الثلاثاء، 28 سبتمبر 2021

رسالة إلى الشيخ مصطفي العدوي رضي الله عنه

رسالة إلى الشيخ مصطفي العدوي رضي الله عنه

المفكر الاسلامي د.محمدعباس



الحقيقة أني أشعر بالإشفاق والغضب من الجهد الهروبي الهائل بلا جدوي الذي يبذله الشيخ الجليل مصطفي العدوي رضي الله عنه وهدانا الله وإياه لإدانة الماتريدية والأشعرية وأن انحرافهم عن الدين خطير يخرجهم من أهل السنة والجماعة.
ابعث تلاميذك للإحصاء في الشوارع، وليسألوا مائة ألف أو مليون: من منهم سمع ولو مرة عن أبي الحسن الأشعري أو أبي المنصور الماتريدي؟ كم تتوقع كم يكون عدد من يعرفهم؟مائة؟ ألفا؟ وكم تظن عدد من يعرفهم معرفة حقيقية؟ عشرة؟ أو أكثر أو أقل؟ أمن أجل هذا تترك كل الكوارث التي تحيق بالمسلمين لتتهم هذا بالجهل وذلك بالغباء وتخرج هؤلاء وأولئك من أهل السنة والجماعة؟هل انتهت مشاكل الأمة؟ فلسطين والغرب والفاتيكان وومقررات مؤتمر لورادو بضرورة تنصير العالم بعد اجتثاث الإسلام من الأرض؟ والظلم الذي يسحق أرواح الناس ورؤوس الناس على جثث الحيوانات ورؤوس الحيوانات على جثث الناس. إن الخلاف ليس بين السلفيين وبين الأشاعرة لكنه بينك أنت وبين أرسطو أما الغزالي فقد أمر بإلجام العوام عن علم الكلام وليته أضاف الخواص أيضا لأن علم الكلام في عمومه ولو به بعض اللآلئ فإن جله طين وكدر ضلل المسلمين وفرق الفرق. ياشيخنا الفاضل هل تظن أن هروبك من مظالم الحكام ووجع المظلومين وعذابهم يجزئ عنك؟ وهل سكوتك على المباذل حول الحرمين وتحويل الكعبة إلى مزار سياحي كالفاتيكان لا تدخلها إلا بتصريح أو تذكرة، وإغلاق بيوت الله وهدمها ومنع الوضوء وانتشار الفحشاء في الشوارع والسرقة والنهب وموالاة العدو والبراء من المسلم فهل يجزئك عن الهروب من مواجهة كل ذلك إلى إخراج الأشاعرة من أهل
السنة والجماعة ؟ وأين دفاعك عن أهل السنة والجماعة؟
عن الشيخ سفر الحوالي والشيخ سلمان العودة ونصف مليون غيرهم؟ 
يا شيخنا الجليل إن علم الكلام في ظل الفكر الإسلامي الصحيح بل وعلوم الاجتماع واللغويات يصبح في معظمه تفاهات مضحكة كتحويل المعادن إلى ذهب. غفر الله لي ولك لماذا توقع الأمة في كل ذلك. 
ألا تخشى أن نكون كمن كانوا يسخرون ممن تركوا العدو يدخل المدينة لأنهم كانوا مشغولين بهل الدجاجة أولا أم البيضة. 
يا شيخنا الجليل لا أجرؤ أن أقول لك ما قالة العز بن عبد السلام :إذا دخل الإمام بلدة فشا....الخ. ياشيخنا نحن الآن في آخر جزء من العروة الأخيرة من عرى الإسلام التي نقضت وهي الصلاة بعد أن نقض كل ما قبلها فهل خلافك مع الأشاعرة أهم من كل عرى الإسلام؟غفر الله لي ولك

ألم تقرا يا شيخنا حديث كحلقة في فلاة حيث السماوات والسبع والأراضين بالنسبة لكرسي العرش كحلقة في فلاة: خاتم صغير وسط صحراء شاسعة،أنت ترى لمسافة محدودة وتسمع ترددات محدودة فكيف ترى وتسمع الله بتصوراتك الأرضية وبحواسك الأرضية ، هناك مجاز أو تغيرات لا نعلمها تحافظ على التصور الصحيح للعقيدة : ليس كمثله شيء، والله غير ذلك، والآن أسأل المهندس لا الشيخ مصطفى العدوي: ألم تقرأ ايها المهندس قول ارشميدس : اعطوني نقطة ثابتة في الكون وأنا أحرك لكم الأرض! نعم، ليس هناك نقطة ثابتة ترتكز عليها لتقيس الفوق من التحت من اليمين ومن الشمال ومن الشرق ومن الغرب، فكل ذلك يعتمد على مكانك أنت،ولو نظرت إلى الشمس من الاتجاه المقابل لكان الشرق غربا والغرب شرقا، إن الكون يتمدد بسرعة تقارب سرعة الضوء لذلك لا تستطيع أبدا أن تدرك نهايته، ولن نعلم أبدا هل هو كون واحد ام بلايين الأكوان،لأنه ليس كمثله شيء ولأنه : فالله غير ذلك.

يخيل إلى أيها المهندس الكبير والشيخ الجليل أن تصوراتك في علم الكلام تنبني على فكرة باطلة قديمة وهي أن الأرض مسطحة وثابتة، هل قرأت أيها المهندس كتابا عن فيزياء الكون؟ وعن الثلاث دقائق الأولى في التاريخ غير المكتوب وهي التي شكلت الكون كما نراه الآن، ثم، هل هو صعب أن نعترف بأننا لا ندري؟ وأن الأمر أجل من أن ندركه ونفهمه إلا بيقين ونور في القلب لا يصلح فيه الجدل والاتهام. هل هو صعب أن نقر بأن ليس كمثله شيء وأنه جل جلاله ليس كما نتصوره بل هو غير ذلك، لقد كانت هناك قوانين أخرى قبل الخلق وستكون هناك قوانين أخرى في اللآخرة لا نعلم عنها شيئا ولا يمكننا أن نعلم إلا رجما بالغيب. لقد توقف الصحابة الكرام عن ما خضت فيه لأنهم آمنوا وعلموا ان عقولهم لا تتسع للإدراك فانغرس الحق واليقين في قلوبهم، لم يتصوروه كما تصور أرسطو وأخشى أن أقول كما تتصورأنت وليس كما تصور أرسطو، وأن نتوقف حيث توقف الصحابة ولم يخوضوا لكنك خضت..

إن الكلمات ثوب يضيق على المعاني وليتك تقرأ في فقه اللغة،ولذلك،فبحكمته سبحانه لم تكن كل آيات القرآن محكمة، وحتى القرآن نفسه حمال أوجه..

يا شيخنا الجليل ارتق الفتق وأصلح الصدع وليتك يا شيخنا الجليل رضى الله عنك تعطينا درسا في كيفية الرجوع إلى الحق.

مواطن شريف اسمه قيس سعيّد

 مواطن شريف اسمه قيس سعيّد

وائل قنديل

المسافة بين قيس سعيّد، المرشح الذي تملق ثورة الياسمين وتسلقها، وزعم إنه حال فوزه لن يسكن قصر قرطاج، وبين الرئيس قيس سعيّد الذي صاح: الكل فاسد إلا أنا، معلنًا موت الثورة ومخرجاتها، هي ذاتها المسافة بين المواطن العادي، الطبيعي، والمواطن الشريف، ذلك الصنف من المواطنين الذي يتحوّل، في لحظة واحدة، من الترحيب بالثورة، إلى طعنها وحرقها، خدمة لمن يكرهونها.
 قيس سعيّد، ذلك الشخص الذي درس القانون ثم قام بتدريسه، كما يشاع، هو ذاته الشخص الذي يعلن الحرب على أبي القوانين كلها، وهو الدستور، بل ويطلق عليه قطعانًا من المواطنين الشرفاء تهتف: يسقط الدستور، وتسقط الثورة نفسها.
هذا المشهد البائس لمتظاهرين تونسيين، محشودين بمعرفة الماكينة الرئاسية، وهم يحتفلون بحرق الدستور أمام عدسات التصوير، وكأنهم في طقسٍ قوميٍّ جليل، منقول حرفيًا من أزمنة الاستبداد والطغيان، حين تضجّ السلطة المستبدّة بكل ما يقيد حركتها من نصوص دستورية وقانونية، مختبئة مثل لص أنيق خلف مجموعاتٍ من الصغار، يرفعون مطلبًا وحيدًا، هم بالضرورة لا يفهمون مضمونه، وهو حماية الوطن من الدستور، الذي يهدد مستقبله ويعطل قائده عن النهوض به.
هذا ما جرى مرتين في القاهرة، في عصريْن مختلفيْن، لعب فيهما الطغيان برؤوس الحاكمين: الأولى كانت في العام 1954 عندما قرّر جمال عبد الناصر أن يتخلص من محمد نجيب، ويعيد هندسة مجلس قيادة الثورة، على النحو الذي يجعله صاحب السلطة المطلقة.
في ذلك الوقت أخرجت تظاهرات تجوب القاهرة هاتفة: يسقط الدستور.. تسقط الديمقراطية والحرية .. يعيش الجيش .. يعيش الزعيم، ثم تصل إلى مبنى مجلس الدولة، لمحاصرة رئيسه الرافض تعديل الدستور، الدكتور عبد الرزاق السنهوري، حتى تتمكّن الجموع من اقتحام بوابة المجلس المغلقة بالسلاسل الحديدية والجنازير، وتصبح على بعد خطوات من رئيسه، وهنا يظهر العسكري الثائر طالبًا من رئيس المجلس الخروج للجماهير الغاضبة لامتصاص غضبها، وما أن يخرج حتى يتحوّل إلى فريسةٍ سهلة، ويتلقى الركلات والصفعات والشتائم، بوصفه "الخائن الجاهل" فيظهر ضابط الجيش منقذًا لحياته، فيخرج ملفوفًا في سجادة إلى بيته.
هذه القصة التي سبق أن توقفت عندها، وضمتها صفحات الحكاية كتاب الباحث عمرو الشلقاني "ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية 1805 - 2005" تكرّرت بتفاصيلها، تقريبًا، عندما قرّر عبد الفتاح السيسي أن يجري جراحة كبيرة للدستور، بحيث يتخلّص من المواد والنصوص التي تجعل منه الحاكم الأوحد، الأعلى من الدستور والقانون، والذي يحق له الترشح للرئاسة مرات ومرات.
الفروق بين لحظتي 1954 و2019 تتعلق بالشخوص، لا بالأحداث، إذ أطيح رجل القانون المستشار هشام جنينة، بعد التعدي عليه وإهانته، كما جرى مع سلفه السنهوري، فيما أسندت أدوار المواطنين الشرفاء، الهاتفين بضرورة إسقاط الدستور، إلى إعلاميين وأساتذة علوم سياسية، تخرجوا في أميركا، التي توصف بواحة الديمقراطية، من نوعية المعتز بالله عبد الفتاح، الذي رفع شعار إلى الجحيم بالديمقراطية إذا كانت ستعطل مسيرة الزعيم الملهم ورؤيته التنموية.
بعض هذه المشاهد تجده في الحالة التونسية الآن، إذ لا يخجل أساتذة قانون وسياسيون من إظهار الاحتقار والكراهية للدستور والقانون، مرددين أيضًا: الدستور ليس مقدسًا.. ليذهب إلى الجحيم.
قلت سابقًا، إن هؤلاء "المواطنين الشرفاء" لا يظهرون إلا في أجواء الفساد السياسي، والاستبداد والطغيان في الحكم، ليكتسب لفظ "الشرف" هنا مدلولاتٍ قبيحة ومنحطة، فيتحوّل إلى مدية في يد قاتل، أو مطواةٍ في يد بلطجي، تسبغ عليه السلطة الفاسدة صفات البطولة والوطنية الزائفة.
وتتطور المسألة، في تصاعد درامي مثير، حتى تأتي لحظة التوحد بين الطاغية الذي يستخدم هذا السلاح (المواطنين الشرفاء) والسلاح ذاته، لينتهي الأمر بالحاكم، وقد صار "مواطناً شريفاً" بكل دلالات القبح الأخلاقي والانهيار الاجتماعي، والتدنّي السياسي في المصطلح.
وأظن أن قيس سعيّد بات مستحقًا هذه الرتبة، عن جدارة واستحقاق، وخصوصًا بعد أن ظهر ممسكًا بميكروفون ليعلن أنه سوف يلفق تهمة لكل من يعارض استبداده وانقلابه على الدستور، والثورة، ولم لا؟ وهو لا يتورع عن القول إن منصّاته جاهزة لإطلاق الصواريخ على الفاسدين، والذين هم بنظره المعارضون لسلطته المطلقة
.

عقد على الربيع العربي.. الحالمون يعودون

 عقد على الربيع العربي.. الحالمون يعودون

نور الدين قدور رافع

سمحت انقسامات ثوار 25 يناير/كانون الثاني 2011 حول "طريقة الحكم" بعد الثورة باستغلال "الدولة العميقة" الثغرات القانونية والفوضى الدستورية لاستثارة الشعب ضد ما سمي بحكم الإخوان، وانبرى لذلك شخصيات كانت تنظر إلى ثورة يناير بوصفه تهديدا لمصالحها. اتهمت قيادات الثورة الإخوان بالسّعي لأسلمة الدولة واختطاف مؤسساتها. ومما زاد المخاوف بشأن الحالة الديمقراطية التي عاشتها مصر يومها، إعلان الرئيس الراحل محمد مرسي الحرب على نظام الأسد، فاسحا المجال للجهاديين بالتوجه إلى سوريا، ومثلما تجاوز "الربيع العربي" حدود القوميات/الأيديولوجيات التي استحدثها الاستعمار، بحثا عن الحرية والكرامة لمختلف مكونات الأمة، فإنّه أصبح من الصّعب تجاوز الارتباط الوظيفي لكيانات ترى في الدولة ومؤسساتها عائقا لتحقيق حاكمية مطلقة تسود الشعب، لتنتهي التجربة الديمقراطية بانقلاب قادته المخابرات باسم استعادة الشّرعية واستجابةً لمطالب القوى الثورية المناهضة لحكم الإخوان.

تغيير الدّفة.. سِلْميَتُنا أقوَى من الرصاص

بعد إطاحة الجيش بالشرعية في يوليو/تموز 2013 استعادت الميادين زخم احتجاجاتها المناهضة لحكم العسكر، وصرخت الجماهيـر بـ"سلميتنا أقوى من الرصاص" لتحييد الجيش عن استخدام القوة ضد المتظاهرين، وبدأت السّاحات تتلون بشعارات دينية للجماعة بعد تنصّل القوى الليبرالية واليسارية وتبريرها للانقلاب، رافضة الطابع الاجتماعي للاعتصامات ومتهمة الإخوان باحتلال ميدان رابعة وتأزيم الوضع لخلق الفوضى في البلاد. ازداد الاحتقان السياسي والأمني وسقط ضحايا من المعتصمين، وكانت طلائع الأيام بعد مقتل مصريين برصاص مندسين تنذر بانفجار الوضع، قد يؤدي بالبلاد إلى الهاوية.

تصاعد خطاب التخوين ضد المعتصمين برابعة، واعتبروا خارجين عن الحاكم من طرف دعاة جماعة المدخلية المنشقة عن التيار السّلفي، وباتت دعوات استخدام القوة لفض الاعتصام ضرورة لحسم مسألة استمرارية الاعتصام، لتمتلئ السّجون بقيادة الإخوان، ويسقط قتلى كثيرون في واقعة رسخت قابلية الجهات الأمنية لاستخدام "القوة المميتة" ضد العزّل، ومع تمسّك الإخوان بالسّلمية كعنصر للمواجهة الفاعلة بتحريك الشّعب والمراهنة عليه لرفض حكم العسكر، فإن ذلك لم يكن كافيا في مواجهة الحل الأمني لاستمالة القوى الثورية لفكّ ارتباطها مع الانقلاب بعد ممارسته العنف ضد المتظاهرين.

فشلت محاولة الإخوان للحفاظ على استمرارية الثورة، لكنهم نجحوا في التمسّك بسلميتها للإبقاء على مكتسباتها، ومنذ عزل الشّرعية بدأت الدولة العميقة إعادة ترتيب "الفوضى" التي سببتها الثورة لضمان ديمومة نظامها، وسيق مؤيدو الانقلاب نحو الزنازين شاهدين على أنفسهم بالجُرم الذي اقترفوه في حق تجربة فتية للديمقراطية، طلب منها أن تواجه فساد أكثر من 30 عاما.

نفق التغيير الجذري!

بعد عقد على الربيع العربي يجدر بنا أن نطرح سؤالا حول إمكانية الخروج من نفق التغيير الذي لا يبشر في نهايته بحل أزمات المنطقة، وهل كان خروج ملايين النّاس للمطالبة بالحرية والعدالة، أم أنّ العيش الكريم ما بقي منه سوى الدمار الذي اجتاح حاضرها وطمس ماضيها وهو اليوم يهدد مستقبلها؟ ربما علينا إعادة جرد حساباتنا نحو ماهية الثورة/الحراك، وفكرة التغيير الكلي والشمولي للوضع القائم، ليس انتقاصا ممن أراد التحرر من سطوة الأنظمة المستبدة، أو استسلاما لخيبات مشاريع التخريب والتدمير، بل كبداية لتصحيح مسار الثورة باعتباره ليس صراعا على السّلطة، بل من أجل تحرير الإنسان.

في الجزائر والسّودان سارعت قيادة الجيشين لإزاحة رأسي النظام، وقدمت الفاسدين إلى القضاء، في خطوة تزيح الدعوة لإسقاط الدولة، عبر محاكم تضاربت بشأنها التحليلات حول إمكانية إنفاذ العدالة على المتسببين في تدهور الحياة الاجتماعية، إلا أنّ النظامين ذاتيهما واجها من داخل بنيتهما إعادة ترتيب المنظومة المتنفذة داخل جهازي المخابرات والجيش، وبدأت عملية تولية القيادات على النواحي العسكرية ترسم إستراتيجية الدفع نحو استمرارية الوضع الأمني المتحكم به، وفي خضم الصراع السلطوي الدائر بين تركيبتي النظام والتي أوهمت الكثيرين بمقدرتهم على تغيير الدفة من السلمية إلى العسكرة، أفرزت عملية إعادة إنتاج النظام لمقوماته وبنيته المستجدة بلوغ المظاهرات ذروة سلميتها تحت حماية قوى الشرطة، وقد جسدت التعيينات الجديدة صراعا قائما منذ سنوات بين الوطنيين داخل النظام من جهة، وبين من يرى أحقيته المطلقة في رفض أيّ انتقال ديمقراطي من جهة أخرى.

لم تسمح قيادتا الجيشين لعملية التظاهر أن تتحول إلى اعتصامات بميادين مختلفة في البلدين، لما يترتب عنها من تحديات أمنية كانت الدولتان في غنى عنها، وفي يونيو/حزيران 2019 سقط ضحايا من المعتصمين قرب مقر الجيش في الخرطوم، ودعا "تجمع المهنيين" إلى العصيان المدني ورفض أوامر ما أطلق عليها "مليشيات المجلس العسكري"، للضغط على النظام تسليم السلطة له. تشابكت الخيارات السلمية المرفقة بإجراءات المجلس العسكري لفرض حالة الطوارئ ومنع التجوال، مع انتظار تجمع المهنيين أخبار تنبئ بحدوث انشقاقات داخل النظام تسمح بتفككه وإضعافه، إلا أنّ انتقال السلطة إلى "البرهان" بعد تنازل القيادة العسكرية المنقلبة على البشير، سمح بتحييد مؤسسة الجيش السوداني عن اشتراطات المعارضة في إسقاط النظام، وبدت مطالب تجمع المهنيين في قلب النظام كليا غير ممكنة تحقق مع الوضع الأمني الخطير الذي يمر به السودان محليا ودوليا.

الجزائر لم تكن استثناء في ظرف تصدرت فيه قيادة الجيش مشهد التغيير، كانت عملية فرز السّلطة عن مؤسسات الدولة معقدة جدا، بدءا من رئاسة الدولة ووصولا إلى أدنى مسؤول في الجهاز الإداري والتشريعي للدولة، فلأكثر من 30 عاما مرّت الجزائر بمراحل وأزمات جعلت من الإدارة جهازا معقدا لا يخدم مصلحة الشعب ولا الدولة، وكان السبب في تعزيز المنظومة المتفشّية من الفساد المنتشر والبيروقراطية الرديئة هو صرف السّلطة رغبتها في تحديث الإدارة ومراقبتها، اللتين بإمكانهما خلق فاعلية مستدامة، يمارس الأفراد والمؤسسات بموجبها دورهم الإيجابي للحصول على مردودية كافية لتحصين الدولة من الأزمات الاقتصادية الاجتماعية، ومما صعّب عملية التحديث، التي كانت بعض بوادرها توأد في مهدها، ازدياد الفجوة بين السّلطة والشعب بسبب تدفق المال السياسي وتمييع المبادرات الجدية، وانبرى لذلك ساسة ورجال أعمال متنفذون في دوائر مؤسسات الدولة مع ترسانة قوانين وتشريعات استثنائية، الغرض منها حماية الاستغلال وهدم مقومات الوطنية وتسفيه طموحات الشعب، لتتوارى الدولة خلف صورة العجز والهوان والانتهازية.

حينما ندرك أنّ الشعوب التي حركتها الرغبة في التحرر والانعتاق من سلطة لا تمارس القمع المادي عليها فحسب، بل إنّها سلبت من مواطنيها الحياة بتفاصيلها المملة وتنوعها السياسي والاجتماعي، فإننا نعي حجم الانتكاسات التي منيت بها الشعوب العربية في ظل حروب أهلية أعادت صياغة مطلب الحرية كونه ضرورة للتخلي عن الشرعية واعتراف الخصوم بخسارة الجميع في حروب زائفة، عقدت من معادلة التغيير السياسي والاجتماعي. الحياة البسيطة التي من حق كل إنسان أن ينعم بها في ظل جغرافية غنية بثروات لا تنضب، حملت شعوبها لواء الحرية والكرامة في انتفاضات لم تتناس كذلك الاحتياجات الأساسية التي ترسم لها واقعا كريما وعيشا رغدا، لقد خرجوا يطلبون حقهم في الرفاهية والثروة، كانوا يصرخون بشعارات من مآسيهم اليومية لا تشبه تلك التي يرددها الحالمون، ومثلما الحرية شرط وجودي يحفظ القيم المشتركة والجوهر الإنساني، فإنّ الشعور بها لا يستحق عناء الصراخ في الميادين والشوارع ما دام النظام يملك الحل في تحقيق شرط الحرية متى شاء.

ومع كل مسيرة تتجدد كانت وتيرة المفاوضات سارية مع قوى وأحزاب حافظت على استمرارية النظام لمدة طويلة، بل منحته الطابع الديمقراطي في عمليات زائفة لانتخابات تحوم حولها العديد من التجاوزات، كانت الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والطلابية بعيدة عن دورها المنوط بمجابهة السيادة المطلقة للسلطة باسم الشرعية الثورية، وما قامت به البرجوازية المافياوية من تفشٍ للأحزاب السياسية والنقابات تعمل على خدمة النظام، لم يزد الوضع إلا فراغا سياسيا رهيبا تجلّت تداعياته حينما نظر المنتفضون إلى من له المقدرة على تمثيل الحراك، الأحزاب والنقابات العمالية كانت جماعات مالية انتهازية ليس بمقدورها تحريك ملفات اجتماعية عالقة، وقد لعب النظام على توظيفها لتفكيك بنية الحراك وإفراغه من طابعه العفوي والشعبي.

وفي ظل فقدان الحراك ممثلين له وتمسكه بالعفوية والشعبية، فإنه يمنح السلطة الحلول التي تفضي إلى تخلي المنتفضين عنه، وحصره في زاوية الشعبوية إن طال أمد المسيرات من دون تحويل مسار التغيير نحو الهيكل الذي يمسك بعصب الدولة، كما أنه يتوجب علينا أن ندرك أن بنية الحراك مرتبطة بشكل ما ببنية النظام القائم، عبر جهاز الإدارة الذي يمنح كل فرد من الفاعلين الثورين وسيلة للتغير الداخلي، فالحراكي بوسعه التنفيس عن مظالمه عبر المسيرات في الشوارع، إلا أنه يظل يفتقد الرغبة الحقيقة حالما يعود إلى المنصب الذي يشغله، والمظاهرات وحدها لا تكفي لإسقاط الفساد والظلم بقدر ما تطيل عمر النظام وتمنحه الأهلية لإعادة صياغة وإنتاج نفسه.

 28/4/2021



الاثنين، 27 سبتمبر 2021

طالبان على أبواب الإمارة الثانية | (4) هل انهزمت أميركا في أفغانستان؟

 طالبان على أبواب الإمارة الثانية | (4) هل انهزمت أميركا في أفغانستان؟


محمود عبد الهادي

الحديث عن هزيمة الولايات المتحدة في أفغانستان، لا يشبه حديثنا في المقال السابق عن انتصار طالبان على الولايات المتحدة؛ فنحن أمام طرفين مختلفين في كافة الجوانب، وأي محاولة لعقد مقارنات بينهما ستقودنا إلى نتائج خاطئة ستؤدي إلى فشل الخطط أو التصورات التي قد تنبني عليها، تماما كما لو عقدنا مقارنة بين المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة والكيان الصهيوني. ربما يفضل البعض الحديث عن هزيمة الولايات المتحدة في أفغانستان، لأهداف سياسية أو تحت ضغط الانفعال والسخط الشديد على السياسات الأميركية ضد العرب والمسلمين، ولكن هذا الحديث لن يغير من حقيقة أن الولايات المتحدة لا تزال الدولة العظمى الوحيدة المهيمنة في العالم، وطبعًا هذه الحقيقة لن تستمر إلى الأبد.

 

خسارات الولايات المتحدة في أفغانستان وغيرها -رغم تكلفتها الباهظة- تُحسب ضمن مغامرات العربدة التي تقوم بها القوى العظمى، عندما تحرك جيوشها ومعداتها لتحقيق أهداف النخبة السياسية التي تتولى السلطة، والتي تتغير تكتيكاتها وفقًا للمعطيات الداخلية والخارجية، وتقديرات المواقف الإستراتيجية المتتابعة لهذه المغامرات.

خسارة وليست هزيمة

أفغانستان ليست شريان الحياة للولايات المتحدة، فهي مجرد دولة من دول العالم الثالث الأشد فقرا وتخلفا في العالم، ولكنها احتلت مكانة في إستراتيجيات الهيمنة الأميركية في العالم خلال فترة الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفياتي في النصف الثاني من القرن الماضي، حيث كانت أفغانستان هي الفرصة الكبرى للولايات المتحدة للقضاء على منافسها التقليدي والانفراد بزعامة العالم، فبذلت جهدًا كبيرًا لاصطياد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، بمساعدة حلفائها الإقليميين: باكستان وبعض الدول العربية، وتم لها ذلك.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، انشغلت الولايات المتحدة بصناعة العدو الجديد الذي سيخلف الاتحاد السوفياتي، ألا وهو الإرهاب الإسلامي. وبعد بضع سنوات كان هذا العدو (المصنوع) جاهزًا، وتحولت معركة المعسكر الرأسمالي الغربي -بقيادة الولايات المتحدة- من حربها ضد المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفياتي صاحب أكبر ترسانة نووية في العالم، إلى الإرهاب الإسلامي بقيادة "القاعدة" و"داعش"! نعم، بقيادة "القاعدة" و"داعش"! أمر مثير للسخرية فعلًا، ولكنه حقيقي؛ حيث ابتلع العالم هذا الطعم، واصطفت دوله بانتظام خلف الولايات المتحدة لتقوده في هذه المعركة المختلقة الساذجة، التي ساعدت الولايات المتحدة على كسب المزيد من القواعد العسكرية الإستراتيجية، وتأسيس العالم أحادي القطبية، وممارسة عملية فرض الهيمنة الإمبراطورية التدريجية عليه.

كانت أفغانستان واحدة من الدول المدرجة في إستراتيجية الولايات المتحدة الجيوسياسية الجديدة، التي هندسها المحافظون الجدد تحت عنوان "القرن الأميركي الجديد"، وبدأ العمل على تنفيذها بشراسة في عهد الرئيس جورج بوش الابن. وكان هذا إيذانًا بتغير إستراتيجية الولايات المتحدة تجاه العالم أجمع.

بعد واقعة 11 سبتمبر/أيلول 2001، حددت الإدارة الأميركية هدفًا رئيسيًا لغزو أفغانستان، وهو:

  • القضاء على أسامة بن لادن والقاعدة التي تحتضنهم طالبان في أفغانستان.

وظل هذا الهدف هو الراية المرفوعة، والحجة التي تبرر بها الإدارات الأميركية المتعاقبة لشعبها ولحلفائها غزوها لأفغانستان، وعملياتها العسكرية التي تجاوز عدد أفرادها 110 آلاف شخص عام 2010. ولكن هذا الهدف لم يكن الوحيد الذي يشغل بال الإدارات الأميركية، فقد كان بموازاته عدة أهداف أخرى أبرزها:

*إسقاط نظام صدام حسين في العراق.

*إقامة قواعد عسكرية لها في أفغانستان.

*الاستحواذ على امتيازات التنقيب عن الثروات المعدنية في أفغانستان.

*إطلاق مشروعات الطاقة العابرة إلى أوروبا عن طريق الهند وباكستان وأفغانستان.
قطع الطريق على الصين وروسيا من التدخل في الشأن الأفغاني.

*وقد بررت إدارتا الرئيس السابق دونالد ترامب، والحالي جو بايدن، قرار الانسحاب من أفغانستان بأن الهدف من الغزو قد تحقق باغتيال بن لادن، وشل نشاط القاعدة وتعهد طالبان بعدم السماح للقاعدة أو لغيرها من الجماعات الإرهابية باستخدام أفغانستان لتنفيذ أنشطتها بأي صورة من الصور. وكان الرئيس بايدن أكثر إصرارًا من سابقيه على سرعة استكمال الانسحاب من أفغانستان، مخالفًا في ذلك رأي البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه" (CIA).

أما هدف إسقاط نظام صدام حسين فقد تحقق عام 2003، في عملية إجرامية تاريخية بشعة، تحت ذريعة ملفقة تزعم أن صدام حسين أسهم في تمويل القاعدة، ويمتلك أسلحة دمار شامل تهدد الولايات المتحدة وحلفاءها. وأما بقية الأهداف، فما زال الباب أمامها مفتوحًا، وما زالت أميركا تمسك بمعظم خيوطها في يدها، وطالبان تمر بمرحلة انتقالية تدرك أنها لن تستطيع اجتيازها بأمان بدون الولايات المتحدة الأميركية شريكتها في التوقيع على اتفاقية إحلال السلام في أفغانستان.

بين مغامرات فيتنام وأفغانستان

قد تبدو أرقام خسائر الولايات المتحدة في أفغانستان باهظة بالمجمل في نظر دول الهامش التي تعيش على الديون والقروض والمنح، ولكن إذا أعدنا قراءة الأرقام من منظور الإمبراطورية التي تتزعم العالم، نجدها لا تذكر مقارنة ببنود الموازنة الفدرالية للولايات المتحدة أو موازنة وزارة الدفاع "البنتاغون"، أو مقارنة بأرقام الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة في 20 عامًا في حرب فيتنام بين عامي 1955-1975.

أنفقت الولايات المتحدة على الحرب في أفغانستان حوالي 2 ترليون دولار في 20 عامًا 2001-2021، وهو مبلغ يغطي موازنة أفغانستان العام الماضي (5.5 مليار دولار) لأكثر من 360 عامًا، في حين تعادل الحصة السنوية من هذا المبلغ متوسط 10% من الموازنة السنوية للبنتاغون في العشرين عامًا الماضية. أما القتلى من جنود القوات الأميركية فكانوا حوالي 2650 جنديا طوال المدة، أي بمعدل 132 جنديا سنويًا، مما يعادل حوالي جندي كل 3 أيام.

وإذا قارنا هذه الخسائر بنظيرتها في الحرب الأميركية في فيتنام، نجد أن عدد القوات الأميركية المشاركة في الحرب بلغت عام 1967 حوالي نصف مليون جندي أي أكثر من 4 أضعاف العدد الذي وصلت إليه في أفغانستان، وبلغت تكلفة الحرب نحو 750 مليار دولار، وتعادل قيمتها حاليًا أكثر من تكلفة الحرب في أفغانستان، في حين بلغت خسائر القوات الأميركية في فيتنام حوالي 60 ألف قتيل، أي بمعدل نحو 3 آلاف قتيل سنويًا. أي أن ما قتل من الجيش الأميركي في أفغانستان في 20 عامًا أقل من قتلاهم في فيتنام في عام واحد.

خسارة وليست هزيمة

خسرت الولايات المتحدة الحرب في فيتنام، وانسحبت منها بدون أن تحقق هدفها بهزيمة الشمال الشيوعي الموالي للاتحاد السوفياتي آنذاك. وفي العام التالي لانسحابها تم توحيد فيتنام تحت اسم (جمهورية فيتنام الاشتراكية) بقيادة الحزب الشيوعي الفيتنامي. كما خسرت الحرب في أفغانستان بدون أن تقضي نهائيًا على القاعدة والمجموعات الموالية لتنظيم داعش، وانتهى الأمر بعودة طالبان ورفع علم دولة إمارة طالبان الإسلامية في سائر ربوع أفغانستان.

هذه الخسارات -رغم تكلفتها الباهظة- تُحسب ضمن مغامرات العربدة التي تقوم بها القوى العظمى، عندما تحرك جيوشها ومعداتها لتحقيق أهداف النخبة السياسية التي تتولى السلطة، والتي تتغير تكتيكاتها وفقًا للمعطيات الداخلية والخارجية، وتقديرات المواقف الإستراتيجية المتتابعة لهذه المغامرات، ومن بين هذه التكتيكات ما يراه الرئيس بايدن حاليًا من أن الوجود العسكري في أفغانستان لم يستطع إثبات أن الدبلوماسية لن تنجح بدونه، بل إنها قادرة على النجاح بالاستعانة بالحلفاء الإقليميين من دون الوجود العسكري، ولهذا شدد على إتمام الانسحاب، بدون أن يكف عن التلويح بالقوة والقدرة على التدخل في أي مكان وفي أي وقت دفاعًا عن المصالح الأميركية.

انسحبت الولايات المتحدة من فيتنام، بعد أن تسببت في مقتل أكثر من مليوني إنسان، وهي على تواصل حاليًا مع القيادة الفيتنامية لإعادة بناء العلاقات وتنسيق المواقف في مواجهة الصين التي يزداد تهديدها لفيتنام. أما في أفغانستان، فلم يكن الأمر بالحدة نفسها كما كان في فيتنام. وقد سلّمت الولايات المتحدة أفغانستان لطالبان على أسس تعاون مشتركة في العديد من المجالات، وعلى الأغلب، فإن أبواب المصالح المتبادلة ستبقى مفتوحة بينهما، وستعدد مشروعات التعاون لاستكمال ما اتفقا عليه، مما يحقق مصالح كل منهما لدى الآخر.

(يتبع… ثمن الحرب وتحديات إعادة البناء)


الأحد، 26 سبتمبر 2021

ولاية أسام الهندية .. تهجير وقتل وتنكيل بحق المسلمين

ولاية أسام الهندية .. تهجير وقتل وتنكيل بحق المسلمين



يرتكب الجيش الهندي فظاعات ضد مسلمي ولاية آسام، شمال شرق الهند، التي يسكنها 11 مليون مسلم يتعرضون منذ عقود للتنكيل.
تنفّذ الهند حملات إبادة حقيقية ضدهم وسط صمت رهيب.
هل ستنطق رابطة العالم الإسلامي ومنظمة التعاون الإسلامي ؟



إهانة

 

إهانة

الشاعرأحمد مطر

رأتِ الدول الكبرى تبديل الأدوارْ

فأقرّت إعفاء الوالي

واقترحت تعينَ حِمارْ

ولدى توقيع الإقرار نهقتْ كلُّ حمير الدنيا باستنكارْ

نحن حميرَ الدنيا لا نرفضُ أن نُتعَبْ

أو أن نُركَبْ أو أن نُضربْ أو حتى أن نُصلبْ

لكن نرفضُ في إصرارْ أن نغدو خدماً للاستعمارْ

إن حُمو ر يتنا تأبى أن يلحقنا هذا العارْ

السبت، 25 سبتمبر 2021

مع فهد بن عبد العزيز السنيدي

مع فهد بن عبد العزيز السنيدي


ملياردير الغلابة عن المهندس صلاح عطية رحمه الله