الثلاثاء، 13 يناير 2026

أزمة أوروبا وما لا يراه ترامب

أزمة أوروبا وما لا يراه ترامب
رئيس مؤسسة روما من أجل أوروبا وعضو المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

بعد أعوام من التنديد العلني بأوروبا، أعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب "إستراتيجية الأمن القومي" التي تعكس رؤيته المضطربة للعالم. ومهما يكن وقع الاستماع لرؤيته تلك في أدائه الخطابي المسرحي، فإن تحول هذه الرؤية إلى وثيقة رسمية مكتوبة لهو أشد وقعا بلا شك.

تزعم الوثيقة في جوهرها أنه سيصعب التعرف على أوروبا، خلال عشرين عاما بفعل "الطمس الحضاري"، ما لم تتدخل الولايات المتحدة، "المرتبطة عاطفيا" بالقارة، لإعادة ما تسميه "مجدها السابق". وترامب محق في شيء واحد: أوروبا تعاني من مشكلات. لكن هذه المشكلات ليست كما يصورها هو.

ترامب محق: نحن ضعفاء. فلو كنا أقوياء حقا، لوقفنا دفاعا عن القيم الأوروبية من ديمقراطية وتعددية، لما كنا شيطنّا أقلياتنا، لكن الواقع أننا نفعل العكس.

فأوروبا، على مدى عقود، عانت من ضعف الاستثمار في الإنسان، ومن حوافز سياسية دائمة لتجاهل المجتمعات المهمشة، ومن عزوف مزمن عن مواجهة التفاعل العميق بين الانحدار الديمغرافي والتراجع الاقتصادي.

هذه الأزمات لا تلقى معالجة تُذكر. ويتجنب القادة السياسيون الخوض فيها. بعضهم ينكر وجودها، وآخرون يقرون بها في السر، بينما لا يتناولون علنا سوى أعراضها، تاركين الجذور دون مساس.

لكن الصورة أوضح عند من يعيشون داخل دوامة هذا الفشل. فعبر أنحاء أوروبا، يكافح الملايين من أبناء الطبقة العاملة للبقاء في ظل مصانع مغلقة، ومدارس بلا تمويل، وسكن لا يمكن تحمله، وخدمات عامة متهالكة. وفي أوساطهم، تبرز تجربة الروما كعدسة كاشفة.

فهذه الأقلية، التي تُعد الكبرى والأكثر تهميشا في القارة، تكشف تجربتها عن اختيار أوروبي واضح في معاملة شعوب بأكملها بوصفها ضحايا جانبيين. وعندما يشير ترامب إلى جراح أوروبا، تكون هذه المجتمعات شاهدة على مواضع الألم الحقيقية.

الروما لمن لا يعلمون هم مجموعة إثنية ذات أصول هندية، استقرت في أوروبا منذ أكثر من ألف عام، ويشار إليهم بصورة نمطية بـ"الغجر". يُقدر عددهم اليوم بما يزيد عن 12 مليون نسمة، يعيش معظمهم في أوروبا الوسطى والشرقية. تعرضت هذه الجماعة تاريخيا، ولا تزال، لأشكال متعددة من التمييز والتهميش، بما في ذلك سياسات الإقصاء، والعنف الممنهج، والحرمان من التعليم والعمل والخدمات الأساسية.

تقر الإستراتيجية الأميركية بأن ما تسميه "انعدام ثقة أوروبا بنفسها" يتجلى على نحو أوضح في علاقتها بروسيا. وهذا صحيح. فالعجز الأوروبي في مواجهة موسكو يقابله ميل عدواني ضد جماعات أضعف داخل القارة. وهو انعكاس مباشر لانهيار الثقة في القيم الأوروبية.

ترامب محق: نحن ضعفاء. فلو كنا أقوياء حقا، لوقفنا دفاعا عن القيم الأوروبية من ديمقراطية وتعددية. لما كنا شيطنّا أقلياتنا. لكن الواقع أننا نفعل العكس.

فعلى امتداد القارة، تواجه مجتمعات الروما سياسات عنصرية ممنهجة. ففي سلوفينيا، على سبيل المثال، أدت مشاجرة في مكان ما إلى هستيريا عامة دفعت بالبرلمان إلى تمرير قانون، في نوفمبر/تشرين الثاني، يفرض إجراءات أمنية مشددة على أحياء الروما.

