الأحد، 1 مارس 2026

اغتيال خامنئي يغير مسار حرب ترامب ونتنياهو على إيران

 اغتيال خامنئي يغير مسار حرب ترامب ونتنياهو على إيران

حلمي الأسمر
"اغتيال علي خامنئي إذن لم يكن فصلا عابرا في حرب قائمة، بل لحظة أعادت تشكيل" المشهد كله"

لم تعد الحرب على إيران كما كانت قبل اغتيال علي خامنئي، لم يكن الحدث مجرد ضربة عسكرية عالية المستوى، بل لحظة فاصلة نقلت الصراع من مستوى "إعادة الردع" إلى مستوى "كسر النظام في رمزه الأعلى". ومع هذا التحول، تغيّرت طبيعة المعركة، وارتفع السقف إلى حدّ لم يعد يسمح بعودة سهلة إلى منطق الضبط المحدود أو الرسائل التكتيكية.

قبل الاغتيال، كان يمكن قراءة المشهد بوصفه تقاطعا بين نزعة دونالد ترامب الصدامية، التي ترى في القوة أداة لصناعة صفقة كبرى، وبين حاجة بنيامين نتنياهو إلى تعويض هزيمة السابع من أكتوبر عبر استعادة صورة الردع الإسرائيلي وصناعة نصر "مبهر" يعوض عن فقدان النصر "الكامل" في غزة. كانت الضربات يمكن أن تُفهم كوسائل ضغط ضمن معادلة تصعيد يمكن إدارتها، أما بعد استهداف رأس النظام الإيراني، فقد تحوّلت الحرب إلى مواجهة وجودية مفتوحة، لأن الذي سقط لم يكن قائدا عسكريا عابرا، بل المرجعية الدينية والسياسية التي شكّلت عمود النظام طوال عقود، بل إنها تخص أكثر من مائتي مليون مسلم من المذهب الشيعي، يرون خامنئي باعتباره الولي الفقيه ومرجعهم الديني الأعلى، الذي ينوب عن الإمام الغائب. كما يخص هذا الاغتيال عددا غير قليل من مسلمي العالم من المذهب السني، حيث يعتبر اغتيال خامنئي، كما اغتيال قادة المقاومة الفلسطينية وحسن نصر الله زعيم حزب الله، عملية "إهانة" بالغة للشخصية الإسلامية سواء كانت سنية أم شيعية، وتعبيرا عن مدى تغول وتوحش القوة الصهيونية المدعومة بتوحش أمريكي أكبر.

النظام الذي يُصاب في رمزه الأعلى لا يملك ترف الرد المحدود؛ الرد المحدود يُقرأ ضعفا، والتردد يُقرأ انهيارا. لذلك اتجهت طهران إلى تصعيد واسع، مباشر وغير مباشر (وإن كان أقل من المتوقع حتى الآن!)، يهدف إلى إعادة تثبيت الهيبة قبل أي اعتبار آخر

اغتيال خامنئي أصاب البنية الرمزية للنظام في مقتل قبل أن يصيبه سياسيا، فالرجل لم يكن فقط صاحب القرار الأعلى، بل كان رمز الاستمرارية والمرجعية، والمرتكز الذي تدور حوله شرعية النظام. وحين يُستهدف هذا الرمز، لا يكون الرد مجرد حساب بارد للخسائر، بل دفاعا عن الكيان نفسه. لذلك بدا أن الرد الإيراني اتخذ طابعا أكثر حدّة، ليس بوصفه انفعالا عاطفيا، بل بوصفه ضرورة داخلية لإثبات أن النظام لم يُكسر، وأن "دم المرشد" لن يمر بلا ثمن.

في هذا السياق، تتقاطع حسابات ترامب ونتنياهو على نحو أكثر خطورة، فكلاهما يؤمن بأن كسر السقف هو الطريق الأسرع لفرض واقع جديد. ترامب، الذي صاغ فلسفته السياسية على قاعدة "ارفع السقف ثم فاوض من موقع القوة"، رأى في الضربة الكبرى وسيلة لإعادة تعريف التوازن مع طهران. ونتنياهو، المثقل بظل هزيمة السابع من أكتوبر، رأى في استهداف رأس النظام الإيراني فرصة لتحويل مسار التاريخ الشخصي والسياسي: من رئيس اهتزت صورته الأمنية، إلى قائد وجّه الضربة الأشد لخصمه الاستراتيجي!

لكن ما بدا في لحظة القرار كذروة للحسم، تحوّل سريعا إلى بوابة تصعيد غير مسبوق، فالنظام الذي يُصاب في رمزه الأعلى لا يملك ترف الرد المحدود؛ الرد المحدود يُقرأ ضعفا، والتردد يُقرأ انهيارا. لذلك اتجهت طهران إلى تصعيد واسع، مباشر وغير مباشر (وإن كان أقل من المتوقع حتى الآن!)، يهدف إلى إعادة تثبيت الهيبة قبل أي اعتبار آخر. لم يعد الهدف فقط إيلام إسرائيل أو الضغط على الولايات المتحدة، بل إعادة تعريف الصراع باعتباره ثأرا وجوديا لا معركة حدود.

وهكذا خرجت الحرب من منطق "إدارة الصراع" إلى منطق "إدارة الفوضى". قبل الاغتيال، كان يمكن تصور انتقال سريع من النار إلى طاولة تفاوض، مع إعلان نصر سياسي هنا أو هناك. أما بعده، فقد أصبح الانتقال إلى التهدئة أكثر تعقيدا، لأن كل طرف بات أسير صورته؛ ترامب لا يستطيع أن يبدو متراجعا بعد ضربة بهذا الحجم، ونتنياهو لا يستطيع التفريط بلحظة يعتبرها تعويضا استراتيجيا، وإيران لا تستطيع القبول بواقع يُظهرها كمن ضُرب في قلبه ثم اكتفى بردّ رمزي.

المشهد الأكثر بؤسا اليوم هو وقوف كتلة "النظام العربي الرسمي" بكل حجمها الكبير وتأثيرها الخطير، موقف المشاهد العاجز الذي يتلقى الضربات وتستعمل مقدراته كلها في خدمة حروب الآخرين، حروب لا ناقة لها فيها ولا بعير

المفارقة أن التشابه بين ترامب ونتنياهو -في نزعة الحسم، وفي تقديس صورة "الرجل القوي"، وفي الميل إلى رفع السقف- قد يدفعهما إلى سباق تصعيد لا يريد فيه أي منهما أن يبدو أقل صلابة من الآخر. لكن الحرب، بخلاف الصفقات السياسية، لا تنتهي دائما عند النقطة التي يرسمها أصحابها. فهي تتكاثر في مسارات غير متوقعة، وتتسع بتأثير ردود الفعل، وقد تفرض إيقاعها الخاص على من ظنّوا أنهم يمسكون بخيوطها.

اغتيال علي خامنئي إذن لم يكن فصلا عابرا في حرب قائمة، بل لحظة أعادت تشكيل المشهد كله، لقد حوّل الصراع من محاولة لإعادة رسم الردع إلى مواجهة تمسّ جوهر الأنظمة وصورتها أمام شعوبها. وفي هذه اللحظة، لم يعد السؤال من يملك القوة الأكبر فقط، بل من يستطيع تحمّل كلفة السير حتى النهاية.

المنطقة اليوم تقف أمام معادلة شديدة الخطورة: ضربة قصوى ولّدت ردا أقصى، وتحالف نار يقابله ثأر وجودي، وبين هذين الحدّين يتحدد مستقبل شرق أوسط قد يخرج من هذه الحرب بخرائط جديدة.. أو بجرح مفتوح يصعب التئامه لعقود طويلة.

المشهد الأكثر بؤسا اليوم هو وقوف كتلة "النظام العربي الرسمي" بكل حجمها الكبير وتأثيرها الخطير، موقف المشاهد العاجز الذي يتلقى الضربات وتستعمل مقدراته كلها في خدمة حروب الآخرين، حروب لا ناقة لها فيها ولا بعير، فيما تقف موقف العاجز وربما المتواطئ حيال حرب كانت على الدوام المفردة الأكثر استعمالا في الإعلام العربي لعقود، وهي حرب تحرير فلسطين، قبل أن تختفي تماما وتحل محلها مصطلحات بالغة الميوعة من قبيل الدعوة إلى "خفض مستوى الصراع!" و"حل الصراعات بالطرق السلمية!"، وغيرها مما يحفل به قاموس السياسة العربية الرسمية، وأخيرا وليس آخرا: مالنا ولفلسطين؟ وصولا إلى ملاحقة كل من يقاوم الاحتلال وربما اعتقاله بل تسلميه للعدو واتهامه بالإرهاب!!



التوترات بين الولايات المتحدة وإيران: كيف زُجّ ترامب في الحرب

التوترات بين الولايات المتحدة وإيران: كيف زُجّ ترامب في الحرب

يُدفع هذا الزعيم المتقلب إلى حرب شاملة لن يكون لدى واشنطن ولا إسرائيل أي قدرة على السيطرة عليها.

ثمة تشابه مثير للقلق ولكنه غريب في الطريقة التي يستعد بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمهاجمة إيران ، والطريقة التي استعد بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لغزو أوكرانيا .

تعامل كل زعيم مع احتمال الحرب مدفوعاً بحملة عسكرية أشاد بها باعتبارها نجاحاً باهراً. بالنسبة لبوتين، كانت حملته في سوريا . أما بالنسبة لترامب، فكانت الإطاحة بنيكولاس مادورو في فنزويلا.

لقد عزل كلا الرجلين نفسيهما عن الواقع من خلال إحاطة أنفسهما بحلقات من المتملقين.

لقد جمع بوتين حوله استراتيجيين وعلماء دين ، يتنافس كل منهم مع الآخر ليكون أكثر تشدداً.

دعا أحدهم إلى استخدام جهاز نووي تكتيكي في أوكرانيا. واقترح آخر أن تفجير طوربيد نووي قبالة سواحل لانكشاير وإرسال تسونامي إشعاعي فوق صناعة الطائرات البريطانية سيكون فكرة جيدة.

كان الجميع ينظرون إلى أوكرانيا كساحة معركة بالوكالة لحرب أوسع مع الولايات المتحدة وأوروبا. وتظاهر بوتين بأنه المحارب المخضرم الذي يصدّهم.

في غضون ذلك، يعتقد ترامب أن هزيمة إيران ستفتح آفاقاً جديدة للشرق الأوسط. ويُعدّ فوكس نيوز، الذي استقطب منه وزير حربه بيت هيغسيث، بمثابة سيرك من المتملقين المحيطين بترامب.

في كل من روسيا والولايات المتحدة، تبدأ وتنتهي سلطة شن حرب مدمرة في عقول رئيسيهما. وفي حالة ترامب، يُعدّ هذا الأمر مدعاةً للفخر: "أنا من يتخذ القرار"، كما صرّح ترامب يوم الاثنين . "أفضّل التوصل إلى اتفاق على عدم التوصل إليه، ولكن إذا لم نتوصل إلى اتفاق، فسيكون يومًا عصيبًا للغاية على ذلك البلد".

مدى الضرب


كلا الزعيمين متحرران من أي نظام فعال للرقابة والتوازن - على عكس أيام الحرب الباردة، عندما كانت الحروب قرارات جماعية ومحسوبة. ومع ذلك، فقد أثبتت أنها كارثية.

اعتقد بوتين - ولا يزال ترامب يعتقد - أن الحرب ستكون سريعة وغير مؤلمة، إذ ينظرون إلى أهدافهم على أنها ثمار سهلة المنال. لم يكن أي منهما، ولا يزال، مستعداً لحرب طويلة.

كان بوتين واثقاً جداً من انهيار الحكومة الأوكرانية، لكن سرعان ما نفد الوقود والطعام وحتى أبسط الاحتياجات الأساسية كجوارب بديلة من قواته . ونتيجة لذلك، واجهت أرتال الدبابات والقوات الروسية تحديات لوجستية هائلة منذ اليوم الأول للغزو، وسرعان ما تعثرت في طريقها.

بدأ ترامب في استخدام لغة الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش في البحث عن ذريعة لمهاجمة إيران.






في حالة إيران، أرسل ترامب حاملة طائرات إلى

 مدى الضربات مع عدد قليل من المراحيض

 العاملة وطاقم موجود بالفعل في الخدمة منذ ثمانية

 أشهر ويظهر عليه علامات واضحة للإجهاد.

عندما تحوّل غزو أوكرانيا إلى كارثة، طرد بوتين

 150 عميلاً من مكتب الأمن الفيدرالي وأودع

رئيساً كبيراً للمخابرات السجن؛ فهو لا يتحمل

 مسؤولية الفشل أبداً. ولدى ترامب نفس الميل

لإلقاء اللوم على الجميع باستثناء نفسه في قراراته

 الكارثية.

قام بوتين بوضع طاولة بيضاء طويلة بينه وبين

 مجلس حربه عندما كان كوفيد-19 ينتشر في

 جميع أنحاء روسيا، وقام ترامب ببناء هيكل 

مماثل في البيت الأبيض ضد دخول أي ذرة من

 الشك.


عندما قام الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان

 المشتركة، مؤخراً بإحاطة ترامب وكبار

 المستشارين الآخرين في البيت الأبيض، كانت

 لديه ثلاث نقاط رئيسية للحديث تتعارض مع

 الرواية التي كان الرئيس يحاول بناءها.

قال كاين إن القوات الأمريكية المتجمعة في الشرق

 الأوسط يمكنها تحمل ضربة "صغيرة أو

 متوسطة"، ولكن ليس حربًا طويلة؛ وأن هناك

 خطرًا كبيرًا محتملاً لوقوع خسائر أمريكية؛ وأنهم

 سيستخدمون الكثير من الصواريخ بسرعة كبيرة

 لدرجة أن هذا العمل قد يستنزف مخزونات

 الأسلحة الأمريكية، وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز .

وفي رواية ترامب لنفس الإحاطة، أخبره كاين أن

 أي عمل عسكري يتم إصداره سيكون "شيئًا يسهل

 تحقيقه".

لافتات في كل مكان





لكن رغم شكوك كاين، فالحرب قادمة لا محالة. هذه المرة، لا حاجة للتكهنات. فدلائل الحرب الوشيكة واضحة للعيان، كأضواء النيون الساطعة، أينما كنت في الشرق الأوسط.

تشهد سماء الأردن نشاطاً عسكرياً أمريكياً مكثفاً. وتظهر القوات الأمريكية التي أعيد نشرها من العراق في قاعدة بلبنان ، وهو ما تؤكده وسائل الإعلام الإيرانية للسكان المحليين الذين يعرفون كل شيء عنها.

هبطت إحدى عشرة طائرة من طراز إف-22 رابتور في قاعدة عوفدا الجوية في صحراء النقب الإسرائيلية . وقد أقلعت من قاعدة لاكنهيث التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في المملكة المتحدة، بدعم من سبع طائرات للتزود بالوقود جواً.

تجدر الإشارة إلى أن هذا يأتي بعد أن روجت الحكومة البريطانية لفكرة أن رئيس الوزراء كير ستارمر رفض السماح باستخدام القواعد الجوية البريطانية كمنصات انطلاق لشن هجوم على إيران. كلام ملتوٍ.


قال زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لابيد، للكنيست إن جميع الخلافات السياسية مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيتم "تجميدها" في حالة نشوب حرب مع إيران.

قال لابيد: "كما في السابق، سأعمل على حشد الجهود من أجل الدبلوماسية العامة الإسرائيلية وتعزيز مكانة إسرائيل الدولية. وكما في الهجوم السابق، سأذهب إلى أي مكان ضروري، من شبكة سي إن إن إلى البرلمان البريطاني، وسأقول لهم: أنتم تعلمون أنني رئيس المعارضة، وتعلمون أنني ونتنياهو خصمان، ولكن يجب مهاجمة إيران بكل قوة، ويجب إسقاط حكم آيات الله".

تستعد المستشفيات في إسرائيل للحرب، حيث تقوم بتحويل مواقف السيارات تحت الأرض إلى أجنحة للحالات الحرجة .

وأخيرًا وليس آخرًا، بدأ ترامب في استخدام لغة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش بحثًا عن ذريعة لمهاجمة إيران. وقد برر بوش غزو العراق عام 2003 بالقول إن الولايات المتحدة كانت في خطر وشيك من أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها صدام حسين، وهو ما ثبت زيفه.

في خطابه الأخير عن حالة الاتحاد - والذي، مثل مؤتمرات بوتين الصحفية التي استمرت ساعتين، حطم الرقم القياسي في الطول - قال ترامب إن إيران "تعمل على بناء صواريخ ستصل قريباً إلى الولايات المتحدة الأمريكية".

قبل ساعات من ذلك الخطاب، زعم مبعوثه الخاص، ستيف ويتكوف، أن إيران على وشك امتلاك القدرة على إنتاج مواد لصنع القنابل. وقال ويتكوف في برنامج "رأيي مع لارا ترامب" على قناة فوكس نيوز: "ربما هم على بُعد أسبوع واحد من امتلاك مواد لصنع قنابل صناعية".

وكما هو الحال مع مزاعم بوش الزائفة بشأن أسلحة الدمار الشامل لصدام، فإن كل ادعاء مبالغ فيه مصمم لإظهار أن التهديد من البرنامج النووي الإيراني وشيك.

حسابات باردة



ليس من المستغرب أن تكون عملية صنع القرار لدى ترامب موضع دراسة معمقة في إيران نفسها. فالبلاد تواجه رجلاً، بعد كل هذه المدة في منصبه، لا يزال يتصرف ويفكر كتاجر عقارات في مانهاتن.

إنه مندفع ومتقلب المزاج وعاطفي، لكنه مسلح بطائرات رابتور الشبحية وصواريخ كروز.

يتولى ويتكوف ، وصهر ترامب جاريد كوشنر، ونائب الرئيس جيه دي فانس، إجراء الحسابات الدقيقة. ويتكوف وكوشنر وفانس معروفون بميلهم إلى التواري عن الأنظار عند اتخاذ القرارات، كما رأينا خلال المحاولات المتعثرة لتأمين وقف إطلاق النار في غزة .

وكما شهدنا أيضاً في يونيو الماضي، فإن ترامب قادر تماماً على الضغط على زر "الانطلاق" بينما لا تزال المفاوضات جارية. 

مع هذا الحشد الهائل للقوة البحرية والجوية، لم يترك ترامب لنفسه أي مخرج، سوى الادعاء بتحقيق تنازل إيراني غير مسبوق.


مما يثير قلق أي شخص يحاول التنبؤ بتصرفاته،

 أن ترامب متقلب المزاج. وقد أصبح هذا الأمر

 راسخاً في نظرية "التاكو": ترامب دائماً ما

 يتراجع في اللحظة الأخيرة .

لدى آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكي السابق

 لشؤون السلام في الشرق الأوسط، نسخة معدلة

 من نظرية "التاكو" التي لا تزال ترى أن ترامب

 سيخوض حرباً. وتتلخص هذه النظرية في أنه

 حصر نفسه في حرب لا يرغب بها.

قال ميلر لصحيفة فايننشال تايمز : "لقد وضع نفسه

 في موقفٍ لا مفر منه، ما لم يتمكن من انتزاع

 تنازل كبير من الإيرانيين لتجنب حرب لا يريدها.

 هذه أزمة من صنعه".

لقد تغيرت لغة ترامب بشأن إيران اليوم عن

التوبيخ الحاد الذي وجهه لنتنياهو لاستمراره في

 ضرب إيران بعد أن دعا الرئيس الأمريكي إلى

وقف إطلاق النار عقب الصراع الذي استمر 12

 يوماً في يونيو الماضي.

نتنياهو - الذي، على عكس ترامب، لديه رؤية

 واضحة لما يريد تحقيقه من خلال الهجوم على

 إيران - من الواضح أنه كان يعمل على الرئيس

 الأمريكي بمعلومات استخباراتية حول كيفية

 استئناف إيران لبرنامجها لتخصيب اليورانيوم.

مع هذا الحشد الهائل للقوة البحرية والجوية، لم

 يترك ترامب لنفسه أي مخرج، باستثناء الادعاء

 بتنازل إيراني غير مسبوق في المحادثات التي

 تجري في جنيف وعُمان . 


الاستعدادات في طهران

على عكس بوش، لم يمهد ترامب الطريق لحرب داخلية أو خارجية. تراوحت أعذاره لحشد القوات البحرية والجوية بين وعدٍ قطعه للمتظاهرين بأن "المساعدة قادمة"، وإنهاء برنامج نووي زعم العام الماضي أنه قضى عليه تماماً ، وصولاً إلى ادعاء غريب بأن صواريخ إيران قد تشكل تهديداً عالمياً.

لا يوجد تصويت في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقد رفض حلفاؤه في الشرق الأوسط السماح باستخدام القواعد الأمريكية على أراضيهم كمنصات إطلاق.

في المقابل، إيران مستعدة لحرب طويلة، أو على الأقل لتحمل الموجتين الأولى والثانية من الصدمة مع الحفاظ على القيادة والسيطرة. وقد عهد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي إلى علي لاريجاني ، المسؤول الأول عن الأمن القومي الإيراني ، بمهمة ضمان بقاء البلاد في حال اغتيال كبار قادة إيران. ولكل مسؤول عسكري وحكومي رفيع المستوى أربعة بدلاء.

                      خطة ترامب لإجبار إيران على الاستسلام خطأ فادح   
         ديفيد هيرست رأي ميدل إيست آي  
                        
يُعدّ لاريجاني خيارًا مثيرًا للاهتمام لتولي قيادة إيران في زمن الحرب. فقد أظهر لاريجاني، الرئيس السابق للبرلمان، دعمًا راسخًا للرئيس الإصلاحي السابق حسن روحاني. ونتيجةً لذلك، استبعده مجلس صيانة الدستور من الترشح في سباقين رئاسيين، مُعللًا ذلك بعدم امتلاكه الخبرة التنفيذية الكافية.

كان لاريجاني أيضًا من أشد المؤيدين للاتفاق النووي لعام 2015، الأمر الذي أثار معارضة من أصحاب المبادئ الذين جادلوا آنذاك، وكما اتضح لاحقًا، بأن إيران لن تحصل على شيء مقابل التنازلات التي قدمتها.

لكن بصفته عضواً سابقاً في الحرس الثوري، يمتلك لاريجاني خبرة أمنية تنفيذية واسعة. فقد شغل منصب سكرتير مجلس الأمن القومي، أحد أهم المناصب الأمنية في إيران، من عام 2005 إلى عام 2007. ولاريجاني هو قائد العمليات العسكرية في إيران.

تصميمٌ حازم

تساءل ترامب عن سبب عدم استسلام إيران أمام الأسطول الضخم المتجمع على مقربة من حدودها. والجواب بسيط: هذا جيل من القادة الإيرانيين صقلتهم الحرب. لديهم ذكريات مريرة، بل وشخصية أحياناً، عن الهجمات الكيميائية التي شنها صدام خلال الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات.

تشير التقديرات إلى أن مليون إيراني، عسكريين ومدنيين، تعرضوا لعوامل الحرب الكيميائية. وقد تم توثيق تلقي أكثر من 100 ألف منهم علاجاً طبياً طارئاً لإصابات كيميائية.

كان صدام آنذاك ممولاً من السعودية والكويت ، ومدعوماً من الولايات المتحدة وأوروبا. وقد أرسلت شركات ألمانية أكثر من ألف طن من المواد الأولية لغاز الخردل والسارين والتابون والغاز المسيل للدموع، مما مكّن العراق من تصنيع هذه الغازات.

كلما مهدت إيران الطريق في الخليج، حيث أبلغت  جيرانها  بأن كل قاعدة أمريكية في بلدانهم ستصبح هدفاً مشروعاً لإيران في حال نشوب حرب.
إذا ما استُهدف ميناء النفط الرئيسي في جزيرة خارك بهجوم أمريكي إسرائيلي، فإن جميع مصافي النفط على طول الخليج ستكون عرضة للخطر. وللاستعداد للحرب، كثّفت إيران تحميل ناقلات النفط بما يقارب ثلاثة أضعاف الكمية المعتادة.هناك الآن تصميم قاتم على الاستعداد للحرب، وهو تصميم تشترك فيه الفصيلتان السياسيتان الرئيسيتان في النخبة الإيرانية.

تواجه إيران أزمتين: خارجية وداخلية، بعد مقتل آلاف المتظاهرين في انتفاضة يناير/كانون الثاني. وقد اعتُقل عشرات الآلاف غيرهم . لكن هذه القيادة لن تستسلم.

هذا ما هو معروف - لكن المجهول الأكبر هو كيف قد ترد الصين .

كما يوضح نيلسون وونغ في هذه الصفحات، من غير المرجح أن ترسل الصين قوات أو تدخل في أي صراع مباشر. إنها تحتفظ بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة لتايوان.

لكن وونغ يمضي ليجادل قائلاً: "إن تفسير هذا على أنه سلبية من شأنه أن يؤدي إلى سوء فهم طبيعة المنافسة بين القوى العظمى في القرن الحادي والعشرين".

تم رسم خط أحمر

إن دعم الصين لإيران حقيقي. إيران عضو كامل في منظمة شنغهاي للتعاون، وهي ليست حلفاً أمنياً، لكن الصين وروسيا وإيران نشرت مؤخراً سفناً حربية لإجراء مناورات أمنية مشتركة في مضيق هرمز.

أما وصول بطاريات صواريخ أرض-جو صينية الصنع إلى إيران مؤخراً، كجزء من صفقة النفط مقابل الأسلحة للالتفاف على العقوبات الأمريكية، فكان أقل وضوحاً. وهناك أيضاً تقارير غير مؤكدة تفيد بأن إيران ربما تكون قد تسلمت طائرات مقاتلة شبحية من طراز J-20 من الجيل الخامس.

وخلال احتفالات يوم القوات الجوية الإيرانية هذا الشهر، قدّم ملحق عسكري صيني نموذجاً لطائرة الشبح J-20 إلى قائد في القوات الجوية الإيرانية. هذه مبادرات علنية تحمل في طياتها تحذيرات أيضاً.

قد تكون هذه الحرب هي التي تثبت أنها العدو اللدود لكل من ترامب ونتنياهو، وهي بمثابة الجسر الذي لا يمكن تجاوزه.
ما يمكن قوله بيقين هو أن الصين قد رسمت بوضوح خطاً أحمر ضد السماح بتغيير النظام في إيران، التي لا تزال الشريك الرئيسي للصين في مجال الطاقة .

إذن، هذا يحمل كل مقومات حرب إقليمية حقيقية، وهو ما حذرنا منه العديد من المعلقين الآخرين وأنا منذ أن بدأت إسرائيل هجومها على غزة والضفة الغربية ولبنان.

مدفوعاً بأنانيته وشعوره بأن الأمور تسير بشكل خاطئ بالنسبة له على الصعيد الداخلي، يندفع ترامب إلى حرب شاملة لا يملك هو ولا قواته ولا إسرائيل أي قدرة على السيطرة عليها.

ستشنّ القوتان هجوماً على دولةٍ تفوق مساحتها مساحة العراق بأربعة أضعاف، وهو البلد الذي هاجمه بوش. والولايات المتحدة في عهد ترامب أقل استعداداً من بوش لمواجهة عواقب حربٍ طويلة الأمد.

هل سيتراجع ترامب في اللحظة الأخيرة؟ لا أحد يعلم. إن كان لديه ذرة من المنطق، فعليه أن يتراجع، فقد تكون هذه الحرب هي التي ستُثبت أنها العدو اللدود لترامب ونتنياهو على حد سواء، وهي بمثابة تجاوزٍ للحدود.

ترامب الذي يرأس مجلس السلام

 ترامب الذي يرأس مجلس السلام

وائل قنديل

كان كلّ شيء عقب الجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف بين الولايات المتحدة وإيران يشي بأنّ موعد العدوان الإسرائيلي الأميركي قد حان، فاللهجة التي تحدّثت بها المصادر الأميركية كانت أكثر هدوءاً ونعومة وتفاؤلاً، وهذا بالضبط المؤشّر الذي لا يخيب على أنّ الحلف الصهيو أميركي قد قرّر بدء العدوان.

يكاد السيناريو يتطابق مع ما جرى في عدوان الاثني عشر يوماً في يونيو/ حزيران العام الماضي إذ أعطى الرئيس الأميركي إشارة إلى اليمين، حيث التهدئة والسلام والتعايش، ثم انعطف إلى اليسار بأقصى اندفاع مُبتدئاً الحرب بالقصف الجوي الصهيوني على طهران، الشيء الوحيد الذي اختلف هذه المرّة أنّهم ارتكبوا الجريمة الكبرى ثم بدأوا سلسلة الجرائم الأقلّ حجماً، فكان اغتيال مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي وعدد هائل من القيادات السياسية، وقصف مدرسة للأطفال في رسالة إلى الجميع بأنّ أبواب الجحيم قد فُتحت.

نحن هنا بصدد رئيس أميركي قاتل وكاذب بالمعنى الكامل الذي ينطبق على عتاة الإجرام الصهيوني في العدوان على الشعب الفلسطيني في غزّة، فلا يوجد أيّ قانون في العالم يبيح لرئيس دولة أن يحرّك أساطيله باتجاه دولة أخرى على بعد آلاف الأميال منه، لكي يفرض عليها نظاماً سياسياً يعينه، كما يُعيّن صغار الحكّام في أحواش التبعية المُستجدّة، ويقرّر لها حدود القوّة المسموح لها بامتلاكها، ويقصف أطفالها وشيوخها ويدمّر مدنها ثم يطلب من كلّ المُحيطين بها مساعدته على إتمام جريمته.

لم يشهد التاريخ الإنساني تعريفاً للتدخّل بالقوّة العسكرية ضدّ دولةٍ لا توجد بينها وبين المعتدي عليها أيّة حدود جوار سوى أنه قرصنة، كما أنّه ليس هناك مُسمّى لتحريض شعب هذه الدولة ومطالبته بالخروج إلى الساحات لمحاربة النظام الذي اختاره سوى انتهاك السيادة والكرامة الوطنية. وبالتالي، العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران فعل إجرامي ثابت بكلّ المعايير القانونية والأخلاقية والإنسانية، والردّ الإيراني عليه  حقّ أكثر ثبوتاً بالمعايير نفسها.

بحسب سياسيين أميركيين مُحترمين عديدين، ما يقوم به ترامب عمل إجرامي، فيصف السيناتور الديمقراطي، بيرني ساندرز، الهجوم على إيران بأنّه انتهاك واضح للقانون الدولي، ويحذّر من أنه سيؤدي لمفاقمة عدم الاستقرار الإقليمي، وسيكون مأساة للشعب الأميركي الذي سيدفع الثمن كما حدث في حروب سابقة مثل حرب فيتنام والعراق.

 يحتفل دونالد ترامب بالقتل كما يحتفل ذئاب جزيرة إبستين بنهش فريسة جديدة، ويطالب العالم بالاحتفال معه مُحتكراً موازين الخير والشر والصواب والخطأ، فكلّ ما يفعله وحليفه الصهيوني هو الخير والصواب من أجل العالم والقيم الإنسانية، فتسمعه يتحدّث عن التعايش ويبشّر بالمستقبل الأفضل للبشرية ودماء الضحايا تقطر من أنيابه.

العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران هو الاستطراد الطبيعي للجريمة التي نُفِّذت في غزّة، التي لم يهرع أحد لإسنادها في معركتها الكبرى سوى إيران وحركات المقاومة العربية في لبنان واليمن والعراق، وبعد أن فرغ القتلة من الانتقام من المقاومة في فلسطين ولبنان، بدأوا عملية الانتقام من إيران مدفوعين بأقذر أنواع الغل المُعبّر عن صهيونيتين، واحدة تختبئ في أحراشٍ إنجيلية والأخرى تعتلي سطح اليهودية السياسية، إذ لا يترك لنا رؤوس هذا التحالف مجالاً للتخمين والبحث في منطلقاتهما لارتكاب كلّ هذه الاعتداءات، كلاهما يقتل باسم عقيدة مُزيّفة، وكلاهما يحارب من أجل امتلاك شرق أوسط ترتسم خطوطه وخرائطه في أساطير مصنوعة في مطابخ الصهيونية، ولم تعد ثمّة عقبة أمامهم سوى إيران.

يعلن التحالف الشرير الذي يحارب إيران عن منطلقاته بكلّ الوضوح كما لم يحدُث من قبل، معركة لإخضاع الشرق الأوسط الكبير لأسطورة صهيونية مُقدّسة، في وقتٍ يتحلّق فيه الضحايا الذين لم يأت الدور عليهم بعد حول المعتدي المتغطرس، بعضهم مدفوعاً بالخوف وآخرون بالضعف، وصنف ثالث بالتماهي مع المشروع الصهيو أميركي، بينما يلتقط التاريخ أكثر الصور مأساوية للعالمين، الإسلامي والعربي، تجد فيها باكستان تحارب أفغانستان بينما الهند تعانق الكيان الصهيوني، وترى الصهاينة من اليمين لليسار يعلنونها معركة يهودية ضدّ العرب والمسلمين لتحقيق "إسرائيل الكبرى"، بينما الأردن لا يتحمّل كلمة "إسلامي" في اسم حزب سياسي، ومصر تواصل الحرب على "الإخوان المسلمين" للعام الثالث عشر.

 هذا الدمار في إيران والمُمتدّ إلى مدن الخليج التي كانت في مرمى ردّة الفعل الإيرانية، وكلّ هذه الدماء التي تُهدر والبلاد التي تُهدم يقف وراءها شخص واحد يمارس القتل والتدمير والكذب والخداع والابتزاز باسم الرب الذي أرسله ليقيم الدنيا بعد أن يحرقها ويدمّرها بيده المقدّسة، ويحيي البشر بعد أن يرسلهم إلى الموت بقاذفات B2 وB52 ثم ينصّب نفسه رئيسًا لمجلس السلام ويجلس إلى جانبه قاتل آخر اسمه بنيامين نتنياهو ثم يجد من يصفّق له ويعتبره صانع السلام في شرق أوسطهم السعيد، ويسلّمه غزّة يتصرّف فيها كما يشاء.

حتّى تُنفِقوا مِمّا تُحِبّونَ!

 حتّى تُنفِقوا مِمّا تُحِبّونَ!

أدهم شرقاوي



رَوى ابنُ حَجَرٍ في كتابِه العُجابِ في بيانِ الأسبابِ:

قالَ النَّبيُّ ﷺ مرَّةً لأصحابِه: مَن تَصدَّقَ بصَدقةٍ فَلَهُ مثلُها في الجنَّةِ!

فقالَ أبو الدَّحداحِ: إنْ تَصدَّقتُ بحديقتي، فليَ مثلُها في الجنَّةِ؟

فقالَ له النَّبيُّ ﷺ: نعم!

قالَ: وأمُّ الدَّحداحِ معي؟

قالَ: نعم!

قالَ: والصِّبيةُ معي؟

قالَ: نعم!

فرجعَ أبو الدَّحداحِ إلى حديقتِه فوجدَ أمَّ الدَّحداحِ والصِّبيةَ فيها، فوقفَ على بابِها وتحرَّجَ أنْ يدخلَها، فنادَى: يا أُمَّ الدَّحداحِ!

قالتْ: لبَّيكَ يا أبا الدَّحداحِ.

قالَ: إنِّي جعلتُ حديقتي صدقةً، واشترطتُ مثلَها في الجنَّةِ، وأمُّ الدَّحداحِ معي، والصِّبيةُ معي!

فقالتْ له: باركَ اللهُ لكَ فيما اشتريتَ!

فخرجوا من الحديقةِ وسلَّمَها أبو الدَّحداحِ للنَّبيِّ ﷺ يجعلُها في سبيلِ اللهِ.

وأنزلَ اللهُ تعالى في أبي الدَّحداحِ قولَه: ﴿لَن تَنالُوا البِرَّ حتّى تُنفِقوا مِمّا تُحِبّونَ﴾

الدَّرسُ الأوّل:


إنْ قال نبيُّكَ ﷺ شيئاً فصدِّقه، لا تقفْ على باب العقل طويلاً تطرقه بأناملِ الشَّك، هذا العقلُ طاقته حدود الحياةِ الدُّنيا فقط، أما الغيبيَّاتُ فمسألة تصديقٍ وتسليمٍ وإيمانٍ!

أيُّ عقلٍ هذا الذي سيستوعبُ حجم العرشِ والسَّماوات السبع والأراضين، بالنسبة إلى العرشَ كحلقةٍ في الصحراء؟!

أيُّ عقلٍ هذا الذي سيستوعبُ جنّةً عرضها السماوات والأرض؟!

وناراً تُلقى فيها الصَّخرةُ فتهوي سبعين خريفاً قبل أن تستقرَّ في قعرها؟!

أيُّ عقلٍ هذا الذي سيستوعبُ صراطاً أدقَّ من الشَّعرةِ وأَحَدَّ من السَّيفِ، وستعبرُ عليه الخلائقُ بأعمالها لا بأقدامها؟!

أيُّ عقلٍ هذا الذي سيستوعبُ كفَّتي الميزان يوم الحساب، وكيف تصبحُ فيها الأعمال أوزاناً تُكال لصاحبها؟!

أيُّ عقلٍ هذا الذي سيستوعبُ أن تئِطَّ السماء، لأن ما فيها موضع شبرٍ إلا ملكٌ راكعٌ أو ساجد، يُبعثون يوم القيامة يقولون: سبحانك ما عبدناكَ حقَّ عبادتكَ؟!

أيُّ عقلٍ هذا الذي سيستوعبُ أن يصير الموتُ كبشاً يوم القيامة، ثم يُذبح، وينادى: يا أهل النار خلود ولا موت، يا أهل الجنة خلود ولا موت؟!

ثمّ وهل يستوعبُ العقلُ كلّ ما جرى في الدُّنيا حتى يُعمِلَ عقله في الآخرة؟!

أيُّ عقلٍ يستطيعُ أن يُفسِّرَ كيف يُشقُّ البحرُ بالعصا؟! وكيف تصيرُ النار برداً وسلاماً على رجلٍ يُلقى فيها، وكيف يبتلعُ الحوتُ رجلاً أياماً ثم يلقيه سليماً على الشَّاطئ، وكيف تحبلُ امرأةٌ دون أن يكون لها زوج، وكيف تقِفُ السِّكين عاجزةً أمام رقبةِ إسماعيل عليه السَّلام فلا تذبحه!

هذا الدِّينُ يحترم العقل في حدود قدرته واستيعابه، أمّا الإيمان فمسألة قلوبٍ، قلوبٍ فقط!

الدَّرسُ الثّاني:


ما أجمل هذا الدِّين حين يُؤخذُ بالتسليم، وما أجمل المؤمن حين يثِقُ بوعدِ الله، وما كنتُ أُحبُّ أن أذكر هذه القصة، ولكنّها ألقتْ بنفسها في خاطري وقلمي الآن!

جاءتني زوجتي يوماً وقالتْ لي: هناك امرأة قد حُرمتْ الإنجاب، وقال الأطباء: إنّه لا سبيل إلى أن تحبل إلا بطفل أنبوب، والمرأة فقيرة بالكاد تجد قوت يومها وهي تُحِبُّ أن تنجب، وإنّي أريدُ أن أبيع شيئاً من ذهبي وأتكفل بعمليتها!

فقلتُ لها: بارك الله بكِ، ولكن المال كثير وللهِ الحمد، فخذي ما شئتِ ولا داعي لأن تبيعي من ذهبكِ!

فقالت لي: أعرفُ، ولكن اسمحْ لي أن أبيع من ذهبي، فأنا أحبُّ الذَّهبَ كما تعرف، والله تعالى يقول: “لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ”!

وكان هذا الموقف من أجمل ما مرَّ معي في حياتي! أعجبني جداً أن تكون الآيات عملاً وسلوكاً!

الدَّرسُ الثّالث:


أَعينُوا بعضكم على الحقِّ، ولا تقِفُوا في وجوه النَّاس وهم في طريقهم إلى الله!

إذا رأيتِ زوجكِ يُسارع في برِّ أبويه فخذي على يده وشجِّعيه، فإن الذي يُعينُ إنساناً على الحقِّ له مثل أجره!

وإذا رأيتَ زوجتكَ تريدُ حجاباً شرعيّاً كاملاً، فإياكَ أن تكون عثرةً بينها وبين أوامر اللهِ، شجِّعها، وأعطِها المال بقدر استطاعتكَ لتشتري، بالأساس أنتَ مأمور بهذا قبلها، وهذه مهمَّتك قبل أن تكون مهمّتها، وليس هناكَ أحقر من الذي يرفضُ الحجاب بسبب “البرستيج” الاجتماعي، فيعمدُ إلى طلب يد فتاةٍ محجبةٍ ثمّ يشترطْ عليها خلعه! وهذا واللهِ من فعل الأباليس!

إذا أراد ابنُكَ أن ينتسبَ إلى حلقةٍ لتحفيظ القرآن، فلا تقل له: ستفشل في دراستكَ! من قال لكَ أنّ حُفَّاظ القرآن فاشلون في دراستهم ووظائفهم، هذا القرآن ما نزلَ بساحةٍ إلا باركها، ثمّ إنّ العيبَ أن تنتظر ابنكَ ليُبادر هو بالفكرة، أيُّ أبٍ أنتَ إن لم تحثَّه، وتشجِّعه، وتكافئه!

وإذا أرادت ابنتُكِ أن تُغطي وجهها، فلا تمنعيها بحجة أنّ النقاب يُؤخِّرُ العريس!

ملايين المنقبات متزوجات، وملايين السَّافرات عزباوات، العريسُ كالمال، والصِّحة، والوظيفة، والسَّعادة، رزق يسوقه اللّه إلى عباده، واللّه أكرم من أن يسوق الرِّزق إلى عاصٍ ويمنعه عن طائع!

الدَّرسُ الرّابع:

المرءُ في ظلِّ صدقته يوم القيامة!

هذا وعدُ نبيِّكَ ﷺ، فصدِّقْه، وعِشْ المشهد بقلبكَ وروحكَ، تخيَّلْ أنّه يوم القيامة وقد دَنت الشَّمسُ من رُؤُوس العباد، هناك حيث لا ينفع النَّدم، ويقول العاصي: “يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي”، وأنتَ جالسٌ في ظلّ صدقتكَ، آمنٌ مطمئن، تصدَّقتَ لأجل هذه اللحظة وها هي قد أتتْ!

مالُكَ بين يديكَ الآن فاشترِ به ليوم القيامة ظلاً، لا تتركْ مالكَ للورثة يتنعمون به ثم تجلس في قبرك وحيداً، تنتظر أن يتصدَّقَ أحدُهم عنكَ، أو يجعلَ لكَ صدقةً جارية، لا بأس أن تُفكِّر بأولادكَ من بعدكَ، ولكن ليس على حساب أن تنجو بنفسِكَ، الميت في قبره تسعده صدقته، فتصدَّقْ أنتَ، وتسره صدقةً جارية يجري عليه أجرها، فاجعل لك على الأقل واحدة، ثمّ من قالَ لكَ إنّ الصَّدقة تُنقص المالَ، كان وعداً على اللّه أنّه ما أنفقَ عبدٌ نفقةً يريدُ بها رضوانه سبحانه، إلا وأخلفَ عليه أمثالها، لا أحد أوفى ولا أكرم من الله، ثمّ هناك شيء اسمه البركة ما أنزلها اللّه في شيء إلا كثَّرته، وكلّ مالٍ منزوع البركة لا يكفي وإن كثُر، وكلّ مالٍ نزلتْ فيه البركة يكفي وإن قلَّ!

في مثل هذا اليوم 1 مارس 1811م: مذبحة المماليك

 في مثل هذا اليوم 1 مارس 1811م: مذبحة المماليك

يسري الخطيب



مذبحة القلعة




– مذبحة القلعة، أو مذبحة المماليك، أشهر واقعة في التاريخ المصري، بعد “مذبحة رابعة” التي وقعت في 14 أغسطس 2013م.

– دبّرها “محمد علي باشا” للتخلص من أعدائه المماليك، عندما جاءته الدعوة من الباب العالي (تركيا الآن) لإرسال حملة للقضاء على الوهابيين في الجزيرة العربية،

خشى “محمد علي” من غدر المماليك به؛ إذا خرج الجيش للجزيرة العربية

– كان “محمد علي” يريد الانفراد بسلطة مصر، فكان عليه التخلص من الزعامة الشعبية والجُند الألبانيين الذين حاولوا قتله، وأكثر المشاكل التي واجهت “محمد علي” هُم المماليك الذين كانوا يرون أنهم (الحكام الأصليون) لمصر، فكانوا يختلقون المشاكل والفتن والإزعاج لـ محمد علي، فلم تنفع معهم محاولات الصلح، ولا العطايا والأموال التي قام بها “محمد علي” كثيرًا لينال رضاهم، حتى أنه أعطى “مراد بك” زعيم المماليك، حُكم الوجه القبلي، مقابل فريضة من المال وعدم مساعدة المماليك للإنجليز، ولكن فشلت كل محاولات “محمد علي” في إسكاتهم وتحييدهم.

– حتى جاءت الفرصة لـ محمد علي …

دعا “محمد علي” زعماء المماليك إلى القلعة، في يوم 1 مارس 1811م.. بحجة أنه سوف يقيم حفلا لتوديع الجيش الخارج لمحاربة الوهابيين في الحجاز، وذهبت الدعوة إلى المماليك في كل صوبٍ من أركان مصر، من مشرقها إلى مغربها، ولم يشكّ زعماء المماليك في نِـيّة محمد علي، بل استعدوا وارتدوا الملابس الرسمية استعدادا للحفل، وهم لا يعلمون أنه سوف يكون آخر يومٍ لهم في الحياة.

– في يوم الحفل (1 مارس 1811م) استعد “محمد علي” للمذبحة، وجاء زعماء المماليك بكامل زينتهم يركبون أحصنتهم، وبعد أن انتهى الحفل الفاخر، دعاهم “محمد علي” للمشي في موكب الجيش الخارج للحرب.

– يتقدّم الموكب عددٌ كبير من الأحصنة التي يركبها جيش محمد علي، بقيادة ابنه: (إبراهيم بك)، ثم طلب “محمد علي” من المماليك أن يسيروا في صفوف الجيش لكي يكونوا في مقدمة مُودّعِيه، وفي هذه اللحظة بعد أن خرج الجيش من باب القلعة أُغلِقَت الأبواب، وبدأت المجزرة بطلقة في الهواء، كانت الإشارة المتفق عليها لتنفيذ تلك العملية التي لم ولن ينساها التاريخ يومًا.. فقد كانت بداية المذابح التاريخية للمصريين.

انهال الرصاص من كل صوبٍ ومن كل مكانٍ على المماليك .

– أول مَن قُتِل من قادة المماليك: “شاهين بك” جد الداعية الدكتور عبد الصبور شاهين (رحمه الله)

– الوحيد الذى نجا من مذبحة القلعة هو “أمين بك” الذي قفز بحصانه من فوق سور القلعة، وقبل أن يلمس الحصان الأرض، قفز من فوقه ..

– يُـقـدِّر المؤرّخ عبد الرحمن الجبرتي، عدد مَن قُـتِلَ في القلعة بأكثر من (500 مملوك)، وحوالي 2000 آخرين في عمليات القتل التي تبعتها في طول مصر وعرضها، ونصبَ جنود محمد علي، مصطبة أمام باب زويلة، وعلّقوا عليها رؤوس القتلى لتكون رادعا لمن تسوّل له نفسه تحدّي السلطة الجديدة التى كانت ما تزال في بدايتها، وليعلنوا انتهاء عصر المماليك في مصر إلى الأبد، وميلاد الحُكم العَلَوي.. والذي استمر حتى سنة 1952م.


المصادر:

1- عصر محمد علي (عبد الرحمن الرافعي)

2- الموسوعة الميسّرة في التاريخ الإسلامي (د. راغب السرجاني)

3-أيام من دم: من كربلاء إلى مذبحة القلعة (وليد فكري)

4- أيام محمد علي (عصام عبد الفتاح)

5- موسوعة تاريخ مصر (أحمد حسين)

6- محمد علي وأولاده (جمال بدوي)

7- أيام المماليك (محمد أمير)

………………..
لكن..

– مَن هو محمد علي الذي حكمَ مصر؟؟

(محمد علي باشا المسعود بن إبراهيم آغا القوللي)

– الميلاد: 4 مارس 1769م، بمدينة قَوَلَة، مقدونيا (قَوَلَة: بفتح حروف القاف والواو واللام)

(قَوَلَة = كافالا: مدينة يونانية تقع في شمال منطقة مقدونيا)

– الوفاة: 2 أغسطس 1849م، (80 سنة) الإسكندرية، مصر،

– حاكم مصر، في الفترة من 1805م إلى 1848م، بعد أن بايعه أعيان البلاد ليكون واليًا عليها، وبعد ثورة الشعب على سلفه خورشيد باشا،

– بواسطة ذكائه الحاد، واستغلاله للظروف المحيطة به؛ نجح في أن يستمر حاكما على مصر، 43 سنة..، ليكسر بذلك العادة العثمانية التي كانت لا تترك واليًا على مصر لأكثر من عامين.

– في كتابه: (كل رجال الباشا.. محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة).. يفضح المؤلف الدكتور خالد فهمي، حقيقة “محمد علي” تاجر الأفيون وأكبر سارق للآثار المصرية

– يرى المؤلف أن مقولة “محمد علي باني مصر الحديثة” مقولة كاذبة

كما يرى أن إمبراطورية “محمد علي” العسكرية وحروبه في كلٍ من السودان، والحجاز، واليونان، وسوريا، لم تكن نابعة من رغبته في تحقيق استقلال مصر عن الدولة العثمانية كما يزعم أغلب المؤرخين، وإنما كانت نابعة في الأساس من أطماعه التوسعية، وكراهيته للوحدة الإسلامية، ورغبته في تحقيق المجد الشخصي له ولأسرته من بعده.

فقد كان محمد علي، مدمنا للحشيش (الأفيون) خامورجيا.. لا علاقة له بالإسلام إلا في اسمه …

– يؤكد المؤلف أن “محمد علي” عند تأسيس الجيش لم يدر بخلده أن يستعين بالمصريين في الجيش، فهم بالنسبة له مجرد “فلاحين أغبياء” لا يصلحون للجندية، فاستعان في بداية الأمر بالألبان، إلا أنه لم يستطع أن يمارس أساليب الانضباط عليهم، وحين تمرّدوا عليه قرر جلب جنود للجيش من السودان، وأرسل حملة إلى السودان لهذا الغرض، وكان يُسمّي “البشر” الذين يتم جلبهم من السودان للتجنيد بـ”العبيد”.

– عندما زادت نسبة وفيات الجنود القادمين من السودان، خلال رحلة جلبهم من هناك إلى مصر، ووصلت إلى الآلاف؛ اضطر محمد علي، في النهاية، إلى تجنيد المصريين الفلاحين في الجيش بعد أن كان يرفض هذا من قبل.

– كان محمد علي باشا أُميًّا لا يعرف القراءة والكتابة، وتعلمها وهو في سن السابعة والأربعين من عمره، وكان لا يعرف من اللغة العربية حرفا واحدا..

– سبب ثراء محمد علي باشا، (تجارة الدخان) التي تعلّمها من صديقه التاجر الفرنسي «ليون»، والمتاجرة في الآثار المصرية.

– استخدم محمد علي سياسة ميكافيللي، ورفع شعار «من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك».. ولذا كان مكروها من المصريين في ذلك الوقت.

– رغم أنه كان جاهلا لا يقرأ ولا يكتب، إلا أنه كان عبقريا – حاد الذكاء – سبق عصره ومعاصريه في كل شيء

– كان يفاجئ رجال حكومته في أماكن العمل، فكان يظهر في الإسكندرية أو القاهرة من دون ترتيب أو معرفة أحد، ويرفض الإقامة في القصور أثناء سفرياته في الأقاليم، بل كان ينصب خيمة يستقبل فيها الأعيان،

– كان محمد علي قليل النوم، دائم النشاط، لا يهدأ أبدا ولا يرتاح، ويشك في كل شيء، وأي أحد، فكان يستيقظ في الرابعة صباحا، والعمل عنده يبدأ من قبل شروق الشمس يوميا.. ولذا أتعب كل العاملين في القلعة.

– قال الدكتور على الصلابي: لم يكن من السهل على شاب قليل الخبرة، وقليل المعرفة بمصر وطبيعتها، أن يصل إلى ما وصل إليه محمد علي، مهما كانت قدرته أو ذكاؤه، إلا إذا كان يستند إلى قوة تخطِّط له، وتُعِينه على تحقيق أهدافه، وتسخّره في نفس الوقت لتحقيق أهدافها، وبخاصة أنه كما ذكر عن نفسه (لا يصلح للولاية وليس من الوزراء ولا من الأمراء ولا من أكابر الدولة)، ويكفينا أن نعرف أن محمد على كان ماسونيًّا، كارهًا للأديان والشريعة الإسلامية تحديدا..

وكان أميًّا كما ذكر الدكتور سيد العفاني فى موسوعته: أعلام وأقزام.
وفاته:

– في 2 أغسطس 1849م، بالإسكندرية، مات حاكم مصر التاريخي، وقاتل المماليك في مذبحة القلعة: “محمد علي” عاريًا مجنونًا، وعمره 80 سنة، وتم تشييع جنازته سرا، ولم يشارك فيها أحد..

– مات “محمد علي” مجنونا، فـقـدَ عقله تمامًا قُبَيل وفاته بحوالي 3 سنوات، حتى أنه لم يعرف بموت ابنه “إبراهيم باشا”.. واضطرت عائلته إلى ربطه كالبهائم، وحبسه في حجرة نائية داخل القلعة لا يخرج منها، ولا يراه أحد.. لكنه كان قد بدأ في الشرود، وأصابه مرض “ألزهايمر” بعد مؤتمر لندن في 1840م، والذي سلبه كل شيء..

فسبحان الله العظيم، ملك الملوك المُعِزّ المُذِل


—————–
أهم المصادر:

1- عصر محمد علي (عبد الرحمن الرافعي)

2- محمد علي (إلياس الأيوبي)

3- حروب محمد علي (السيد فرج)

4- دولة محمد علي والغرب (حسن الضيقة)

5- أعلام وأقزام (د. سيد العفاني)

6- كل رجال الباشا (د. خالد فهمي)

7- الدولة العثمانية.. عوامل النهوض وأسباب السقوط (د. علي الصلابي)

8- محمد علي باشا والماسونية (د. علي الصلابي)

9- محمد علي باشا (د. محمود السيد الدغيم)

10- تاريخ الجبرتي (عبد الرحمن الجبرتي)

——————
يسري الخطيب


على الهامش.. ذكريات رمضانية

 على الهامش.. ذكريات رمضانية

د. خليل العناني
كاتب وباحث مصري في العلوم السياسية

نشأت في أسرة مصرية بسيطة. الوالد -رحمه الله- كان حريصا دوما على قراءة القران ويحب الاستماع له سواء في اذاعة القرآن الكريم او عبر أشرطة الكاسيت. 

وكان جدي شيخا صوفياً، عرفت ذلك من والدي الذي كان يراني امتدادا له، فسماني على اسمه وألحقني بكتّاب القرية، فتعلمت القراءة والكتابة على يد شيخ فاضل أطال الله عمره. 

ولا أدري لماذا لم يلحقني الوالد بالأزهر الشريف واختار بدلا منه التعليم العام!!

كنت أحضر حلقات الذكر الصوفية في مضيفة العائلة، يقودها عمي الشيخ أحمد (ابن عم والدي)، وكنت أساعده في التحضير لها بتسخين الدفوف على موقد من القش والخشب. كنت أترقب تلك الليالي بشغف، أستمتع بالأذكار والإنشاد، ثم بحلقات السمر التي تليها، بما تحمله من قصص وطرائف تحلق بخيالنا أطفالا من أقصى الدنيا إلى أدناها.

في رمضان، كنا نصلي العشاء والتراويح، ثم نستمع إلى الفوازير والمسلسل الديني قبل أن ننام. وما هي إلا ساعات حتى يوقظنا صوت المطبلاتي (العم عطية) وهو يقرع طبلته الكبيرة بعصاه الغليظة قرعا مهيبا، لا يخفف رهبة صوته في قلوبنا إلا اللحن الذي يجبرك على أن تمشي خلفه متراقصا، تحمل بيدك فانوسا بدائيا يعمل بالشمع؛ كان ذلك الفانوس هو رمضان بالنسبة لنا.

نصلي الفجر ثم نجلس نتلو القرآن ونردد الأذكار حتى شروق الشمس، فنصلي الشروق، ثم نستعد للذهاب إلى المدرسة التي كانت تبعد عدة كيلومترات نقطعها سيرا على الأقدام. وبعد العودة، كنت أذهب مباشرة إلى محل والدي حتى أذان المغرب، وأحيانا كان يرسلني إلى المدينة لشراء احتياجات المتجر، فأركب القطار وحدي، وكل ذلك وأنا لم أتجاوز العاشرة من عمري.

كانت إذاعة القرآن الكريم لا تنقطع في البيت ولا في المحل، فشبت أذناي على أصوات كبار القراء؛ الحصري، والمنشاوي، وعبد الباسط، والبنا، والسيد متولي الذي كان يسكن على بعد كيلومترات من قريتنا والذي حفظت معه سور يوسف ومريم وقصار السور من كثرة الاستماع، خاصة برواية ورش، كما تشربت وجدانيات التواشيح بصوت طوبار والفشني والنقشبندي، وحكايات وأسمار الشيخ أحمد مجاهد التي كنا نبيع أشرطتها.

كان الوالد حريصا على الصلاة وتلاوة القرآن حتى بعد أن بلغ الثمانين من عمره وضعف بصره، فكان يقول لي: اقرأ وارفع صوتك كي أسمعك، فأجلس وأتلو وهو ينصت بخشوع. وحين ذهبت إلى الجامعة بعيدا عن الوالد والأهل، كان أول ما يبادرني به كلما اتصلت لأطمئن عليه أن يسألني: “هل صليت الفرض كذا؟” فأقول نعم، فيحمد الله ويطمئن. وظل على هذه الحال كلما التقيته أو هاتفته، وكأن الصلاة كانت خيط النور الذي يربطني به مهما بعدت المسافات.

رحل الوالد قبل اثنتى عشر عاما، وحُرمت رؤيته والصلاة عليه حين وفاته، وحُرمت المشي في جنازته وزيارة قبره. 

ولم يبق لي منه سوى تلك الذكريات التي أكتبها وأسترجعها، وأنا أقضي رمضاني الثالث عشر بعيدا عن الأهل وعن القرية التي نشأت بها، بعد أن حرمنا الاستبداد من الأحباب وشتت بين القلوب والديار.

ولا يواسيني في غربتي إلا صوت الوالد الذي ما زال يتردد بداخلي، كأنه لم يغب قط، حين أوصاني قبل أربعين عاما: “مكاسب الدنيا لا تساوي شيئا إذا خسرت الآخرة”. كلمات تلقائية قالها وقتها عابرا، لكنها بقيت معي زادا أعيش به، ونورا أستدل به في عتمة الدنيا، وعهدا أحمله ما حييت.

أسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة، ويغفر له، ويتقبله في الصالحين، وأن يمد له في قبره مد بصره، ويجزيه عني وعن إخوتي خير الجزاء، وأن يجمعني به في مستقر رحمته، كما جمعني به في الدنيا على محبة الخير والقرآن.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


أراد الله بها سوءاً فكان ترامب

أراد الله بها سوءاً فكان ترامب

ليس خافيا على المواطن الأمريكي أن المليارديرات أصحاب شركات عملاقة مثل غوغل، وول مارت، وأمازون، وتيسلا، وميتا، هم من أوصلوا ترامب إلى سدة الحكم مسنودا بأغلبية كاسحة في مجلسي النواب والشيوخ..

يقول المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، إن الهيمنة الأمريكية على العالم، نتجت عن أن النخبة الاجتماعية والاقتصادية، التي تسيطر على الولايات المتحدة، اتبعت "استراتيجية إمبراطورية كبرى" منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، للحفاظ على "مصالحها من خلال الوسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية. مع التجاهل التام  لحقوق الإنسان"، مع مواصلة الادعاء بأنها راعية الديمقراطية وحارسة حقوق الانسان في عموم الكون.

وبموازاة ذلك، ومنذ عام 1945 كانت الحكومة الأمريكية هي الداعم الأول للأنظمة المسؤولة عن الانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان ـ بما في ذلك التطهير العرقي والإبادة الجماعية، مثل السلفادور، وكولومبيا، ونيكاراغوا، والفلبين، وإيران، وإسرائيل، وجنوب إفريقيا، وإندونيسيا وغيرها. وصولا إلى التدخلات العسكرية المباشرة، مثل حرب فيتنام، وقصف الناتو ليوغوسلافيا، والحرب الأفغانية وحرب العراق، ويقول تشومسكي إن السياسة الخارجية للولايات المتحدة ـ سواء كانت خاضعة لسيطرة الإدارات الجمهورية أو الديمقراطية - تتبع نفس الأجندة المتمثلة في الوصول إلى الموارد الخام والأسواق بتعزيز الهيمنة الأمريكية على العالم.

ترامب بجهالته المتمكنة منه كلونه البرتقالي، وسيرته الشخصية المعطوبة، لم يتسبب في اختلالات هائلة في الاقتصاد العالم،ي الذي تسيّده حلفاء بلاده لقرون، فحسب، ولم يكتف بالسير في خط سلفه من حزب الجمهوري جورج دبليو بوش، بانتهاج سياسة العدوان العسكري المباشر على دول أخرى، أو عن طريق الوكيل التاريخي (إسرائيل)، بل يهدد باحتلال كندا، أو ولاية أونتاريو الكندية، وانتزاع قناة بنما من جمهورية بنما، وغرينلاند من الدنمارك، ووضع قطاع غزة تحت الوصاية الأمريكية بغطاء دولي.
في نظر العالم الخارجي تبدو الولايات المتحدة قوية وذات اقتصاد متقدم، بينما حقيقة الأمر هي أنها تعاني من مشكلات اقتصادية وسياسية جمّة، وبوصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مرة أخرى، بدأت تفقد موقعها في الاقتصاد العالمي. فقد تمدد النفوذ الأمريكي وقوي اقتصادها، لأنها ورثت الهيمنة عن الإمبراطورية البريطانية، وجعلت من العديد من الدول كواكب "تابعة" تدور في فلكها، بتنصيب حكام طراطير فيها، أو من خلال الشركات متعددة الجنسيات، تأسياً بشركة الهند الشرقية البريطانية (EIC) التي تم تأسيسها عام 1600 كشركة مساهمة للتجارة مع شرق آسيا، وسرعان ما تحولت إلى قوة استعمارية مهيمنة، سيطرت على شبه القارة الهندية، بجيشها الخاص وتجارتها بالقطن، الشاي، والأفيون، إلى أن تم حلها عام 1874 لتنتقل السلطة مباشرة الى التاج البريطاني.

أدت الهيمنة الأمريكية إلى تراكم هائل لرأس المال في الولايات المتحدة، وفي ظل نظامها الرأسمالي غير المحكوم بضوابط، تراكمت الثروات لدى شريحة محدودة العدد من الأوليغاركيين، والأوليغارية تعني حكم أقلية مفرطة الثراء، تعمل على تحقيق مصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة، بالتحكم في جهاز الدولة ولو من وراء الستار، ونتيجة لكل هذا أصبح المواطنون الأمريكان أكثر أهل البلدان المتقدمة معاناة من عدم المساواة في الأجور. وكان ويلفورد كنغ أول من نبه الى ذلك في عام 1915، حينما نشر نتيجة مسوحات تفيد بأن نحو 25% من المداخيل الأمريكية تذهب الى جيوب 1% من السكان، وعزا كنغ ذلك في أحد جوانبه الى نظام الرق الذي أدى عدم العدالة في توزيع الأراضي، فآلت من ثم معظم الأراضي الخصبة إلى شرائح صغيرة من الأمريكان البيض، وبحلول عام 2021 آلت 35% من ثروات البلاد إلى 1% من السكان.

خلال السنوات الأربعين الأخيرة، أصبح أوليغاركيو روسيا وأوكرانيا متحكمين في أمور الحكم، بينما يميل نظراؤهم الأمريكان إلى الإمساك بخيوط اللعبة دون الظهور على المسرح، وليس خافيا على المواطن الأمريكي أن المليارديرات أصحاب شركات عملاقة مثل غوغل، وول مارت، وأمازون، وتيسلا، وميتا، هم من أوصلوا ترامب إلى سدة الحكم مسنودا بأغلبية كاسحة في مجلسي النواب والشيوخ، بيد أن فوز أقلية ضئيلة العدد بمعظم الثروات والأموال، ليس قصرا على أمريكا، وفي هذا تقول فاطمة سومر الأستاذة بجامعة هارفارد، والمدير التنفيذي لمركز هارفارد للتنمية الدولية إن أغنى 10 أشخاص في العالم، لديهم أموال تفوق ما عند 3 مليارات من بني البشر الفقراء.

ثم جاءت الحقبة الترامبية (2017 ـ 2021 ثم 2025 ـ 2029)، حيث تزاوجت الأوليغاركية مع الغوغائية، فتولى مفرطو الثراء دعم الحملات الانتخابية بينما تولى الغوغائيون تحشيد المواطنين باسم المسيح وتحت شعارات "أمريكا أولا"، و"لنجعل أمريكا عظيمة مجددا"، كاتبين بذلك نعي العولمة وحرية السوق العالمي، فكان ما كان من أمر فرض رسوم جمركية باهظة على الواردات من جميع دول العالم، والعمل على تفكيك حلف الأطلسي، والإساءة إلى شركاء أمريكا التاريخيين في السياسة والاقتصاد والعمليات العسكرية، ونعْت شعوب هنا وهناك بعبارات غرفها من أنابيب الصرف الصحي. وكان حصاد كل ذلك هشيما، لأنه أدى إلى تقليص نفوذ الاقتصاد الأمريكي دوليا، لأن إغلاق السوق الأمريكي في وجه الواردات يغلق أبواب التصدير في وجه أمريكا، فكانت اللطمة في وجه الترامبيين، أن لغة التهديد والوعيد، عادت عليهم بنتائج عكسية، تمثلت في هجرة أوربية جماعية نحو الصين، الغريم الاقتصادي والعسكري الأول للولايات المتحدة.

إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل، فليس من الخطل والشطط القول بأن الله أراد بأمريكا سوءا فسلّط عليهم الجهل، ممثلا في ترامب، والجاهل عدو نفسه، وهكذا تولى ترامب من حيث لا يقصد تقليم أظافر بلاده في الساحة الدولية، بما يؤذن ببداية نهاية عصر الهيمنة الأمريكية.
وترامب بجهالته المتمكنة منه كلونه البرتقالي، وسيرته الشخصية المعطوبة، لم يتسبب في اختلالات هائلة في الاقتصاد العالم، الذي تسيّده حلفاء بلاده لقرون، فحسب، ولم يكتف بالسير في خط سلفه من حزب الجمهوري جورج دبليو بوش، بانتهاج سياسة العدوان العسكري المباشر على دول أخرى، أو عن طريق الوكيل التاريخي (إسرائيل)، بل يهدد باحتلال كندا، أو ولاية أونتاريو الكندية، وانتزاع قناة بنما من جمهورية بنما، وغرينلاند من الدنمارك، ووضع قطاع غزة تحت الوصاية الأمريكية بغطاء دولي.

وقياسا على القول الحكيم للإمام الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل، فليس من الخطل والشطط القول بأن الله أراد بأمريكا سوءا فسلّط عليهم الجهل، ممثلا في ترامب، والجاهل عدو نفسه، وهكذا تولى ترامب من حيث لا يقصد تقليم أظافر بلاده في الساحة الدولية، بما يؤذن ببداية نهاية عصر الهيمنة الأمريكية.