‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حلمي الأسمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حلمي الأسمر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 13 سبتمبر 2026

"نازا.. فيلم "إسرائيلي" يعترف بـ"نازيتهم" في غزة!

 "نازا.. فيلم "إسرائيلي" يعترف بـ"نازيتهم" في غزة!

حلمي الأسمر

في العاشر من أيلول/سبتمبر 2026، حدث شيء في قاعة "سالا غراندي" بمهرجان البندقية السينمائي يتجاوز حدود السينما بكثير. أُطفئت الأضواء، وبدأ عرض الفيلم الوثائقي الإسرائيلي "نازا"، وبعد ثمانين دقيقة تقريباً لم يكن الجمهور أمام فيلم آخر عن غزة، بل أمام محاولة لفتح باب غرفة العمليات التي صُنعت فيها الحرب نفسها. وحين أضيئت الأنوار، وقف الجمهور وصفق قرابة خمس وعشرين دقيقة، في واحدة من أطول وقفات التصفيق في تاريخ المهرجان، فيما رُفعت أعلام فلسطينية داخل القاعة، ووقف المخرجان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراحيل تسور متأثرين أمام جمهور يعرف أن ما شاهده ليس رواية فلسطينية عن الحرب، ولا تقريراً من منظمة حقوقية، وإنما شهادات جاءت من الجهة الأخرى: من رجال ونساء كانوا جزءاً من المنظومة التي راقبت وحددت واستهدفت الفلسطينيين في غزة. ولهذا فإن السؤال الذي تركه "نازا" خلفه لم يكن: ماذا حدث في غزة؟ فالعالم يعرف بعضاً مما حدث؛ السؤال كان أكثر رعباً: كيف حدث؟ ومن صنع الآلة التي جعلت قتل هذا العدد الهائل من البشر ممكناً؟

والحدث نفسه يستحق التوقف، فالفيلم عُرض ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية، أحد أقدم وأهم مهرجانات السينما في العالم، وكان الفيلم الوثائقي الوحيد المتنافس على الأسد الذهبي. ولم يصل إلى المهرجان كعمل مجهول أو هامشي؛ فمخرجاه يوفال أبراهام وراحيل تسور هما من الأسماء المرتبطة بفيلم "لا أرض أخرى"، الذي فاز بأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 2025.

أما إنتاج "نازا" فجاء بالشراكة مع صحيفة "الغارديان" وشركة المنتج جيمس ويلسون، فيما تولى المخرج البريطاني جوناثان غليزر، صاحب فيلم "منطقة الاهتمام"، الإنتاج التنفيذي. وهذه المصادفة الأخيرة ليست تفصيلاً سينمائياً عابراً؛ فغليزر الذي صنع في "منطقة الاهتمام" فيلماً عن قدرة الإنسان على مواصلة حياته الطبيعية بينما تجري الإبادة خلف الجدار، يجد نفسه الآن منتجاً تنفيذياً لفيلم يضع أمام المشاهدين شهادات عن منظومة قتل في غزة.

من هنا تأتي كلمة "نازا"، وهي الكلمة التي اختارها المخرجان عنواناً للفيلم لأنها تكشف، في حد ذاتها، شيئاً من طبيعة هذه الحرب. المصطلح مشتق من العبارة العبرية التي تعني "الضرر الجانبي"، لكنه يشير في السياق الذي يكشفه الفيلم إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في ضربة معينة


وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات "نازا" قسوة، وربما أكثرها دلالة: فالرجل الذي يتولى إنتاج الفيلم التنفيذي هو المخرج البريطاني جوناثان غليزر، صاحب "منطقة الاهتمام"، الفيلم الذي عاد إلى أوشفيتز لا ليروي حكاية الضحايا من داخل المعسكر، وإنما ليرينا شيئاً أكثر رعباً: عائلة رودولف هوس، قائد معسكر الإبادة، وهي تعيش حياتها اليومية في بيت وحديقة وأجواء عائلية عادية، بينما كانت ماكينة قتل اليهود تعمل خلف الجدار. كان غليزر يريد أن يسأل كيف يستطيع الإنسان أن يفصل بين حياته الطبيعية والجريمة التي تجري على بعد خطوات منه، وكيف يصبح الجدار وسيلة نفسية وأخلاقية لعزل الضحية عن الضمير.

وبعد سنوات قليلة، يجد المخرج نفسه منتجاً تنفيذياً لفيلم آخر يأتي من الجهة المقابلة تماماً لهذا الجدار. "نازا" لا يراقب عائلة تعيش بجوار ماكينة الإبادة، بل يدخل إلى داخل ماكينة القتل نفسها، إلى غرف المراقبة وشاشات الاستهداف وشهادات 24 من الجنود وضباط الاستخبارات الذين شاركوا في عمليات المراقبة والقتل عن بُعد في غزة.

وهنا يصبح الربط بين الفيلمين أكثر من مصادفة سينمائية؛ ففي "منطقة الاهتمام" كان السؤال: كيف يمكن للبشر أن يعيشوا حياة طبيعية فيما يجري قتل آخرين خلف الجدار؟ وفي "نازا" يصبح السؤال: كيف تتحول عملية قتل الآخرين نفسها إلى عمل إداري وتقني، إلى بيانات وأرقام وخوارزميات وأوامر وشاشات، بحيث يستطيع من يديرها أن يتحدث عنها كما لو كان يدير عملية عسكرية عادية؟

وبين أوشفيتز وغزة تتغير التكنولوجيا، وتتغير اللغة، وتتغير أدوات القتل، لكن السؤال الذي يلاحق غليزر وصنّاع "نازا" واحد: كيف تبدأ عملية نزع إنسانية الآخر، وكيف يصبح قتله قابلاً للحساب، ثم قابلاً للتنفيذ، ثم قابلاً للحياة اليومية؟ وليس من العبث أن يقول مخرجا "نازا" إنهما وجدا نفسيهما أمام الأسئلة نفسها التي طرحتها أجيال القرن العشرين: كيف تسمح جماعة من البشر بـ"نزع الإنسانية الكامل" عن جماعة أخرى؟ عند هذه النقطة لا يعود غليزر مجرد منتج لفيلم عن غزة؛ يصبح وجوده نفسه جسراً سينمائياً بين صورتين تاريخيتين للشر: صورة الجدار الذي كان يخفي الإبادة في أوشفيتز، وصورة الشاشة التي تجعل الإبادة في غزة بعيدة عن العين، قابلة للضغط على زر، وقابلة لأن تتحول إلى رقم في نظام إلكتروني. وإذا كان "منطقة الاهتمام" قد علّم العالم كيف يمكن أن يعيش الإنسان على بعد أمتار من الإبادة من دون أن يراها، فإن "نازا" تسأل السؤال المعاكس والأشد رعباً: ماذا يحدث عندما تصبح الإبادة نفسها نظاماً يستطيع الإنسان أن يديره من خلف شاشة؟

لكن الأهم أن "نازا" لم يولد في البندقية، فالمخرجان أمضيا ثلاث سنوات في العمل السري للوصول إلى أربعة وعشرين ضابطاً وجندياً وعاملاً في الاستخبارات الإسرائيلية، شاركوا، بدرجات مختلفة، في منظومة المراقبة والاستهداف التي يتناولها الفيلم. صُورت المقابلات ليلاً على أسطح في تل أبيب، وأخفيت الوجوه وحُرفت الأصوات رقمياً لحماية أصحابها. هؤلاء ليسوا شهوداً على حرب سمعوا عنها في نشرات الأخبار؛ إنهم، بحسب الفيلم، أشخاص كانوا داخل النظام نفسه، بعضهم في الاستخبارات وبعضهم في وحدات مرتبطة بالاستهداف، ولذلك فإن قيمة شهاداتهم بالنسبة لصانعي الفيلم تكمن تحديداً في أنهم يستطيعون أن يقولوا كيف كانت المنظومة تعمل من الداخل. وقد قال أبراهام إنهما لم يريدا صناعة فيلم عن "جنود مارقين"، وإنما عن النظام نفسه، عن الأوامر والسياسات واللغة والآليات التي تجعل القتل الجماعي ممكناً.

ومن هنا تأتي كلمة "نازا"، وهي الكلمة التي اختارها المخرجان عنواناً للفيلم لأنها تكشف، في حد ذاتها، شيئاً من طبيعة هذه الحرب. المصطلح مشتق من العبارة العبرية التي تعني "الضرر الجانبي"، لكنه يشير في السياق الذي يكشفه الفيلم إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في ضربة معينة. تخيلوا ذلك: قبل أن تسقط القنبلة، وقبل أن ينهار البيت، وقبل أن تُنتشل الجثث من تحت الركام، يوجد رقم تقديري لعدد المدنيين الذين سيقتلون. يصبح الطفل "نازا"، والأم "نازا"، والجد والجدة والأخوة والجيران أرقاماً تدخل في معادلة الاستهداف. ليس السؤال إذن: هل سيموت مدنيون؟ بل: كم مدنياً يمكن أن يموتوا حتى يظل الهدف العسكري مقبولاً؟ وهنا تنهار اللغة التي تحاول أن تجعل القتل عرضاً جانبياً للحرب؛ لأن الموت الذي تعرفه مسبقاً، وتحسبه مسبقاً، وتناقش إمكان قبوله مسبقاً، لم يعد مجرد حادث وقع بعد العملية، وإنما صار جزءاً من عملية اتخاذ القرار نفسها.

لكن الأكثر إثارة للرعب أن "نازا" لا يقدم هذه المعادلة في صورة جندي يرفع بندقية ويطلق النار، إنه يدخل بنا إلى عالم أكثر برودة: عالم الهواتف والبيانات والخوارزميات والشاشات. في غزة، يصبح الهاتف جزءاً من عين الحرب؛ الموقع، الاتصال، حركة الجهاز، علاقته بأجهزة أخرى، نمط الاتصالات، كلها إشارات يمكن جمعها وتحليلها، ثم تأتي الأنظمة الإلكترونية التي تساعد الاستخبارات على غربلة هذا الكم الهائل من المعلومات. ومن أبرز ما يناقشه الفيلم نظام "لافندر"، الذي كان قد ظهر في التحقيقات الصحفية السابقة حول استخدام منظومات تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد الأشخاص الذين تعتبرهم إسرائيل أهدافاً محتملة. هنا لا تعمل الآلة بوصفها قاتلاً مستقلاً؛ وهذه نقطة يجب فهمها بدقة؛ الآلة لا تضغط الزناد وحدها، وإنما تساعد المؤسسة على صناعة قائمة الأهداف بسرعة وعلى نطاق هائل، ثم يأتي الإنسان للمراجعة والموافقة والتنفيذ.

وهذا هو الوجه الحقيقي للثورة التكنولوجية في الحرب: الذكاء الاصطناعي لا يلغي الإنسان، وإنما يستطيع أن يجعل الإنسان قادراً على إدارة عدد من عمليات القتل أكبر بكثير مما يستطيع أن يستوعبه كأفعال فردية. عندما يجلس موظف أمام شاشة ويشاهد رقماً أو إحداثية بدلاً من وجه إنسان، تصبح المسافة النفسية بين القرار والضحية هائلة. أحد المشاركين في الفيلم يصف العملية بأنها شبيهة بلعبة فيديو، وآخرون يتحدثون عنها كأنها مصنع. وهذه الكلمات، مهما بدت صادمة، تكشف جوهر التحول: القتل الذي كان يحتاج في الماضي إلى مواجهة مباشرة بين القاتل والضحية أصبح يمكن أن يمر عبر طبقات من البيانات والخوارزميات والشاشات حتى لا يرى أحد في السلسلة الإنسان الذي سيموت.

لكن "نازا" يذهب إلى مكان أشد ظلمة، فالمسألة، وفق الشهادات التي يقدمها، لم تكن دائماً تحديد مقاتل في شارع أو استهداف منشأة عسكرية بعيدة عن السكان، بل الوصول إلى الأشخاص داخل بيوتهم. وهنا يصبح الهاتف أداة لمعرفة أين يوجد الهدف، ومتى يوجد في منزله، ومن يمكن أن يكون معه. ويشير الفيلم إلى شهادات عن معرفة مسبقة بأن البيوت (أو حتى الخيم والخرابات!) المستهدفة مأهولة، وأن أطفالاً ونساء موجودون فيها. هذه النقطة بالذات هي التي تجعل مصطلح "الضرر الجانبي" يبدو كأنه قناع لغوي؛ لأنك إذا كنت تعرف أن البيت مأهول، وتعرف أن عائلة ستقتل، وتعرف تقريباً عدد الذين سيسقطون، ثم تمضي في الضربة، فهل ما يحدث "ضرر جانبي" فعلاً؟ أم أن المدنيين أصبحوا جزءاً متوقعاً من النتيجة؟

وهنا يفتح الفيلم الباب على مفهوم الإبادة الجماعية، لا باعتبار أن فيلماً وثائقياً يستطيع وحده إصدار حكم قضائي، وإنما باعتبار أن شهاداته تفرض السؤال عن القصد والمنهج والغاية، فالقتل الجماعي هو الوجه الأكثر وضوحاً للإبادة، لكنه ليس الوجه الوحيد الذي ينبغي أن نبحث عنه عندما نتحدث عن تدمير جماعة بشرية. ماذا يحدث عندما لا يُقتل الإنسان فقط، بل يُدمر البيت الذي يعيش فيه، والمستشفى الذي يعالجه، والمدرسة التي يتعلم فيها أطفاله، ومصادر الماء والطاقة والغذاء، والطرق التي تربطه بالعالم، والأحياء التي تشكل ذاكرته ومجتمعه، ثم يُدفع إلى النزوح مرة تلو أخرى حتى تصبح العودة إلى المكان الذي كان يسمى "وطناً" أمراً بالغ الصعوبة؟ هنا لا يعود السؤال: كم جثة أنتج القصف؟ بل يصبح: هل تُدمر شروط الحياة نفسها؟

وهذه، في رأيي، أخطر نقطة في "نازا"، لأنها تنقل النقاش من إبادة الأجساد إلى إبادة إمكانية الحياة. أن تقتل الإنسان يعني أن تنهي حياته، أما أن تدمر البيئة التي تجعل حياته وحياة جماعته ممكنتين، ثم تجعل العودة وإعادة البناء شبه مستحيلتين، فأنت لا تضرب فرداً فقط؛ أنت تضرب قدرة مجتمع على الاستمرار. وهذه هي الإبادة الجماعية في أبشع نسخها: النسخة الإسرائيلية؛ وهنا يمكن فهم الحديث في الفيلم عن تدمير واسع للمنازل وخلق واقع يمنع السكان من العودة. فالبيت ليس إسمنتاً فقط، والمدرسة ليست جدراناً، والمستشفى ليس مبنى، والماء ليس أنبوباً؛ هذه كلها شروط مادية لبقاء المجتمع. وعندما تُسحق بصورة متزامنة، يصبح الدمار أكثر من مجموع أجزائه.

وهنا تتضح خطورة نظام القتل الإلكتروني نفسه، فهو يستطيع أن يساعد على قتل الأشخاص، بينما تقوم القوة العسكرية في الوقت نفسه بتدمير المكان الذي يفترض أن يعيش فيه من بقي منهم. التكنولوجيا تلاحق الإنسان، والقنابل تطارد المكان، والنتيجة مجتمع يفقد البشر ويفقد البيئة التي تحفظ بقاءه. هذه ليست مجرد معادلة عسكرية؛ إنها، في أبشع صورها، معادلة تفكيك مجتمع وإبادته بمنتهى الوحشية وقدم بارد أيضا.

والشهادات التي يقدمها "نازا" لا تأتي دائماً من أشخاص يقولون إنهم كانوا مذعورين مما يحدث منذ البداية. بعضهم يتحدث عن العمل كأنه وظيفة، وبعضهم يصف الإثارة والأدرينالين، وبعضهم يصفه بأنه لعبة أو مصنع، وبعضهم يحتمي بعبارة "أنا مجرد ترس" في آلة. وهذه العبارة الأخيرة ربما تكون أكثر العبارات دلالة في الفيلم كله؛ لأن الإبادة الحديثة، إذا أردنا فهم آليتها، لا تحتاج إلى آلاف الوحوش الذين يستمتعون بالقتل؛ تحتاج إلى آلاف البشر الذين يُقنع كل واحد منهم نفسه بأنه مجرد جزء صغير من منظومة أكبر منه. واحد يجمع البيانات، وآخر يحدد الموقع، وثالث يقترح الهدف، ورابع يوافق، وخامس ينفذ، وسادس يراجع النتائج. وفي النهاية يستطيع كل واحد أن يقول: لم أقتل أنا.

لكن الآلة لا تقتل وحدها؛ البشر يصممونها ويشغلونها ويضعون قواعدها، والخوارزمية لا تمتلك أخلاقاً من تلقاء نفسها؛ الأخلاق التي تحملها هي الأخلاق التي يضعها البشر في النظام الذي تستخدمه. ولذلك فإن السؤال الأخطر الذي يطرحه "نازا" ليس: هل كان الذكاء الاصطناعي مسؤولاً؟ وإنما: أي نوع من البشر يصبح قادراً على قتل هذا العدد من البشر عندما تساعده الآلة على ألا يراهم؟

وهنا تأتي واحدة من أكثر لحظات الفيلم إيلاماً، عندما يدخل المشاركون في مواجهة مع صورتهم عن أنفسهم وعن التاريخ. أحدهم يستحضر النازيين باعتبارهم الشر المطلق، ثم يصل إلى السؤال الذي لا يستطيع الهروب منه: إذا كنت ما زلت أرى النازيين أشراراً، فما الذي يجعلني مختلفاً؟ ليست هذه محاكمة تاريخية جاهزة، لكنها لحظة مرآة؛ رجل شارك في منظومة قتل يجد نفسه مضطراً إلى مقارنة صورته الأخلاقية عن نفسه بما فعله بالآخرين!

ومن هنا جاء عنواننا: "نازا".. فيلم إسرائيلي يعترف بـ"نازيتهم" في غزة! كلمة "نازيتهم" هنا ليست حكماً قضائياً، ولا ادعاء؛ إنها المفارقة السوداء التي يضعها الفيلم أمام المشاهد الإسرائيلي والعالمي: مجتمع يحمل ذاكرة النازية بوصفها أقصى درجات الشر، ثم يظهر منه أشخاص يقولون إنهم شاركوا في منظومة تحول الإنسان إلى رقم، وتعرف أن الأطفال موجودون في البيت، وتحسب مسبقاً عدد المدنيين الذين سيموتون، وتستخدم التكنولوجيا لتوسيع نطاق الاستهداف، وتشارك في تدمير المكان الذي يفترض أن يعيش فيه الناجون.

الجيش الإسرائيلي -كالعادة- يرفض هذه الصورة رفضاً قاطعاً، ويقول إن الشهادات مجهولة الهوية ولا يمكن التحقق منها، وإن قرارات الاستهداف والموافقة على الضربات يتخذها بشر، وإن الجيش يتخذ إجراءات لتقليل أذى المدنيين(!). وهذا الرد يجب أن يبقى في أي قراءة جادة للفيلم؛ لكن المشكلة بالنسبة إلى الرواية الرسمية أن "نازا" لا يقف وحده في الفراغ؛ فهو يأتي بعد سلسلة من التحقيقات الصحفية التي نشرتها "972+" و"لوكال كول" و"الغارديان" حول أنظمة الاستهداف والمراقبة والذكاء الاصطناعي في غزة، ويحاول تحويل تلك التحقيقات إلى شهادات بشرية مصورة من داخل المؤسسة نفسها

ولهذا فإن المعركة الحقيقية حول الفيلم لم تبدأ بعد، عرض البندقية كان مجرد البداية. "نازا" ينتقل بعد ذلك إلى مهرجان نيويورك السينمائي، حيث يعرض في 26 و27 أيلول/سبتمبر ضمن الدورة الرابعة والستين للمهرجان، فيما حصلت شركة "إم كيه2" الفرنسية على حقوق المبيعات العالمية. أي أن الفيلم لن يبقى حبيس القاعة الإيطالية التي شهدت التصفيق الطويل؛ إنه يدخل إلى الجمهور الأمريكي، ثم إلى سوق التوزيع الدولي، ويحمل معه شهادات قد تصبح جزءاً من النقاش الإعلامي والسياسي والقانوني حول الحرب في غزة

وربما لهذا تحديداً يجب ألا ننشغل كثيراً بعدد دقائق التصفيق في البندقية، مهما كان الرقم لافتاً. التصفيق سينتهي، والمهرجان سينتهي، وستغادر الكاميرات القاعة، لكن ما لن ينتهي بسهولة هو السؤال الذي يتركه الفيلم وراءه: ماذا يعني أن تمتلك "دولة!" نظاماً يستطيع مراقبة ملايين الإشارات، وتحويل البيانات إلى أهداف، وتقدير عدد المدنيين الذين سيموتون، ثم إرسال القنابل إلى البيوت؟ وماذا يعني أن تتزامن هذه القدرة على قتل الإنسان مع قدرة عسكرية على تدمير البيت والمدرسة والمستشفى والماء والطريق، بحيث لا يعود الناجي إلى المكان الذي كان يعيش فيه؟

الفيلم لم يأتِ ليخبر العالم أن غزة تحترق، العالم يعرف ذلك، لقد جاء ليضع أمام العالم بعض الذين جلسوا خلف الشاشات ويقول لهم: هذه ليست فقط صورة القنبلة وهي تسقط، هذه هي الطريقة التي اخترنا بها أين تسقط


هنا تصبح غزة في "نازا" أكثر من أرض تجري فوقها حرب، تصبح المكان الذي التقت فيه الخوارزمية بالقنبلة، والبيانات بالإحداثية، والإنسان بالرقم، والقتل بتدمير شروط الحياة. وإذا كان قتل الإنسان هو الوجه الأول للإبادة، فإن جعل الحياة مستحيلة هو وجهها الذي لا يجوز أن يضيع خلف أعداد القتلى.

فالإبادة لا تبدأ دائماً عند لحظة الموت، قد تبدأ قبلها بكثير؛ في اللحظة التي يجلس فيها رجل أمام شاشة ويحوّل إنساناً إلى بيانات، وفي اللحظة التي تتحول فيها الأسرة إلى "خسارة مدنية متوقعة"، وفي اللحظة التي يصبح البيت هدفاً لأن صاحبه موجود داخله، وفي اللحظة التي يصبح عدد الأطفال الذين سيموتون رقماً يمكن تحمله، وفي اللحظة التي يقرر فيها أحدهم أن دوره "تقني" وأنه مجرد "ترس صغير". ثم تأتي القنبلة، ثم يأتي الركام، ثم يأتي النزوح، ثم لا يبقى بيت يعود إليه أحد.

وهنا يكون السؤال الأكثر قسوة الذي يتركه "نازا" أمام العالم: هل كان الهدف قتل الفلسطينيين في غزة فقط، أم كان الهدف أيضاً قتل غزة بوصفها مكاناً يمكن للفلسطينيين أن يعيشوا فيه؟ إذا كانت الإجابة موجودة في الشهادات التي يقدمها الفيلم، فإننا لا نكون أمام "ضرر جانبي" على الإطلاق، وإنما أمام شيء أكثر اتساعاً وأشد رعباً: منظومة تجعل الموت محسوباً، والقتل قابلاً للتكرار، والمدينة قابلة للمحو، والحياة نفسها هدفاً.

وهنا، ربما، نفهم لماذا كان الصمت بعد التصفيق أهم من التصفيق نفسه؛ لأن الفيلم لم يأتِ ليخبر العالم أن غزة تحترق، العالم يعرف ذلك، لقد جاء ليضع أمام العالم بعض الذين جلسوا خلف الشاشات ويقول لهم: هذه ليست فقط صورة القنبلة وهي تسقط، هذه هي الطريقة التي اخترنا بها أين تسقط.

وهذا هو الجرح الذي فتحه "نازا" داخل إسرائيل، وفي الوعي العالمي كله: ليس جرح الضحية هذه المرة، بل "جرح!" القاتل حين يُجبر على النظر إلى الآلة التي شارك في تشغيلها، ويرى أن الإنسان الذي كان رقماً على شاشته كان طفلاً، وأن البيت الذي كان إحداثية كان حياة، وأن "الضرر الجانبي" الذي حسبه قبل القصف كان عائلة كاملة، وأن المدينة التي كان يراها خريطة عمليات كانت وطناً. عندها فقط يصبح عنوان الفيلم مرعباً في بساطته: "نازا"؛ الاسم الذي اختصر الإنسان إلى رقم، والرقم الذي سبق القنبلة، والقنبلة التي لم تقتل الإنسان وحده، بل بدأت، مع آلاف القنابل الأخرى، في قتل المكان الذي كان يفترض أن يعيش فيه.

"نازا".. فيلم إسرائيلي يعترف بـ"نازيتهم" في غزة!


الأحد، 30 أغسطس 2026

كيف حوّل البنتاغون هاتفك إلى زناد يُطلق على غزة؟

كيف حوّل البنتاغون هاتفك إلى زناد يُطلق على غزة؟




حلمي الأسمر
"الهاتف الذي في يدك قد لا يطلق الرصاص، لكنه يفتح الباب لمن يطلقونه"

سؤال يقلب الموازين: لماذا يظل مستخدم "فيسبوك" في القاهرة أو عمّان يظن أنه "يتواصل" بينما بياناته تُستخدم لتحديد أهداف الطائرات الإسرائيلية؟

الإجابة
ليست في غرفة مظلمة، بل في تاريخ الإنترنت ذاته، وفي عقود من التمويل العسكري، وفي صفقات سرية كشفت عنها وثائق سنودن واعترافات رؤساء شركات مثل "أوراكل". 
الحقيقة أن ما نحمله في جيوبنا ليس مجرد هاتف، بل هو محطة استشعار متنقلة في شبكة حرب عالمية، تصميمها الأساسي لم يكن للتواصل الإنساني، بل للبقاء بعد النووي ولمراقبة البشرية جمعاء.

المولد العسكري للإنترنت: لم تكن "هدية مجانية"

قبل أن يصبح الإنترنت تطبيقات وأسهماً في البورصة، كان مشروع "أربانت" الذي مولته وكالة "داربا" (ذراع البحث العسكري في البنتاغون). كان الهدف الوحيد: إنشاء شبكة اتصالات لا تتعطل حتى لو ضربت صواريخ نووية بعض مراكزها. التقنية التي نستخدمها الآن ولدت في مختبرات الحرب الباردة، ولم تولد في مرائب السيليكون فالي.

كيف أصبحت هذه البيانات أداة حرب في غزة؟ تأتي الإجابة عبر شركات مثل "أوراكل" و"أمازون" و"غوغل" التي وقّعت عقوداً ضخمة مع الجيش الإسرائيلي

ما معنى ذلك؟
معناه أن الشيفرة الأساسية التي تشغّل كل تطبيق، وبروتوكولات نقل البيانات، وأنظمة التوجيه، جميعها مملوكة فكرياً للجيش الأمريكي، ولم تُمنح للقطاع الخاص مجاناً، بل بيعت له مقابل صفقة واحدة: الوصول المستمر إلى كل بيانات المستخدمين حول العالم. هذا ليس "نظرية مؤامرة"، بل هو النموذج التشغيلي الموثق في عقود "بريزم" و"إكس كي سكور" وغيرها!!

من "بريزم" إلى "مينتا": العلاقة العضوية بين وادي السيليكون وغرف العمليات

عندما كشف إدوارد سنودن في 2013 عن برنامج "بريزم"، أوضح أن شركات مثل جوجل وفيسبوك ومايكروسوفت وأبل وياهو كانت تزوّد وكالة الأمن القومي ببيانات مستخدميها بشكل منهجي. لم يكن ذلك "انتهاكاً"، بل كان امتثالاً لقوانين فيدرالية تُلزم هذه الشركات، لأنها في الأساس بنية تحتية وطنية للولايات المتحدة.

السؤال الأكثر إزعاجاً: كيف أصبحت هذه البيانات أداة حرب في غزة؟ 
تأتي الإجابة عبر شركات مثل "أوراكل" و"أمازون" و"غوغل" التي وقّعت عقوداً ضخمة مع الجيش الإسرائيلي:

- مشروع "نيمبوس" (غوغل وأمازون) زوّد الحكومة الإسرائيلية بسحابة رقمية عملاقة، تستخدم الآن لتخزين وتحليل كميات هائلة من بيانات المراقبة والاستهداف.

- مشروع "مينتا" السري بين أوراكل وسلاح الجو الإسرائيلي، وهو المشروع الذي اعترفت رئيستها التنفيذية السابقة "صفرا كاتز" بأنه وفّر تكنولوجيا "مخيفة بشكل عميق" للجيش، ورأت فيه موظفيها بالزي العسكري في غرفة عمليات "الكرياه (مبنى وزارة الدفاع) بتل أبيب، ووصفته بـ"أكثر لحظات حياتها فخراً".

الربط هنا لا يحتاج إلى تأويل: البنية السحابية ذاتها التي تدير تطبيقاتك، وتُخزّن صورك، وتحلل تفضيلاتك، هي ذاتها التي تُستخدم الآن لتحليل خرائط التموضع في غزة، وتحديد أنماط الحركة، وتسريع قرارات القصف. أنت عندما تفتح "جوجل ماب" تُعلّم الخوارزميات كيف تقرأ المدن، وهذا التعليم يُعاد استخدامه عسكرياً!

الفلسطيني يموت مرتين: مرة بالقنبلة، ومرة بالبيانات

الحرب على غزة والإبادة الجماعية المستمرة حتى ساعة كتابة هذه السطور، بالتوافق مع "هندسة التجويع" لم تكن مجرد قنابل، بل كانت معركة خوارزميات. الجيش الإسرائيلي يستخدم أنظمة ذكاء اصطناعي مثل "لافندر" و"غوسبلي" لتوليد أهداف من بين مئات الآلاف من عناوين الهواتف المحمولة، بناءً على أنماط سلوكية رقمية تُجمّع من السحابة. البيانات التي تضعها عن نفسك عن غير قصد تُترجم إلى "اشتباه" قد يتحول إلى نقطة حمراء على شاشة طيار مسيّر.

وهنا تكشف المفارقة العربية الأكثر مرارة: المستخدم العربي هو الذي يُغذي بالنقاط التي تستهدفه! كل بحث، كل تفاعل، كل موقع يتم زيارته، كل صورة تُرفع، تصبح جزءاً من "بصمة رقمية" يُعاد تشغيلها في خوارزميات عدائية. القاتل لا يحتاج إلى جاسوس في الشارع؛ يكفيه أن يحلل بيانات السحابة التي تدفع لها اشتراكاً شهرياً.

من يملك السحابة يملك القرار: درس الصين الذي لم نتعلمه

الصين التي اتهمت بـ"الرقابة" كانت تفعل شيئاً أعمق: كانت تفك الارتباط ببنية تحتية معادية. أنشأت نظامها الملاحي "بي دي إس" بدل "جي بي إس"، وطورت منصاتها السحابية والذكاء الاصطناعي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، ليس لأنها تخاف من التجسس فقط، بل لأنها أدركت أن السيادة الرقمية هي السيادة السياسية.

على النقيض، تفتح الدول العربية اليوم أحضانها لأوراكل وأمازون لبناء "مدن ذكية"، وتسليمها مفاتيح بيانات مواطنيها، بينما توقّع هذه الشركات في الوقت نفسه عقوداً عسكرية مع الكيان الصهيوني. لا يمكن أن تكون "شريكاً مدنياً" في القدس و"شريكاً عسكرياً" في تل أبيب بنفس الوقت، دون أن يكون ضميرك ميتاً، أو دون أن تكون فلسفتك في التنمية هي مجرد استهلاك!

ماذا نفعل؟ بين المقاطعة والبناء

هذه ليست دعوة لكسر الهاتف، فهذا لن يغيّر شيئاً. الدعوة هي:

أولا: وعي مؤسسي: على الحكومات العربية أن تدرك أن استضافة السحابة على أراضيها لا تعني السيادة عليها، السيادة تعني القدرة على تشغيل الأنظمة الحيوية دون الرجوع إلى مزود خارجي.

ثانيا: بدائل عربية مفتوحة المصدر: دعم النظم العربية الناشئة التي تطور بدائل للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، حتى ولو كان حجمها صغيراً، لأن البدايات الصغيرة هي التي تنمو.

ثالثا: ضغط مدني منظم: طرح أسئلة واضحة على الشركات العاملة في المنطقة: هل تبرم عقوداً عسكرية مع إسرائيل؟ هل تسمح باستخدام بنيتها في عمليات استهداف؟ ماذا تفعل لمنع ذلك؟

المستخدم العربي هو الذي يُغذي بالنقاط التي تستهدفه! كل بحث، كل تفاعل، كل موقع يتم زيارته، كل صورة تُرفع، تصبح جزءاً من "بصمة رقمية" يُعاد تشغيلها في خوارزميات عدائية. القاتل لا يحتاج إلى جاسوس في الشارع؛ يكفيه أن يحلل بيانات السحابة التي تدفع لها اشتراكاً شهرياً

رابعا: إعادة تعريف العلاقة الشخصية: ليس إلغاء الهاتف، بل تقليل التسريب الطوعي. إيقاف الإشعارات ليس فقط للراحة النفسية، بل تقليل نقاط البيانات التي تمنحها للخوارزميات، ولو استطعت أن تحذف تطبيقات ما يسمى "التواصل الاجتماعي" من هاتفك وإبقائها على جهاز الحاسوب، فهذا أفضل، لأنك بهذا تمنع تدفق المعلومات لمن يرصدك وفي "الوقت الفعلي" ولمن يستعمل حركاتك وسكناتك لتغذية بنك معلوماته!!

الخلاصة: الهاتف ليس بوابتك للعالم.. بل هو سلسلة البنتاغون حول عنقك

عنوان هذا المقال ليس استفزازياً بل وصفياً دقيقاً. البنتاغون هو الذي مول التقنية، ووضع شروطها، وفرض قوانينها، وأعاد توزيعها كامتيازات لشركات خاصة. وهذه الشركات هي التي تبيع الآن البنية ذاتها للعدوان الصهيوني في فلسطين ولبنان وسوريا وإيران، وفي كل مكان. الهاتف الذي تلمسه كل صباح ليس أداة محايدة؛ إنه طرف في شبكة تجنيد إلكتروني.

غزة وفلسطين كلها، لم تتعرض للعدوان بالقنابل وحدها، بل لأن العالم العربي (أيضا) ظل مستهلكاً رقمياً، ولم يتحول يوماً إلى منتج للسيادة الرقمية. لذلك، كل نقرة على الشاشة، كل صورة تحملها، كل موقع تسجله، كل رسالة ترسلها، تتحول في الطرف الآخر إلى ذخيرة. فإما أن نعيد تعريف علاقتنا بهذه الأدوات، وإما أن نظل نُذبح مرتين: مرة بالحديد، ومرة بالسيليكون!

الهاتف الذي في يدك قد لا يطلق الرصاص، لكنه يفتح الباب لمن يطلقونه. تحرير فلسطين يبدأ، اليوم، بتحرير بياناتنا من قبضة من يحاربنا بها!

الأحد، 31 مايو 2026

نظام الطيبات.. لماذا أغرم به البعض واستفزّ آخرين؟

 نظام الطيبات.. لماذا أغرم به البعض واستفزّ آخرين؟

حلمي الأسمر

   الطب الحديث بارع بصورة مذهلة في التعامل مع الطوارئ وإنقاذ المرضى  
  من الموت، لكنه لا يستطيع وحده أن يفسر لماذا تستمر الأمراض "المزمنة" 
                              في التوسع رغم كل هذا التقدم.                                               



كيف تحوّل نظام غذائي بسيط إلى أحد أكثر القضايا الصحية إثارة للجدل في العالم العربي؟

تخيّل أنك أخبرت إنسانًا قبل مئة عام أن حبة بطاطا (أو صحن أرز مثلا!) قد تساعد بعض الناس على استعادة صحتهم. غالبًا لن يستغرب كثيرًا، فالبشر عاشوا آلاف السنين وهم يرون الطعام جزءًا من الحياة وجزءًا من الشفاء في الوقت نفسه. لكن جرّب أن تقول الشيء ذاته اليوم، في عصر المختبرات العملاقة والمستشفيات الذكية وشركات الدواء العابرة للقارات، وستجد نفسك متهمًا بالشعبوية أو الجهل أو الترويج للخرافة والهرطقة العلمية. والسؤال الذي يستحق التأمل ليس إن كانت البطاطا تشفي أم لا، ولا إن كان الأرز دواءً أم مجرد طعام، بل كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإيمان بحبة دواء أكثر عقلانية من الإيمان بطبق طعام، وكيف أصبحنا نثق بأن الشفاء في الصيدلية وليس في المطبخ؟

إن العالم نفسه يشهد انفجارًا غير مسبوق في الأمراض التي يسميها الطب الحديث "مزمنة!" علما بأنه لم يعرف حتى الآن سببها، ولذا فهو يتعامل معها بعقلية إدارة المرض والسيطرة على أعراضه لا الشفاء منه؛ فالسكري والسمنة وارتفاع الضغط وأمراض القلب واضطرابات المناعة والقولون والاكتئاب والسرطان أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لمئات الملايين من البشر وجلها أو كلها مجهولة السبب حسب اعتراف الأطباء.

نحن نعيش في أكثر العصور تقدمًا من الناحية الطبية في تاريخ البشرية. لم يمتلك الإنسان يومًا هذا العدد الهائل من الأطباء والمستشفيات والأجهزة التشخيصية والعقاقير المتطورة. ينفق العالم اليوم أكثر من عشرة تريليونات دولار سنويًا على الصحة، وتقترب قيمة سوق الدواء العالمية من تريليوني دولار، وتُضخ مئات المليارات في الأجهزة والمستلزمات الطبية ومراكز الأبحاث وشركات التكنولوجيا الحيوية.

ومع ذلك، فإن العالم نفسه يشهد انفجارًا غير مسبوق في الأمراض التي يسميها الطب الحديث "مزمنة!" علما بأنه لم يعرف حتى الآن سببها، ولذا فهو يتعامل معها بعقلية إدارة المرض والسيطرة على أعراضه لا الشفاء منه؛ فالسكري والسمنة وارتفاع الضغط وأمراض القلب واضطرابات المناعة والقولون والاكتئاب والسرطان أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لمئات الملايين من البشر وجلها أو كلها مجهولة السبب حسب اعتراف الأطباء.

وهنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: إذا كنا نعيش العصر الذهبي للطب، فلماذا يبدو أننا نعيش أيضًا العصر الذهبي للمرض؟ هل هناك سر في الأمر؟ أهي مؤامرة كونية لاستعباد المريض لحبة الدواء كي يبقى طيلة حياته ملزما بدفع "اشتراك شهري" لمنتجي أدوية الأمراض "المزمنة"؟ أم أن هناك عنصرا خطرا في المشهد يجعل كل من يقترب من فهمه خطرا على استثمارات بمليارات الدولارت؟

هذا السؤال هو الذي منح الجدل حول نظام الطيبات للدكتور ضياء العوضي رحمه الله كل هذه الحرارة. فالرجل لم يأتِ بعقار جديد، ولم يكتشف عضوًا مجهولًا في جسم الإنسان، ولم يقدّم معادلة سحرية لإطالة العمر. كل ما فعله أنه أعاد طرح سؤال قديم بلغة جديدة: ماذا لو كانت بعض الأمراض التي نعدّها اليوم قدرًا محتومًا مرتبطة بالطريقة التي نأكل بها أكثر مما نتصور؟ وماذا لو كان جزء من الحل (وربما كله) موجودًا في المطبخ قبل أن يكون موجودًا في الصيدلية؟

ولأن السؤال كان كبيرًا ومزعجًا، جاءت ردود الفعل متطرفة بالقدر نفسه. فريق رأى فيه ثورة صحية تعيد الاعتبار لحكمة الجسد وقدرته على التعافي، وذهب أكثر من هذا، حين تحول محبو العوضي والمؤمنون به إلى "طائفة!" عقائدية متعصبة لا تطيق نقده أو رميه ولو بوردة، وفريق آخر اعتبره تبسيطًا مخلًا لمشكلات معقدة لا يمكن حلها بطبق أرز أو حبة بطاطا. بل إنه تحول إلى رمز للسخرية لدي كثيرين، فسمى نظامه نظام النوتيلا، وصاحب نظرية: تناولوا نصف كيلو من السكر(!) والأخطر من كل هذا رأينا مئات الفيديوهات التي يعلن أصحابها على منصات الإعلام الشعبي أنهم تعافوا من أمراض مستعصية فور تطبيقهم لنظام الطيبات، ويقابلهم في هذا من يسرد حالات وفاة أو انهيار صحي خطير تسبب فيها النظام، لكن المدهش أن الفكرة التي أثارت كل هذا الجدل ليست جديدة أصلًا.

 ففي عام 1939، وبينما كانت خيارات علاج ارتفاع ضغط الدم الخبيث والفشل الكلوي وقصور القلب محدودة للغاية، كان الطبيب الأمريكي والتر كيمبنر في جامعة ديوك يحقق نتائج أذهلت المجتمع الطبي من خلال نظام غذائي بسيط قائم أساسًا على الأرز والفواكه مع خفض شديد للملح والدهون. لم يكن الرجل مؤثرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يكن يبيع مكملات غذائية أو دورات تدريبية، بل كان أستاذًا في واحدة من أعرق الجامعات الأمريكية. ومع ذلك فقد شهد مرضاه تحسنًا ملحوظًا في ضغط الدم ووظائف الكلى وحجم القلب وضبط السكر والوزن، ودخلت تجربته التاريخ الطبي باعتبارها واحدة من أكثر التجارب الغذائية إثارة للجدل والاهتمام.

وبعد عقود جاء الطبيب الأمريكي جون ماكدوغال ليطرح سؤالًا لا يقل إحراجًا: إذا كانت البطاطا والأرز والذرة والشوفان قد شكلت عبر التاريخ الغذاء الأساسي لشعوب كاملة، فكيف تحولت فجأة إلى متهمين على موائدنا الحديثة؟ وكيف أصبح الإنسان الذي عاش أجداده قرونًا على هذه الأطعمة يخاف منها أكثر مما يخاف من المنتجات فائقة التصنيع التي لم يعرفها أي جيل سابق؟ لم يكن ماكدوغال يدافع عن البطاطا بوصفها معجزة، بل كان يذكّر العالم بحقيقة بسيطة: أن كثيرًا من الأمراض الحديثة لم تظهر في الفراغ، بل ظهرت بالتوازي مع التحول الجذري في طبيعة الغذاء نفسه، وفي الحقيقة كان لي تجربة شخصية مع حمية البطاطا فقد طبقتها قبل سنوات لضبط وزني، حتى أن أحد الأصدقاء الصحفيين ظل يدعوني لسنوات بأبي البطاطا، لكثرة ما كان يراني آكل البطاطا!

وهنا ربما نقترب من جوهر المشكلة. فالقصة ليست قصة الأرز ولا البطاطا ولا حتى نظام الطيبات. القصة أن الإنسان المعاصر يعيش داخل أكبر تجربة غذائية في تاريخ البشرية دون أن يشعر. آلاف المواد المضافة، ومئات المنكهات والمثبتات والمحسنات، وزيوت صناعية لم يعرفها أجدادنا، وسكريات فائقة التركيز، وأطعمة مصنعة لا تشبه أصلها الطبيعي إلا بالاسم. ثم نقف بعد ذلك أمام الارتفاع المتواصل في معدلات الأمراض ونتساءل بدهشة: لماذا يمرض الناس أكثر من أي وقت مضى؟

والأكثر غرابة أننا أصبحنا نتعامل مع الطعام الطبيعي وكأنه المتهم الذي يجب أن يثبت براءته، بينما لا يثير استغرابنا أن يقضي إنسان نصف عمره متنقلًا بين العيادات والصيدليات. ويحمل في حقيبته حيثما حل "صرة" من الأدوية، بل يندر أن تجد إنسانا اليوم تجاوز الثلاثين لا يتناول يوميا قرصا أو أكثر من الأدوية والمكلمات الغذائية (وتلك قصة أخرى!) لقد اعتدنا رؤية المرض إلى درجة أننا بدأنا نعتبره جزءًا طبيعيًا من التقدم. بل إن كثيرًا من الناس باتوا يعتقدون أن الشيخوخة تعني بالضرورة قائمة طويلة من الأدوية، وأن الصحة استثناء مؤقت لا أكثر.

هناك من رأى في الطعام علاجًا لكل شيء، وهناك من تعامل مع أي حديث عن دور الغذاء في التعافي باعتباره ضربًا من الشعبوية. وبين هذين الطرفين ضاعت منطقة واسعة من الحقيقة. فليس هناك دليل علمي معتبر ومجرب يثبت أن نظام الطيبات أو أي نظام غذائي آخر يشفي جميع الأمراض، كما أنه لا يوجد ما يبرر السخرية من فكرة أن تحسين الغذاء ونمط الحياة قد يؤدي إلى تحسنات صحية كبيرة ومؤثرة لدى كثير من الناس.

ولكي نكون منصفين، فإن الطب الحديث ليس خصمًا مطلقا في هذه القصة. فاللقاحات والمضادات الحيوية والجراحات الدقيقة وزراعة الأعضاء وتقنيات التصوير المتقدمة أنقذت ملايين الأرواح ولا يستطيع عاقل إنكار ذلك. لكن المشكلة تبدأ عندما نخلط بين إنقاذ الحياة وصناعة الصحة، بين رسالة الطب السامية وبين شهوة وجشع المستثمرين،. فالطب الحديث بارع بصورة مذهلة في التعامل مع الطوارئ وإنقاذ المرضى من الموت، لكنه لا يستطيع وحده أن يفسر لماذا تستمر الأمراض "المزمنة" في التوسع رغم كل هذا التقدم. وهنا يعود الغذاء ونمط الحياة والنوم والحركة والضغوط النفسية إلى الواجهة بوصفها عناصر لا تقل أهمية عن الدواء نفسه.

ولعل من أكثر المفارقات إثارة أن جائزة نوبل في الطب عام 2016 ذهبت إلى العالم الياباني يوشينوري أوسومي بسبب أبحاثه حول الالتهام الذاتي عن طريق الصوم، وهو عنصر أساس في نظام الطيبات، وهي الآلية التي تقوم فيها الخلايا بتنظيف نفسها والتخلص من مكوناتها التالفة وإعادة تدويرها. فجأة عاد العلم ليتحدث بلغة بدت مألوفة للكثيرين ممن آمنوا طويلًا بقدرة الجسم على الإصلاح الذاتي. لم يعد الجسد يُنظر إليه بوصفه آلة معطلة تحتاج دائمًا إلى تدخل خارجي، بل منظومة ذكية تمتلك أدواتها الخاصة في التجدد والصيانة إذا توافرت لها الظروف المناسبة. وهنا تلتقي أبحاث أوسومي مع أفكار أطباء وباحثين كثر، من والتر كيمبنر إلى جون ماكدوغال، ومن الدكتور محمد العبيدي إلى الدكتور ضياء العوضي، رغم اختلاف المدارس والمناهج والأزمان.

غير أن المشكلة الحقيقية أن بعض الناس حوّلوا هذه الفكرة إلى عقيدة، بينما حوّلها آخرون إلى تهمة. فهناك من رأى في الطعام علاجًا لكل شيء، وهناك من تعامل مع أي حديث عن دور الغذاء في التعافي باعتباره ضربًا من الشعبوية. وبين هذين الطرفين ضاعت منطقة واسعة من الحقيقة. فليس هناك دليل علمي معتبر ومجرب يثبت أن نظام الطيبات أو أي نظام غذائي آخر يشفي جميع الأمراض، كما أنه لا يوجد ما يبرر السخرية من فكرة أن تحسين الغذاء ونمط الحياة قد يؤدي إلى تحسنات صحية كبيرة ومؤثرة لدى كثير من الناس.

وربما لهذا السبب لم يكن الجدل حول ضياء العوضي في جوهره جدلًا حول الأرز أو البطاطا أو اللحوم أو الخضروات أو النوتيلا والسكر. لقد كان جدلًا حول شيء أعمق بكثير: حول الطريقة التي نفهم بها الصحة نفسها. لقد تعود الإنسان الحديث أن يثق بحبة الدواء أكثر مما يثق بخلاياه، وبالوصفة الطبية أكثر مما يثق بقدرته على التغيير، وبالصيدليات أكثر مما يثق بالمطبخ. ولذلك لم يكن السؤال الذي طرحه العوضي مزعجًا لأنه يتعلق بالطعام، بل لأنه أعاد فتح ملف ظل مغلقًا لعقود: ماذا لو كانت بعض الأمراض التي ننفق المليارات لإدارتها تبدأ أصلًا من الأشياء التي نضعها في أفواهنا كل يوم؟

هذا السؤال لا يعني أن الطعام سيغني عن الطب، ولا أن الأدوية مؤامرة بحتة، ولا أن كل مريض يستطيع التخلي عن علاجه والاعتماد على نظام غذائي معين. لكنه يعني شيئًا أكثر أهمية وربما أكثر إزعاجًا: أننا قد نكون أصبحنا بارعين جدًا في علاج المرض (أو بالأحرى  إدارته!)، إلى درجة أننا نسينا كيف نصنع الصحة، ونزيد قائمة الأدوية التي نتناولها بشكل يومي وطيلة العمر، مع أننا لا نشفى بل نزداد مرضا، والغريب هنا واللافت، أن كثيرا من الأدوية تعالج أو تتعامل مع عرض لمرض ما، فيما تسبب أمراضا أخرى يسميها الأطباء وشركات الأدوية: "أعراضا جانبية!"، وغالبا ما يكتب الطبيب دواء للسيطرة على هذه الأعراض الجانبية(!) فنأخذ دواء للسيطرة على المرض، ودواء آخر للمرض الذي يسببه الدواء المفترض فيها أن يشفيني!

قبل أن نرفض أطروحة ضياء العوضي، فليحاكمها ثلة محكمة من العلماء وليخضعوها للتجربة السريرية العلمية تمام كما تفعل الأبحاث الصيدلانية من الأدوية والعقاقير الجديدة، فربما يكون فيها شفاء فعليا لكثير من الأمراض المستعصية، وإن ثبت عكس هذا، فسيكون ردا مفحما على من اعتبروه "مخلصا" ومنقذا لهم من الاستعباد لحبة الدواء طيلة حياتهم.


الثلاثاء، 28 أبريل 2026

عصر البدايات الكبرى: من قراءة الممحي إلى عجز عن قراءة المكتوب!

 عصر البدايات الكبرى: من قراءة الممحي إلى عجز عن قراءة المكتوب!

حلمي الأسمر

"كانت إسرائيل بدأت تخسر أمريكا، فإن هذا السؤال لا يمكن قراءته بوصفه رأيا فرديا، بل بوصفه مؤشرا على بداية تآكل الغطاء الأخلاقي"

نحن لا نعيش مرحلة عادية، ولا حتى أزمة بالمعنى التقليدي الذي اعتدنا عليه في قراءة التاريخ السياسي. 

ما نعيشه اليوم هو لحظة أكثر خطورة وتعقيدا: لحظة بداية ليست بداية واحدة يمكن الإحاطة بها أو تحديد ملامحها بسهولة، بل سلسلة بدايات متزامنة، تتفجر في وقت واحد، كأن العالم قرر فجأة أن يعيد كتابة نفسه؛ لا عبر إعلان نهايات صاخبة، بل عبر تمزيق المسلّمات التي حكمته لعقود طويلة دون أن تُمس. 

والمذهل هنا أن المحللين والكتاب الذين كانوا يتفاخرون بقراءة "الممحي" بدوا عاجزين اليوم عن قراءة المكتوب نفسه، لعمق تعقيد الأحداث وتسارعها، على نحو غير مسبوق في التاريخ البشري. ومع هذا بوسعنا رصد جملة من البدايات الكبرى التي تعين ولو بشكل جزئي على تخيل صورة العالم الذي سيتشكل بعد أن ينحسر غبار الحدث، بل الأحداث الكبرى التي نعيشها.

في فلسطين، لا نشهد تحولا عسكريا فحسب، بل تحولا عميقا في الإدراك العالمي. 

الرواية التي صمدت لعقود، وتغلغلت في الوعي الغربي على وجه الخصوص، لم تعد صلبة كما كانت. ما كان يُعتبر من المسلمات، أصبح اليوم موضع نقاش، بل ورفض. 

الجامعات الأمريكية التي شكلت لعقود حواضن صلبة للدفاع عن إسرائيل، تتحول إلى ساحات احتجاج، والإعلام الذي ظل يردد خطابا واحدا، بدأ -ولو ببطء- يتشقق. 

وحين يخرج صوت من داخل النخبة الإسرائيلية، كصوت الكاتب العبري نداف إيال، متسائلا بمرارة إن كانت إسرائيل بدأت تخسر أمريكا، فإن هذا السؤال لا يمكن قراءته بوصفه رأيا فرديا، بل بوصفه مؤشرا على بداية تآكل الغطاء الأخلاقي، وهو أخطر ما يمكن أن تخسره أي دولة، لأن الدول لا تُهزم فقط حين تُكسر عسكريا، بل حين تنهار الرواية التي تبرر وجودها.

في قطاع غزة، تتجلى المفارقة الأكثر قسوة في هذا العصر؛ قوة عسكرية هائلة، تُصنف ضمن الأكثر تفوقا في العالم، تُستخدم بأقصى درجاتها، وتخلّف دمارا واسعا وكلفة إنسانية صادمة، ومع ذلك لا يتحقق الحسم. هنا لا تكمن الصدمة في حجم القوة المستخدمة، بل في عجزها عن تحقيق الهدف السياسي. هذه هي نقطة التحول الكبرى: لم تعد المشكلة في ضعف القوة، بل في أن القوة نفسها لم تعد كافية. فالمقاومة لم تعد تُقاس بما تملك من أدوات، بل بقدرتها على منع الحسم، وعلى الاستمرار رغم كل شيء، وهذا في منطق الحروب الحديثة ليس مجرد صمود، بل هو شكل جديد من أشكال الانتصار، حتى وإن كان مرا!

تعود فلسطين إلى مركز العالم، ليس كملف سياسي قابل للإدارة، بل كقضية أخلاقية وسياسية لا يمكن تجاوزها. لم تعد مجرد صراع على الأرض، بل أصبحت مرآة يرى العالم نفسه فيها، بتناقضاته وحدوده. المقاومة، في هذا السياق، لم تعد مجرد فعل عسكري، بل تحولت إلى عنصر يعيد تعريف الصراع نفسه، ويكسر وهم الحسم السريع.

داخل المستعمرة الصهيونية في فلسطين نفسها، لم تعد الأزمة محصورة في السياسة أو في إدارة الحرب، بل تحولت إلى أزمة أعمق تمس البنية الداخلية: أزمة ثقة، وأزمة هوية، وأزمة يقين. جيش قيل إنه لا يُقهر يجد نفسه أمام واقع لا يمكن السيطرة عليه بسهولة، ومؤسسات كانت تبدو راسخة أصبحت موضع شك وتساؤل. ما كان يُدار في الغرف المغلقة أصبح يُكتب يوميا في الصحف العبرية: خوف من تآكل الردع، وقلق من طول أمد الحرب، وجبهات مفتوحة بلا حسم هنا وهناك، وهواجس من مستقبل لم يعد يشبه الماضي. هذه ليست لحظة انهيار، لكنها بداية أخطر بكثير: بداية شك الدولة بنفسها، والدول لا تسقط فقط حين تُهزم، بل حين تفقد ثقتها بذاتها.

لم تعد الحرب تُدار في الميدان فقط، بل أصبحت تُخاض أمام العالم مباشرة. مع صعود منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد احتكار الصورة أو التحكم في الرواية مقصورا على المنصات "الرسمية"؛ الصور لم تعد تُخفى، والروايات الرسمية لم تعد كافية لإقناع الرأي العام. 

تقارير منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، إلى جانب الاحتجاجات المتزايدة في العواصم الغربية، تشير إلى تحول أعمق: الصورة التي بُنيت عبر عقود لم تعد تعمل كما كانت، بل بدأت تتآكل تحت ضغط الواقع المنقول لحظة بلحظة، بل إن منصات الإعلام الشعبي نافست منصات الإعلام المحترف في نقل الحدث بصورة أكثر سرعة وبدون أي عمليات "مونتاج" أن تجميل، وما يخفيه الرسميون فضحه الشعبيون!

في الخليج العربي لا تُعلن التحولات بصوت مرتفع، لكنها تحدث بوضوح لمن يقرأ ما وراء السطور. لم يعد الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة خيارا مطلقا، بل بدأت دول المنطقة في إعادة حساباتها، عبر تنويع الحلفاء وتوزيع المخاطر. لا أحد يعلن القطيعة، لكن الجميع يعيد التموضع بهدوء، وهذه في حد ذاتها بداية تحول استراتيجي عميق.

في العالم العربي لم يعد الشارع كما كان، لم يعد يكتفي بتلقي الروايات الرسمية، بل أصبح يرى ويقارن ويسأل. والسؤال هنا أخطر من الاحتجاج، لأنه يعكس بداية تآكل الهيبة المعنوية للأنظمة

لم تعد الشرعية تُفرض بالصمت، بل أصبحت بحاجة إلى إقناع، ومع كل مشهد يُبث من ميادين الصراع، تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع.

أما في إيران، فتكشف التجربة مفارقة تاريخية لافتة؛ فبدل أن يؤدي الضغط الخارجي إلى إضعافها، ساهم في إعادة ترتيب تماسكها الداخلي وتعزيز حضورها الإقليمي. من مضيق هرمز إلى عمق الإقليم، تثبت إيران أنها لاعب لا يمكن تجاوزه، وأن محاولات احتوائها لم تؤدِّ إلى إقصائها، بل إلى إعادة تشكيل دورها.

ووسط كل هذا المشهد المعقد، تتكشف حدود القوة العسكرية الأمريكية نفسها، ليس عبر هزيمة مباشرة، بل عبر عجز متكرر عن فرض الحسم. 

فالتجارب الممتدة من حرب العراق إلى الحرب في أفغانستان، وصولا إلى الاشتباك المتوحش مع إيران، تشير إلى نمط واحد: قدرة هائلة على التدمير، مقابل صعوبة متزايدة في فرض نتائج سياسية نهائية. لم تعد القوة الأمريكية قادرة على انتزاع "الراية البيضاء" كما في حروب سابقة، بل تجد نفسها أمام خصوم يعتمدون على الصمود، وتفكيك المعركة إلى مساحات استنزاف طويلة. وهذه المفارقة أعادت إنتاج نفسها في قطاع غزة، حيث لم ينجح التفوق العسكري الإسرائيلي -رغم امتداده وتكلفته الهائلة- في كسر إرادة المقاومة أو فرض استسلام كامل. 

هنا يتقاطع المشهدان: قوتان من الأكثر تفوقا في العالم، تواجهان الحقيقة نفسها؛ أن الحسم العسكري لم يعد كما كان، وأن القوة، مهما بلغت، لم تعد كافية وحدها لإخضاع الخصم أو إنهاء الصراع.

العالم اليوم ليس في حالة فوضى كما يبدو، بل في حالة مخاض لنظام جديد. لم يعد القطب الواحد قادرا على إدارة التوازنات، ولم تتشكل بعد قواعد نظام متعدد المراكز. نحن في مرحلة انتقالية، تتفكك فيها التحالفات القديمة، وتتشكل فيها ملامح قوى جديدة، دون أن يستقر المشهد بعد

ثمة وعي جديد يتشكل في العالم العربي وخارجه، لم يعد الناس متلقين سلبيين، بل أصبحوا جزءا من صناعة الرواية، ومن التأثير في مسار الأحداث. هذه هي النقلة الأخطر: انتقال القوة من يد واحدة إلى وعي جماعي متحرك، يصعب السيطرة عليه أو احتواؤه بالوسائل التقليدية.

في المحصلة، هذه ليست نهايات كما قد يظن البعض، بل بدايات قاسية لعالم مختلف؛ عالم لم تعد فيه القوة وحدها كافية، ولم تعد فيه الرواية مضمونة، ولم يعد فيه الحسم ممكنا كما كان. في زمن التحولات الكبرى لا تسقط القوى لأنها ضعيفة، بل لأنها تكتشف متأخرة أن العالم الذي صنعت فيه قوتها قد تغيّر. 

والسؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة القادمة ليس من الأقوى، بل من يفهم أن قواعد القوة نفسها قد انتهت.. قبل أن تنتهي به.

وفي قلب هذا التحول المتسارع، يبرز تصريح لافت للزعيم الألماني فريدريش ميرتس كعلامة دالة لا يمكن تجاهلها؛ إذ لم يكن مجرد تعليق عابر على مسار تفاوضي متعثر، بل هو تعبير مكثّف عن حالة قلق أوروبي آخذة في التفاقم؛ حين يقول إن الولايات المتحدة "تُذلّ" من قبل القيادة في إيران، فهو لا يصف واقعة دبلوماسية بقدر ما يكشف خللا أعمق في ميزان الفعل والتأثير داخل التحالف الغربي نفسه. 

فالقضية هنا ليست تفوقا إيرانيا مطلقا، بل قدرة طهران على إدارة لعبة الاستنزاف ببرود أعصاب، مقابل ارتباك أمريكي ينعكس مباشرة على حلفائها.

الأوروبيون، الذين يدفعون فاتورة كل تصعيد دون أن يملكوا قرار إشعاله أو إطفائه، بدأوا يرفعون الصوت:  ليس دفاعا عن واشنطن، بل احتجاجا على نموذج قيادة يجرّهم إلى أزمات مفتوحة بلا أفق. من هنا، يبدو تصريح ميرتس وكأنه بداية كبرى للحظة انكشاف، حيث تتعرّى فجوة المصالح داخل المعسكر الواحد، ويتحوّل "التحالف" من كتلة صلبة إلى بنية قلقة، تتآكل من داخلها مع كل جولة فشل جديدة.


السبت، 28 مارس 2026

من قناة السويس إلى هرمز.. هل تبدأ نهاية أمريكا من المضيق؟

من قناة السويس إلى هرمز.. هل تبدأ نهاية أمريكا من المضيق؟




مضيق هرمز. هذا المضيق لا تقتصر أهميته على كونه معبرًا لنحو خُمس نفط العالم، بل لأنه شريان مركّب يمر عبره جزء كبير من اقتصاد العصر الحديث بكل طبقاته، من الطاقة إلى الصناعة إلى الاتصالات..

لم تسقط الإمبراطوريات يومًا لأنها خسرت معركة واحدة، بل لأنها فقدت السيطرة على ما يربط العالم بها. هذه ليست عبارة إنشائية، بل خلاصة دراسة عميقة قدّمها المستثمر والمفكر العالمي رأي داليو، في كتابه "النظام العالمي المتغيّر"، الصادر عام ٢٠٢١ عن دار نشر أميركية في نيويورك، حيث يتتبع تاريخ الإمبراطوريات خلال خمسة قرون ليكشف نمطًا يتكرر بلا استثناء تقريبًا: صعود، ثم ذروة، ثم تآكل بطيء يبدأ من الداخل قبل أن يظهر على شكل عجز عن حماية مفاصل التجارة العالمية.

هرمز تحول من مضيق إلى رمز لهيبة وجبروت وسيطرة أمريكا على العام، فإن خسرت معركته، خسرت الحرب، وخسر الدولار، وبدأت خسارتها الكبرى كإمبراطورية تحولت عبر العقود الماضية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى مركز العالم!
ولعلّ المقارنة الأكثر دلالة، والتي تعطي هذا الطرح وزنه الحقيقي، هي ما جرى للإمبراطورية البريطانية. تلك القوة التي كانت تحكم ربع العالم لم تسقط فجأة، بل بدأت رحلة الأفول عندما فقدت السيطرة على قناة السويس عقب أزمة السويس 1956. في تلك اللحظة، لم تخسر بريطانيا معركة عسكرية فقط، بل خسرت شريانها الحيوي الذي كانت تتدفق عبره تجارتها ونفوذها. ومن هناك، بدأ التراجع الصامت حتى تقلّصت "بريطانيا العظمى" إلى دولة عادية، بعد أن كانت مركز النظام العالمي!

اليوم، يعيد التاريخ طرح نفسه ولكن عبر عقدة جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة: مضيق هرمز. هذا المضيق لا تقتصر أهميته على كونه معبرًا لنحو خُمس نفط العالم، بل لأنه شريان مركّب يمر عبره جزء كبير من اقتصاد العصر الحديث بكل طبقاته، من الطاقة إلى الصناعة إلى الاتصالات. فمن خلاله تعبر شحنات الغاز الحيوي مثل الهيليوم، الذي يدخل في صناعات دقيقة لا غنى عنها، كما تمر عبره مواد استراتيجية كبرى مثل الأسمدة التي يرتبط بها الأمن الغذائي العالمي، فضلًا عن كونه جزءًا من شبكة أعقد تشمل كابلات الاتصالات البحرية التي يقوم عليها تدفق الإنترنت والبيانات. أي أن الحديث هنا لم يعد عن نفط فقط، بل عن بنية الحياة الحديثة نفسها.

لا يصبح مضيق هرمز مجرد موقع جغرافي، بل اختبارًا تاريخيًا مكثفًا. فكما كانت قناة السويس لحظة كشفت عجز بريطانيا وأعلنت بداية أفولها، يقف هرمز اليوم كمرآة تعكس قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها في عالم يتغير بسرعة، خاصة في ظل تراكم الديون، وتعمّق الانقسام الداخلي، وصعود الصين كمنافس يعيد تشكيل ميزان القوى.
وفي هذا السياق، يحذر راي داليو في تصريحات حديثة نقلتها وسائل إعلام متعددة، من أن السيطرة على هذا المضيق تمنح تأثيرًا هائلًا على الاقتصاد العالمي، وأن الصراع حوله قد يكون لحظة حاسمة في تحديد ملامح المرحلة القادمة، بل إن العالم قد يكون بالفعل على أعتاب مرحلة أكثر خطورة، وهي مرحلة ترتبط عادة بلحظات تغيّر النظام العالمي.

بهذا المعنى، لا يصبح مضيق هرمز مجرد موقع جغرافي، بل اختبارًا تاريخيًا مكثفًا. فكما كانت قناة السويس لحظة كشفت عجز بريطانيا وأعلنت بداية أفولها، يقف هرمز اليوم كمرآة تعكس قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها في عالم يتغير بسرعة، خاصة في ظل تراكم الديون، وتعمّق الانقسام الداخلي، وصعود الصين كمنافس يعيد تشكيل ميزان القوى.

التاريخ، كما يقرأه راي داليو، لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يعيد أنماطه بدقة مقلقة. في حكاية انهيار كل الامبراطوريات الكبرى، كانت البداية دائمًا من لحظة تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها بداية التحول الكبير. واليوم، يقف العالم أمام سؤال لا يمكن تجاهله: هل يكون مضيق هرمز هو قناة السويس الجديدة؟ أم أن العالم على وشك اكتشاف أن هذه المرة، ليس مجرد شريان واحد هو ما يُختبر، بل كامل النظام الذي يقوم عليه؟

هل علمنا اليوم لم تركزت المعضلة الرئيسة في الحرب التي شنتها واشنطن على إيران على فتح مضيق هرمز بصفة محددة، (وقد كان مفتوحا أصلا قبل الحرب!) مع أن نفطها لا يمر من هذا المضيق، كما تبجح رئيسها ترامب غير مرة؟

هرمز تحول من مضيق إلى رمز لهيبة وجبروت وسيطرة أمريكا على العام، فإن خسرت معركته، خسرت الحرب، وخسر الدولار، وبدأت خسارتها الكبرى كإمبراطورية تحولت عبر العقود الماضية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى مركز العالم!

الأحد، 1 مارس 2026

اغتيال خامنئي يغير مسار حرب ترامب ونتنياهو على إيران

 اغتيال خامنئي يغير مسار حرب ترامب ونتنياهو على إيران

حلمي الأسمر
"اغتيال علي خامنئي إذن لم يكن فصلا عابرا في حرب قائمة، بل لحظة أعادت تشكيل" المشهد كله"

لم تعد الحرب على إيران كما كانت قبل اغتيال علي خامنئي، لم يكن الحدث مجرد ضربة عسكرية عالية المستوى، بل لحظة فاصلة نقلت الصراع من مستوى "إعادة الردع" إلى مستوى "كسر النظام في رمزه الأعلى". ومع هذا التحول، تغيّرت طبيعة المعركة، وارتفع السقف إلى حدّ لم يعد يسمح بعودة سهلة إلى منطق الضبط المحدود أو الرسائل التكتيكية.

قبل الاغتيال، كان يمكن قراءة المشهد بوصفه تقاطعا بين نزعة دونالد ترامب الصدامية، التي ترى في القوة أداة لصناعة صفقة كبرى، وبين حاجة بنيامين نتنياهو إلى تعويض هزيمة السابع من أكتوبر عبر استعادة صورة الردع الإسرائيلي وصناعة نصر "مبهر" يعوض عن فقدان النصر "الكامل" في غزة. كانت الضربات يمكن أن تُفهم كوسائل ضغط ضمن معادلة تصعيد يمكن إدارتها، أما بعد استهداف رأس النظام الإيراني، فقد تحوّلت الحرب إلى مواجهة وجودية مفتوحة، لأن الذي سقط لم يكن قائدا عسكريا عابرا، بل المرجعية الدينية والسياسية التي شكّلت عمود النظام طوال عقود، بل إنها تخص أكثر من مائتي مليون مسلم من المذهب الشيعي، يرون خامنئي باعتباره الولي الفقيه ومرجعهم الديني الأعلى، الذي ينوب عن الإمام الغائب. كما يخص هذا الاغتيال عددا غير قليل من مسلمي العالم من المذهب السني، حيث يعتبر اغتيال خامنئي، كما اغتيال قادة المقاومة الفلسطينية وحسن نصر الله زعيم حزب الله، عملية "إهانة" بالغة للشخصية الإسلامية سواء كانت سنية أم شيعية، وتعبيرا عن مدى تغول وتوحش القوة الصهيونية المدعومة بتوحش أمريكي أكبر.

النظام الذي يُصاب في رمزه الأعلى لا يملك ترف الرد المحدود؛ الرد المحدود يُقرأ ضعفا، والتردد يُقرأ انهيارا. لذلك اتجهت طهران إلى تصعيد واسع، مباشر وغير مباشر (وإن كان أقل من المتوقع حتى الآن!)، يهدف إلى إعادة تثبيت الهيبة قبل أي اعتبار آخر

اغتيال خامنئي أصاب البنية الرمزية للنظام في مقتل قبل أن يصيبه سياسيا، فالرجل لم يكن فقط صاحب القرار الأعلى، بل كان رمز الاستمرارية والمرجعية، والمرتكز الذي تدور حوله شرعية النظام. وحين يُستهدف هذا الرمز، لا يكون الرد مجرد حساب بارد للخسائر، بل دفاعا عن الكيان نفسه. لذلك بدا أن الرد الإيراني اتخذ طابعا أكثر حدّة، ليس بوصفه انفعالا عاطفيا، بل بوصفه ضرورة داخلية لإثبات أن النظام لم يُكسر، وأن "دم المرشد" لن يمر بلا ثمن.

في هذا السياق، تتقاطع حسابات ترامب ونتنياهو على نحو أكثر خطورة، فكلاهما يؤمن بأن كسر السقف هو الطريق الأسرع لفرض واقع جديد. ترامب، الذي صاغ فلسفته السياسية على قاعدة "ارفع السقف ثم فاوض من موقع القوة"، رأى في الضربة الكبرى وسيلة لإعادة تعريف التوازن مع طهران. ونتنياهو، المثقل بظل هزيمة السابع من أكتوبر، رأى في استهداف رأس النظام الإيراني فرصة لتحويل مسار التاريخ الشخصي والسياسي: من رئيس اهتزت صورته الأمنية، إلى قائد وجّه الضربة الأشد لخصمه الاستراتيجي!

لكن ما بدا في لحظة القرار كذروة للحسم، تحوّل سريعا إلى بوابة تصعيد غير مسبوق، فالنظام الذي يُصاب في رمزه الأعلى لا يملك ترف الرد المحدود؛ الرد المحدود يُقرأ ضعفا، والتردد يُقرأ انهيارا. لذلك اتجهت طهران إلى تصعيد واسع، مباشر وغير مباشر (وإن كان أقل من المتوقع حتى الآن!)، يهدف إلى إعادة تثبيت الهيبة قبل أي اعتبار آخر. لم يعد الهدف فقط إيلام إسرائيل أو الضغط على الولايات المتحدة، بل إعادة تعريف الصراع باعتباره ثأرا وجوديا لا معركة حدود.

وهكذا خرجت الحرب من منطق "إدارة الصراع" إلى منطق "إدارة الفوضى". قبل الاغتيال، كان يمكن تصور انتقال سريع من النار إلى طاولة تفاوض، مع إعلان نصر سياسي هنا أو هناك. أما بعده، فقد أصبح الانتقال إلى التهدئة أكثر تعقيدا، لأن كل طرف بات أسير صورته؛ ترامب لا يستطيع أن يبدو متراجعا بعد ضربة بهذا الحجم، ونتنياهو لا يستطيع التفريط بلحظة يعتبرها تعويضا استراتيجيا، وإيران لا تستطيع القبول بواقع يُظهرها كمن ضُرب في قلبه ثم اكتفى بردّ رمزي.

المشهد الأكثر بؤسا اليوم هو وقوف كتلة "النظام العربي الرسمي" بكل حجمها الكبير وتأثيرها الخطير، موقف المشاهد العاجز الذي يتلقى الضربات وتستعمل مقدراته كلها في خدمة حروب الآخرين، حروب لا ناقة لها فيها ولا بعير

المفارقة أن التشابه بين ترامب ونتنياهو -في نزعة الحسم، وفي تقديس صورة "الرجل القوي"، وفي الميل إلى رفع السقف- قد يدفعهما إلى سباق تصعيد لا يريد فيه أي منهما أن يبدو أقل صلابة من الآخر. لكن الحرب، بخلاف الصفقات السياسية، لا تنتهي دائما عند النقطة التي يرسمها أصحابها. فهي تتكاثر في مسارات غير متوقعة، وتتسع بتأثير ردود الفعل، وقد تفرض إيقاعها الخاص على من ظنّوا أنهم يمسكون بخيوطها.

اغتيال علي خامنئي إذن لم يكن فصلا عابرا في حرب قائمة، بل لحظة أعادت تشكيل المشهد كله، لقد حوّل الصراع من محاولة لإعادة رسم الردع إلى مواجهة تمسّ جوهر الأنظمة وصورتها أمام شعوبها. وفي هذه اللحظة، لم يعد السؤال من يملك القوة الأكبر فقط، بل من يستطيع تحمّل كلفة السير حتى النهاية.

المنطقة اليوم تقف أمام معادلة شديدة الخطورة: ضربة قصوى ولّدت ردا أقصى، وتحالف نار يقابله ثأر وجودي، وبين هذين الحدّين يتحدد مستقبل شرق أوسط قد يخرج من هذه الحرب بخرائط جديدة.. أو بجرح مفتوح يصعب التئامه لعقود طويلة.

المشهد الأكثر بؤسا اليوم هو وقوف كتلة "النظام العربي الرسمي" بكل حجمها الكبير وتأثيرها الخطير، موقف المشاهد العاجز الذي يتلقى الضربات وتستعمل مقدراته كلها في خدمة حروب الآخرين، حروب لا ناقة لها فيها ولا بعير، فيما تقف موقف العاجز وربما المتواطئ حيال حرب كانت على الدوام المفردة الأكثر استعمالا في الإعلام العربي لعقود، وهي حرب تحرير فلسطين، قبل أن تختفي تماما وتحل محلها مصطلحات بالغة الميوعة من قبيل الدعوة إلى "خفض مستوى الصراع!" و"حل الصراعات بالطرق السلمية!"، وغيرها مما يحفل به قاموس السياسة العربية الرسمية، وأخيرا وليس آخرا: مالنا ولفلسطين؟ وصولا إلى ملاحقة كل من يقاوم الاحتلال وربما اعتقاله بل تسلميه للعدو واتهامه بالإرهاب!!