الأحد، 1 مارس 2026

على الهامش.. ذكريات رمضانية

 على الهامش.. ذكريات رمضانية

د. خليل العناني
كاتب وباحث مصري في العلوم السياسية

نشأت في أسرة مصرية بسيطة. الوالد -رحمه الله- كان حريصا دوما على قراءة القران ويحب الاستماع له سواء في اذاعة القرآن الكريم او عبر أشرطة الكاسيت. 

وكان جدي شيخا صوفياً، عرفت ذلك من والدي الذي كان يراني امتدادا له، فسماني على اسمه وألحقني بكتّاب القرية، فتعلمت القراءة والكتابة على يد شيخ فاضل أطال الله عمره. 

ولا أدري لماذا لم يلحقني الوالد بالأزهر الشريف واختار بدلا منه التعليم العام!!

كنت أحضر حلقات الذكر الصوفية في مضيفة العائلة، يقودها عمي الشيخ أحمد (ابن عم والدي)، وكنت أساعده في التحضير لها بتسخين الدفوف على موقد من القش والخشب. كنت أترقب تلك الليالي بشغف، أستمتع بالأذكار والإنشاد، ثم بحلقات السمر التي تليها، بما تحمله من قصص وطرائف تحلق بخيالنا أطفالا من أقصى الدنيا إلى أدناها.

في رمضان، كنا نصلي العشاء والتراويح، ثم نستمع إلى الفوازير والمسلسل الديني قبل أن ننام. وما هي إلا ساعات حتى يوقظنا صوت المطبلاتي (العم عطية) وهو يقرع طبلته الكبيرة بعصاه الغليظة قرعا مهيبا، لا يخفف رهبة صوته في قلوبنا إلا اللحن الذي يجبرك على أن تمشي خلفه متراقصا، تحمل بيدك فانوسا بدائيا يعمل بالشمع؛ كان ذلك الفانوس هو رمضان بالنسبة لنا.

نصلي الفجر ثم نجلس نتلو القرآن ونردد الأذكار حتى شروق الشمس، فنصلي الشروق، ثم نستعد للذهاب إلى المدرسة التي كانت تبعد عدة كيلومترات نقطعها سيرا على الأقدام. وبعد العودة، كنت أذهب مباشرة إلى محل والدي حتى أذان المغرب، وأحيانا كان يرسلني إلى المدينة لشراء احتياجات المتجر، فأركب القطار وحدي، وكل ذلك وأنا لم أتجاوز العاشرة من عمري.

كانت إذاعة القرآن الكريم لا تنقطع في البيت ولا في المحل، فشبت أذناي على أصوات كبار القراء؛ الحصري، والمنشاوي، وعبد الباسط، والبنا، والسيد متولي الذي كان يسكن على بعد كيلومترات من قريتنا والذي حفظت معه سور يوسف ومريم وقصار السور من كثرة الاستماع، خاصة برواية ورش، كما تشربت وجدانيات التواشيح بصوت طوبار والفشني والنقشبندي، وحكايات وأسمار الشيخ أحمد مجاهد التي كنا نبيع أشرطتها.

كان الوالد حريصا على الصلاة وتلاوة القرآن حتى بعد أن بلغ الثمانين من عمره وضعف بصره، فكان يقول لي: اقرأ وارفع صوتك كي أسمعك، فأجلس وأتلو وهو ينصت بخشوع. وحين ذهبت إلى الجامعة بعيدا عن الوالد والأهل، كان أول ما يبادرني به كلما اتصلت لأطمئن عليه أن يسألني: “هل صليت الفرض كذا؟” فأقول نعم، فيحمد الله ويطمئن. وظل على هذه الحال كلما التقيته أو هاتفته، وكأن الصلاة كانت خيط النور الذي يربطني به مهما بعدت المسافات.

رحل الوالد قبل اثنتى عشر عاما، وحُرمت رؤيته والصلاة عليه حين وفاته، وحُرمت المشي في جنازته وزيارة قبره. 

ولم يبق لي منه سوى تلك الذكريات التي أكتبها وأسترجعها، وأنا أقضي رمضاني الثالث عشر بعيدا عن الأهل وعن القرية التي نشأت بها، بعد أن حرمنا الاستبداد من الأحباب وشتت بين القلوب والديار.

ولا يواسيني في غربتي إلا صوت الوالد الذي ما زال يتردد بداخلي، كأنه لم يغب قط، حين أوصاني قبل أربعين عاما: “مكاسب الدنيا لا تساوي شيئا إذا خسرت الآخرة”. كلمات تلقائية قالها وقتها عابرا، لكنها بقيت معي زادا أعيش به، ونورا أستدل به في عتمة الدنيا، وعهدا أحمله ما حييت.

أسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة، ويغفر له، ويتقبله في الصالحين، وأن يمد له في قبره مد بصره، ويجزيه عني وعن إخوتي خير الجزاء، وأن يجمعني به في مستقر رحمته، كما جمعني به في الدنيا على محبة الخير والقرآن.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق