الجمعة، 31 يناير 2020

شبهات انتهت صلاحيتها… لم يعد من عذر

شبهات انتهت صلاحيتها… لم يعد من عذر

إن المتأمل في واقع الشعوب المسلمة اليوم، وما تعانيه من أزمات نفسية واجتماعية واقتصادية بل وحتى أخلاقية! ليدفعه المشهد للتساؤل؟ إلى متى ستبقى الأمة تدوّن المظالم وتحصي المصائب وتعد الضحايا وتوجه أصابع الاتهامات!

لا شك أن الغالبية العظمى متفقة أن المسؤولية تقع على عاتق الحكومات، ولا يجادل أحد في أن ثورات الربيع العربي كانت دليلا صارخا على رفض هذه الشعوب المسلمة لواقعها المرير ولرغبتها الجامحة في تغيير أنظمة الحكم التي تأنقت في أساليب الاستبداد والقمع والتجويع للرعية وكذا السجن والتنكيل والتشريد لكل من عارض سياساتها وتعدياتها بحق الإسلام والمسلمين.

ولكن هذه الحكومات قد خبرت شعوبها المسلمة وأدركت أن لجام الدين هو السبيل الأنجع لترويضها وتطويعها راغمة فتسكن وتهدأ وتتبدد ثورتها مهما أسرف الحكام في الظلم وقبح التدبير!

وكما أسلفنا من قبل في مقالتنا (آن الأوان لتحطيم آصار علماء السوء) فإن الحاكم قد سخّر لخدمته فريقا متخصصا من المشايخ والعلماء حرفتهم المتاجرة بدين الله وليّ النصوص وتحريف الكلم عن مواضعه في سبيل إخضاع الشعب لأهواء هذا الحاكم وإن كانت تلك الأهواء جريمة كبرى في منظار الإسلام وأئمته.

ويبلغ نشاط هذه الحاشية الملازمة لبلاط السلاطين، ذروته حين يلوح في الأفق دخان ثورة أو رذاذ موجة استنكار أو حتى هتافات مظاهرات احتجاج سلمية!

فما إن تبدأ ملامح السخط بالتبلور إلى رد فعل غير مرغوب فيه عند هؤلاء الحكام، حتى يخرج علينا أبواقهم، وعلماء السوء، المرقعين للظالمين، فيحتلون المنابر والشاشات ويخرجون أوراقهم المهترئة لتكرار نفس سيناريو الحجج البالية! مهمتهم: إحباط النفوس التي اضطرمت حنقا وأسا ورغبة في التغيير.
ولاشك أن أول كرت يرفعه هؤلاء بوجه المستنكرين هو تحريم الخروج عن الحاكم واعتبار جميع الحكام اليوم-الجاثمين على صدور شعوبهم–ولاة أمر مسلمين وجبت طاعتهم ويحرّم الخروج عليهم بل وحتى انتقادهم. وبعرضهم لقائمة من الأحاديث والنصوص التي تدعم قولهم بغض النظر عن الخطأ في تنزيلها على واقعنا، تكبّل أي حجة في المطالبة بتجريم الحاكم!

وقفة

إن قوة أي أمة مسلمة-لا شك-خلْفها حاكم مسلم، يوالي المسلمين ويبرأ من الكافرين، يحكم بما أنزل الله ويطبق شريعته، يُقاتَل من ورائه ويدفع به العدوان، صفته العدل والقسط، والإخلاص والفداء للأمة المسلمة، فتتوازن الأمة داخليا، وتدفع عدوها خارجيا وتزدهر حضارتها وتصلح أحوال الرعيّة. ثم بالعكس كلما فسد الحاكم، فسد معه كل شيء وتزعزعت أركان الدولة وتقهقرت أحوال الرعية وامتدت يد الأعداء الخارجية وعبثت بها أيدي النفاق الداخلية وتنتهي بقصة سقوط حرّ، ولا يمكن أن يقوم حكم في بلاد مسلمة دون قيام العلماء الربانيين لثغرهم، يقوّمون الاعوجاج ويفتون للناس في المدلهمات وأمور العبادة والحياة، ينصحون للحاكم ولا تأخذهم في دين الله لومة لائم، فبهم تتحد فئات الأمة وبهم تتقدم الأجيال للقمة. ولكن إن فسد الحكام وفسد معهم العلماء فالمصاب جلل، كما جاء في الأثر:
(صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس، العلماء والأمراء).

نقطة الضعف

ولأن حكامنا أدركوا تماما-كما يدرك العلماء-أن الدافع الأقوى للشعوب للثورة والانتفاض والمطالبة بعزل الحاكم هو أن يرسخ في أذهانهم وجوب عزل هذا الحاكم في شريعة الإسلام، والذي هو في الأخير مرتبط ارتباطا وثيقا حاسما بقضية إسلام هذا الحاكم أو كفره وكذا تطبيقه لحكم الله أو تبديله لشرع الله، وعلموا تمام العلم أن رسوخ هذا الحكم في أذهان المسلمين يترتب عليه نتائج قد تقضي على أحلامهم وعروشهم وينفلت معها عقد أهدافهم. فكان التوظيف المحموم لعلماء السوء، من أجل تبديد أي محاولة تفكير للفصل في هذه القضية -وإن وصلت حالة هذه الشعوب إلى أسوء حالات الظلم والانهيار -وكان الترويج بقوة لتلك الحجج البالية في أن الخروج عن الحاكم فساد في الأرض يوجب العقاب!


ولن تجد حاكما واحدا نصب على ديار المسلمين إلا وله مؤسسة دينية ضخمة تؤمن لهم الشرعية لتأمين انقياد الشعب، الذي يشكل الدين جزءا رئيسيا من تركيبته النفسية والثقافية.

الحكم الشرعي

وإن المتفَق عليه عند علماء الأمة السابقون واللاحقون، هو أن الحاكم الذي لا يجوز الخروج عنه هو المسلم الذي يحكم بما أنزل الله وإن ظلم، فله حق السمع والطاعة في كل ما يأمر به، ما لم يكن معصية، في المنشط والمكره، والصبر على الأثرة، وألا ينازعه أمره وصفته، فإن بدّل حكم الله وحكم بغير ما أنزل! فقد كفر، وجاز الخروج عليه بل وحرّم البقاء تحت حكمه كما في الحديث الصحيح المتفق عليه، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا رسول صلى الله عليه وسلم فبايعناه فكان مما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله، قال صلى الله عليه وسلم:
(إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان).
و معنى– بواحا–يريد ظاهرًا، باديا… (وعندكم من الله برهان) قال: الحافظ بن حجر في شرح البخاري ( أي نقص آية وخبر صحيح لا يحتمل… التأويل. وقال النووي في شرحه لمسلم: (المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام). أي أنه لا يشترط أن يعلن هذا الحاكم الردة عن الإسلام أو الكفر، بل يكفى إظهاره لبعض المظاهر الموجبة للكفر.

لوازم الحكم

إذًا فمسألة الخروج على الحاكم مقرونة بثبوت كفره ثم يترتب عليها وجوب قتاله والخروج عنه، وقد نقل الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم عند شرح الحديث السابق عن القاضي عياض الإجماع على الخروج على الحاكم إن كفر. فقال: قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر. وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل. وقال وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها. قال القاضي عياض: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة، خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك. فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحقق العجز لم يجب القيام ويهاجر المسلم عن أرضه ويفر بدينه”[1].

فإن طوينا صفحة الكفر البواح ونظرنا في أحد موجبات عزل الحاكم الأخرى سنجد ترك الحكم بما أنزل الله موجب رئيسي يجيز عزله، وقد ورد هذا في جمع من الأحاديث النبوية الصحيحة منها الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله)[2].
وإقامة كتاب الله تعني الحكم بما أنزل الله… فمن لم يحكم بما أنزل الله فلا ولاية له.

وأما إن كان الحاكم مسلما لم يتلبس بناقض من نواقض الإيمان، أو كفر فيه من الله برهان أو لم يحكم بغير ما أنزل الله فلا يجوز الخروج عليه ولا عزله.

ووجوب الخروج مشروط بالقدرة والمنعة، وجواز الخروج فيهما مشروط بأن يرجى عقد الإمامة لرجل صالح تتواجد فيه شروط الإمامة، وأما إذا صار الأمر من جائر إلى جائر، أو استلزم مثل استيلاء الكفار على المسلمين، فلا يجوز الخروج.

تزكية فاسدة

ثم إن اجتمعت جريمة كفر الحاكم وحكمه بغير ما أنزل الله وظلمه وتضييعه لحقوق الرعية وموالاته لأعداء الإسلام، فلا يرتاب عاقل حول وجوب عزله وقتاله وإن زكاه جميع علماء السلطان.


يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عن أولئك الذين يزكون من يحكم بغير ما أنزل الله: (إن هؤلاء الطواغيت الذي يعتقد الناس فيهم وجوب الطاعة من دون الله كلهم كفار مرتدون عن الإسلام، كيف لا وهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويسعون في الأرض فساداً بقولهم وفعلهم وتأييدهم. ومن جادل عنهم، أو أنكر على من كفرهم، أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلاً لا ينقلهم إلى الكفر، فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق، لأنه لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم)[3]

لقد اعتبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجرد عدم التكفير جريمة كبرى، فكيف بمن يتخصص في تزكيتهم وتلميعهم ويشيد بفعالهم ويبرر طاماتهم ويعادي من أنكر عليهم!

واقع الحكام اليوم

ولنأتي لواقع حكامنا اليوم، إننا نشاهد أمام أعيننا كفرا بواحا لنا فيه برهان، فأغلب حكامنا يحكمون بما لم ينزل به الله سلطانا، وقد عمدوا لالتزام أحكام الدساتير البشرية الوضعية ومنهم من غرق في وحل الديمقراطية التي تحكم برأي أغلبية الشعب لا حكم الشرع، ومنهم من يجعل الحكم صوريا إسلاميا في حين يخضع لولاية الكفار من اليهود والنصارى علنا ووصلت هذه الموالاة إلى المشاركة مع الكفار في قتال المسلمين لأجل مصلحة الغرب الكافر. ويكفي مثالا الغزو الأوربيوأمريكي لبلاد المسلمين في العراق وأفغانستان الذي حظي بمشاركة هؤلاء الحكام وكل ألوان الدعم البشري والمادي.

هذا دون أن نحسب ما تلبسوا به من أشكال مكفرات الأقوال والأفعال وما أتوا به من أسباب الخروج من ملة المسلمين. ودون أن نحصي سجل المظالم الثقيل الذي تئن لوطأته الشعوب المنهوبة المسلوبة الثروات والحقوق.

وبالنظر للحكم الشرعي في حالة حكامنا الخونة اليوم فإننا سنتفق جميعا ألا ولاية لهم شرعية على الشعوب المسلمة، وهذا يترتب عليه أحكام، منها سقوط ولاية الحاكم وبطلان إمامته، ووجوب الخروج عليه بالقوة وخلعه، بل ووجوب قتله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :(من بدل دينه فاقتلوه)[4]. كما يجب عدم مساعدته ولا العمل لديه ولا مشاركته جريمة الحكم بغير ما أنزل الله بأي منصب أو أي شكل. كما لا يعتبر بعهوده ولا مواثيقه، ولا معاهداته ولا أمانه… لأنه لا يمثل المسلمين. ولدرء مفاسد عزله وجب المسارعة في نصب إمام مسلم بدلا عنه.


قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري: (إنه-أي الإمام- ينعزل بالكفر إجماعا فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض).[5]

إننا نشاهد في كل يوم مشهدا تدمي له القلوب، لحكام المسلمين وقد أسرفوا في مولاة الكافرين من يهود ونصارى، فأضحت اجتماعاتهم ولقاءاتهم تعكس تلك المودة والقربى مع أعداء الإسلام رغم تلطخ أيديهم بدماء المسلمين، توقع معهم المواثيق والمعاهدات والتحالفات وتسخر تحت أيديهم الجنود والمعدات والخدمات والولاءات! وأضحت ثروات هؤلاء المسلمين منهوبة وحقوقهم مسلوبة بل وأصبحنا ندفع الجزية وهم الصاغرون. وهذه الحقيقة وحدها-والتي لا يمكن أن يطمسها عالم سلطان-تكفي لأن يتفكر المرء في أي فسطاط يريد أن يكون، هل سيقبل بفسطاط فيه القائد كافرا فقط لأن حاكمه ارتضاه وليا أم أن ينأى بنفسه عن جريمة الكفران! لا يفعلها مسلم عاقل!!

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ).

المصادر

[1] (صحيح مسلم بشرح النووي ج12-ص229.)
[2] رواه البخاري
[3] (الرسائل الشخصية ، 188).
[4]  رواه أحمد.
[5] ج 13 ص 154.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق