الثلاثاء، 28 يناير 2020

"صفقة القرن".. جوهرها وكيف صنعناها؟!

"صفقة القرن".. جوهرها وكيف صنعناها؟!

ساري عرابي
يُفْتَرَض أن تُنشَرَ هذه المقالة قبل ساعات من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطّته لتصفية القضية الفلسطينية، ولكن ذلك لن يُفوِّت على مقالتنا أيّ شيء، ليس فقط لأنّ مضامين تلك الخطّة سُرِّبَت من وقت وجيز، ولكن لأنّه لا جديد في خُطّة ظاهرة للعيان منذ سنوات، وكان يمكن توقّعها نتيجة حتمية لمسار كارثيّ، منذ توقيع اتفاقية أوسلو. فأيّ تسوية مع الاحتلال، تنشأ ضمن موازين مُختلّة لصالحه، وتقوم على اعتراف غير متبادل، وتشترط تحطيم كلّ أدوات القوّة والمناورة للطرف الضعيف، وتفتح بوّابات التطبيع للعدوّ، وتمنحه ممكنات ترويج نفسه في المجالين الإقليمي والدولي، ثم ينبثق عنها سلطة محكومة مطلقا بإكراهاته، فلا بدّ وأن تنتهي إلى العناصر ذاتها التي تتضمّنها خطّة ترامب.

في عمق الرؤية الإسرائيلية، وبين كلّ تيارات الاحتلال، ومنذ احتلاله الضفّة الغربيّة، هناك قاسم مشترك لا يختلف فرقاء الاحتلال على الحدّ الأدنى منه، وهو ضرورة وجود فيزيائيّ إسرائيليّ في الضفة الغربية، لأسباب استراتيجية تمنح الاحتلال أفضليّة في أيّ مواجهة محتملة مع الجبهة الشرقيّة. فلا يكتفي الاحتلال بالتعويل على الحماية الدولية والتفوق التكنولوجي، وهذا فضلا عن الدوافع الأيديولوجية والدعائية. والذي فعله اليمين الإسرائيلي في هذا السياق، هو توسيع ذلك الحدّ الأدنى ليشمل الضفّة الغربيّة كلّها، والإنهاء المبرمج لمنظمة التحرير، ثمّ تحويل وظيفة السلطة، بما يفرّغها من مضمونها السياسي، أو من طبيعتها التمثيلية للفلسطينيين، ويجعلها محض مقاول أمنيّ.

الذي فعله اليمين الإسرائيلي في هذا السياق، هو توسيع ذلك الحدّ الأدنى ليشمل الضفّة الغربيّة كلّها، والإنهاء المبرمج لمنظمة التحرير، ثمّ تحويل وظيفة السلطة، بما يفرّغها من مضمونها السياسي


في الأثناء، كانت جهود تكريس معالم هذه الرؤية في الواقع تتضح بالتدريج، من خلال أنماط البناء الاستيطاني، وكيفيات التخطيط الاستعماري للضفّة الغربيّة، وباستغلال المظلّة التي يُوَفِّرُها وجود السلطة الفلسطينية. فوجود سلطة مضطرة، ولو مكرهة، للتعاطي مع احتلال يُهيمن على كلّ مجالات اشتغالها، لا بدّ وأنّ يخفّف من بشاعته الاستعمارية عربيّا ودوليّا، فيمنح التطبيع العربي مبررات تلقائية، ويحوّل صورة العلاقة مع الاحتلال في الساحة الدوليّة من صورة صراعية، إلى نمط من التعايش السلمي. وبعد تبييض صفحة الاحتلال بواقعة ضخمة كهذه، أيّ وجود سلطة تخضع لهيمنته، سيستثمر الاحتلال الوقت أحسن استثمار، مستفيدا من العطالة الكفاحية بعد تحطيم كلّ أوراق القوّة للفلسطينيين، فبينما يتحوّل كفاح الفلسطينيين السياسي إلى ملهاة بائسة، يُكرّس الاحتلال وقائعه الاستعمارية.

تمكّن الاحتلال من فصل القدس جغرافيّا وديمغرافيّا عن محيطها الفلسطيني في الضفّة الغربيّة، وعزل تجمعات السكان الفلسطينيين في الضفّة عن بعضها، وأمسك بمفاصل مناطق الضفّة، واستخدم في ذلك كلّ أدوات التخطيط الاستعماري، من أشكال البناء الاستيطاني، والطرق الالتفافية، والحواجز الدائمة، والجدار الالتفافي، ثمّ أخذ يصل بين تجمعاته الاستيطانية في الضفّة بالتدريج بخطوط مواصلات معزولة عن الفلسطينيين، ويجمّع المستوطنات ضمن هيئات محلّية أكبر، في خطوة يعزل فيها وجوده الاستيطاني عن الفلسطينيين ويُسَهّل بها ضمّ المستوطنات لكيانه.

وكل هذا بين الاكتمال أو في طور الاكتمال، وهذا هو عينه الذي جعل قيادات منظمة التحرير منذ سنوات، تقول إنّ حلّ الدولتين بات مستحيلا بالنظر إلى هذه الوقائع!

الذي فعلته إدارة ترامب هو الانطلاق من الوقائع، أي عدّ الوقائع الإسرائيلية أصلا ومعيارا، فهي لا تُشرعنها فحسب، بل تعدّها الأصل غير القابل للنقاش، والذي لا بدّ من الانطلاق منه للتسوية مع الفلسطينيين، وهو موقف ينتقل بالولايات المتحدة من كونها داعما لـ"إسرائيل" إلى شريك استعماريّ مباشر. وبصرف النظر عن موقع الولايات المتحدة من ذلك، فإنّ المهم هو في كون الوقائع التي كرّسها الاحتلال هي الأصل، وهذه الوقائع كانت تتصاعد أمام أعيننا طوال السنوات الماضية، فما الذي منعنا من مواجهتها؟!

موقف ينتقل بالولايات المتحدة من كونها داعما لـ"إسرائيل" إلى شريك استعماريّ مباشر. وبصرف النظر عن موقع الولايات المتحدة من ذلك، فإنّ المهم هو في كون الوقائع التي كرّسها الاحتلال هي الأصل


من نافلة القول إنّ السنوات الماضية، على الأقل منذ فشل مفاوضات كامب ديفيد بين الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس وزراء الاحتلال الأسبق إيهود براك وبرعاية إدارة كلنتون، هذه السنوات كانت كافية، للخروج التدريجي من مشروع التسوية، الذي لم يكن لينتهي إلا بتصفية الوجود السياسي للفلسطينيين، ثمّ جاءت فرصة أخرى مع إعلان إدارة ترامب نواياها، وبدئها العملي في الاعتراف بالوقائع الإسرائيلية والسعي للبناء عليها، كاعترافها بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل" ونقل سفارتها إليها، وشرعنة المستوطنات الإسرائيلية في الضفّة الغربية!

كيف واجهنا مخطّطات تصفية القضيّة الفلسطينية خلال هذه الفترة؟! بالانقسام الأفقي والعمودي، وبالاستمرار داخل المشروع التصفوي بعينه، وبحرق كلّ أوراق القوّة، وتحطيم كلّ أدوات المقاومة، وتحييد الجماهير في الضفّة عن دورها في مواجهة الاحتلال وإغراقها بالفردانية والاستهلاكية، وتحويل المقاومة الشعبية إلى خطابة موسميّة غير جادّة، وبالانشغال الداخلي في مناكفة بعضنا، وتحويل الخصومة الداخلية إلى أولوية بدلا من الصراع مع الاحتلال. وبالتدريج، وباستغلال هذه الخطايا التي اقترفناها، كان الاحتلال ينتقص من السلطة نفسها، بتفريغها من مضمونها السياسي، وإحلال الإدارة المدنيّة الاستعماريّة في العديد من ساحات السلطة، وبالتالي تجهيز البدائل عند حصول أيّ تحوّلات.

هل فات الأوان؟! بالتأكيد لا. هذه القضية أكبر وأعمق من أن تتمكن من تصفيتها أيّ قوّة في الأرض، لكنّ السؤال عن دورنا في المواجهة، فالأوان لم يفت، ولكنه لا يحتاج أكثر من إرادة للخروج من هذا المسار، وأوّل خطوات هذا الخروج هي استعادة الوحدة الوطنيّة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق