجارية الفجة غير المسؤولة فرضت واقعاً مأساوياً من الإحباط والرغبة في الإنزواء لوجود حدث أنتج فشلاً ذريعاً.

وأمام هذه المعطيات، ألا يستحق الأمر منا وقفة مراجعة حاسمة لحماية عقولنا من هذا الخرف الثقافي ؟ 

فالحل الحقيقي والوقائي يبدأ بألا نثق كثيراً وبشكل مطلق في كل ما يُسطّر داخل كتب التنمية البشرية، فنحن أمام سوق فكرية شاسعة، منها ما هو مفيد يلامس الوجدان، ومنها ما هو زائف وغير واقعي بالمرة، والحقيقة المرة التي يجب مجابهتها هي أن بعض هؤلاء الكتاب يقتات بانتهازية على آلام الشعوب وحاجتهم للخلاص من مشاكلهم، وبعضهم الآخر جاهل يفتقد لأدنى شهادات المعرفة أو التخصص العلمي، متخذاً من الوسامة والخطابة قناعاً لتسويق النجاح الوهمي، لذلك، يا أصدقائي، لا تسلموا عقولكم لكل قائل، وحركوا عقولكم بالوقوف على الحقائق بدلاً من الاستسلام الأعمى، وثقوا بقدراتكم الكامنة واسعوا في مناحي الحياة سعياً استرشادياً ذكياً يجمع بين التدبر والعمل، ومتجاوزين ثقافة الشعارات المعلبة، وإذا التبست عليكم الطرق، فاستشيروا المتخصصين والخبراء الحقيقيين في كل مجال بحد ذاته، فهم الأقدر على تشخيص الواقع وتقديم مسارات رصينة وعملية بعيداً عن التنظير الجاف ومبالغات تلك الكتب، ولا تنسوا في نهاية المطاف، أن تجعلوا أمام أعينكم اللجوء إلى القوة السماوية وأعني أن تتوكلوا على الله وحده، فهو الخالق الذي يعلم قصورنا ونقصنا البشري.


الاثنين، 1 يونيو 2026

كيف ينظر اليهود إلى شخصية المسيح الدجال؟

 كيف ينظر اليهود إلى شخصية المسيح الدجال؟


جاسم الجزاع

في كلّ ثقافةٍ ودين و في كلّ زمان، هناك دائماً قصة عن “المخادع و المراوغ الأكبر ” و ذلك الشخص الذي يظهر في أوقات الأزمات والحروب، ليبيع للنّاس أوهاماً براقة وشعارات رنانة، فيتبعه الكثيرون بحثاً عن طوق النّجاة والأمان، قبل أن يكتشفوا أنّه أكبر فخ في حياتهم،  وهذا الرمز المشترك بين البشر هو ما نعرفه جميعاً باسم “المسيح الدجال”، الذي جاءت في موروثنا الإسلامي أن أكثر أتباعه من اليهود ولكن، هل تساءلت يوماً كيف تنظر العقيدة اليهودية إلى هذه الشخصيّة؟


في التراث اليهودي، وتحديداً في كتب العصور الوسطى، لا يُسمى الدجال بهذا الاسم، بل يظهر تحت اسمٍ غامض ومثير وهو يمثّل لديهم قمة “الوصاية الفكرية” والتضليل البشري.


فتبدأ قصة الدجال و الذي أتى في موروثاتهم أنّ اسمه “أرميلوس” بنشأة غريبة جداً، إذ تقول النصوص القديمة -مثل كتاب “أسرار الحاخام شمعون”  إنّه لا يولد كبقية البشر، بل يخرج من داخل صخرة صمّاء أو تمثال رخامي قديم في مدينة روما!،  وهذه البداية الأسطورية ترمز إلى حقيقته في نظرهم، قائد جامد، قاسي، وليست لديه أيّ رحمةٍ أو نبض إنساني تجاه معاناة النّاس.


وبمجرد أن يخرج هذا الرّجل إلى العلن، لا يقول للنّاس “أنا شرير ومراوغ”، بل يرتدي قناع “المنقذ والمرشد الوحيد”، فيستغل حاجة المجتمعات للأمن وسط الفوضى، ويدعي الألوهية، ويوزّع وعوداً كاذبة بالرفاهية والخلاص. وبسبب ذكائه الاستعراضي، يقع العوام في حبّه ويتبعونه عمياناً، ظنًّا منهم أنّه يملك مفاتيح أمانهم ومستقبلهم.


والشيء الذي يثير الدهشة في التراث اليهودي هو الوصف الجسدي لأرميلوس، فهو يُصوّر دائماً بأنّه أعور العين ومشوه الخِلقة، وهو نفس الوصف تقريباً للدجال في ثقافتنا الإسلامية.


وهذا “العور” في أدبيات اليهود هو رمز لمرض فكري قاتل، فأرميلوس “الدجال”  يرى الحياة بعينٍ واحدة فقط (أيّ: عين الغرور، والمصلحة، والتعالي)، وإنّه يرى نفسه كاملاً  يملك الحقيقة المطلقة، وينظر إلى بقية البشر وكأنّهم “قطيع” ناقص و جاهل لا يفهم شيئاً.


ولكن، كما علّمتنا أحاديث نبينا الكريم و سنن الإله أن قوانين الحياة لا تسير وفق أهواء الدجاجلة والمخادعين، فسرعان ما تنكشف جهالة أرميلوس عندما يستيقظ النّاس فجأة ويرفضون الخضوع لألوهيته المخادعة ، وهنا، يسقط قناع “المرشد الودود”، ويتحوّل أرميلوس إلى طاغية شرس يشنّ حرباً ضدّ كلّ من يعارضه.


وفي ذروة هذه الأحداث المتسارعة من علامات الساعة، تتدخّل الحقيقة السماوية لتنهي هذا الوهم، فيظهر في السردية اليهودية المخلص المنتظر، وهو “المسيح” بن داود!، ويلتقي الطرفان في معركةٍ حاسمة عند أبواب القدس، تنتهي بمقتل أرميلوس وسقوط مشروعه التضليلي بالكامل.


ولكن إذا كان التراث اليهودي يرسم “أرميلوس” بهذه الصورة المشوّهة ويحذّر من عوره الفكري والجسدي، فلماذا يندفع الكثير منهم وراءه ويقعون في فخّ كذبه و كفره؟ والإجابة تكمن في سيكولوجية اليهود المتذبذة يعرفون الحقّ و لا يهتدون اليه سبيلا.

الجمعة، 29 مايو 2026

أين يختبئ المثقف المتواضع؟

 أين يختبئ المثقف المتواضع؟

د. جاسم الجزاع


لماذا يقبل الناس على مثقف أدنى من مثقف آخر ويأخذون برأيه؟ وهم يعلمون أن المثقف الذي انزووا عنه أكثر علما من المثقف الأول؟ 

فعندما نتأمل في تاريخ الأفكار وتطورها وتغيرها، نكتشف أن الأزمات الكبيرة التي نعانيها لا تأتي مباغتة بقدر ما تكون نتيجة أخطاء تراكمت وتُرِكت لسنوات دون علاج. 

ومن أكبر هذه الأخطاء هي فكرة "وصاية المثقف" على المجتمع، فبدلاً من أن يكون المثقف شعلة نور تفتح الأبواب المغلقة فكرياً وتكشف الحقائق للناس وتريهم النور في حياتهم، تحول مع الوقت إلى "وصي" على عقول الناس البسطاء ويحاول فرض رأيه بالقوة على المجتمع دون دلائل واضحة ودون أخلاقيات سمحة، فالناس قد تتقبل منك لأن طريقة عرضك للفكرة كانت مغلفة بالود والاحترام، وهذا الأسلوب الاستعلائي الكبريائي جعل بعض المثقفين يرى نفسه كأنه "المرشد" أو المنقذ الوحيد الذي يملك الحقيقة المطلقة، بينما ينظر إلى عامة الناس وكأنهم "قطيع" جاهل، فلا يعرفون مصلحتهم ولا يفهمون شيئاً في الحياة من دونه، وهذا التعالي والكبر الثقافي لم يظل مجرد كلام في الكتب، بل تحول إلى جدار عازل فصل المثقف تماماً عن نبض الشارع الذي يعيش في مجرياته، فصار يعيش في برج عاجي معزول، يطلق شعارات رنانة بعيدة كل البعد عن هموم الناس ومشكلاتهم الحقيقية في الواقع.

وفعلا إذا تأملنا في دقائق هذه المسألة سنجد أن هذه النخبة الفكرية التي تعامل الناس بهذه الأفعال الاستعلائية سرعان ما تنكشف جهالتها عند أول صدمة، فالمثقف الاستعلائي الذي قضى سنوات طوالاً يدعي أنه يملك مفاتيح الحلول ويرسم المستقبل، وجد نفسه فجأة واقفاً في مكانه مذهولاً وعاجزاً أمام الأحداث والتحولات الكبيرة التي هزت بيئته من حوله، ولقد أثبتت لنا الوقائع أن الحياة تتحرك بسرعة مدهشة ولها قوانينها الخاصة، وهي لا تنتظر إذن المثقفين ولا تطلب بركة المفكرين لكي تتغير من مسار الى مسار ومن نتيجة الى نتيجة، ولهذا السبب، سقطت العديد من الأفكار والشعارات والادعاءات الكبرى التي ادعاها بعضهم أمام انتفاضات الناس العفوية تجاه المسلمات بزعمه، وهذا العجز الواضح كشف لنا أن هذا التعالي لم ينتج وعياً، بل أصاب أصحابه بـ"عمى وغرور فكري"، وبدلاً من أن يستشرف المثقف المستقبل ويمهد الطريق للمجتمع، أصبح هو أول من يتفاجأ بالتحولات والخطوات التي يتخذها الناس، مما أفقده هيبته وثقة الشارع به.

