الاثنين، 27 يناير 2020

القرامطة الجدد.. والثأر الروحي

القرامطة الجدد.. والثأر الروحي



أحمد فال الدين

قبل مائة عام، أَسر أميرٌ أوزبكيٌ ضابطًا بريطانيًا يدعى آرثر كونولي. كان الضابط الشاب يعمل لمنع التمدد الروسي بمنطقة آسيا الصغرى لصالح بريطانيا. كان طموحًا مؤمنًا بأنه يستطيع اللعب بمصائر الأمم دون وصول النيران إلى أصابعه.
اعتقله الأمير الأفغاني – أثناء مغامراته تلك- ورماه في بئر مليءٍ بالقوارض شهريْن، ثم أخرج ما تبقى من جثته وضرب عنقَه. فُتّشت مذكرات المغامر الأوروبي فوجدوه سكَّ مصطلحَ “اللعبة الكبرى” (The Great Game) إشارةً إلى الصراع على بلاد المسلمين بين القوى الكبرى مطلعَ القرن العشرين. وكان من ملامح تلك اللعبة الكبرى أمران: الاستهتار الأخلاقي للاعبين بتحويل الحروب والإبادات إلى ألعاب مسلية، وتوظيفُ الدين للسيطرة على تلك الشعوب. وهذان الملمحان بارزان الآن في سلوك أصحاب اللعبة الكبرى ووكلائهم الجدد.
كتب المندوب الإنكليزي إلى الهند يومها جورج كورزون في كتابه “فارس والمسألة الفارسية”، قائلًا: “إن تركمنستان، وأفغانستان، وما وراء بحر قزوين وبلاد فارس -وهذه أسماء لا توحي لكثيرين إلا بالبعد المطلق والرومانسيات المحتضرة- أعترف أنها بالنسبة لي بيادق على رقعة شطرنج، واللعبةُ التي تدور على هذه الرقعة هي لعبة السيطرة على العالم”.1
يعترف المغامر البريطاني الآخر في هذا النص أن ملايين الشعوب في هذه المنطقة لا تعني له غير ما تعنيه الدمى الخشبية؛ فموتُها موت افتراضي وحياتها حياة افتراضية، وما هي إلا ساحة للإمتاع والمؤانسة وإثارة مشاعر الأوروبي الطامح لتحقيق ذاته في ريعان شبابه.
يروي الثقاةُ -أيامَ الناس هذه- أن بعض الأمراء والملوك الخليجيين المهووسين بوأْد ثورات الحرية والشورى، يفتخرون في مجالسهم الخاصة باللعب بمصائر العرب. بل يصرحون بالاستمتاع بما قاموا به من مذابح وما أشعلوا من حرائق في دول ربيع العرب. وهم بهذا خلفٌ لذلك السلف؛ سعداء بتكدّس عشرات آلاف الأحرار في سجون السيسي، وانفراط عقد اليمن، وفشل الثورة الليبية وتحويلها إلى مجال نفوذ لهم بواسطة أمير الحرب خليفة حفتر.
لقد استدار الزمان كهيئته قبل مائة عام، وها هي “اللعبة الكبرى” تُستأنف من لاعبين تختلف ملامحهم هذه المرة، وإنْ اتفقوا في محاولة السيطرة على هذه البلاد باعتبارها منطقة مركزية في المسيرة المادية والروحية للبشرية، حتى في لحظات تعاستها.
لقد كانت المنطقة يومئذٍ مكشوفة استيراتيجيًا بسبب تضعضع الدولة العثمانية، وكان لُعاب الدول الكبرى يسيل للسيطرة على منابع النفط ومراقدِ الإشعاع الروحي. وكان الشبان الأوروبيون العطشى للنفوذ يلعبون مستمتعين أشد استمتاع، ولا يكادون يفكرون في أن عبثهم ينعكس على أرواح بريئة، وبشر من لحم ودم. والجديد بمنطقتنا اليوم هو بروز ساسة محليين يحاولون تولي تلك الأوهام الإمبراطورية نيابة عن اللاعبين الكبار، بعد عصر اندحار الاستعمار المباشر.
إخضاع الدين بترويض النخبة
تنطلق الفكرة التي يتبنى الأغنياء الأغبياء وظهيرهم الغربي من كون الإسلام أهمّ عنصر من عناصر القوة والممانعة داخل أحشاء المجتمع المسلم، وأنَّ من يتحكم في “رجال الدين” يتحكم في البلاد الإسلامية بشرًا وحجرًا.
ولذا لا جَرَمَ أنْ جزمَ المؤرخ الأميركي دافيد فرومكين أن مناديب الاستعمار “اعتقدوا اعتقادًا خاطئًا أنّ من يسيطر على النخبة أو القادة يسيطر على روح الإسلام، وقاسوا قصة استطاعة “كورتز السيطرة على المكسيك عن طريق القبض على إمبراطور الآزتك (….) واستمالتهم الفكرة القائلة إن من يسيطر على رأس الخليفة يسيطر على الإسلام.”2
وهكذا تتأسس “اللعبة الكبرى” الجديدة على إخضاع النخبة الدينية في العالم العربي لكون ذلك كفيل بإخضاع بقية الناس. وهي نفس الفكرة التي تبناها اللورد كيتشنر قبل مائة عام. لقد كان كيتشنر –المندوب البريطاني بالمنطقة- يؤمن بأن الإسلام نسخة من الكاثوليكية، وتمكن السيطرة عليه من خلال إخضاع البابا –أي الخليفة. فإذا ما تسنى لبريطانيا أن تصنع خليفة تابعًا لها – الشريف حسين- ستسيطر آليًا على عقول المسلمين في أرجاء الأرض. غير أن وقائع الأيام وشهادات المؤرخين جاءت لتسخر من الفكرة لاحقًا. فالإسلام فكرةٌ صلبة لها وجود ذاتي، وإيمان بين جوانح المؤمنين، لا رجل معمم يَخضعُ فيخضعَ المسلمون.
ولذا لا جَرَمَ أنْ جزمَ المؤرخ الأميركي دافيد فرومكين أن مناديب الاستعمار “اعتقدوا اعتقادًا خاطئًا أنّ من يسيطر على النخبة أو القادة يسيطر على روح الإسلام، وقاسوا قصة استطاعة “كورتز السيطرة على المكسيك عن طريق القبض على إمبراطور الآزتك (….) واستمالتهم الفكرة القائلة إن من يسيطر على رأس الخليفة يسيطر على الإسلام.”2
وهكذا تتأسس “اللعبة الكبرى” الجديدة على إخضاع النخبة الدينية في العالم العربي لكون ذلك كفيل بإخضاع بقية الناس. وهي نفس الفكرة التي تبناها اللورد كيتشنر قبل مائة عام. لقد كان كيتشنر –المندوب البريطاني بالمنطقة- يؤمن بأن الإسلام نسخة من الكاثوليكية، وتمكن السيطرة عليه من خلال إخضاع البابا –أي الخليفة. فإذا ما تسنى لبريطانيا أن تصنع خليفة تابعًا لها – الشريف حسين- ستسيطر آليًا على عقول المسلمين في أرجاء الأرض. غير أن وقائع الأيام وشهادات المؤرخين جاءت لتسخر من الفكرة لاحقًا. فالإسلام فكرةٌ صلبة لها وجود ذاتي، وإيمان بين جوانح المؤمنين، لا رجل معمم يَخضعُ فيخضعَ المسلمون.
  1. جوروج كورزون، المسألة الفارسية، ص 3-4، باللغة الإنكليزية
  2. دافيد فرومكين، سلام ما بعده سلام ، ص 107-108
  3. دافيد فرومكين، سلام ما بعده سلام ، ص 107
  4. مقدمة ابن خلدون، ص 189
  5. فريدريك نيتشه، جينالوجيا الأخلاق، ص 55

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق