الجمعة، 17 يناير 2020

أخت الأندلس المجهولة المذبوحة

أخت الأندلس المجهولة المذبوحة


محمد إلهامي

  باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية
عند صدور العدد الورقي من المجلة ستكون قد حلت علينا الذكرى السنوية المريرة التي نتذكر فيها سقوط الأندلس (2 يناير 1492م)، لم يكن مجرد سقوط حاضرة زاهرة ناضرة هي مفخرة لأي أمة، بل كانت افتتاح عهد عصيب مرير، إذ ما إن مرت بضع سنوات حتى بدأت حملات التنصير الجماعي تصيب المسلمين، وأنشئت «محاكم التفتيش» الشيطانية لتحاكم الناس على ما في قلوبهم، وتستعمل في انتزاع الاعترافات أشنع ما توصل له العقل من وسائل التعذيب، وقد استمرت هذه الحال أكثر من قرن من الزمن، ثم صدر قرار الطرد الجماعي للمسلمين، ومع ذلك استمر الإسلام سراً في إسبانيا لنحو 5 قرون يتوارثه الجيل بعد الجيل، حتى فوجئ كثيرون ممن أسلموا من الإسبان بآبائهم وأمهاتهم وجدَّاتهم يروون لهم أنهم شاهدوا آباءهم يصلون هذه الصلاة سراً!

حديث الأندلس طويل ومرير، مع أنه معروف وشهير، ذلك أن الأندلس كانت عربية، وكان تراثها عربياً؛ فظل بالإمكان قراءته والاستفادة منه في عموم الأمة الإسلامية؛ إذ كانت اللغة العربية هي لغة العلم حتى في الأقطار الفارسية والتركية والأفريقية، ثم إن التفوق الغربي خلال القرنين الماضيين أحدث حالة من الهجرة العربية إلى أوروبا للدراسة أو الحياة، فتُرجم الكثير من دراسات المستشرقين الإسبان والغربيين عن الأندلس إلى اللغة العربية، وتخصصت أقسام في كليات الآداب والتاريخ لدراسات الأندلس، فصار لدينا فوق التراث الأندلسي إنتاج غزير استشراقي وعربي عن الأندلس، فعرفنا الكثير من تاريخها.

ونحن في زماننا هذا نعاين كثيراً مما وقع على الأندلسيين، في تركستان الشرقية وبورما (ميانمار) وكشمير وآسام الهندية وأفريقيا الوسطى، في تلك البلاد نرى بالصوت والصورة ما كنا نقرؤه في كتب التاريخ، لقد رأيت طفلاً من تركستان يُخلع من أبيه خلعاً، والوالد المستضعف يستمسك به والقهر يكتم بكاءه فلا يُسْمَع له من شدة الهول صوت، والطفل يبكي لا يدري ماذا يُفعل به ولا إلى أين يؤخذ، يا حسرة قلب أب عرف أنه لن يرى ابنه بعدها أبداً!

لولا الإيمان بالله والدار الآخرة لما كان في هذه الدنيا متسع للحياة، هذا الإيمان وحده هو الذي يلقي في النفس العزاء بأن كل مظلوم سيقتص من ظالمه، وأن يوم القيامة ستُرَدُّ فيه الحقوق، وتُوَفَّى فيه المظالم.

إلا أننا الآن لا نعرف الكثير عن هذه البلاد التي هي نظائر الأندلس، حواجز منيعة كثيرة صنعت هذا الجهل لدينا بتاريخ المسلمين في هذه البلاد، يأتي في طليعتها حاجز اللغة، ثم حاجز البعد الجغرافي، ثم كون هذه البلاد لم تمثل تحدياً حضارياً قوياً للمسلمين في القرون الأخيرة مثلما هي حال الغرب، فلم يأبه كثيرون للتفتيش في قضايا المسلمين وتاريخهم في تلك الأنحاء، بل يكفي حاجز اللغة وحده ليصنع هذا الجهل العميم، فإن معرفتنا –نحن العرب- بالدولة العثمانية وتاريخها أقل من معرفتنا بالأندلس مع اتحاد الجغرافيا والدين، فكيف تكون الحال بالنسبة لتركستان الشرقية وبورما وكشمير وجمهوريات آسيا الوسطى وبلاد البلقان والممالك الإسلامية في أفريقيا لا سيما ما كان منها في الشرق الأفريقي؟! سائر هذه التواريخ هي في حكم المجهول، ومن ثَمَّ فإن قضايا المسلمين فيها محاطة بحُجُبٍ كثيفة من الظلام.

إن رفع هذه الحجب مهمة ثقيلة، ويزيدها ثقلاً وصعوبة أوضاع الدول الإسلامية التي لا تهتم ولا تحفل بمثل هذه الأمور، والحركة العلمية هي في كل الأحوال صورة من الحركة السياسية، فلن ينهض البحث العلمي في دولة راكدة سياسياً، إن السؤال المفزع الذي يتردد في الأذهان: ترى هل سنعرف ونستوعب قضايا المسلمين في تلك البلاد قبل فنائهم وسحقهم؟ أم سنذهب نبكي على أطلالهم –إن بقيت لهم أطلال- كما نفعل على أطلال الأندلس؟!

لا أعرف من بين الكتب العربية أو المترجمة إليها مما درس قضية المسلمين في تركستان الشرقية إلا عدداً شحيحاً، منها كتاب «الإسلام في الصين» لفهمي هويدي، و»تركستان المسلمة وأهلها المنسيون» لعبدالقادر طاش، ورواية «ليالي تركستان» لنجيب الكيلاني، ومن الكتب المترجمة كتاب «التركستان الشرقية وراء الستار الحديدي» لعيسى بك يوسف ألب تكين (القائد التركستاني الشهير، وكان السكرتير العام لحكومة تركستان الشرقية في الاستقلال القصير منتصف القرن الماضي)، وكتاب «الأويجور: تاريخ الأتراك في آسيا الوسطى وحضارتهم» للمؤرخ الأديب التركستاني تورغون آلماس، وهو الكتاب الذي تسبب صدوره في مصادرة كل مؤلفاته وفي اعتقاله حتى توفي في 11 سبتمبر 2001م.

من الجدير بالذكر هنا أن كلمة تركستان تعني كل المناطق التركية في آسيا الوسطى؛ أي كل هذا الهلال الذي يمتد من الصين (تركستان الشرقية) وينتهي عند بحر قزوين ونهر أورال، ولكن السياسات المعاصرة قَسَّمت هذه الأنحاء بحيث عُرف الجزء الشرقي الذي تحتله الصين –الذي هو موضوع مقالنا هنا- بأنه «تركستان الشرقية»، وعرفت الأجزاء الوسطى التي تشغل وسط آسيا بأنها «جمهوريات آسيا الوسطى» أو جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق التي تشكل «تركستان الغربية»، وبعض الباحثين يضيف إليها تركيا الحالية، ولهذا نجد بعض الباحثين ساخطين من أن «أتاتورك» أطلق على الجمهورية اسم «تركيا» بينما كان الأولى أن يسميها «تركيا الغربية»؛ لأن هذا الاسم (تركيا) قد أوحى بنزع الصفة التركية عن سائر الشعوب الوسطى والشرقية، وإذا قبلنا هذا الرأي كانت بلاد التركستان كلها تمتد من الصين وحتى حافة أوروبا.

والشاهد من ذكر هذه الملاحظة الإشارة إلى أن اسم تركستان عموماً يشمل كل هذه المنطقة، لذلك توجد مؤلفات عن «تركستان» وهي تتناول تركستان الغربية التي هي جمهوريات آسيا الوسطى أو حتى تقتصر عليها، مثل كتاب «تركستان قلب آسيا» لعبدالعزيز جنكيز خان، وهو ابن قاضي قضاة المحكمة الشرعية في تركستان الشرقية، ومثل السفر الكبير للمستشرق الروسي الشهير «بارتولد»، ومثل كتاب «تركستان» للمؤرخ السوري الراحل محمود شاكر الحرستاني.

المقاطعة والروح الإسلامية

لقد نشر الكثيرون دعوات لمقاطعة البضائع الصينية، عسى ذلك أن يكون رادعاً لها، وجادل آخرون بأن الأمر لن يحقق أثره، في كل الأحوال المقاطعة مفيدة ومهمة وضرورية، حتى لو لم تحقق شيئاً، إنها في نهاية الأمر تعبير عن الروح الإسلامية الواحدة التي تجمعنا، تعبير عن رفض الظلم وإن كان أضعف من أن يردع الظالم، إنها كقول: «أحد.. أحد» التي لم ترفع الصخرة عن صدر بلال، ولم تأته بسحابة تظلله من حرّ الشمس والبطحاء، لكنها كلمة كشفت عن الإيمان المكنوز في الصدر المكظوم، وعن الروح الباقية في الصوت المبحوح!

إن المقاطعة أضعف الإيمان، ويكفيها أن تكون دليلاً على بقية الإيمان الباقي في النفوس، الإيمان الذي يتألم لما يحدث بإخوانه، الإيمان الذي لا يقبل أن يستمتع بالشيء الذي يعود مكسبه على الذي يعذب أخاه!

والواقع أننا بحاجة إلى المقاطعة في كل حال وكل حين؛ فلقد امتلأت حياتنا بالترف والرفاهيات والكماليات حتى أصاب ذلك صميم نظامنا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي كله! لا يهمني الآن أننا بلاد متخلفة صناعياً، فهذا في الواقع قرار سياسي، لا يملك أن يغيِّره قارئ هذه السطور، لكن كثيراً مما يملأ حياتنا ويؤثر فيها يملك قارئ هذه السطور أن يتخلى عنه أو على الأقل أن يتخفف منه.

إن الزهد، والتخلي عن الترف، أمرٌ ضروري لحياتنا ذاتها، لصحتنا النفسية ومناعتنا الإيمانية، فضلاً عن ضرورتها في سيرنا نحو التحرر والنهوض، إن تمسكنا بما لا نحتاج له هو في الحقيقة سجن ناعم، سجن صنعه لنا عدونا فدخلنا فيه بأنفسنا، ثم صار تحررنا منه رهيناً بتحرر نفوسنا من هذا الأسْر.


نشر في مجلة المجتمع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق