‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حلمي الأسمر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حلمي الأسمر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 أغسطس 2026

كيف حوّل البنتاغون هاتفك إلى زناد يُطلق على غزة؟

كيف حوّل البنتاغون هاتفك إلى زناد يُطلق على غزة؟




حلمي الأسمر
"الهاتف الذي في يدك قد لا يطلق الرصاص، لكنه يفتح الباب لمن يطلقونه"

سؤال يقلب الموازين: لماذا يظل مستخدم "فيسبوك" في القاهرة أو عمّان يظن أنه "يتواصل" بينما بياناته تُستخدم لتحديد أهداف الطائرات الإسرائيلية؟

الإجابة
ليست في غرفة مظلمة، بل في تاريخ الإنترنت ذاته، وفي عقود من التمويل العسكري، وفي صفقات سرية كشفت عنها وثائق سنودن واعترافات رؤساء شركات مثل "أوراكل". 
الحقيقة أن ما نحمله في جيوبنا ليس مجرد هاتف، بل هو محطة استشعار متنقلة في شبكة حرب عالمية، تصميمها الأساسي لم يكن للتواصل الإنساني، بل للبقاء بعد النووي ولمراقبة البشرية جمعاء.

المولد العسكري للإنترنت: لم تكن "هدية مجانية"

قبل أن يصبح الإنترنت تطبيقات وأسهماً في البورصة، كان مشروع "أربانت" الذي مولته وكالة "داربا" (ذراع البحث العسكري في البنتاغون). كان الهدف الوحيد: إنشاء شبكة اتصالات لا تتعطل حتى لو ضربت صواريخ نووية بعض مراكزها. التقنية التي نستخدمها الآن ولدت في مختبرات الحرب الباردة، ولم تولد في مرائب السيليكون فالي.

كيف أصبحت هذه البيانات أداة حرب في غزة؟ تأتي الإجابة عبر شركات مثل "أوراكل" و"أمازون" و"غوغل" التي وقّعت عقوداً ضخمة مع الجيش الإسرائيلي

ما معنى ذلك؟
معناه أن الشيفرة الأساسية التي تشغّل كل تطبيق، وبروتوكولات نقل البيانات، وأنظمة التوجيه، جميعها مملوكة فكرياً للجيش الأمريكي، ولم تُمنح للقطاع الخاص مجاناً، بل بيعت له مقابل صفقة واحدة: الوصول المستمر إلى كل بيانات المستخدمين حول العالم. هذا ليس "نظرية مؤامرة"، بل هو النموذج التشغيلي الموثق في عقود "بريزم" و"إكس كي سكور" وغيرها!!

من "بريزم" إلى "مينتا": العلاقة العضوية بين وادي السيليكون وغرف العمليات

عندما كشف إدوارد سنودن في 2013 عن برنامج "بريزم"، أوضح أن شركات مثل جوجل وفيسبوك ومايكروسوفت وأبل وياهو كانت تزوّد وكالة الأمن القومي ببيانات مستخدميها بشكل منهجي. لم يكن ذلك "انتهاكاً"، بل كان امتثالاً لقوانين فيدرالية تُلزم هذه الشركات، لأنها في الأساس بنية تحتية وطنية للولايات المتحدة.

السؤال الأكثر إزعاجاً: كيف أصبحت هذه البيانات أداة حرب في غزة؟ 
تأتي الإجابة عبر شركات مثل "أوراكل" و"أمازون" و"غوغل" التي وقّعت عقوداً ضخمة مع الجيش الإسرائيلي:

- مشروع "نيمبوس" (غوغل وأمازون) زوّد الحكومة الإسرائيلية بسحابة رقمية عملاقة، تستخدم الآن لتخزين وتحليل كميات هائلة من بيانات المراقبة والاستهداف.

- مشروع "مينتا" السري بين أوراكل وسلاح الجو الإسرائيلي، وهو المشروع الذي اعترفت رئيستها التنفيذية السابقة "صفرا كاتز" بأنه وفّر تكنولوجيا "مخيفة بشكل عميق" للجيش، ورأت فيه موظفيها بالزي العسكري في غرفة عمليات "الكرياه (مبنى وزارة الدفاع) بتل أبيب، ووصفته بـ"أكثر لحظات حياتها فخراً".

الربط هنا لا يحتاج إلى تأويل: البنية السحابية ذاتها التي تدير تطبيقاتك، وتُخزّن صورك، وتحلل تفضيلاتك، هي ذاتها التي تُستخدم الآن لتحليل خرائط التموضع في غزة، وتحديد أنماط الحركة، وتسريع قرارات القصف. أنت عندما تفتح "جوجل ماب" تُعلّم الخوارزميات كيف تقرأ المدن، وهذا التعليم يُعاد استخدامه عسكرياً!

الفلسطيني يموت مرتين: مرة بالقنبلة، ومرة بالبيانات

الحرب على غزة والإبادة الجماعية المستمرة حتى ساعة كتابة هذه السطور، بالتوافق مع "هندسة التجويع" لم تكن مجرد قنابل، بل كانت معركة خوارزميات. الجيش الإسرائيلي يستخدم أنظمة ذكاء اصطناعي مثل "لافندر" و"غوسبلي" لتوليد أهداف من بين مئات الآلاف من عناوين الهواتف المحمولة، بناءً على أنماط سلوكية رقمية تُجمّع من السحابة. البيانات التي تضعها عن نفسك عن غير قصد تُترجم إلى "اشتباه" قد يتحول إلى نقطة حمراء على شاشة طيار مسيّر.

وهنا تكشف المفارقة العربية الأكثر مرارة: المستخدم العربي هو الذي يُغذي بالنقاط التي تستهدفه! كل بحث، كل تفاعل، كل موقع يتم زيارته، كل صورة تُرفع، تصبح جزءاً من "بصمة رقمية" يُعاد تشغيلها في خوارزميات عدائية. القاتل لا يحتاج إلى جاسوس في الشارع؛ يكفيه أن يحلل بيانات السحابة التي تدفع لها اشتراكاً شهرياً.

من يملك السحابة يملك القرار: درس الصين الذي لم نتعلمه

الصين التي اتهمت بـ"الرقابة" كانت تفعل شيئاً أعمق: كانت تفك الارتباط ببنية تحتية معادية. أنشأت نظامها الملاحي "بي دي إس" بدل "جي بي إس"، وطورت منصاتها السحابية والذكاء الاصطناعي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، ليس لأنها تخاف من التجسس فقط، بل لأنها أدركت أن السيادة الرقمية هي السيادة السياسية.

على النقيض، تفتح الدول العربية اليوم أحضانها لأوراكل وأمازون لبناء "مدن ذكية"، وتسليمها مفاتيح بيانات مواطنيها، بينما توقّع هذه الشركات في الوقت نفسه عقوداً عسكرية مع الكيان الصهيوني. لا يمكن أن تكون "شريكاً مدنياً" في القدس و"شريكاً عسكرياً" في تل أبيب بنفس الوقت، دون أن يكون ضميرك ميتاً، أو دون أن تكون فلسفتك في التنمية هي مجرد استهلاك!

ماذا نفعل؟ بين المقاطعة والبناء

هذه ليست دعوة لكسر الهاتف، فهذا لن يغيّر شيئاً. الدعوة هي:

أولا: وعي مؤسسي: على الحكومات العربية أن تدرك أن استضافة السحابة على أراضيها لا تعني السيادة عليها، السيادة تعني القدرة على تشغيل الأنظمة الحيوية دون الرجوع إلى مزود خارجي.

ثانيا: بدائل عربية مفتوحة المصدر: دعم النظم العربية الناشئة التي تطور بدائل للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، حتى ولو كان حجمها صغيراً، لأن البدايات الصغيرة هي التي تنمو.

ثالثا: ضغط مدني منظم: طرح أسئلة واضحة على الشركات العاملة في المنطقة: هل تبرم عقوداً عسكرية مع إسرائيل؟ هل تسمح باستخدام بنيتها في عمليات استهداف؟ ماذا تفعل لمنع ذلك؟

المستخدم العربي هو الذي يُغذي بالنقاط التي تستهدفه! كل بحث، كل تفاعل، كل موقع يتم زيارته، كل صورة تُرفع، تصبح جزءاً من "بصمة رقمية" يُعاد تشغيلها في خوارزميات عدائية. القاتل لا يحتاج إلى جاسوس في الشارع؛ يكفيه أن يحلل بيانات السحابة التي تدفع لها اشتراكاً شهرياً

رابعا: إعادة تعريف العلاقة الشخصية: ليس إلغاء الهاتف، بل تقليل التسريب الطوعي. إيقاف الإشعارات ليس فقط للراحة النفسية، بل تقليل نقاط البيانات التي تمنحها للخوارزميات، ولو استطعت أن تحذف تطبيقات ما يسمى "التواصل الاجتماعي" من هاتفك وإبقائها على جهاز الحاسوب، فهذا أفضل، لأنك بهذا تمنع تدفق المعلومات لمن يرصدك وفي "الوقت الفعلي" ولمن يستعمل حركاتك وسكناتك لتغذية بنك معلوماته!!

الخلاصة: الهاتف ليس بوابتك للعالم.. بل هو سلسلة البنتاغون حول عنقك

عنوان هذا المقال ليس استفزازياً بل وصفياً دقيقاً. البنتاغون هو الذي مول التقنية، ووضع شروطها، وفرض قوانينها، وأعاد توزيعها كامتيازات لشركات خاصة. وهذه الشركات هي التي تبيع الآن البنية ذاتها للعدوان الصهيوني في فلسطين ولبنان وسوريا وإيران، وفي كل مكان. الهاتف الذي تلمسه كل صباح ليس أداة محايدة؛ إنه طرف في شبكة تجنيد إلكتروني.

غزة وفلسطين كلها، لم تتعرض للعدوان بالقنابل وحدها، بل لأن العالم العربي (أيضا) ظل مستهلكاً رقمياً، ولم يتحول يوماً إلى منتج للسيادة الرقمية. لذلك، كل نقرة على الشاشة، كل صورة تحملها، كل موقع تسجله، كل رسالة ترسلها، تتحول في الطرف الآخر إلى ذخيرة. فإما أن نعيد تعريف علاقتنا بهذه الأدوات، وإما أن نظل نُذبح مرتين: مرة بالحديد، ومرة بالسيليكون!

الهاتف الذي في يدك قد لا يطلق الرصاص، لكنه يفتح الباب لمن يطلقونه. تحرير فلسطين يبدأ، اليوم، بتحرير بياناتنا من قبضة من يحاربنا بها!

الأحد، 31 مايو 2026

نظام الطيبات.. لماذا أغرم به البعض واستفزّ آخرين؟

 نظام الطيبات.. لماذا أغرم به البعض واستفزّ آخرين؟

حلمي الأسمر

   الطب الحديث بارع بصورة مذهلة في التعامل مع الطوارئ وإنقاذ المرضى  
  من الموت، لكنه لا يستطيع وحده أن يفسر لماذا تستمر الأمراض "المزمنة" 
                              في التوسع رغم كل هذا التقدم.                                               



كيف تحوّل نظام غذائي بسيط إلى أحد أكثر القضايا الصحية إثارة للجدل في العالم العربي؟

تخيّل أنك أخبرت إنسانًا قبل مئة عام أن حبة بطاطا (أو صحن أرز مثلا!) قد تساعد بعض الناس على استعادة صحتهم. غالبًا لن يستغرب كثيرًا، فالبشر عاشوا آلاف السنين وهم يرون الطعام جزءًا من الحياة وجزءًا من الشفاء في الوقت نفسه. لكن جرّب أن تقول الشيء ذاته اليوم، في عصر المختبرات العملاقة والمستشفيات الذكية وشركات الدواء العابرة للقارات، وستجد نفسك متهمًا بالشعبوية أو الجهل أو الترويج للخرافة والهرطقة العلمية. والسؤال الذي يستحق التأمل ليس إن كانت البطاطا تشفي أم لا، ولا إن كان الأرز دواءً أم مجرد طعام، بل كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإيمان بحبة دواء أكثر عقلانية من الإيمان بطبق طعام، وكيف أصبحنا نثق بأن الشفاء في الصيدلية وليس في المطبخ؟

إن العالم نفسه يشهد انفجارًا غير مسبوق في الأمراض التي يسميها الطب الحديث "مزمنة!" علما بأنه لم يعرف حتى الآن سببها، ولذا فهو يتعامل معها بعقلية إدارة المرض والسيطرة على أعراضه لا الشفاء منه؛ فالسكري والسمنة وارتفاع الضغط وأمراض القلب واضطرابات المناعة والقولون والاكتئاب والسرطان أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لمئات الملايين من البشر وجلها أو كلها مجهولة السبب حسب اعتراف الأطباء.

نحن نعيش في أكثر العصور تقدمًا من الناحية الطبية في تاريخ البشرية. لم يمتلك الإنسان يومًا هذا العدد الهائل من الأطباء والمستشفيات والأجهزة التشخيصية والعقاقير المتطورة. ينفق العالم اليوم أكثر من عشرة تريليونات دولار سنويًا على الصحة، وتقترب قيمة سوق الدواء العالمية من تريليوني دولار، وتُضخ مئات المليارات في الأجهزة والمستلزمات الطبية ومراكز الأبحاث وشركات التكنولوجيا الحيوية.

ومع ذلك، فإن العالم نفسه يشهد انفجارًا غير مسبوق في الأمراض التي يسميها الطب الحديث "مزمنة!" علما بأنه لم يعرف حتى الآن سببها، ولذا فهو يتعامل معها بعقلية إدارة المرض والسيطرة على أعراضه لا الشفاء منه؛ فالسكري والسمنة وارتفاع الضغط وأمراض القلب واضطرابات المناعة والقولون والاكتئاب والسرطان أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لمئات الملايين من البشر وجلها أو كلها مجهولة السبب حسب اعتراف الأطباء.

وهنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: إذا كنا نعيش العصر الذهبي للطب، فلماذا يبدو أننا نعيش أيضًا العصر الذهبي للمرض؟ هل هناك سر في الأمر؟ أهي مؤامرة كونية لاستعباد المريض لحبة الدواء كي يبقى طيلة حياته ملزما بدفع "اشتراك شهري" لمنتجي أدوية الأمراض "المزمنة"؟ أم أن هناك عنصرا خطرا في المشهد يجعل كل من يقترب من فهمه خطرا على استثمارات بمليارات الدولارت؟

هذا السؤال هو الذي منح الجدل حول نظام الطيبات للدكتور ضياء العوضي رحمه الله كل هذه الحرارة. فالرجل لم يأتِ بعقار جديد، ولم يكتشف عضوًا مجهولًا في جسم الإنسان، ولم يقدّم معادلة سحرية لإطالة العمر. كل ما فعله أنه أعاد طرح سؤال قديم بلغة جديدة: ماذا لو كانت بعض الأمراض التي نعدّها اليوم قدرًا محتومًا مرتبطة بالطريقة التي نأكل بها أكثر مما نتصور؟ وماذا لو كان جزء من الحل (وربما كله) موجودًا في المطبخ قبل أن يكون موجودًا في الصيدلية؟

ولأن السؤال كان كبيرًا ومزعجًا، جاءت ردود الفعل متطرفة بالقدر نفسه. فريق رأى فيه ثورة صحية تعيد الاعتبار لحكمة الجسد وقدرته على التعافي، وذهب أكثر من هذا، حين تحول محبو العوضي والمؤمنون به إلى "طائفة!" عقائدية متعصبة لا تطيق نقده أو رميه ولو بوردة، وفريق آخر اعتبره تبسيطًا مخلًا لمشكلات معقدة لا يمكن حلها بطبق أرز أو حبة بطاطا. بل إنه تحول إلى رمز للسخرية لدي كثيرين، فسمى نظامه نظام النوتيلا، وصاحب نظرية: تناولوا نصف كيلو من السكر(!) والأخطر من كل هذا رأينا مئات الفيديوهات التي يعلن أصحابها على منصات الإعلام الشعبي أنهم تعافوا من أمراض مستعصية فور تطبيقهم لنظام الطيبات، ويقابلهم في هذا من يسرد حالات وفاة أو انهيار صحي خطير تسبب فيها النظام، لكن المدهش أن الفكرة التي أثارت كل هذا الجدل ليست جديدة أصلًا.

 ففي عام 1939، وبينما كانت خيارات علاج ارتفاع ضغط الدم الخبيث والفشل الكلوي وقصور القلب محدودة للغاية، كان الطبيب الأمريكي والتر كيمبنر في جامعة ديوك يحقق نتائج أذهلت المجتمع الطبي من خلال نظام غذائي بسيط قائم أساسًا على الأرز والفواكه مع خفض شديد للملح والدهون. لم يكن الرجل مؤثرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يكن يبيع مكملات غذائية أو دورات تدريبية، بل كان أستاذًا في واحدة من أعرق الجامعات الأمريكية. ومع ذلك فقد شهد مرضاه تحسنًا ملحوظًا في ضغط الدم ووظائف الكلى وحجم القلب وضبط السكر والوزن، ودخلت تجربته التاريخ الطبي باعتبارها واحدة من أكثر التجارب الغذائية إثارة للجدل والاهتمام.

وبعد عقود جاء الطبيب الأمريكي جون ماكدوغال ليطرح سؤالًا لا يقل إحراجًا: إذا كانت البطاطا والأرز والذرة والشوفان قد شكلت عبر التاريخ الغذاء الأساسي لشعوب كاملة، فكيف تحولت فجأة إلى متهمين على موائدنا الحديثة؟ وكيف أصبح الإنسان الذي عاش أجداده قرونًا على هذه الأطعمة يخاف منها أكثر مما يخاف من المنتجات فائقة التصنيع التي لم يعرفها أي جيل سابق؟ لم يكن ماكدوغال يدافع عن البطاطا بوصفها معجزة، بل كان يذكّر العالم بحقيقة بسيطة: أن كثيرًا من الأمراض الحديثة لم تظهر في الفراغ، بل ظهرت بالتوازي مع التحول الجذري في طبيعة الغذاء نفسه، وفي الحقيقة كان لي تجربة شخصية مع حمية البطاطا فقد طبقتها قبل سنوات لضبط وزني، حتى أن أحد الأصدقاء الصحفيين ظل يدعوني لسنوات بأبي البطاطا، لكثرة ما كان يراني آكل البطاطا!

وهنا ربما نقترب من جوهر المشكلة. فالقصة ليست قصة الأرز ولا البطاطا ولا حتى نظام الطيبات. القصة أن الإنسان المعاصر يعيش داخل أكبر تجربة غذائية في تاريخ البشرية دون أن يشعر. آلاف المواد المضافة، ومئات المنكهات والمثبتات والمحسنات، وزيوت صناعية لم يعرفها أجدادنا، وسكريات فائقة التركيز، وأطعمة مصنعة لا تشبه أصلها الطبيعي إلا بالاسم. ثم نقف بعد ذلك أمام الارتفاع المتواصل في معدلات الأمراض ونتساءل بدهشة: لماذا يمرض الناس أكثر من أي وقت مضى؟

والأكثر غرابة أننا أصبحنا نتعامل مع الطعام الطبيعي وكأنه المتهم الذي يجب أن يثبت براءته، بينما لا يثير استغرابنا أن يقضي إنسان نصف عمره متنقلًا بين العيادات والصيدليات. ويحمل في حقيبته حيثما حل "صرة" من الأدوية، بل يندر أن تجد إنسانا اليوم تجاوز الثلاثين لا يتناول يوميا قرصا أو أكثر من الأدوية والمكلمات الغذائية (وتلك قصة أخرى!) لقد اعتدنا رؤية المرض إلى درجة أننا بدأنا نعتبره جزءًا طبيعيًا من التقدم. بل إن كثيرًا من الناس باتوا يعتقدون أن الشيخوخة تعني بالضرورة قائمة طويلة من الأدوية، وأن الصحة استثناء مؤقت لا أكثر.

هناك من رأى في الطعام علاجًا لكل شيء، وهناك من تعامل مع أي حديث عن دور الغذاء في التعافي باعتباره ضربًا من الشعبوية. وبين هذين الطرفين ضاعت منطقة واسعة من الحقيقة. فليس هناك دليل علمي معتبر ومجرب يثبت أن نظام الطيبات أو أي نظام غذائي آخر يشفي جميع الأمراض، كما أنه لا يوجد ما يبرر السخرية من فكرة أن تحسين الغذاء ونمط الحياة قد يؤدي إلى تحسنات صحية كبيرة ومؤثرة لدى كثير من الناس.

ولكي نكون منصفين، فإن الطب الحديث ليس خصمًا مطلقا في هذه القصة. فاللقاحات والمضادات الحيوية والجراحات الدقيقة وزراعة الأعضاء وتقنيات التصوير المتقدمة أنقذت ملايين الأرواح ولا يستطيع عاقل إنكار ذلك. لكن المشكلة تبدأ عندما نخلط بين إنقاذ الحياة وصناعة الصحة، بين رسالة الطب السامية وبين شهوة وجشع المستثمرين،. فالطب الحديث بارع بصورة مذهلة في التعامل مع الطوارئ وإنقاذ المرضى من الموت، لكنه لا يستطيع وحده أن يفسر لماذا تستمر الأمراض "المزمنة" في التوسع رغم كل هذا التقدم. وهنا يعود الغذاء ونمط الحياة والنوم والحركة والضغوط النفسية إلى الواجهة بوصفها عناصر لا تقل أهمية عن الدواء نفسه.

ولعل من أكثر المفارقات إثارة أن جائزة نوبل في الطب عام 2016 ذهبت إلى العالم الياباني يوشينوري أوسومي بسبب أبحاثه حول الالتهام الذاتي عن طريق الصوم، وهو عنصر أساس في نظام الطيبات، وهي الآلية التي تقوم فيها الخلايا بتنظيف نفسها والتخلص من مكوناتها التالفة وإعادة تدويرها. فجأة عاد العلم ليتحدث بلغة بدت مألوفة للكثيرين ممن آمنوا طويلًا بقدرة الجسم على الإصلاح الذاتي. لم يعد الجسد يُنظر إليه بوصفه آلة معطلة تحتاج دائمًا إلى تدخل خارجي، بل منظومة ذكية تمتلك أدواتها الخاصة في التجدد والصيانة إذا توافرت لها الظروف المناسبة. وهنا تلتقي أبحاث أوسومي مع أفكار أطباء وباحثين كثر، من والتر كيمبنر إلى جون ماكدوغال، ومن الدكتور محمد العبيدي إلى الدكتور ضياء العوضي، رغم اختلاف المدارس والمناهج والأزمان.

غير أن المشكلة الحقيقية أن بعض الناس حوّلوا هذه الفكرة إلى عقيدة، بينما حوّلها آخرون إلى تهمة. فهناك من رأى في الطعام علاجًا لكل شيء، وهناك من تعامل مع أي حديث عن دور الغذاء في التعافي باعتباره ضربًا من الشعبوية. وبين هذين الطرفين ضاعت منطقة واسعة من الحقيقة. فليس هناك دليل علمي معتبر ومجرب يثبت أن نظام الطيبات أو أي نظام غذائي آخر يشفي جميع الأمراض، كما أنه لا يوجد ما يبرر السخرية من فكرة أن تحسين الغذاء ونمط الحياة قد يؤدي إلى تحسنات صحية كبيرة ومؤثرة لدى كثير من الناس.

وربما لهذا السبب لم يكن الجدل حول ضياء العوضي في جوهره جدلًا حول الأرز أو البطاطا أو اللحوم أو الخضروات أو النوتيلا والسكر. لقد كان جدلًا حول شيء أعمق بكثير: حول الطريقة التي نفهم بها الصحة نفسها. لقد تعود الإنسان الحديث أن يثق بحبة الدواء أكثر مما يثق بخلاياه، وبالوصفة الطبية أكثر مما يثق بقدرته على التغيير، وبالصيدليات أكثر مما يثق بالمطبخ. ولذلك لم يكن السؤال الذي طرحه العوضي مزعجًا لأنه يتعلق بالطعام، بل لأنه أعاد فتح ملف ظل مغلقًا لعقود: ماذا لو كانت بعض الأمراض التي ننفق المليارات لإدارتها تبدأ أصلًا من الأشياء التي نضعها في أفواهنا كل يوم؟

هذا السؤال لا يعني أن الطعام سيغني عن الطب، ولا أن الأدوية مؤامرة بحتة، ولا أن كل مريض يستطيع التخلي عن علاجه والاعتماد على نظام غذائي معين. لكنه يعني شيئًا أكثر أهمية وربما أكثر إزعاجًا: أننا قد نكون أصبحنا بارعين جدًا في علاج المرض (أو بالأحرى  إدارته!)، إلى درجة أننا نسينا كيف نصنع الصحة، ونزيد قائمة الأدوية التي نتناولها بشكل يومي وطيلة العمر، مع أننا لا نشفى بل نزداد مرضا، والغريب هنا واللافت، أن كثيرا من الأدوية تعالج أو تتعامل مع عرض لمرض ما، فيما تسبب أمراضا أخرى يسميها الأطباء وشركات الأدوية: "أعراضا جانبية!"، وغالبا ما يكتب الطبيب دواء للسيطرة على هذه الأعراض الجانبية(!) فنأخذ دواء للسيطرة على المرض، ودواء آخر للمرض الذي يسببه الدواء المفترض فيها أن يشفيني!

قبل أن نرفض أطروحة ضياء العوضي، فليحاكمها ثلة محكمة من العلماء وليخضعوها للتجربة السريرية العلمية تمام كما تفعل الأبحاث الصيدلانية من الأدوية والعقاقير الجديدة، فربما يكون فيها شفاء فعليا لكثير من الأمراض المستعصية، وإن ثبت عكس هذا، فسيكون ردا مفحما على من اعتبروه "مخلصا" ومنقذا لهم من الاستعباد لحبة الدواء طيلة حياتهم.


الثلاثاء، 28 أبريل 2026

عصر البدايات الكبرى: من قراءة الممحي إلى عجز عن قراءة المكتوب!

 عصر البدايات الكبرى: من قراءة الممحي إلى عجز عن قراءة المكتوب!

حلمي الأسمر

"كانت إسرائيل بدأت تخسر أمريكا، فإن هذا السؤال لا يمكن قراءته بوصفه رأيا فرديا، بل بوصفه مؤشرا على بداية تآكل الغطاء الأخلاقي"

نحن لا نعيش مرحلة عادية، ولا حتى أزمة بالمعنى التقليدي الذي اعتدنا عليه في قراءة التاريخ السياسي. 

ما نعيشه اليوم هو لحظة أكثر خطورة وتعقيدا: لحظة بداية ليست بداية واحدة يمكن الإحاطة بها أو تحديد ملامحها بسهولة، بل سلسلة بدايات متزامنة، تتفجر في وقت واحد، كأن العالم قرر فجأة أن يعيد كتابة نفسه؛ لا عبر إعلان نهايات صاخبة، بل عبر تمزيق المسلّمات التي حكمته لعقود طويلة دون أن تُمس. 

والمذهل هنا أن المحللين والكتاب الذين كانوا يتفاخرون بقراءة "الممحي" بدوا عاجزين اليوم عن قراءة المكتوب نفسه، لعمق تعقيد الأحداث وتسارعها، على نحو غير مسبوق في التاريخ البشري. ومع هذا بوسعنا رصد جملة من البدايات الكبرى التي تعين ولو بشكل جزئي على تخيل صورة العالم الذي سيتشكل بعد أن ينحسر غبار الحدث، بل الأحداث الكبرى التي نعيشها.

في فلسطين، لا نشهد تحولا عسكريا فحسب، بل تحولا عميقا في الإدراك العالمي. 

الرواية التي صمدت لعقود، وتغلغلت في الوعي الغربي على وجه الخصوص، لم تعد صلبة كما كانت. ما كان يُعتبر من المسلمات، أصبح اليوم موضع نقاش، بل ورفض. 

الجامعات الأمريكية التي شكلت لعقود حواضن صلبة للدفاع عن إسرائيل، تتحول إلى ساحات احتجاج، والإعلام الذي ظل يردد خطابا واحدا، بدأ -ولو ببطء- يتشقق. 

وحين يخرج صوت من داخل النخبة الإسرائيلية، كصوت الكاتب العبري نداف إيال، متسائلا بمرارة إن كانت إسرائيل بدأت تخسر أمريكا، فإن هذا السؤال لا يمكن قراءته بوصفه رأيا فرديا، بل بوصفه مؤشرا على بداية تآكل الغطاء الأخلاقي، وهو أخطر ما يمكن أن تخسره أي دولة، لأن الدول لا تُهزم فقط حين تُكسر عسكريا، بل حين تنهار الرواية التي تبرر وجودها.

في قطاع غزة، تتجلى المفارقة الأكثر قسوة في هذا العصر؛ قوة عسكرية هائلة، تُصنف ضمن الأكثر تفوقا في العالم، تُستخدم بأقصى درجاتها، وتخلّف دمارا واسعا وكلفة إنسانية صادمة، ومع ذلك لا يتحقق الحسم. هنا لا تكمن الصدمة في حجم القوة المستخدمة، بل في عجزها عن تحقيق الهدف السياسي. هذه هي نقطة التحول الكبرى: لم تعد المشكلة في ضعف القوة، بل في أن القوة نفسها لم تعد كافية. فالمقاومة لم تعد تُقاس بما تملك من أدوات، بل بقدرتها على منع الحسم، وعلى الاستمرار رغم كل شيء، وهذا في منطق الحروب الحديثة ليس مجرد صمود، بل هو شكل جديد من أشكال الانتصار، حتى وإن كان مرا!

تعود فلسطين إلى مركز العالم، ليس كملف سياسي قابل للإدارة، بل كقضية أخلاقية وسياسية لا يمكن تجاوزها. لم تعد مجرد صراع على الأرض، بل أصبحت مرآة يرى العالم نفسه فيها، بتناقضاته وحدوده. المقاومة، في هذا السياق، لم تعد مجرد فعل عسكري، بل تحولت إلى عنصر يعيد تعريف الصراع نفسه، ويكسر وهم الحسم السريع.

داخل المستعمرة الصهيونية في فلسطين نفسها، لم تعد الأزمة محصورة في السياسة أو في إدارة الحرب، بل تحولت إلى أزمة أعمق تمس البنية الداخلية: أزمة ثقة، وأزمة هوية، وأزمة يقين. جيش قيل إنه لا يُقهر يجد نفسه أمام واقع لا يمكن السيطرة عليه بسهولة، ومؤسسات كانت تبدو راسخة أصبحت موضع شك وتساؤل. ما كان يُدار في الغرف المغلقة أصبح يُكتب يوميا في الصحف العبرية: خوف من تآكل الردع، وقلق من طول أمد الحرب، وجبهات مفتوحة بلا حسم هنا وهناك، وهواجس من مستقبل لم يعد يشبه الماضي. هذه ليست لحظة انهيار، لكنها بداية أخطر بكثير: بداية شك الدولة بنفسها، والدول لا تسقط فقط حين تُهزم، بل حين تفقد ثقتها بذاتها.

لم تعد الحرب تُدار في الميدان فقط، بل أصبحت تُخاض أمام العالم مباشرة. مع صعود منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد احتكار الصورة أو التحكم في الرواية مقصورا على المنصات "الرسمية"؛ الصور لم تعد تُخفى، والروايات الرسمية لم تعد كافية لإقناع الرأي العام. 

تقارير منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، إلى جانب الاحتجاجات المتزايدة في العواصم الغربية، تشير إلى تحول أعمق: الصورة التي بُنيت عبر عقود لم تعد تعمل كما كانت، بل بدأت تتآكل تحت ضغط الواقع المنقول لحظة بلحظة، بل إن منصات الإعلام الشعبي نافست منصات الإعلام المحترف في نقل الحدث بصورة أكثر سرعة وبدون أي عمليات "مونتاج" أن تجميل، وما يخفيه الرسميون فضحه الشعبيون!

في الخليج العربي لا تُعلن التحولات بصوت مرتفع، لكنها تحدث بوضوح لمن يقرأ ما وراء السطور. لم يعد الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة خيارا مطلقا، بل بدأت دول المنطقة في إعادة حساباتها، عبر تنويع الحلفاء وتوزيع المخاطر. لا أحد يعلن القطيعة، لكن الجميع يعيد التموضع بهدوء، وهذه في حد ذاتها بداية تحول استراتيجي عميق.

في العالم العربي لم يعد الشارع كما كان، لم يعد يكتفي بتلقي الروايات الرسمية، بل أصبح يرى ويقارن ويسأل. والسؤال هنا أخطر من الاحتجاج، لأنه يعكس بداية تآكل الهيبة المعنوية للأنظمة

لم تعد الشرعية تُفرض بالصمت، بل أصبحت بحاجة إلى إقناع، ومع كل مشهد يُبث من ميادين الصراع، تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع.

أما في إيران، فتكشف التجربة مفارقة تاريخية لافتة؛ فبدل أن يؤدي الضغط الخارجي إلى إضعافها، ساهم في إعادة ترتيب تماسكها الداخلي وتعزيز حضورها الإقليمي. من مضيق هرمز إلى عمق الإقليم، تثبت إيران أنها لاعب لا يمكن تجاوزه، وأن محاولات احتوائها لم تؤدِّ إلى إقصائها، بل إلى إعادة تشكيل دورها.

ووسط كل هذا المشهد المعقد، تتكشف حدود القوة العسكرية الأمريكية نفسها، ليس عبر هزيمة مباشرة، بل عبر عجز متكرر عن فرض الحسم. 

فالتجارب الممتدة من حرب العراق إلى الحرب في أفغانستان، وصولا إلى الاشتباك المتوحش مع إيران، تشير إلى نمط واحد: قدرة هائلة على التدمير، مقابل صعوبة متزايدة في فرض نتائج سياسية نهائية. لم تعد القوة الأمريكية قادرة على انتزاع "الراية البيضاء" كما في حروب سابقة، بل تجد نفسها أمام خصوم يعتمدون على الصمود، وتفكيك المعركة إلى مساحات استنزاف طويلة. وهذه المفارقة أعادت إنتاج نفسها في قطاع غزة، حيث لم ينجح التفوق العسكري الإسرائيلي -رغم امتداده وتكلفته الهائلة- في كسر إرادة المقاومة أو فرض استسلام كامل. 

هنا يتقاطع المشهدان: قوتان من الأكثر تفوقا في العالم، تواجهان الحقيقة نفسها؛ أن الحسم العسكري لم يعد كما كان، وأن القوة، مهما بلغت، لم تعد كافية وحدها لإخضاع الخصم أو إنهاء الصراع.

العالم اليوم ليس في حالة فوضى كما يبدو، بل في حالة مخاض لنظام جديد. لم يعد القطب الواحد قادرا على إدارة التوازنات، ولم تتشكل بعد قواعد نظام متعدد المراكز. نحن في مرحلة انتقالية، تتفكك فيها التحالفات القديمة، وتتشكل فيها ملامح قوى جديدة، دون أن يستقر المشهد بعد

ثمة وعي جديد يتشكل في العالم العربي وخارجه، لم يعد الناس متلقين سلبيين، بل أصبحوا جزءا من صناعة الرواية، ومن التأثير في مسار الأحداث. هذه هي النقلة الأخطر: انتقال القوة من يد واحدة إلى وعي جماعي متحرك، يصعب السيطرة عليه أو احتواؤه بالوسائل التقليدية.

في المحصلة، هذه ليست نهايات كما قد يظن البعض، بل بدايات قاسية لعالم مختلف؛ عالم لم تعد فيه القوة وحدها كافية، ولم تعد فيه الرواية مضمونة، ولم يعد فيه الحسم ممكنا كما كان. في زمن التحولات الكبرى لا تسقط القوى لأنها ضعيفة، بل لأنها تكتشف متأخرة أن العالم الذي صنعت فيه قوتها قد تغيّر. 

والسؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة القادمة ليس من الأقوى، بل من يفهم أن قواعد القوة نفسها قد انتهت.. قبل أن تنتهي به.

وفي قلب هذا التحول المتسارع، يبرز تصريح لافت للزعيم الألماني فريدريش ميرتس كعلامة دالة لا يمكن تجاهلها؛ إذ لم يكن مجرد تعليق عابر على مسار تفاوضي متعثر، بل هو تعبير مكثّف عن حالة قلق أوروبي آخذة في التفاقم؛ حين يقول إن الولايات المتحدة "تُذلّ" من قبل القيادة في إيران، فهو لا يصف واقعة دبلوماسية بقدر ما يكشف خللا أعمق في ميزان الفعل والتأثير داخل التحالف الغربي نفسه. 

فالقضية هنا ليست تفوقا إيرانيا مطلقا، بل قدرة طهران على إدارة لعبة الاستنزاف ببرود أعصاب، مقابل ارتباك أمريكي ينعكس مباشرة على حلفائها.

الأوروبيون، الذين يدفعون فاتورة كل تصعيد دون أن يملكوا قرار إشعاله أو إطفائه، بدأوا يرفعون الصوت:  ليس دفاعا عن واشنطن، بل احتجاجا على نموذج قيادة يجرّهم إلى أزمات مفتوحة بلا أفق. من هنا، يبدو تصريح ميرتس وكأنه بداية كبرى للحظة انكشاف، حيث تتعرّى فجوة المصالح داخل المعسكر الواحد، ويتحوّل "التحالف" من كتلة صلبة إلى بنية قلقة، تتآكل من داخلها مع كل جولة فشل جديدة.


السبت، 28 مارس 2026

من قناة السويس إلى هرمز.. هل تبدأ نهاية أمريكا من المضيق؟

من قناة السويس إلى هرمز.. هل تبدأ نهاية أمريكا من المضيق؟




مضيق هرمز. هذا المضيق لا تقتصر أهميته على كونه معبرًا لنحو خُمس نفط العالم، بل لأنه شريان مركّب يمر عبره جزء كبير من اقتصاد العصر الحديث بكل طبقاته، من الطاقة إلى الصناعة إلى الاتصالات..

لم تسقط الإمبراطوريات يومًا لأنها خسرت معركة واحدة، بل لأنها فقدت السيطرة على ما يربط العالم بها. هذه ليست عبارة إنشائية، بل خلاصة دراسة عميقة قدّمها المستثمر والمفكر العالمي رأي داليو، في كتابه "النظام العالمي المتغيّر"، الصادر عام ٢٠٢١ عن دار نشر أميركية في نيويورك، حيث يتتبع تاريخ الإمبراطوريات خلال خمسة قرون ليكشف نمطًا يتكرر بلا استثناء تقريبًا: صعود، ثم ذروة، ثم تآكل بطيء يبدأ من الداخل قبل أن يظهر على شكل عجز عن حماية مفاصل التجارة العالمية.

هرمز تحول من مضيق إلى رمز لهيبة وجبروت وسيطرة أمريكا على العام، فإن خسرت معركته، خسرت الحرب، وخسر الدولار، وبدأت خسارتها الكبرى كإمبراطورية تحولت عبر العقود الماضية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى مركز العالم!
ولعلّ المقارنة الأكثر دلالة، والتي تعطي هذا الطرح وزنه الحقيقي، هي ما جرى للإمبراطورية البريطانية. تلك القوة التي كانت تحكم ربع العالم لم تسقط فجأة، بل بدأت رحلة الأفول عندما فقدت السيطرة على قناة السويس عقب أزمة السويس 1956. في تلك اللحظة، لم تخسر بريطانيا معركة عسكرية فقط، بل خسرت شريانها الحيوي الذي كانت تتدفق عبره تجارتها ونفوذها. ومن هناك، بدأ التراجع الصامت حتى تقلّصت "بريطانيا العظمى" إلى دولة عادية، بعد أن كانت مركز النظام العالمي!

اليوم، يعيد التاريخ طرح نفسه ولكن عبر عقدة جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة: مضيق هرمز. هذا المضيق لا تقتصر أهميته على كونه معبرًا لنحو خُمس نفط العالم، بل لأنه شريان مركّب يمر عبره جزء كبير من اقتصاد العصر الحديث بكل طبقاته، من الطاقة إلى الصناعة إلى الاتصالات. فمن خلاله تعبر شحنات الغاز الحيوي مثل الهيليوم، الذي يدخل في صناعات دقيقة لا غنى عنها، كما تمر عبره مواد استراتيجية كبرى مثل الأسمدة التي يرتبط بها الأمن الغذائي العالمي، فضلًا عن كونه جزءًا من شبكة أعقد تشمل كابلات الاتصالات البحرية التي يقوم عليها تدفق الإنترنت والبيانات. أي أن الحديث هنا لم يعد عن نفط فقط، بل عن بنية الحياة الحديثة نفسها.

لا يصبح مضيق هرمز مجرد موقع جغرافي، بل اختبارًا تاريخيًا مكثفًا. فكما كانت قناة السويس لحظة كشفت عجز بريطانيا وأعلنت بداية أفولها، يقف هرمز اليوم كمرآة تعكس قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها في عالم يتغير بسرعة، خاصة في ظل تراكم الديون، وتعمّق الانقسام الداخلي، وصعود الصين كمنافس يعيد تشكيل ميزان القوى.
وفي هذا السياق، يحذر راي داليو في تصريحات حديثة نقلتها وسائل إعلام متعددة، من أن السيطرة على هذا المضيق تمنح تأثيرًا هائلًا على الاقتصاد العالمي، وأن الصراع حوله قد يكون لحظة حاسمة في تحديد ملامح المرحلة القادمة، بل إن العالم قد يكون بالفعل على أعتاب مرحلة أكثر خطورة، وهي مرحلة ترتبط عادة بلحظات تغيّر النظام العالمي.

بهذا المعنى، لا يصبح مضيق هرمز مجرد موقع جغرافي، بل اختبارًا تاريخيًا مكثفًا. فكما كانت قناة السويس لحظة كشفت عجز بريطانيا وأعلنت بداية أفولها، يقف هرمز اليوم كمرآة تعكس قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها في عالم يتغير بسرعة، خاصة في ظل تراكم الديون، وتعمّق الانقسام الداخلي، وصعود الصين كمنافس يعيد تشكيل ميزان القوى.

التاريخ، كما يقرأه راي داليو، لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يعيد أنماطه بدقة مقلقة. في حكاية انهيار كل الامبراطوريات الكبرى، كانت البداية دائمًا من لحظة تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها بداية التحول الكبير. واليوم، يقف العالم أمام سؤال لا يمكن تجاهله: هل يكون مضيق هرمز هو قناة السويس الجديدة؟ أم أن العالم على وشك اكتشاف أن هذه المرة، ليس مجرد شريان واحد هو ما يُختبر، بل كامل النظام الذي يقوم عليه؟

هل علمنا اليوم لم تركزت المعضلة الرئيسة في الحرب التي شنتها واشنطن على إيران على فتح مضيق هرمز بصفة محددة، (وقد كان مفتوحا أصلا قبل الحرب!) مع أن نفطها لا يمر من هذا المضيق، كما تبجح رئيسها ترامب غير مرة؟

هرمز تحول من مضيق إلى رمز لهيبة وجبروت وسيطرة أمريكا على العام، فإن خسرت معركته، خسرت الحرب، وخسر الدولار، وبدأت خسارتها الكبرى كإمبراطورية تحولت عبر العقود الماضية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى مركز العالم!

الأحد، 1 مارس 2026

اغتيال خامنئي يغير مسار حرب ترامب ونتنياهو على إيران

 اغتيال خامنئي يغير مسار حرب ترامب ونتنياهو على إيران

حلمي الأسمر
"اغتيال علي خامنئي إذن لم يكن فصلا عابرا في حرب قائمة، بل لحظة أعادت تشكيل" المشهد كله"

لم تعد الحرب على إيران كما كانت قبل اغتيال علي خامنئي، لم يكن الحدث مجرد ضربة عسكرية عالية المستوى، بل لحظة فاصلة نقلت الصراع من مستوى "إعادة الردع" إلى مستوى "كسر النظام في رمزه الأعلى". ومع هذا التحول، تغيّرت طبيعة المعركة، وارتفع السقف إلى حدّ لم يعد يسمح بعودة سهلة إلى منطق الضبط المحدود أو الرسائل التكتيكية.

قبل الاغتيال، كان يمكن قراءة المشهد بوصفه تقاطعا بين نزعة دونالد ترامب الصدامية، التي ترى في القوة أداة لصناعة صفقة كبرى، وبين حاجة بنيامين نتنياهو إلى تعويض هزيمة السابع من أكتوبر عبر استعادة صورة الردع الإسرائيلي وصناعة نصر "مبهر" يعوض عن فقدان النصر "الكامل" في غزة. كانت الضربات يمكن أن تُفهم كوسائل ضغط ضمن معادلة تصعيد يمكن إدارتها، أما بعد استهداف رأس النظام الإيراني، فقد تحوّلت الحرب إلى مواجهة وجودية مفتوحة، لأن الذي سقط لم يكن قائدا عسكريا عابرا، بل المرجعية الدينية والسياسية التي شكّلت عمود النظام طوال عقود، بل إنها تخص أكثر من مائتي مليون مسلم من المذهب الشيعي، يرون خامنئي باعتباره الولي الفقيه ومرجعهم الديني الأعلى، الذي ينوب عن الإمام الغائب. كما يخص هذا الاغتيال عددا غير قليل من مسلمي العالم من المذهب السني، حيث يعتبر اغتيال خامنئي، كما اغتيال قادة المقاومة الفلسطينية وحسن نصر الله زعيم حزب الله، عملية "إهانة" بالغة للشخصية الإسلامية سواء كانت سنية أم شيعية، وتعبيرا عن مدى تغول وتوحش القوة الصهيونية المدعومة بتوحش أمريكي أكبر.

النظام الذي يُصاب في رمزه الأعلى لا يملك ترف الرد المحدود؛ الرد المحدود يُقرأ ضعفا، والتردد يُقرأ انهيارا. لذلك اتجهت طهران إلى تصعيد واسع، مباشر وغير مباشر (وإن كان أقل من المتوقع حتى الآن!)، يهدف إلى إعادة تثبيت الهيبة قبل أي اعتبار آخر

اغتيال خامنئي أصاب البنية الرمزية للنظام في مقتل قبل أن يصيبه سياسيا، فالرجل لم يكن فقط صاحب القرار الأعلى، بل كان رمز الاستمرارية والمرجعية، والمرتكز الذي تدور حوله شرعية النظام. وحين يُستهدف هذا الرمز، لا يكون الرد مجرد حساب بارد للخسائر، بل دفاعا عن الكيان نفسه. لذلك بدا أن الرد الإيراني اتخذ طابعا أكثر حدّة، ليس بوصفه انفعالا عاطفيا، بل بوصفه ضرورة داخلية لإثبات أن النظام لم يُكسر، وأن "دم المرشد" لن يمر بلا ثمن.

في هذا السياق، تتقاطع حسابات ترامب ونتنياهو على نحو أكثر خطورة، فكلاهما يؤمن بأن كسر السقف هو الطريق الأسرع لفرض واقع جديد. ترامب، الذي صاغ فلسفته السياسية على قاعدة "ارفع السقف ثم فاوض من موقع القوة"، رأى في الضربة الكبرى وسيلة لإعادة تعريف التوازن مع طهران. ونتنياهو، المثقل بظل هزيمة السابع من أكتوبر، رأى في استهداف رأس النظام الإيراني فرصة لتحويل مسار التاريخ الشخصي والسياسي: من رئيس اهتزت صورته الأمنية، إلى قائد وجّه الضربة الأشد لخصمه الاستراتيجي!

لكن ما بدا في لحظة القرار كذروة للحسم، تحوّل سريعا إلى بوابة تصعيد غير مسبوق، فالنظام الذي يُصاب في رمزه الأعلى لا يملك ترف الرد المحدود؛ الرد المحدود يُقرأ ضعفا، والتردد يُقرأ انهيارا. لذلك اتجهت طهران إلى تصعيد واسع، مباشر وغير مباشر (وإن كان أقل من المتوقع حتى الآن!)، يهدف إلى إعادة تثبيت الهيبة قبل أي اعتبار آخر. لم يعد الهدف فقط إيلام إسرائيل أو الضغط على الولايات المتحدة، بل إعادة تعريف الصراع باعتباره ثأرا وجوديا لا معركة حدود.

وهكذا خرجت الحرب من منطق "إدارة الصراع" إلى منطق "إدارة الفوضى". قبل الاغتيال، كان يمكن تصور انتقال سريع من النار إلى طاولة تفاوض، مع إعلان نصر سياسي هنا أو هناك. أما بعده، فقد أصبح الانتقال إلى التهدئة أكثر تعقيدا، لأن كل طرف بات أسير صورته؛ ترامب لا يستطيع أن يبدو متراجعا بعد ضربة بهذا الحجم، ونتنياهو لا يستطيع التفريط بلحظة يعتبرها تعويضا استراتيجيا، وإيران لا تستطيع القبول بواقع يُظهرها كمن ضُرب في قلبه ثم اكتفى بردّ رمزي.

المشهد الأكثر بؤسا اليوم هو وقوف كتلة "النظام العربي الرسمي" بكل حجمها الكبير وتأثيرها الخطير، موقف المشاهد العاجز الذي يتلقى الضربات وتستعمل مقدراته كلها في خدمة حروب الآخرين، حروب لا ناقة لها فيها ولا بعير

المفارقة أن التشابه بين ترامب ونتنياهو -في نزعة الحسم، وفي تقديس صورة "الرجل القوي"، وفي الميل إلى رفع السقف- قد يدفعهما إلى سباق تصعيد لا يريد فيه أي منهما أن يبدو أقل صلابة من الآخر. لكن الحرب، بخلاف الصفقات السياسية، لا تنتهي دائما عند النقطة التي يرسمها أصحابها. فهي تتكاثر في مسارات غير متوقعة، وتتسع بتأثير ردود الفعل، وقد تفرض إيقاعها الخاص على من ظنّوا أنهم يمسكون بخيوطها.

اغتيال علي خامنئي إذن لم يكن فصلا عابرا في حرب قائمة، بل لحظة أعادت تشكيل المشهد كله، لقد حوّل الصراع من محاولة لإعادة رسم الردع إلى مواجهة تمسّ جوهر الأنظمة وصورتها أمام شعوبها. وفي هذه اللحظة، لم يعد السؤال من يملك القوة الأكبر فقط، بل من يستطيع تحمّل كلفة السير حتى النهاية.

المنطقة اليوم تقف أمام معادلة شديدة الخطورة: ضربة قصوى ولّدت ردا أقصى، وتحالف نار يقابله ثأر وجودي، وبين هذين الحدّين يتحدد مستقبل شرق أوسط قد يخرج من هذه الحرب بخرائط جديدة.. أو بجرح مفتوح يصعب التئامه لعقود طويلة.

المشهد الأكثر بؤسا اليوم هو وقوف كتلة "النظام العربي الرسمي" بكل حجمها الكبير وتأثيرها الخطير، موقف المشاهد العاجز الذي يتلقى الضربات وتستعمل مقدراته كلها في خدمة حروب الآخرين، حروب لا ناقة لها فيها ولا بعير، فيما تقف موقف العاجز وربما المتواطئ حيال حرب كانت على الدوام المفردة الأكثر استعمالا في الإعلام العربي لعقود، وهي حرب تحرير فلسطين، قبل أن تختفي تماما وتحل محلها مصطلحات بالغة الميوعة من قبيل الدعوة إلى "خفض مستوى الصراع!" و"حل الصراعات بالطرق السلمية!"، وغيرها مما يحفل به قاموس السياسة العربية الرسمية، وأخيرا وليس آخرا: مالنا ولفلسطين؟ وصولا إلى ملاحقة كل من يقاوم الاحتلال وربما اعتقاله بل تسلميه للعدو واتهامه بالإرهاب!!



الأحد، 1 فبراير 2026

تطبيق نموذج غزة على الضفة بنسخة صامتة!

 تطبيق نموذج غزة على الضفة بنسخة صامتة!

حلمي الأسمر

"كلما تقدّم مشروع الضمّ في الضفة، ازداد الضغط غير المعلن لتحويل الأردن إلى البديل الصامت"

ما يجري في الضفة الغربية لم يعد مسألة فلسطينية داخلية ولا أزمة أمنية عابرة يمكن احتواؤها بالوساطات؛ نحن أمام مسار استراتيجي إسرائيلي طويل النفس، هدفه النهائي إعادة تعريف "الحل" عبر تفريغ الأرض من سكانها، لا عبر التفاوض معهم. شهادة الكاتبة اليسارية عميرة هاس في "هآرتس" هذا الأسبوع، بكل سخريتها السوداء، تكشف أن ما يُنفّذ اليوم هو نموذج غزة ذاته ولكن بنسخة صامتة: وطرد بطيء، وخنق اقتصادي، وتدمير شروط الحياة، وتحويل السكان إلى عبء جغرافي يُدفع قسرا نحو الرحيل. السؤال الذي طرحته هاس عن "طرد نهائي إلى الأردن" ليس زلة قلم، بل هو انعكاس لنقاش حقيقي داخل العقل الاستيطاني: حين تُستنزف المدن وتُقلَّص الجيوب الحضرية، يصبح الترحيل خيارا عمليا لا سيناريو خياليا.

هنا يدخل الأردن إلى قلب المعادلة، لا بوصفه جارا، بل بوصفه الهدف الوظيفي التالي. فالأردن، في التصور الإسرائيلي القديم-المتجدد، ليس دولة سيّدة بحدود نهائية، بل "حيّز امتصاص" للأزمة الديمغرافية الفلسطينية. وكلما تقدّم مشروع الضمّ في الضفة، ازداد الضغط غير المعلن لتحويل الأردن إلى البديل الصامت: بديل الأرض، وبديل الدولة، وبديل الحل. 

هل الأردن عاجز؟ الجواب الواقعي: لا، لكنه مقيَّد، ومتردد، ويستخدم جزءا ضئيلا فقط من أوراقه

الخطورة هنا أن هذا المخطط لا يحتاج إلى قرار حرب ولا إعلان رسمي؛ يكفيه استمرار الخنق حتى يتحول النزوح إلى "خيار إنساني" في الخطاب الدولي!

السؤال الحاسم: هل الأردن عاجز؟ الجواب الواقعي: لا، لكنه مقيَّد، ومتردد، ويستخدم جزءا ضئيلا فقط من أوراقه. الأردن يملك أوراق ضغط حقيقية لو أراد استخدامها خارج منطق ردّ الفعل؛ أول هذه الأوراق هو "الاستقرار الحدودي!" لعقود. إسرائيل تحتاج الأردن مستقرا، وهادئا، ومتعاونا أمنيا، وضامنا لحدودها الشرقية؛ أي اهتزاز في هذا الدور -حتى لو كان سياسيا لا عسكريا- يخلق قلقا استراتيجيا حقيقيا في تل أبيب وواشنطن معا. ثاني هذه الأوراق هي اتفاقية وادي عربة، التي جرى التعامل معها كقدر نهائي، بينما هي في الواقع عقد سياسي قابل لإعادة التفسير والتجميد الجزئي، لا الإلغاء الشامل. مجرد نقل الاتفاقية من "منطقة المحرمات" إلى "منطقة المراجعة" يشكّل ضغطا نفسيا وسياسيا كبيرا.

يملك الأردن أيضا ورقة الوصاية على المقدسات، وهي ليست رمزية فقط كما يُروّج، بل نقطة تماس مباشرة مع المشروع الاستيطاني في القدس، وأي تصعيد دبلوماسي وقانوني جدي حول هذه الوصاية، مقرون بتحركات دولية لا شكلية، يربك المسار الإسرائيلي لأنه يضرب أحد أعمدة شرعنته. وفوق ذلك، يملك الأردن ورقة الحدود والعبور والتنسيق الاقتصادي وحتى الأمني، وهي أدوات يمكن استخدامها بمرونة تصاعدية، لا بقرارات صادمة، لإيصال رسالة واضحة: نقل الأزمة إلينا يعني نقل الكلفة إلينا، ونحن لسنا صندوق تفريغ مجانيا.

الخطر الحقيقي على الأردن لا يأتي فقط من إسرائيل، بل من وهْم أن الزمن يعمل لصالحه. الزمن هنا يعمل لصالح المشروع، لا ضده


لكن أخطر ما يملكه الأردن -ويخشى استخدامه- هو الموقف السياسي الصريح؛ ليس بيانات قلق، بل إعلان موقف واضح بأن أي تهجير قسري أو دفع سكاني نحو الشرق هو عمل عدائي مباشر يمس الأمن الوطني الأردني ويستدعي تغييرا جذريا في طبيعة العلاقة مع إسرائيل. هذا النوع من الخطاب، حين يكون ثابتا ومتراكما لا عابرا وبصوت خافت، يغيّر الحسابات، لأن إسرائيل تبني استراتيجياتها على افتراض الصمت والاحتواء، لا المواجهة السياسية.

في المقابل، الخطر الحقيقي على الأردن لا يأتي فقط من إسرائيل، بل من وهْم أن الزمن يعمل لصالحه. الزمن هنا يعمل لصالح المشروع، لا ضده، وكل شهر يمرّ دون رفع الكلفة السياسية يجعل الترحيل أكثر قابلية للتسويق، وأكثر قبولا دوليا بوصفه "أمرا واقعا فرضته الظروف"، وحين تصل اللحظة الحرجة، سيُطلب من الأردن أن "يتحمّل مسؤوليته الإنسانية"، لا أن يُدافع عن سيادته!

الخلاصة واضحة: إذا لم يُواجَه مشروع الضمّ والترحيل في الضفة اليوم كتهديد إقليمي لا كأزمة فلسطينية، فإن الأردن سيكون غدا أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الانخراط القسري في حلّ لم يصنعه، أو الدخول في صدام متأخر بعدما تكون الوقائع قد تغيّرت. ما يزال في يد الأردن ما يكفي لرفع الكلفة، وتعطيل المسار، وإرباك المخطط، لكن ذلك يتطلب انتقالا من سياسة إدارة الخطر إلى سياسة ردعه سياسيا قبل أن يتحول إلى قدر.

الجمعة، 28 نوفمبر 2025

استهداف قطر والإخوان واستقلال الجامعات

 استهداف قطر والإخوان واستقلال الجامعات

حلمي الأسمر

من يقرأ التقرير الصادر أخيراً عن معهد دراسة معاداة السامية والسياسات العالمية في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، يُدرك أنّ ما بين السطور أخطر بكثير مما يبدو على السطح. فهذا المعهد، المعروف بانحيازه المطلق للرواية الصهيونية وتمويله القادم من شبكات ضغط يهودية – أميركية متشددة، لا يكتب أبحاثاً بريئة، ولا يُصدر تقاريره عبثاً. إنّه جزء من ماكينة سياسية متكاملة تعمل على إنتاج سردية تخدم المصالح الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة، وتعيد تشكيل وعي صُنّاع القرار في واشنطن بما ينسجم مع أولويات تل أبيب.

يعمل هذا المعهد منذ سنوات على بناء رواية ضخمة تعتبر أن جماعة الإخوان المسلمين، وقطر، والجامعات الأميركية، وكل ما له صلة بالعالم العربي أو الإسلامي، يشكل تهديداً ثقافيّاً وفكريّاً وأمنيّاً للنفوذ الإسرائيلي. لكن المعهد، للمرّة الأولى، يذهب إلى خطوة نوعية: إنه يضع الأساس الفكري والسياسي للقرار التاريخي الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب قبل أيام، ويفتح الباب رسميّاً لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابيّاً.

يتّهم التقرير الجماعة بأنها تتسلّل "استراتيجياً" إلى المجتمعات الغربية، ويستند إلى أرقام ضخمة عن تمويل قطري مزعوم للجامعات الأميركية، ويعيد تدوير المزاعم التي يروّجها المعهد منذ عام 2019 عن "اختراق عربي – إسلامي" للمؤسّسات التعليمية. هو ليس بحثاً أكاديميّاً، بل ذخيرة سياسية جاهزة، مصمّمة بعناية كي يستخدمها الكونغرس والبيت الأبيض واللوبي الصهيوني في لحظة سياسية متوتّرة، حيث تُستخدم الجامعات، و"السوشيال ميديا"، والطلاب، والرأي العام، ساحات معركة لتجريم أي تعاطف مع فلسطين.

كل مؤسّسة تعليمية لا تتبنى الرواية الرسمية تُتَّهم بأنها "منصّة اختراق"، وكل حركة سياسية لا تعادي غزّة تُوصم بأنها "تهديد"، وكل نقد للاحتلال يُعاد تعريفه "تحريضاً"

أخطر ما في المشهد أنّ هذا التقرير جاء قبل صدور القرار الرئاسي بساعات قليلة، وكأنه يمهّد الأرضية ويقدّم التبرير النظري المطلوب. وعندما نقرأ نص قرار البيت الأبيض، نجده ينسجم حرفيّاً مع الرواية التي صاغها المعهد: فالأمر التنفيذي يقدّم الجماعة باعتبارها "تهديداً مباشراً للأمن القومي الأميركي"، ويتهم فروعها في مصر والأردن ولبنان بدعم العنف في المنطقة، ويمنح وزارتي الخارجية والخزانة مهلة قصيرة لاتخاذ الخطوات اللازمة لتصنيف هذه الفروع تنظيمات إرهابية دولية.

ليس هذا القرار إجراءً إداريّاً؛ إنه إعلان سياسي يرسم مستقبل الشرق الأوسط للسنوات المقبلة. تقول واشنطن بوضوح: لا وساطات عربية مستقلة، لا أدوار خارج الإطار الأميركي – الإسرائيلي، لا قوة سياسية أو إعلامية أو فكرية تستطيع منافسة الرواية الصهيونية داخل الولايات المتحدة.

وإذا كانت قطر قد لعبت خلال حرب غزة دوراً محوريّاً في التهدئة والتفاوض، فإنّ المعهد يسعى إلى خنق هذا الدور عبر ربط الدوحة بالإخوان المسلمين وربطهم بالعنف، وبالتالي، إيجاد مناخ يمهّد لإضعاف الوساطة القطرية وضرب مكانة الدوحة الإقليمية، فالتقرير لا يريد فقط شيطنة الجماعة؛ إنه يريد شل أي دولة عربية تُظهر استقلالاً عن الإرادة الأميركية – الإسرائيلية.

ليس الربط بين الإخوان وقطر والجامعات والطلاب تحليلاً علميّاً، بل جزء من مشروع متكامل عنوانه: تجريم أي خطاب لا يتماشى مع الرواية الإسرائيلية. وكل مؤسّسة تعليمية لا تتبنى الرواية الرسمية تُتَّهم بأنها "منصّة اختراق"، وكل حركة سياسية لا تعادي غزّة تُوصم بأنها "تهديد"، وكل نقد للاحتلال يُعاد تعريفه "تحريضاً". ولهذا، ليس تقرير المعهد مجرد وثيقة؛ إنه إعلان عن مرحلة جديدة من الحرب على الوعي، تريد فيها إسرائيل وشبكات الضغط التابعة لها أن تتحكّم في تعريف المصطلحات: من هو المعتدل؟ من هو المتطرّف؟ من هو الحليف؟ من هو الإرهابي؟ ومن يحقّ له أن يبقى في الحياة العامة داخل أميركا؟

الرواية التي تنتصر اليوم قد تتحوّل إلى سياسة تحكُم المنطقة عقوداً

ومع صدور قرار ترامب، تدخل المنطقة نفقاً سياسيّاً جديداً. القرار سيُستخدم ضد الإخوان اليوم، وضد قطر غداً، وضد كل صوت يدافع عن غزّة بعد غد. إنه لا يستهدف جماعة واحدة، بل بيئة كاملة من الأفكار، والدول، والحركات، والوساطات، وكل ما لا يدخل في منظومة الطاعة المطلقة لواشنطن وتل أبيب.

ليست قراءة هذه التطورات ترفاً فكريّاً، بل ضرورة سياسية لفهم المستقبل، فمن يربح معركة السردية اليوم يربح معركة السياسة غداً. وما يجري حالياً محاولة لإعادة صياغة العالم العربي من بوابة واشنطن، وتجريم أي قوة مستقلة في الإقليم، وتحويل الصراع من سياسي إلى وجودي: إما أن تكون جزءاً من المشروع الأميركي – الإسرائيلي أو أن تُوضع على قوائم "التهديد".

إنه زمن إعادة تعريف الشرق الأوسط… وللأسف، الرواية التي تنتصر اليوم قد تتحوّل إلى سياسة تحكُم المنطقة عقوداً.















الاثنين، 17 نوفمبر 2025

ذكاء حماس ونرجسيّة ترامب

 ذكاء حماس ونرجسيّة ترامب

حلمي الأسمر

ليست العلاقة بين حركة حماس والرئيس الأميركي دونالد ترامب مجرّد تراشقٍ سياسي أو اختلافٍ في المواقف، بل يمكن اعتبارها من أغرب التفاعلات النفسية والسياسية في الشرق الأوسط المعاصر، فمنذ تولّى ترامب الرئاسة، وهو يتأرجح بين التهديد بإبادة الحركة، مع فتح أبواب الجحيم على غزّة، والإشادة الصريحة بذكاء قادتها وشجاعتهم، بل واعترافه الضمني بأنهم يفكرون بطريقة تشبه طريقته، من دون أن يفصح صراحة عن هذا. وفي المقابل، حافظت "حماس" على رباطة جأش نادرة، فلم ترد بانفعال على تهديداته، ولا انبهرت بإطرائه، بل سلكت مساراً هادئاً ومدروساً، يوحي بأنها قرأت شخصية ترامب أكثر مما قرأ هو حقيقتها.

في العمق النفسي لشخصية ترامب، تختبئ تركيبة معقّدة من النرجسية الاستعراضية والهوس الرمزي بالانتصار، هو رجلٌ لا يهمّه المبدأ بقدر ما تهمّه الصورة؛ لا يرى السياسة قضية أخلاقية أو استراتيجية، بل "مباراة على المسرح العالمي"، حيث يجب أن يكون هو الفائز دائماً، ولو بالكلام فقط، لهذا كان ترامب يمدح الخصوم الذين يبدون شجاعة أو مكراً استثنائيّاً، حتى لو كانوا أعداءً لأميركا، فقد أبدى إعجابه بكيم جونغ أون وبوتين وقادة طالبان، والسبب نفسه جعله يصف قادة "حماس" بأنهم أذكياء وشجعان من الناحية النفسية، كان يرى فيهم انعكاساً لذاته المتمرّدة التي تتحدّى العالم وتفاجئ الخصوم رغم العزلة والعقوبات. 

إنه ببساطة يحبّ من يشبهه في الجرأة، ويتمنى لو كان في موقعهم حين يتحدّون قوى أكبر منهم، لكن هذه الإعجابات العابرة لا تلغي الجانب الآخر في شخصيته: الرغبة المرضية في السيطرة والإذلال. ولهذا سرعان ما يتحوّل إعجابه إلى تهديد، ومدحه إلى وعيد، كما فعل حين قال إنه سيجعل من غزّة "ريفيرا جديدة" بعد تدمير "حماس"، أو حين تحدّث عن "فتح أبواب الجحيم" عليها.

أظهرت "حماس" براعة نادرة في التعامل مع ترامب، لا من منطلق الضعف أو التملّق، بل من فهم عميق لنمط شخصيته

في الجهة المقابلة، أظهرت "حماس" براعة نادرة في التعامل مع ترامب، لا من منطلق الضعف أو التملّق، بل من فهم عميق لنمط شخصيته، فهي تدرك أن على من يقف أمام ترامب أن يتقن الصمت حين يغضب، وأن يُظهر الذكاء لا الخضوع، وأن يتحدّث بمنطق القوة لا الاستجداء. حين طرح ترامب خطته للسلام في المنطقة العربية ووقف إطلاق النار في غزة، رفضتها "حماس" بالصورة التي أعلنها ترامب، من دون أن تعلن ذلك، بل تعاملت معها بمرونة نادرة، بل لم توجّه سهامها نحوه شخصيّاً، وركزت على جوهر المشروع الصهيوني فيها، وأعلنت موقفاً اعتبره ترامب موافقة تامة على مشروعه، وفرح بهذا الرد (نعم ولكن، الذي اعتبره نتنياهو رفضاً باتّا!)، ثم سارع إلى ترجمة الرد بكل ما فيه من لغة ومصطلحات "حماسية" فلسطينية، ونشره على منصته "تروث" بعد دقائق من وصوله إليه. وبهذا الفصل الذكي بين ترامب شخصاً وترامب أداة سياسية، حافظت الحركة على مساحة مرنة في الخطاب، من دون أن تخسر ثوابتها. وحين مدحها بعد ذلك، لم تقع في فخ الاستعراض الإعلامي أو الانفعال، بل تعاملت مع الموقف إقراراً واقعيّاً بأن العدو بدأ يرى قوتها الحقيقية. 

لقد تعاملت مع ترامب كما يتعامل لاعب شطرنج مع خصم نرجسي: 

تحترم غروره بما يكفي لتجنّب استفزازه، كي لا يقلب الطاولة، لكنها لا تمنحه الفرصة ليفرض قواعده النفسية على اللعبة. ولذلك، بقي ترامب في حيرته: لا يستطيع في أعماقه أن يكره "حماس" تماماً، ولا أن يصفها بالحماقة، لأنها ببساطة كانت تستخدم لغته ذاتها، ولكن بوعي أكبر.

ليست العلاقة بين ترامب و"حماس" عداءً خالصاً ولا إعجاباً صافياً، بل هي اشتباك نفسي معقّد يقوم على تبادل الرموز لا المصالح المباشرة. ترامب يهدّد ليُثبت أنه الأقوى، لكنه في قرارة نفسه يعرف أن تهديده لا يعني شيئاً أمام واقعٍ يفرضه مقاتلون محاصرون في شريط صغير من الأرض، حققوا ثباتاً وصموداً ليس أمام الكيان فقط بل أمام من هم وراءه ومنهم وأهمهم ترامب نفسه. وحماس تدرك أن هذا الرجل لا يحكم بعقله فقط، بل بغروره أيضاً، ولذلك تعاملت مع غروره حقيقة يمكن إدارتها، لا مصيبة يجب الهروب منها. في لحظة ما، بدا ترامب وكأنه يحترم "حماس" أكثر مما يحترم بعض حلفائه العرب الذين انبطحوا أمامه، فهو يرى في الخضوع ضعفاً، وفي التمرّد شجاعة، حتى لو صدر من خصومه. أما "حماس"، فقد أدركت أن هذا النوع من الزعماء لا يُفهم من خلال المواقف الرسمية، بل من خلال غريزته للهيمنة ورغبته في الانتصار، حتى ولو كان رمزياً!

في لحظة ما، بدا ترامب وكأنه يحترم "حماس" أكثر مما يحترم بعض حلفائه العرب الذين انبطحوا أمامه

قد يظن بعضهم أن ترامب كان يتحدّث من فراغ، لكن الحقيقة أن مدحه "حماس" يعكس اعترافاً غربياً غير معلن بأن القوة الميدانية للمقاومة تجاوزت حدود التوصيف الإرهابي، فحتى أكثر الزعماء غروراً في الغرب باتوا يروْن فيها نموذجاً لقدرة الفكرة على تحدّي الإمبراطورية، أما حماس، فقد أثبتت في علاقتها مع ترامب أن المعركة مع أميركا ليست بالضرورة صفرية، وأن فهم الشخصية الأميركية 

(لا معاداتها فقط) جزء من إدارة الصراع. لقد نجحت في أن تحوّل التهديدات إلى مادة سياسية وإعلامية، والإهانات إلى إشارات على خوف الخصم من بقائها. في نهاية المطاف، فشل ترامب، بكل جبروته الإعلامي والسياسي، في كسر "حماس"، كما فشل في فهم جوهرها، لكنه، في لحظات نادرة من الصدق، اعترف بما لم يجرؤ غيرُه على قوله، إن هؤلاء المقاتلين الذين لا يملكون شيئاً سوى إرادتهم أذكى وأشجع من كثيرين في عواصم القرار العربي والغربي. أما "حماس" فقد خرجت من تجربتها مع ترامب أكثر وعياً بالنفس الأميركية، وأكثر قدرة على المناورة في حقلٍ تحكمه الشخصيات المضطربة والمصالح المتقلبة. 

لقد واجهت "الزعيم النرجسي" ببرودٍ نفسي محسوب، وعرفت كيف تحافظ على مصالحها من دون أن تنكسر أو تتورّط في لغة الخضوع. 

وهكذا، يظلّ المشهد كما هو: ترامب يهدّد ويمدح في الوقت نفسه، وحماس تصمت وتواصل طريقها بثبات، كأنها تقول له وللعالم أجمع: "لسنا انعكاساً لغضبك ولا امتداداً لجنونك. نحن ببساطة نعرفك أكثر مما تعرف نفسك".

إلى أين سيستمر هذ المشهد المعقد؟ يعتمد هذا طبعاً على كم كبير من التفاعلات والتطوّرات، لكن ما هو مؤكّد أن لدى "حماس" من المرونة والإيمان ما يجعلها عصيّة على الانكسار، أو رفع الراية البيضاء التي انتظر نتنياهو وكثيرون غيره رؤيتها تخرج من فوهة نفق!