وأمام هذه الحقائق، أصبح من الواجب اليوم أن نرفض هذا النمط من المثقفين ونبحث عن نموذج "المثقف المتواضع"، لكي نكسر هذا الوهم، ويجب على المثقفين النزول فوراً من منصات الأستاذية والتوقف عن توزيع صكوك الغفران والمحاكمات الفكرية، وأن يدخلوا مع الناس في حوار حقيقي كشركاء لهم في حياتهم، ولا يكونوا أوصياء على عقولهم، فالحل ليس في إلغاء دور المثقف والثقافة، بل في جعل المثقف باحثاً مستمراً عن الحقيقة يداً بيد مع مجتمعه، ولا يظن نفسه حارساً لنسخة واحدة منفردة من المعرفة ويظن أنه الوحيد الذي يملكها. 

فيا أصدقائي إن الاعتراف بأن المعرفة واسعة، وأن الناس العاديين قادرون على فهم واقعهم وإدارة حياتهم، هو الخطوة الأولى لإنهاء الفجوة الكبيرة بين بعض المثقفين والناس، وعندها فقط، ستتحول الثقافة من أداة للتعالي على الناس إلى مساحة حرة تخدم الجميع، فالأفكار لم تُنتج ليتعالى بعضنا بها على بعضنا، بل وُجدت لتصحح نفسها أولاً، وتضمن ألا نقع في فخ الوصاية على عقول الآخرين مجدداً.

الاثنين، 25 مايو 2026

تمكين المرأة بين الغلو والتفريط

تمكين المرأة بين الغلو والتفريط 

د. جاسم الجزاع 

كما هو ملاحظ، تشهد الساحة الكويتية حِراكاً فكرياً مستمراً، كان ولا يزال، حول مفهوم «تمكين المرأة»، وهو ملف يقع في قلب التجاذبات الاجتماعية المُعاصرة. فتشير الدراسات المختصة والبحوث المهتمة بتمكين المرأة في المجتمع الخليجي والكويتي بشكلٍ خاص إلى أن المحك الحقيقي لنجاح هذا التمكين يكمن في صياغة نموذج وطني متوازن يوفق بين ثوابت الهوية العربية الإسلامية ومتطلبات التنمية الحديثة العصرية، بعيداً عن الغلو أو التفريط. 

فنجد أن النقاش المجتمعي حول هذا الملف ينقسم إلى اتجاهين، اتجاه يغلو في تبنِّي النماذج الغربية لتمكين المرأة من دون مراعاة لخصوصية المجتمع الكويتي وثقافته العروبية والإسلامية المحافظة، واتجاه آخر يفرط في تحجيم دورها، ويُقصيها عن مشهد صناعة القرار، بناءً على نظرةٍ تقليدية جامدة غير حضارية، فالنمط الذي يمثل «التمكين الحقيقي»، والذي ترنو إليه البحوث الرصينة، هو الذي يقوم على مبدأين أساسيين، هما: الجدارة والكفاءة المهنية كمعيارٍ وحيد لاعتلاء المناصب القيادية، وتكامل الأدوار داخل الأسرة والمجتمع من دون صِدام أو تنافسية غير مبررة. فالتمكين الحقيقي لا يعني إقحام المرأة في المجالات الإدارية أو السياسية لمجرَّد استكمال «المحاصصة النوعية» أو تحسين المؤشرات الرقمية أمام المنظمات الدولية، بل يتمثل في تهيئة بيئة عادلة تُتيح لها الفرصة لإثبات جدارتها متى ما امتلكت المؤهلات والقدرات العلمية والعملية لخدمة وطنها، سواء في الوظائف العامة، أو الحقائب الوزارية، أو مراكز التخطيط الاستراتيجي. 
وفي هذا المنحى، تؤكد الأدبيات الإدارية أن الكفاءة الوطنية، بغض النظر عن الجنس، هي الوقود الحقيقي لإنجاح رؤية الكويت التنموية. 
ومن المنظور القيمي والاجتماعي، ككويتيين وعرب ومسلمين، نرى أن التمكين المهني لا ينفصل بحالٍ من الأحوال عن بناء الأسرة وصيانة المجتمع، وأعني المرأة المتزوجة، التي وإن فُتحت لها أبواب التمكين والترقي الوظيفي، يظل دورها في رعاية بيتها وتربية النشء ركيزة أساسية وعملاً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه أو تعويضه. 
لذلك، فالتمكين الناجح لا يقوم على حساب تفكُّك الأسرة أو إهمال الأبناء، بل هو التمكين الذكي الذي يدعم المرأة تشريعياً ومؤسسياً عبر قوانين مرنة وسياقات عمل متطورة، تضمن التوازن العادل بين العطاء الوظيفي والواجب الأسري، بما يحفظ للمجتمع نواته الصلبة وقيمه الأصيلة. 
لذلك، فإن الاستثمار في استقرار الأسرة هو استثمار في مستقبل الوطن، ولا يمكن للمرأة أن تحقق تميزاً مستداماً إلا إذا تضافرت الجهود المؤسسية لتهيئة بيئة تُدرك أن نجاحها المهني يكتمل ولا يتعارض مع نجاحها في بناء جيلٍ واعدٍ وواعٍ. 

                        د. جاسم الجزاع
                          باحث أكاديمي