‏إظهار الرسائل ذات التسميات جرائم فرنسا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جرائم فرنسا. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 6 مايو 2026

كيف استخدم الاستعمار الفرنسي الأشجار للهيمنة على الجزائر؟

كيف استخدم الاستعمار الفرنسي الأشجار للهيمنة على الجزائر؟


  • الاستشراق الأخضر.. شجر الفيكوس وإعادة تشكيل المجال الاستعماري في الجزائر

ما بين 1850 و1857، قدم المدير العام للحديقة الحامة "أوغست هاردي" توصيات بحثية إلى وزارة المستعمرات الفرنسية، مفادها أن تجارب إدخال عناصر نباتية دخيلة إلى الجزائر واستنباتها تعد إنجازا عظيما وفق تصور الفرنسيين. وأكد أن النباتات المستقدمة من شرق آسيا، كشجر "الفيكوس"، قد وزعت على المراكز العلمية للمستعمرة، لتوسيع نطاق التجارب البيئية على النبات المستوطن.

تظهر أبحاث أوغست أن الفرنسيين لم يركزوا على الجانب العسكري للسيطرة على المستعمرات فحسب، بل امتدت سياساتهم إلى عناصر أخرى لتعريف الهوية والتاريخ والإنسان. فقد لعب الاستعمار دورا مركزيا في "تغيير المجال الطبيعي" بما يخدم مصالح المستوطنين، لذلك استجلبت "عناصر نباتية دخيلة" إلى الجزائر، في واحدة من أخطر عمليات الاستبدال البيئي للمستعمرة.

وقد قوبلت توصيات أوغست بحفاوة، لتطور فرنسا مشروعها المسمى "أقلمة المستعمرات" ضمن السياسات الاستيطانية الناعمة، التي يرى أثرها اليوم في صور حضرية تذكر بالجرائم التاريخية ضد الإنسان المحلي.

وهذا المقال ينظر إلى أثر الاستغلال الكولونيالي للطبيعة الجزائرية وتجريدها من صفاتها، من أجل "إعادة تعريف البيئة" بما يخدم المجال الأوروبي، ضمن نزعة "استشراقية خضراء" قادتها مراكز بحثية فرنسية تحت غطاء الدراسات العلمية.

فهل نجحت المساعي الفرنسية في استدامة الحضور الاستعماري؟ أم إن شجر "الفيكوس" شاهد على ذاكرة تاريخية عنوانها الاستشراق الأخضر؟

إن مشاريع الاستشراق الأخضر قد حققت نجاحا نسبيا على صعيد إعادة تشكيل الفضاء البيئي والعمراني، غير أنه ظل محدود الهيمنة في اقتلاع البنى الاجتماعية والثقافية المحلية، التي أبدت نضالا متعددا من المقاومة والاستمرارية

الاستشراق الأخضر

منذ أن وطأت أقدام المستعمر الفرنسي الجزائر، ترافق مع حملاته العسكرية مشاريع التهجير والتوطين في آن معا.

ومن تلك المشاريع التي قادتها وزارة المستعمرات الفرنسية مشروع أقلمة البيئة الجزائرية وفق رؤية تخدم الطابع المدني الكولونيالي، حيث جُند العديد من الباحثين في مجال علوم الطبيعة ضمن حملات ميدانية تزامنت مع مقاومة شديدة كان يخوضها الجزائريون ضد الاحتلال.

كان أوغست على رأس المؤسسة الاستشراقية التي توارت خلفها الإدارة الاستعمارية في سعيها لاستقدام نظام بيئي مغاير تماما للمجال الطبيعي الجزائري، في سبيل خلق فضاء "حضري" يرسم الصورة المدنية للمستعمر، ويسهم في تعزيز استقدام المستوطنين.

ومن جملة العلماء المنضوين تحت ما يسمى بمؤسسات "الاستشراق الأخضر"، نجد إرنست كولن ولويس شارل ترابو والضابط ميشيل دو ميزونوف، حيث جرى توثيق الغطاء النباتي الجزائري من أجل فهم "آليات أقلمة النباتات المستقدمة" من شرق آسيا، بما يخدم الطابع المعماري الكولونيالي.

ولتسهيل عمل الباحثين الميدانيين، أنشئت حديقة الحامة منذ بدايات الاحتلال الفرنسي، ومشاتل تجريبية في وهران وقسنطينة، وتم ربط نشاطها بالإدارة الزراعية بعد عام 1848 ضمن مشاريع التأقلم البيولوجي، التي ساهمت دراساتها الميدانية عن الطبيعة المحلية في صياغة مجال جغرافي موائم للمستعمر.

وقد مثلت هذه الحدائق المستحدثة للنباتات المستزرعة ذراعا استشراقيا للتجارب البيئية ضمن شبكة علمية عملت على تطبيق سياسات استعمارية، لم يقتصر هدفها على الدراسة التاريخية للجزائر، بل سعت، تحت غطاء استشراقي فرنسي، إلى جعل البيئة حقلا معرفيا غرضه الهيمنة على المستعمرات.

وفي هذا السياق، عززت المؤسسات العلمية المنضوية تحت لواء وزارة المستعمرات، وفي مقدمتها المدرسة الإمبراطورية للفلاحة بالحراش التي تأسست عام 1865، رؤية فوقية تجاه المجال المحلي، حيث استقدمت أشجار الأوكالبتوس والفيكوس لتجسيد نموذج حضاري أوروبي.

صاغ "الاستشراق الأخضر"، الذي يمكن تعريفه بوصفه دراسة غربية للبيئة المستعمرة ضمن مشاريع الهيمنة الكولونيالية، نموذجا حضاريا أوروبيا، وأتاح إمكانات تاريخية لاستمرارية الحضور الاستعماري في ضفاف الجنوب، عبر شكل من "الاحتلال البيولوجي" للبيئة والطبيعة المحلية، بما أسهم في إعادة تعريف وصياغة المستعمرات الفرنسية.

وقد خضع هذا التوجه لإطار مؤسساتي سياسي، كان هدفه تحقيق غايات تاريخية ونفسية واقتصادية أسهمت في تفكيك بعض البنى الاجتماعية المحلية.

وعليه، يمكن القول إن مشاريع الاستشراق الأخضر قد حققت نجاحا نسبيا على صعيد إعادة تشكيل الفضاء البيئي والعمراني، غير أنه ظل محدود الهيمنة في اقتلاع البنى الاجتماعية والثقافية المحلية، التي أبدت نضالا متعددا من المقاومة والاستمرارية.

إن جوهر الاستعمار لا يعترف بأي هوية للأرض، إذ تقوم سياساته على إعادة التشكيل والهيمنة، حتى على مستوى الطبيعة نفسها، إذ يمكن فهم حضور الفيكوس في الذاكرة الحضرية الاستعمارية بوصفه ملمحا بصريا ارتبط بتاريخ إعادة إنتاج المكان

هل انتهى الاستعمار البيئي؟

تمثل المدن الحضرية التي بناها المستعمر الفرنسي في الجزائر شاهدا حيا على اختلال وظيفي للبنى الحضارية للأوروبيين، حيث تم تزيينها بأشجار الفيكوس المستجلب من شرق آسيا. وقد مثل استنبات الفيكوس تحديا جماليا للفرنسيين، الذين اعتبروه نهضة بيئية لمستوطناتهم في الجزائر.

رسخ الاستشراق الأخضر فكرة خطيرة في البنى الاستعمارية، حيث سعى إلى ضرب الأسس الاجتماعية والنفسية للسكان المحليين بخلق فضاء مغاير تماما عن البيئة المستعمرة. فالمدن الأوروبية في الجزائر كانت ترسم ذوقا جماليا غربيا محضا، في حين تظهر التقارير الفرنسية عن إدارة المستعمرات أن المجال البيئي للجزائر فوضوي يجب العمل على إعادة صياغته.

هذه النظرة الدونية للطبيعة المحلية كان غرضها التأثير المباشر على سلوك السكان الأصليين، وتقديم ضمانات أمنية للمستوطنين الفرنسيين للهجرة إلى الجزائر.

فرض الفرنسيون نمطا جديدا للاغتراب عنوانه الهيمنة على الطبيعة، وتصنيع مجال بيئي خاص بالأوروبي فقط، حيث يمكن البقاء تحت ظل استعماري مستدام، ما سمح باستصدار قوانين تمييزية تجاه المحلي.

فالبيئة نفسها أصبحت عبئا على الجزائريين، الذين رأوا كيف يشوه الاحتلال الفرنسي أرضهم ويزينها بكل ما هو غريب، حتى إن دراسته الاستشراقية عن بيئة الجزائر كانت ترسم ملامح جامدة ومتخلفة وفوضوية، لشرعنة بناء المستوطنات ومنح أشجار الفيكوس ظلا للاستعمار.

سعت فرنسا إلى "أَوربة مستعمراتها" بخلق مدن حضرية معمارية تتزين بأشجار دخيلة عن الطبيعة المحلية، وذلك لسلب الذاكرة البصرية للسكان الأصليين وإعادة تشكيل المجال البيئي، ومنح صيغة طبيعية للشرعية التاريخية للاحتلال، حيث تمثل أشجار الفيكوس حضورا مستداما للاستعمار، وذاكرة ناعمة بين المستعمِر والمستعمَر، تشهد أن الاحتلال الفرنسي سعى لصناعة جغرافيا مستوطنة ضمن سياسات الأقلمة والأرض المحروقة.

تقوم فكرة احتلال الأرض على انتزاع أي رمز لما يرسخ الهوية الإنسانية والتاريخية للسكان الأصليين، فالاستعمار لا يمكنه التجاوب مع أي ثقافة ممتدة في بعدها الاجتماعي والطبيعي، فهو يرى أن البيئة مجال حيوي للهيمنة على الآخر، شأنها شأن اللغة والدين والأدب والتاريخ.

وهذا ما حصل في الجزائر من تغيير ممنهج للبيئة زمن الاحتلال الفرنسي، وما يحدث الآن في فلسطين المحتلة، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض سياسات بيئية لتهجير الفلسطينيين وتثبيت حضورها الاستعماري هناك. فمنذ عام 1965 سعى الاحتلال الصهيوني إلى فرض سياسات الأقلمة عبر مجموعة من القوانين التخطيطية المنظمة لعملية الاستزراع.

إن جوهر الاستعمار لا يعترف بأي هوية للأرض، إذ تقوم سياساته على إعادة التشكيل والهيمنة، حتى على مستوى الطبيعة نفسها، إذ يمكن فهم حضور الفيكوس في الذاكرة الحضرية الاستعمارية بوصفه ملمحا بصريا ارتبط بتاريخ إعادة إنتاج المكان.

السبت، 31 مايو 2025

كيف نهبت فرنسا ثروات الجزائر وبنت حضارتها على الدم؟!

كيف نهبت فرنسا ثروات الجزائر وبنت حضارتها على الدم؟!

الأدب يُصوّر الجريمة

استاذ الإعلام بجامعة القاهرة

 تحتاج الأمة إلى علماء وأدباء يعيدون كتابة تاريخها برؤية جديدة، ويمنحونها الذاكرة التي تمكنها من بناء علاقات عادلة مع دول الغرب، ومن أهم الحقائق التي ينبغي أن تعيها الأمة، أن التقدم الغربي قد بُني على نهب ثروات الشعوب واستغلال دمائها، ومن هنا لا بد من فتح هذا الملف بقوة، ولنبدأ بالاستعمار الفرنسي للجزائر، كمرحلة أولى في كفاح جديد يكمل ثورة الاستقلال.

يمكن للأدباء أن يكونوا في طليعة معركة العدالة التاريخية، من خلال تصويرهم للظلم الذي تعرّض له الشعب الجزائري من مختلف الزوايا، بما يشكل أساسًا لمطالبة فرنسا باسترجاع ما نهبته ظلمًا، فالتصوير الأدبي للتاريخ قادر على تعميق وعي الأمة بحقوقها.

أموال منهوبة وتقدّم زائف

تُظهر الحقائق التاريخية أنه لا حق للغرب في التفاخر علينا بتقدّمه، فهو تقدم شُيّد من ثرواتنا ودمائنا، فقبل احتلال الجزائر كانت فرنسا على وشك الإفلاس وتعيش في فقر مدقع، لكنها سرعان ما نهبت احتياطات الذهب والفضة ومخازن داي الجزائر التي ضمّت أطنانًا من الذهب، كما اغتصبت ممتلكات الجزائريين وثرواتهم المعدنية.

وقدمت فرنسا جزءًا من هذه الأموال لدول أوروبية مقابل مشاركة جيوشها في العدوان على الجزائر، بعد أن أوشك الأمير عبد القادر الجزائري ورجاله على هزيمة الجيش الفرنسي، فاستغاثت فرنسا بالدول الأوروبية “باسم المسيحية” لمحاربة المسلمين.

باريس الجديدة.. بدماء الشهداء

حرقت الجيوش الأوروبية المدن والقرى الجزائرية حتى تمكنت من كسر مقاومة عبد القادر، وبمجرد أن أحكمت فرنسا سيطرتها، أعلن نابليون الثالث عن مشروع بناء “باريس الجديدة”، وزيّن مداخل قصورها بجماجم الشهداء الجزائريين.

وعندما سُئل عن مصدر تمويل المشروع، أجاب: “من الأموال والثروات التي حصلنا عليها من الجزائر”، وهذا تصريح صريح بالنهب المنظّم.

الأدب يكشف الحقيقة رغم الرقابة

فرضت فرنسا، التي تتغنى بحرية الرأي، رقابة صارمة لمنع نشر الحقائق حول نهب الجزائر، لذلك لجأ الأدباء إلى الرموز للتعبير عن مواقفهم، وكان فيكتور هوغو -المعارض للاستعمار- من أبرز هؤلاء.

عُرف هوغو بنقده الاجتماعي، وصوّر في روايته البؤساء واقع البؤس الفرنسي، وقد نُفي عام 1851 إلى بروكسل ثم إلى جزيرتي جيرزي وغيرنزي، حيث قضى 19 عامًا في المنفى، بسبب رفضه لانقلاب نابليون الثالث على الديمقراطية، واتهامه له بالخيانة. في رسائله من المنفى، هاجم هوغو العدوان الفرنسي على الجزائر.

هوغو يرفض الإبادة باسم فرنسا

في خطبة له عام 1845 أمام الجمعية الوطنية الفرنسية، هاجم هوغو المذابح التي ارتكبها الجيش الفرنسي في الجزائر، وقال: “كل شيء أُبيد بالنار باسم الشعب الفرنسي”.

وفي رسالة من المنفى، كتب: “ما نسميه فتح الجزائر ليس سوى إبادة منظّمة. هل يمكن أن نحرق القرى، ونخنق الناس بالدخان في الكهوف، ونطردهم من أرضهم، ثم نزعم أننا جئناهم بالحضارة؟! هذا نفاق لا يمكن تبريره”.

وكان يشير إلى ما عُرف بـ”جريمة الدخان”، حين أحرق الجيش الفرنسي المقاومين أحياء في الكهوف.

القانون كأداة للقمع

في رواية البؤساء، أدان هوغو القمع باسم القانون، قائلًا: “ما يسمى بالنظام ليس إلا جريمة منظّمة ضد الضعفاء… فما الفرق بين عصابة لصوص بزي رسمي، وأخرى بلا زي؟”.

وأضاف: “فرنسا تتباهى بنشر الحضارة، لكنها في الجزائر تزرع الموت وتحصد البؤس. فالحضارة لا تأتي على ظهر المدافع”.

وقال في نص آخر: “أصبحنا أسيادًا على أرض لم نستأذن أهلها في دخولها، نقتل ونصادر، ونزعم أننا نحمل النور، ولكن النور لا يُفرض بالسيف، والعدل لا يولد من المدافع”.

فرنسا على جماجم الأبرياء

في مذكراته الإنسانية المقهورة (1853)، كتب هوغو: “هناك أمة تبكي جنوب المتوسط. أمة جُردت من أرضها باسم العلم، وفُرضت عليها لغة ليست لغتها، وقُتلت وهي صامتة… تلك أمة الجزائر، ونحن الجلادون الذين ندّعي الحضارة”.

وفي رسالة أخرى من منفاه، قال: “أخجل أن أقول إن فرنسا التي تكتب الشعر وتغني للحرية، هي نفسها التي تحاصر قرية جزائرية وتحرقها عن بكرة أبيها”.

وأشار إلى مذبحة ارتكبها الجنرال بيليسييه، حين حاصر 500 جزائري في كهف وأحرقهم بالدخان، مؤكدًا: “هذا ليس فعلًا عسكريًا، بل جريمة ضد الإنسانية، وكل من يسكت عنها فهو شريك فيها”.

وفي ديوانه أسطورة العصور، قال:
“قالوا إنهم أتوك بالنور،
لكنهم أتوك بالنار والسيوف…
فبأي حضارة يتكلمون؟!”.

الزيف الحضاري

رفض هوغو مظاهر الرفاهية الزائفة في فرنسا، التي بُنيت على حساب المستعمرات والفقراء، قائلًا: “الإمبراطور يصنع الحدائق في باريس، ويزرع المدافع في الجزائر”،
وهكذا ربط بين ثروة باريس ونهب المستعمرات، معتبرًا ذلك زيفًا حضاريًا يخفي جرائم بشعة، وبأن هذه “الحضارة” قامت على أنقاض شعوب مسحوقة.


الأحد، 9 يونيو 2024

العربي التبسي..

العربي التبسي.. 

قاوم الاستعمار الفرنسي لبلاده فأذابه بالزيت المغلي






الجزائر: استعادت الجزائر في الأيام القليلة الماضية بعض جماجم قادة المقاومة الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي (1830-1962)، إلا أنها لا تزال تجهل مكان العديد من الضحايا، وعلى رأسهم العالم الشهير العربي التبسي الذي قتل بطريقة بشعة جدا.

الشيخ العربي التبسي كان عالما فقيها في علوم الدين، جمع بين النشاط العلمي والدعوي والتعبئة للجهاد “الكفاح”، إبان ثورة التحرير (1954-1962)، ضد فرنسا التي لجأت إلى تصفيته برميه في قدر زيت مغلي، لإسكات صوته.

** المولد والنشأة


في قرية أسطح، جنوب غرب محافظة تبسة (أقصى الشرق الجزائري) الحدودية مع تونس، ولد الشيخ العلامة العربي التبسي، واسمه الكامل، العربي بن بلقاسم بن مبارك بن فرحات جدري في الفاتح يوليو/تموز من عام 1891، ولقب بالتبسي نسبة إلى مدينته تبسة.

وحسب أرشيف جمعية العلماء المسلمين التي كان من أبرز قادتها فيما بعد، ينحدر العربي التبسي من أسرة فلاحية لكنها متدينة، “فأبوه وجده من حفظة كتاب الله، ومدرسيه عالمين بالدين واللغة العربية”.

حفظ العربي التبسي، القرآن الكريم على يد والده، ليلتحق عام 1907، بزاوية سيدي ناجي بمنطقة الأوراس (شرق الجزائر)، ومنها بعد ثلاث سنوات انتقل إلى تونس، وبالضبط إلى زاوية مصطفى بن عزوز الشهيرة حيث اتقن علوم الفقه والأصول والمنطق واللغة العربية والأدب.

نباهته واجتهاده، أوصلاه إلى جامع الزيتونة بتونس، الذي التحق به سنة 1914، حيث نال شهادة الأهلية.

بعد سبع سنوات التحق العربي التبسي بجامع الأزهر الشريف حيث واصل تعليمه، لينال شهادة العالمية ثم عاد إلى تونس سنة 1927 لينال شهادة التطويع المؤهلة لمزاولة مهنة التدريس.

** العودة إلى الجزائر

بعد 17 سنة من الغربة، عاد العربي التبسي إلى بلده الجزائر، وبالضبط إلى قريته حيث اتخذ من مسجد صغير مركزا لنشاطه التعليمي والدعوي، ومنه إلى مسجد المحافظة الأكبر، وبه بدأت أولى صداماته مع الاستعمار الفرنسي، حيث ضايقته السلطات الاستعمارية وضيقت عليه فعاد إلى مسجده الأول.

داع صيت العربي التبسي، وكان من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي قادت عملية إصلاحية عميقة خلال الفترة الاستعمارية.

وتوجهت إليه الأنظار لشغل الفراغ الذي خلفته وفاة العلامة عبد الحميد ابن باديس (1940)، وتولى رئاسة الجمعية نيابة عن الشيخ البشير الإبراهيمي سنة 1952، وأسندت له قبل هذا التاريخ مهمة رئاسة معهد عبد الحميد ابن باديس بمحافظة قسنطينة (شرق)، إلى غاية إغلاقه من قبل الاستعمار الفرنسي سنة 1956.

** حربه على الاستعمار


دعا العربي التبسي، إلى الجهاد (الكفاح) ضد الاستعمار الفرنسي منذ عودته إلى الجزائر سنة 1927، حيث عرف بكرهه الشديد لفرنسا، وينقل عنه قوله: “من عاش فليعش بعداوته لفرنسا، ومن مات فليحمل معه هذه العداوة إلى القبر”.

وقال عنه المؤرخ محمد الأمين بلغيث في إحدى المحاضرات: ” أهله في تبسة معروفين بالشدة، فأخذ منهم هذه الصفة”.

سجن العربي التبسي لمدة 6 أشهر خلال الحرب العالمية الثانية، بتهمة التحريض والتآمر مع الألمان ضد الدولة الفرنسية.

وأعيد اعتقاله بنفس التهمة في مظاهرات 08 مايو/آيار 1945، وأفرج عنه سنة 1946 في إطار عفو عام أعلنته السلطات الاستعمارية.

اشتدت مواقفه المناهضة لفرنسا، حيث أفتى عقب اندلاع ثورة التحرير في الفاتح نوفمبر/تشرين الثاني 1954، بأنّه “لا يجوز لأيّ مسلم بدون عذر أن يتخلف عن الجهاد”.

** مشاركته في الثورة

انتقل العربي التبسي، سنة 1956 إلى الجزائر العاصمة، حيث واصل عمله الدعوي والتعبوي ضد الاستعمار الفرنسي من حي بلكور الشهير.

دعمه الكبير للثورة بالتوعية وجمع الأموال، جعله هدفا لبطش الاستعمار، وخوفا على حياته نصحه أحد كبار قادة الثورة عبان رمضان، بمغادرة الجزائر، فرد عليه الشيخ: ” إذا خرجنا كلنا من الجزائر فمن يبقى مع الشعب”.

وينقل موقع جمعية العلماء المسلمين، عن الدبلوماسي الجزائري الأسبق والمجاهد صالح بن القبي ” أن بن يوسف بن خدة (أحد كبار قادة الثورة)، سلمه جواز سفر، وأمره أن يذهب به إلى العربي التبسي الذي كان يسكن بالقصبة من أجل أن يغادر البلاد، نظرًا للخطر الذي يحدق به، فرفض الشيخ العربي التبسي استلام الجواز، فأرجعه إلى بن خدة”.

ومن أقوال العربي التبسي : “لو كنت في صحتي وشبابي، ما زدت يوما واحدا في المدينة، أُسرِع إلى الجبل، أحمل السّلاح وأقاتل مع المجاهدين”.

** الاختطاف والاغتيال

أمام تصلب موقفه المعادي للاستعمار وبعد فشل كل محاولات إسكات صوته، اقتحمت فرقة من المظليين من الجيش الفرنسي منزله ليلا، يوم الخميس المصادف لـ 04 أبريل/نيسان من سنة 1957، واقتادته من فراشه بوحشية دون مراعاة كبر سنه ومرضه إلى وجهة مجهولة.

وذكرت جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين يومها، أن الجنود الفرنسيين اقتادوا “الشيخ حاسر الرأس حافي القدمين، والمفاجأة كانت في اليوم التالي عندما سئل عنه في الإدارات الاستعمارية حيث تبرأت كلها من وجوده عندها أو مسؤوليتها عن اختطافه”.

اختفى الشيخ العربي التبسي من يوم اختطافه، ولا يزال قبره مجهولا لغاية اليوم.

ومن أشهر الروايات على اغتياله، أن السلطات الاستعمارية، وضعته في قدر معبئة بزيت السيارات والإسفلت، ووضع على النار لدرجة الغليان وخير بين وضعه داخل القدر أو التراجع عن دعم الثورة، فاختار الشهادة.

الأناضول

السبت، 23 سبتمبر 2023

صحفية كشفت تورط المخابرات الفرنسية في قتل مدنيين بمصر: تلقيت دعما كبيرا في قضيتي

صحفية كشفت تورط المخابرات الفرنسية في قتل مدنيين بمصر: تلقيت دعما كبيرا في قضيتي 

ثمّنت الصحفية الفرنسية أريان لافريلو الدعم الكبير الذي تلقته في قضيتها عندما تم احتجازها في بلدها فرنسا لمدة يومين، وقالت “أشكر هذا الدعم الذي أتاني من مصر”.

وقالت خلال مقابلة مع برنامج “هاشتاج” على شاشة الجزيرة مباشر اليوم الجمعة، إنها عملت صحفية لمدة 5 أعوام في القاهرة، وإنها أحبت مصر كثيرًا.

وكان موقع (ديسكلوز) قد نشر عام 2021 تحقيقًا أثار ضجة واسعة لدى الرأي العام المحلي والعالمي بعد أن كشف تورط المخابرات الفرنسية في مساعدة السلطات المصرية في مقتل مدنيين على الحدود مع ليبيا بعملية أطلق عليها اسم “سيرلي”.

وذكرت الصحفية أريان لافريلو أن التحقيق الذي نشرته تناول التعاون بين فرنسا ومصر، وقالت إن الحشد الإعلامي الذي حدث حول العالم لقضيتها دعمها كثيرًا، وقالت “في حجزي تلقيت دعمًا كبيرًا من قبل الصحفيين في هذه القضية”.

وأشارت إلى أنها كانت كثيرًا ما تغطي موضوع احتجاز الصحفيين المصريين الذين يتم احتجازهم وتعذيبهم، وفي حالتها تلقت دعمًا كبيرًا وقالت “أشكر هذا الدعم الذي أتاني من مصر خاصة وأن هناك مخاطر كثيرة للصحفيين الذين يعيشون في مصر أو حتى في المنفى عندما يتعلق الأمر بدعمهم لحقوق الإنسان”.

وبخصوص السلطات الفرنسية قالت إن نشر مثل هذا التحقيق يعد جريمة في فرنسا، ويعاقب عليه بالسجن 5 أعوام وغرامة كبيرة، وقالت إن الاستخبارات الفرنسية هي من احتجزتها وليس الشرطة العادية.

وردًا على سؤال حول الرسائل التي أرادت السلطات الفرنسية توجيهها لها، قالت إن هناك قوانين في فرنسا تسمح بذلك، لكنهم تمادوا في هذه الإجراءات عندما تم تفتيش منزلها واحتجازها.

وقالت “الشرطة تمادت تحت دعوى حماية سرية المسائل الدفاعية”.

وعن رد فعل السلطات الفرنسية بعد نشر تحقيقها، قالت الصحفية إن ما لا يصدق في هذه المسألة أن وزير القوات المسلحة الفرنسية أطلق تحقيقًا، لمعرفة مصادر هذه المعلومات.

وفي سؤال حول ما إذا كان التقرير يدين فرنسا قانونيًا بمقتل مدنيين مصريين، قالت الصحفية إنه تم تقديم شكوى من قبل منظمات مصرية غير حكومية ومصريين في المنفى أمام المحاكم الفرنسية، لكن القضاء الفرنسي رفض هذه الشكوى، ولا توجد قضايا الآن بهذا الخصوص في فرنسا.

وقالت إن هناك محاولات جرت لإجراء تحريات، ولكن تم منعها وهذه هي الرواية التي نشرتها الحكومة الفرنسية، “ولم تتم مساءلة من قاموا بهذا العمل والتعاون مع السلطات المصرية في هذا الأمر، وتمت مساءلتي وتوقيفي ومن قام معي بهذا التحقيق”.

وبخصوص توقيف عدد من الصحفيين الفرنسيين، وخطر ذلك على حرية الصحافة في فرنسا قالت إن هناك زيادة في الهجوم على الصحفيين الذين يكتبون في مختلف الشؤون في فرنسا وزيادة في اعتقالات الصحفيين تحت رئاسة إيمانويل ماكرون، وقالت إنه أعطى الضوء الأخضر للشرطة والقضاء بأن تقوم بمختلف أعمال الترهيب بحق الصحفيين.

وعن ظروف اعتقال الزميلين ربيع الشيخ وبهاء إبراهيم قالت الصحفية، إن حرية الصحافة في مصر وفرنسا مهمة جدًا، وأضافت أن هناك محاولات لمحاربة الإرهاب تحدث بسببها سلبيات كثيرة وهذا أمر يبعث على القلق.



الجمعة، 1 سبتمبر 2023

دمياط والحملات الصليبية.. قرن من الملاحم


دمياط والحملات الصليبية.. قرن من الملاحم

فريق العمل

تقع مدينة دمياط في شمال مصر، قرب ملتقى البحر الأبيض المتوسط بأحد فرعيْ نهر النيل الشهيريْن، والذي يحمل اسمها. ودمياط من المدن القليلة التي لم تسرق القرون وجودها، وتدفعها حركة الأيام إلى زاوية مظلمةٍ في كتاب الواقع والتاريخ، فهي ما تزال إحدى أهم الموانئ المصرية، وموئل صناعة الأثاث الهامة.

لكن في العصور الوسطى، لاسيَّما في قرنيْ الصراع الإسلامي – الصليبي في الشرق، كان لدمياط حضور أكثر بروزًا من الناحية العسكرية، فقد كانت أهم الثغور الساحلية المصرية على البحر الأبيض المتوسط، وكانت هدفًا أساسيًا في خطط الصليبيين المتكررة للاستيلاء على مصر، فقد كان الانقضاض على ثغر دمياط بأسطول كبير يحمل جيشًا جرارًا، ومن ثم النفاذ منها إلى قلب مصر عبر النيل، مُغريًا دائمًا للصليبيين.

في هذه الجولة التاريخية سنسلط الأضواء على أبرز تلك الغزوات الصليبية التي استهدفت مصر عبر بوابة دمياط، وكيف سرقت تلك المدينة الصاخبة بالسيوف قبل البضائع أضواء التاريخ في فترة حاسمة من تاريخ العصور الوسطي، والصراع الطويل بين الشرق الإسلامي والغرب الصليبي.
صلاح الدين.. الوزير الشاب ومعركة الدفاع عن دمياط

وألح الفرنج على أهل دمياط وضايقوهم، والناس فيها صابرون في محاربتهم. وبعث صلاح الدين إلى نور الدين يستنجده، فجهز إليه نور الدين العساكر شيئًا بعد شيء، وخرج بنفسه إلى بلاد الفرنج بالساحل وأغار عليها واستباحها *المقريزي.. أحداث عام 565 هـ، كتاب «اتعاظ الحنفا بذكر الأئمة الفاطميين الخلفا».

في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي (الموافق السادس الهجري) كانت مصر على موعدٍ مع انقلابٍ تاريخي كبير، إذ آلت الخلافة الفاطمية الشيعية، التي هيمنت على مصر واتخذتها خاصرتها الكبرى لأكثر من قرنين، إلى الزوال، وعادت مصر اسميًا تحت حكم الخلافة العباسية السنية، ممثلة في القائد الطموح صلاح الدين الأيوبي، بعد حلقاتٍ مثيرة من الصراع.

على مدار سنواتٍ خمس شهدت أرض مصر ثلاث مواجهاتٍ بين قوات مملكة بيت المقدس الصليبية يقودها الملك الطموح أمالريك، وقوات الملك العادل نور الدين محمود تحت قيادة أسد الدين شيركوه، وابن أخيه الشاب صلاح الدين الأيوبي. انتهت المواجهتيْن الأولييْن بما يشبه التعادل، أما الثالثة فرغم اقتراب الصليبيين في بدايتها من انتزاع الهيمنة على مصر، إلا أنها انتهت بانتصار شيركوه وابن أخيه عام 564 – 1169م، وتوحُّد مصر والشام للمرة الأولى منذ عقود، رغم وجود بعض التعقيدات السياسية في المشهد.

عيَّن الخليفة الفاطمي العاضد شيركوه وزيرًا لمصر بصلاحياتٍ واسعة، وكحلٍّ وسط، أصبح الخطباء يوم الجمعة يدعون لكلٍ من الخليفة العاضد، وللملك العادل. في ذلك الزمن كانت هذه علامة الولاء السياسي الأهم. لكن ما لبث شيركوه أن تُوُفِّي بعد أسابيع قليلة، فعيَّن العاضد ابن أخيه صلاح الدين في موقع الوزارة خلفًا له.


كانت التحديات الداخلية تحيط بوزارة الشاب صلاح الدين، فقد اعتبره معظم الأمراء الفاطميون دخيلًا على مصر، يهدد بانتزاع كل ما تحت أيديهم من سيادةٍ ونفوذ وأموال لا تحصى، فأشعلوا العديد من الثورات والقلاقل ضد صلاح الدين. بالتوازي، لم ينسَ الصليبيون هزيمتهم المذلة في مصر، ورأوا في عودتها لأول مرة منذ عقود لمعادلة الصراع الإسلامي – الصليبي خطرًا وجوديًا، فقرروا التحرك سريعًا لانتزاع مصر من قبضة صلاح الدين قبل أن يستقر وضعه على رأس هرم السلطة فيها.


عام 565هـ – 1170م، وبينما لم يمر عام واحد على وزارة صلاح الدين الأيوبي، اكتمل تنفيذ خطةٍ خطيرةٍ للاستيلاء على مصر عبر الاستيلاء على دمياط. شهد ذلك المخطط لأول مرة تحالفًا عسكريًا بين الصليبيين في الشام، وصقلية، وإسبانيا وغيرها، والدولة البيزنطية، وهو ما تجاوز – ولو إلى حين – الخلافات المذهبية العميقة، وتضارب المصالح السياسية بين الجانبين. فقد اتفقَ الجانبان على عدم السماح لبروز قوةٍ إسلامية صاعدة في مصر والشام، تقلب الموازين القائمة في منطقة شرقي البحر المتوسط.

وصلت القوات الصليبية إلى دمياط على متن أكثر من ألف سفينة وقارب، وفرضت حصارًا بريًّا وبحريًا على المدينة. أرسل صلاح الدين الأيوبي من القاهرة مددًا كبيرًا لتعزيز صمود المدينة المحاصرة، بقيادة ابن أخيه الأمير تقي الدين عمر، وخاله شهاب الدين الحارمي، وأنفق من الخزانة ما يقارب ألف ألف دينار لدعم الجهود الحربية، واستمرَّ وصول الإمدادات إلى المدينة عبر النيل. لكن لم يستطِع صلاح الدين أن يتوجه بنفسه إلى دمياط لقيادة جهود الدفاع، خوفًا من اضطراب الأحوال في القاهرة في غيابه، واستغلال خصومه الفرصة للانقلاب.

ما إن وصلت أنباء حصار دمياط إلى الملك العادل نور الدين في الشام، حتى بادر بتعبئة جيوشه، وشن هجماتٍ عديدة ضد الصليبيين في الشام، وذلك لتخفيف الضغط عن قوات صلاح الدين في مصر، وتشتيت انتباه الصليبيين، وإجبارهم على الحرب في جبهتيْن في آن.

استمرَّ القتال أكثر من 50 يومًا، عجز خلالها الصليبيون عن اختراق أسوار المدينة الحصينة، رغم استخدامهم آلات الحصار والمجانيق، فبدأت الخلافات تدب بين قادتهم لاسيّما مع وصول الأنباء عن غارات قوات الملك العادل نور الدين على المناطق الصليبية في الشام، وعجزها عن الدفاع الفعَّال لوجود معظم قواتها في معركة دمياط. كذلك بدأت الأمراض تفعل فعلها في معسكرات الصليبيين، كما تسبَّبت الظروف الجوية في غرق الكثير من السفن والمراكب؛ مما صعّب وصول الإمدادات إلى قواتهم.

رفع الصليبيون حصارَهم عن دمياط، وانسحبوا عبر البحر مخلِّفينَ وراءهم الكثير من الأثقال والمجانيق التي عجزوا عن حملها لنقص السفن والمراكب. أقيمت الاحتفالات بالنصر أيامًا في القاهرة وفي الشام، وتعزَّز موقف صلاح الدين الأيوبي في مصر كثيرًا.
الكامل الأيوبي والحملة الصليبية الخامسة.. القدس ودمياط على الميزان

هُوَ الْكَامِل الْمولى الَّذِي إِن ذكرته ـــــــ فيا طرب الدُّنْيَا وَيَا فَرح الْعَصْرِ

بِهِ ارتجعت دمياطُ قهرًا من العِدى ـــــــ وطهر بِالسَّيْفِ وَالْملَّة الطُّهْرِ

لَك الله من ملك إِذا جاد أوسطا ــ فناهيكَ من عُرفٍ وناهيك من نُكْرِ

*بهاء الدين زهير مادحًا الملك الكامل الأيوبي بعد انتصاره على الصليبيين واستعادة دمياط عام 1221م.

عام 614 هـ – 1217م اجتمعتْ قواتُ الصليبيين في مدينة عكا، التي كانت تمثّل عاصمة الوجود الصليبي في الشرق استعدادًا لغزو مصر. وصلت أنباء الحملة الصليبية إلى الملك العادل الأيوبي – أخي صلاح الدين الأيوبي – فخرج بقواته إلى فلسطين لقطع الطريق أمام الصليبيين قبل أن يهددوا بيت المقدس، أو يتوغَّلوا في البلاد. استغلَّ الصليبيون الزيادة العددية لصالح جيوشهم، فهاجموا الكثير من مناطق فلسطين والشام ونهبوها دون أن ينتزعوا السيطرة على أي هدفٍ كبير، بينما تحصَّن العادل بقواته قرب دمشق انتظارًا لوصول الأمداد من مختلف مناطق الدولة، ثمَّ ما لبث الوضع في الشام أن استقرَّ؛ لأن تلك المعركة كانت عَرَضية، فالهدف الرئيس للصليبيين كان مصر، عبر بوابة دمياط.

في العام التالي رست المئات من سفن الصليبيين على ساحل دمياط، وأنزلت الآلاف من الجنود والفرسان من الألمان والفرنسيين وسواهم، تحت قيادة حنا دي برين، ملك بيت المقدس الذي كان يقيم في عكا، العاصمة الفعلية بعد استعادة المسلمين للقدس.

كان يفصل قوات الصليبيين عن المدينة نهر النيل الذي يصب في البحر المتوسط في تلك البقعة، والذي كان يحول دون إبحارهم عبرَه إلى القاهرة مباشرة، وجود سلاسل من الحديد تغلق مدخل النيل من البحر، ويحرسها حصنٌ منيع، يسمى حصن السلسلة.

شرع الصليبيون في تحصين مواقع تمركزهم، وبناء آلات الحصار والمجانيق لاستهداف حصن السلسلة الذي يحمي مدخل النيل، وتحول دفاعاته دون قيامهم بقص السلاسل الحديدية لاختراق النيل. وصل الأمير الكامل بن العادل إلى ظاهر دمياط بقواته، وكان واليًا لأبيه على مصر، لينظم الدفاع عن الميناء الهام، وصمد الحصن لأكثر من أربعة أشهر، رغم القصف الصليبي المتواصل، ووصلت إلى الصليبيين في دمياط إمدادات جديدة أرسلها بابا روما بقيادة الكاردينال بلاجيو شديد التعصب والحماسة.

نجح الصليبيون آخر المطاف في السيطرة على حصن السلسلة، ومن ثمَّ قطعوا السلاسل الحديدية، واخترقوا حاجزًا أقامته قوات الكامل على النيل على مسافةٍ قليلة من السلاسل، فما كان من قوات الكامل، إلا أن قامت بإغراق عدة سفن كبيرة في مجرى النيل لتعطيل الملاحة عبره جنوبًا صوب معسكر الكامل.

حتى ذلك الحين، لم تكن مدينة دمياط نفسها واقعة تحت الحصار العسكري المباشر، إذ كان النيل يفصل بينها وبين قوات الصليبيين، وكانت قوافل الإمداد تصل إليها برًا من حين لآخر، كما كان أهلها يشعرون بالاطمئنان لوجود قوات الكامل التي تحول دون عبور الصليبيين النيلَ إلى المدينة، رغم الغلاء الشديد الذي بدأ يعصف في المدينة مع تطاول الحرب، وتناقص الإمدادات داخلها.

الحملة الصليبية الخامسة


في ذلك العام 615 هـ – 1218م حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ تُوُفّي سلطان مصر والشام الملك العادل الأيوبي، وذكرت بعض المصادر أن سبب وفاته هو اغتمامه لأنباء سقوط حصن السلسلة في دمياط. اضطربت الأحوال في الدولة، ووصلت الأنباء المفزعة إلى الأمير الكامل المنشغل بمعركة دمياط بأن أحد الأمراء في القاهرة – اسمه ابن المشطوب – حاول استغلال الفرصة مع بعض حلفائه للقيام بانقلاب عسكري في القاهرة، وانتزاع ملك مصر من الكامل، ومنحه إلى أخٍ للكامل يلقَّب بالفائز، لكي يحكموا فعليًا من ورائه.

ترك الكامل معسكره جنوبي دمياط على عجل، وعاد إلى القاهرة لضبط الأوضاع، فاضطربت الأحوال في دمياط، وفرَّ الكثير من أهلها وحاميتها، فاستغلَّ الصليبيون الفرصة السانحة، وعبروا النيل دون مقاومةٍ، واستولوْا على المدينة، وأعملوا القتل والسلب والنهب فيمن لم ينجح من أهل دمياط في الفرار، وهكذا سقطت دمياط بعد 16 شهرًا من بدء حصارها بهذا السيناريو الغريب، بعد صمودٍ عسكري طويل.

نجح الكامل في ضبط الأوضاع في القاهرة لصالحه، لاسيَّما مع وصول مددٍ كبيرٍ من الشام له بقيادة أخيه الملك المعظَّم عيسى، ونُفيَ ابن المشطوب إلى الشام. لكن ما لبث عيسى أن عاد إلى الشام، وخرَّب أسوار بيت المقدس، لكي لا يتمكن الصليبيون من الدفاع عنها في حال استيلائهم عليها. وشدَّد الكامل قبضته على مصر، وعلى القاهرة خصيصًا، ومنع خروج الناس منها، بعد أن خشى من أي يتسبَّب الهلع من تقدم الصليبيين في فرار الكثيرين إلى مناطق داخلية بعيدة، وإضعاف الموقف الدفاعي.

عسكر الصليبيون في دمياط، ورممّوا أسوارها وتحصيناتها، ليجعلوا منها معقلًا حصينًا، ومنطلقًا لاستكمال هجومهم على مصر، وبدأوا في شن الغارات على المناطق القريبة من دمياط، للاستيلاء على كل ما تطاله أيديهم، لكن لم تحدث مواجهة كبرى فاصلة بينهم وبين الكامل، فأصبح المشهد العسكري أشبه بحالة التعادل «stalemate» في لعبة الشطرنج. واستمرَّت الإمدادات بالرجال والأسلحة تصل إلى الصليبيين من جهة البحر.

خشى الكامل من استمرار سيطرة الصليبيين على دمياط، وتحولِّها إلى كعبةٍ للفرسان الصليبيين القادمين من أوروبا؛ مما يُنذر بنجاحهم في الاستيلاء على مصر عاجلًا أو آجلًا، فعرض على الصليبيين عرضًا سخيًّا مقابل الجلاء عن دمياط، يتضمن تسليمهم بيت المقدس، وعسقلان، واللاذقية، ومعظم ما فتحه صلاح الدين الأيوبي، ما عدا قلعة الكرك الحصينة بالأردن. أراد حنا دي برين الموافقة على عرض الكامل بعد مساومته للحصول على الكرك، و300 ألف دينار، لكن المتعصبين – وعلى رأسهم بلاجيو – رفضوا وأصروا على مواصلة القتال حتى احتلال القاهرة، والقضاء على دولة الأيوبيين. فتعثَّرت المفاوضات.

حرَّض بلاجيو الصليبيين عام 618هـ – 1221م على شن هجوم كاسح للوصول إلى القاهرة، واضطر حنا دي برين إلى الموافقة لعجزه عن كبح جماح بلاجيو، فعسكر الجيش الصليبي إلى الجنوب من دمياط على مقربةٍ من معسكر الكامل في المنصورة.

ارتكب الصليبيون خطأ فادحًا لجهلهم بطبيعة البلاد وظروفها المناخية؛ إذ كان معسكرهم يقع في منطقةٍ منخفضة، فاستغلَّ الملك الكامل تلك الفرصة السانحة التي تزامنت مع موسم فيضان النيل، فأمر بفتح السدود القريبة، فاندفعت مياه الفيضان لتكتسح الأراضي المنخفضة ومنها معسكر الصليبيين الذي تعرض لخسائر جسيمة في الأفراد والمعدات، وأحاطت المياه بالصليبيين من كل جانب، وعجزوا عن الانسحاب شمالًا إلى دمياط؛ إذ وجدوا قوات الكامل قد أغلقت في وجوههم الطريق الوحيد الذي لم تغمره المياه.

في تلك الأثناء استولى الأسطول المصري على قافلة بحرية كبيرة كانت تجلب الإمدادات إلى الصليبيين، فسرى اليأس في نفوسهم مع هذا الانقلاب المفاجيء في الأحوال. حاول الصليبيون مواصلة المفاوضات مع الكامل على قاعدة العرض السخي الذي قدمه لهم قبل أشهر، لكن لم يحظَ هذا المسعى بأي نجاح، فقد وجد الكامل نفسه قد أصبح في موضع قوة، لاسيَّما وقد وصلت إلى مصر إمدادات جديدة من الأفراد والأسلحة من طرف أخويه الأميرين: المعظم عيسى، والأشرف موسى.

لم يجد الصليبيون مفرًّا من مفاوضة الكامل على تسليم دمياط دون شرطٍ سوى ضمان سلامتهم الشخصية، فوافق الكامل على ذلك، وأخذ بعض قادة الصليبيين رهائن، لضمان تسليم حامية دمياط الصليبية المدينة إلى قوات المسلمين.

من المفارقات أن المسلمين تسلموا دمياط وقد غدت أشد تحصينًا، بعد ما أنفقه الصليبيون من جهدٍ ومال في تعزيزها دفاعيًا لتكون معقلًا دائمًا لهم في مصر. كذلك كان قد وصل مدد كبيرٍ عبر البحر إلى الصليبيين بعد أيامٍ قليلة من تسليمها للمسلمين، ولو وصل هذا المدد قبل أيام لتغير مسار معركة دمياط كثيرًا.

دمياط وحملة القديس لويس

أحدثت هزيمة الصليبيين الساحقة على يد قوات سلطان مصر الصالح نجم الدين أيوب في موقعة غزَّة عام 642هـ – 1244م صدمةً هائلة في أوروبا الكاثوليكية، لاسيَّما أنها ثبَّتت استعادة السيطرة الإسلامية على بيت المقدس، الهدف الرئيس للحملات الصليبية على المشرق.

أيَّد بابا روما إينوسنت الرابع ما أعلنه لويس التاسع ملك فرنسا من عزمه قيادة بحملة صليبية كبرى – عُرِفَت بالحملة الصليبية السابعة – لاستعادة ما فقده الصليبيون في الشرق، لكن استغرق إعداد تلك الحملة شهورًا طويلة، لاسيّما مع انشغال الأوروبيين بالخطر المغولي الذي كان يستهدف شرقي أوروبا في تلك الفترة، وببعض الصراعات الداخلية بين ملوك أوروبا، كالصراع بين فرنسا وإنجلترا.

عام 647هـ – 1249م وصلت قوات الحملة الصليبية إلى جزيرة قبرص، استعدادًا للانقضاض منها على مصر، عبر دمياط أيضًا. لما ترامت الأنباء إلى سلطان مصر آنذاك الصالح أيوب بن الكامل، عزَّز حامية دمياط بالمقاتلين والإمدادات الكافية لتحارب الصليبيين أشهرًا، ووضعها تحت قيادة الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ، وعسكر بقواته في المنصورة إلى الجنوب من دمياط، لقطع الطريق أمام الصليبيين لغزو القاهرة إذا نجحوا في احتلال دمياط. وأقام في قصرٍ أقامه أبوه الكامل إبان الغزوة الصليبية السابقة على مصر قبل أكثر من 30 عامًا.


الصالحُ الملكُ الذي لِزمانِه … حُسنٌ يتيهُ به الزمانُ ورَوْنقُ

مَلِكٌ تحدّثَ عن أبيهِ وجَدّه … نسبٌ لَعَمري فى العلا لا يُلحَقُ

*بهاء الدين زهير مادحًا الملك الصالح نجم الدين أيوب.


وقعت بعض المواجهات بين قوات الصليبيين، وحامية دمياط التي خرجت لتواجهَهم خارج الأسوار، لكن لم تسفر تلك المواجهات عن نتيجة حاسمة. لكن وقعت الهزيمة، عندما ارتكب الأمير فخر الدين وقادته خطأً كبيرًا في المناورة بالقوات؛ فتسبَّب بظنِّ أهل دمياط أن الجيش على وشك الانسحاب من المدينة كما حدث في الغزوة السابقة زمن الكامل، فاضطربت أحوال المدينة، وانسحب منها معظم سكانها وحاميتها، واستولى الصليبيون على المدينة الحصينة دون مقاومةٍ تُذكر، وعثروا بداخلها على ما لا يُعَدُّ ولا يحصى من الأسلحة والذخائر والأقوات.

«أما بعد فَإِنَّهُ وصل كتابك، وَأَنت تُهددُ فِيهِ بِكَثْرَة          جيوشك وَعدد أبطالك. فَنحْن أَرْبَابُ السيوف، مَا قُتِل منا قِرنٌ إِلَّا جددناه، وَلَا بغى علينا بَاغ إِلَّا دمرناه. فَلَو رَأَتْ عَيْنَاك – أَيهَا الْمَغْرُور – حد سُيُوفنَا، وَعظم حروبنا،    وفتحنا مِنْكُم الْحُصُون والسواحل، وأخربنا مِنْكُم ديار    الْأَوَاخِر والأوائل، لَكَانَ لَك أَن تعض على أناملك بالندم، ولابد أَن تزل بك الْقدَم، فِي يَوْم أَوله لنا وَآخره عَلَيْك»
، كان هذا رد الصالح أيوب بقلم بهاء الدين زهير، على رسالة لويس التاسع ملك فرنسا مهددا باجتياح مصر.

جُنَّ جنون الملك الصالح، وأمر بإعدام العشرات من قادة حامية دمياط، ووبَّخ الأمير فخر الدين بشدة، وشرع في تعزيز الدفاعات في منطقة المنصورة، لتعطيل تقدم الصليبيين من دمياط إلى القاهرة. وفي المنصورة وعلى مدار أسابيع لم تنقطع الاشتباكات بين الجانبين، وتصاعدت هجمات المتطوعين المصريين والقبائل العربية بأسلوب حرب العصابات ضد مواقع الصليبيين وخطوط إمداداتهم، ووقع العشرات من الصليبيين بين أسير وقتيل كل يوم.

لكن في تلك الأثناء أخذت صحة الصالح أيوب في التدهور رغم العناية الطبية الفائقة التي بُذِلت له، ومات. فأخفت زوجته المملوكة شجر الدر خبر وفاته؛ حتى لا تضطرب نفوسُ المقاتلين في تلك الأوقات العصيبة، بينما أعلمت دائرة ضيقة من كبار القادة ومماليك الملك الصالح بما حدث، وأرسل على وجه السرعة إلى توران شاه بن الصالح، وكان في حصن كيفا جنوبي تركيا الحالية، ليعود على وجه السرعة ليتسلَّم زمام السلطنة، وأخذت تصدر المراسم السلطانية، وتوقعها، ويكأنَّها صادرة من السلطان شخصيًا، ونظَّمت البيعة من الأمراء والمقَدَّمين إلى توران شاه، وأصبح الأمير فخر الدين هو المتصرف في إدارة الدولة والمعركة بجانب شجر الدر.

أما الصليبيون فقد وصلتهم أنباء مرض الصالح الشديد، فأرادوا استغلال الفرصة لحسم المعركة، فتقدموا بالقوة الضاربة لجيشهم جنوبًا حتى لم يفصِل بينهم وبين معسكر المسلمين سوى فرع من النيل يسمى بحر أشموم. تبادل الجيشان القصف بالمجانيق، واشتدَّت أعمال المقاومة الشعبية ضد الصليبيين، وابتكر المصريون طرائق فريدة للإيقاع بالصليبيين، فكان بعضهم يجعل من قشر البطيخ خوذة، ويسبح على تلك الحال إلى مقربة من معسكر الصليبيين، فإذا نزل أحدهم إلى الماء للحصول على ثمرة البطيخ أمسك به وعاد به أسيرًا إلى البر الآخر.

استمرَّت تلك الحال أسابيع، حتى دلَّ بعض العملاء من المعسكر الإسلامي الصليبيينَ على مخاضٍ في بحر أشموم يمكن أن يعبروه بخيولهم، فقام 1400 فارس صليبي يقودهم الكونت دارتوا شقيق الملك لويس التاسع، بمباغتة معسكر المسلمين عبر ذلك المخاض، فتمكنوا من قتل الأمير فخر الدين، والعديد من فرسان المسلمين ومقاتليهم الذين لم يفيقوا من الصدمة بعد، ووصل بعض فرسان الصليبيين إلى بوابة قصر السلطان.

دارت في شوارع المنصورة وأزقتها حرب شوارع حامية الوطيس، واستعاد المسلمون التوازن مع ما أظهره مماليك الصالح من بسالة وشراسة في القتال، لاسيَّما ركن الدين بيبرس البندقداري – السلطان المملوكي الشهير فيما بعد – والذين نجحوا في قتل المئات من فرسان الصليبيين وفي مقدمتهم الكونت دارتوا نفسه. وكانت معركة المنصورة تلك بداية هزيمة الحملة الصليبية على مصر.

وصل توران شاه إلى مصر، فأعلنت وفاة أبيه الصالح، وتقدَّم لقيادة الجيش في المعركة الدائرة. وقام الأسطول المصري بهجوم جريء، إذ فُككت بعض السفن، وحملت على الجمال، ونُصبت في النيل بين دمياط والمنصورة، فباغتت قافلة بحرية كبيرة لإمداد الصليبيين كان قوامها 52 سفينة، وقتل أكثر من ألف صليبي، وانقطع المدد عن القوات الصليبيية في المنصورة، فساءت أحوالها، وتجرأ المقاتلون والمتطوعون المسلمين أكثر في هجماتهم ضد الصليبيين.

حاول لويس التاسع أن يحقق ما عجز عنه عسكريًا عبر المفاوضات، فراسل توران شاه باستعداده لتسليم دمياط مقابل القدس وبعد مناطق الساحل الشامي، فقوبل طلبه برفضٍ قاطع.

مع مطلع العام التالي 648هـ حاولت قوات لويس التاسع الانسحاب شمالًا إلى دمياط، فتتبعهم فرسان المماليك والمتطوعون، وأثخنوا فيهم، ثم دارت موقعة كبيرة في فارسكور جنوب دمياط، قاد فيها توران شاه بنفسه قوات المسلمين، وألحق هزيمة ساحقة بقوات لويس التاسع، قتل فيها أكثر من 10 آلاف من الصليبيين، وأسر الآلاف؛ فأمر توران شاه بقتلهم. أما لويس التاسع فقد وقع في الأسر، واعتقل في دار القاضي فخر الدين بن لقمان في المنصورة.

وبينما تجري المفاوضات بين الصليبيين والمسلمين من أجل تقرير مصير لويس التاسع الأسير، ومدينة دمياط، دبَّ الخلاف بين السلطان توران شاه، ومماليك أبيه الصالح أيوب، لاسيَّما فارس الدين أقطاي، وعز الدين أيبك، وركن الدين بيبرس، وقد حنق المماليك منه لإساءته لزوج أبيه شجر الدر، وتنكره لما فعلته بعد وفاة أبيه من أجل حفظ الدولة انتظارًا لعودته، كما غضبوا لتقديم توران شاه رجاله الذين جاءوا معه من حصن كيفا في المناصب. تطورت الأمور سلبًا إلى حد قيام المماليك بقتل توران شاه قبل أن تمر ثلاثة أشهر على سلطنته، وأقاموا مكانه شجر الدر سلطانةً على مصر، وتلقبت بأم خليل المستعصمية.

أتمت شجر الدر المفاوضات مع لويس التاسع، والتي قضت بتسليم دمياط دون قيدٍ أو شرط، وإطلاق سراح لويس ومن بقي من أسرى جيشه – وكانوا 12 ألفًا – مقابل 400 ألف دينار. وذاعت أبيات للشاعر المصري جمال الدين بن مطروح يخلد فيها الانتصار على جيش لويس التاسع على هيئة حوار يسخر فيه من الملك لويس.


أتيت مصرًا تبتغي مٌُلكهَا … تحسب أَن الزمر يَا طبل ريحْ

وكل أَصْحَابك أودعتَهم … بِحسن تدبيرك بطن الصَّرِيحْ

سَبْعُونَ ألفا لَا يرى مِنْهُمُ … إِلَّا قَتِيل أَو أَسِيرٌ جريح

وَقل لَهُم إِن أزمعوا عودةً … لأخذ ثأر أَو لفعل قَبِيح

دَار ابْن لُقْمَان على حَالهَا … والقيد بَاقٍ والطواشي صبيحْ

والطواشي صبيح هو الشخص الذي كان مكلفًا بحراسة لويس التاسع إبان أسره في دار ابن لقمان. ورغم الهزيمة الساحقة في مصر، فإن الكنيسة الكاثوليكية كانت تقدر لويس التاسع لإيمانه المسيحي الشديد، وجهده الصليبي اللافت، فاعتبرته قديسًا، وحصل على لقب سانت لويس.

جدير بالذكر أن لويس التاسع نظَّم حملة صليبية كبيرة على نمط حملة دمياط، لكن كان هدفها تونس، بعد أكثر من 20 عامًا، لكنه مرض ومات أثناء الحملة، ففشلت في تحقيق هدفها، وأهدى إليه أحد شعراء تونس قصيدة على نهج قصيدة ابن مطروح، فقال:


يَا فرنسيس هَذِه أُخْت مصر … فتأهب لما إِلَيْهِ تصيرْ

لَك فِيهَا دَار ابْن لُقْمَان قبرًا … وطواشيك مُنكرٌ وَنَكِيرْ


الأربعاء، 16 أغسطس 2023

ﺍﻟﺸﻬﻴﺪﺓ : «#ﻋﻠﺠﻴﺔ_ﻓﻮﻏﺎﻟﻲ»

ﺍﻟﺸﻬﻴﺪﺓ : «#ﻋﻠﺠﻴﺔ_ﻓﻮﻏﺎﻟﻲ»

الابتسامة الرائعة التي حرقت ابتسامة الموناليزا ..
✍️2706 ﻫﻮ ﺭﻗﻢ ﺍﻟﺴﺠﻴﻨﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺍﻟﺸﻬﻴﺪﺓ : «#ﻋﻠﺠﻴﺔ_ﻓﻮﻏﺎﻟﻲ» التي واجهت قرار الإعدام بهذه الابتسامة ‼️
💥ﺍﻟﺸﻬﻴﺪﺓ "ﻋﻠﺠﻴﺔ ﻓﻮﻏﺎﻟﻲ" التي تم ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑﺎﻹﻋﺪﺍﻡ ﺳﻨﺔ 1957 بعد أن قضت هذه البطلة بقنبلة يدوية علي 13 ﻓﺮﻧﺴﻲ ..
⚡ كانت علجية تعمل كعاملة نظافة بالمقهى وتم اتهامها بوضع قنبلة في مقهى يرتاده الفرنسيون والتي أسفرت عن هلاك 13 مستوطن فرنسي باقبو بولاية بجاية شمال الجزائر ..
⚡ وخلال التحقيق معها تعرضت للتعذيب دون مراعاة لكبر سنها كما اعتقل ابنها "الحسين" الذي كان معاقاً وبريئاً من العملية لكن تم اعتقاله كعقاب لها ..
💥 وحكم عليهما بالإعدام عام 1957، ونفذ فيهما الإعدام بقطع الرأس بالمقصلة ..
💥ولا يزال رأس علجية حتى يومنا هذا في متحف الإنسان في باريس بجوار رأس #سليمان_الحلبي رحمهما الله ..
تقبلهما الله من الشهداء ..
المصدر :
جريدة ذاكرة الشعب ..

الجمعة، 21 يوليو 2023

ندبة الثمانينيات في ذاكرة عرب فرنسا

 ندبة الثمانينيات في ذاكرة عرب فرنسا



في الثمانينيات ارتكب فرنسيون جرائم قتل بحق أطفال عرب لأسباب تافهة مثل الاستناد على سيارة أحدهم أو اللعب أمام منزله.