وفي البرتغال، رفع أندريه فينتورا، من حزب "شيغا" اليميني المتطرف، لافتات ضمن حملته الانتخابية كتب عليها: "الغجر يجب أن يطيعوا القانون". أما في إيطاليا، فقد بنى السياسي اليميني المتطرف ماتيو سالفيني علامته السياسية بأكملها على جنون الارتياب من الروما. وفي اليونان، تطلق الشرطة النار على شباب الروما بسبب جرائم بسيطة.

قادتنا يفرطون في عسكرة تعاملهم مع الروما، بينما يفرطون في الحذر أمام روسيا. وتسلط إستراتيجية ترامب الضوء أيضا على تراجع حصة أوروبا من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، من 25% في عام 1990 إلى 14% اليوم. صحيح أن اللوائح التنظيمية تلعب دورا، وكذلك الانحدار الديمغرافي، لكن المشكلة الأعمق تكمن في فشل أوروبا في الاستثمار في جميع شعوبها.

12 مليونا من الروما، وهم أصغر السكان سنا في القارة، ما زالوا خارج التعليم والعمل وريادة الأعمال، بسبب حواجز بنيوية وتمييز قائم، رغم أن الاستطلاعات تظهر رغبتهم القوية في المساهمة بمجتمعاتهم، ونسب نجاحهم العالية حين يحصلون على الدعم في مشاريعهم.

فلو أن نسب التوظيف بين الروما في رومانيا وسلوفاكيا وبلغاريا- حيث تتجاوز معدلات بطالتهم المعدلات العامة بـ25 نقطة مئوية- تساوت مع المعدل الوطني، لأمكن تحقيق زيادة في الناتج المحلي الإجمالي تصل إلى عشرة مليارات يورو (نحو 11.6 مليار دولار). وفي قارة تخسر مليوني عامل سنويا، فإن ترك هذا المورد البشري معطلا هو نوع من تدمير الذات.

ترامب محق: نحن ضعفاء. فلو كنا أقوياء حقا، لوقفنا دفاعا عن القيم الأوروبية من ديمقراطية وتعددية. لما كنا شيطنّا أقلياتنا. لكن الواقع أننا نفعل العكس. فعلى امتداد القارة، تواجه مجتمعات الروما سياسات عنصرية ممنهجة

ترامب محق بشأن تراجع حصة أوروبا من الاقتصاد العالمي. ولو كانت أوروبا جادة في سعيها للتعافي، لما عاملت الروما وكأنهم فضلات بشرية.

تمضي الوثيقة أيضا في التحذير مما تسميه "تقويض العمليات الديمقراطية". ورغم أنها لا تقصد الأقليات هنا، فإن هذه الملاحظة بدورها صحيحة. ووفقا لتقديرات مؤسسة الروما لأجل أوروبا، كان ينبغي للروما أن يشغلوا أكثر من 400 مقعد في الهيئات التمثيلية.

إن البرلمان الأوروبي يخصص مقاعد لدول مثل مالطا ولوكسمبورغ، رغم أن عدد سكان الأولى لا يتجاوز 570 ألفا، والثانية 680 ألفا. ومع ذلك، لا يحظى الروما، وعددهم 12 مليونا، بأي تمثيل.


ترامب محق في الإشارة إلى وجود عجز ديمقراطي. لكنه ليس ناتجا عن قوانين تحظر خطاب الكراهية أو قيود دستورية على اليمين المتطرف. العجز الحقيقي يتمثل في غياب تمثيل ملايين البشر.

قارة تُهدر شعوبها لا يمكنها أن تنافس، وقارة تقصي شرائح من ناخبيها لا يحق لها الادعاء بالتمثيل. فالإقصاء السياسي يؤدي إلى انخفاض في نسب التسجيل والتصويت، ويخلق مؤسسات غير تمثيلية على نحو منهجي. أما الإقصاء الاقتصادي، فيجعل المجتمعات هدفا أسهل للشراء الانتخابي، والإكراه، والاستحواذ السياسي.

لكن حل ترامب المقترح لأزمة أوروبا لن يفضي إلى شيء. إذ يبدو أنه يفترض أن ورثة اليمين المتطرف، المعادين للهجرة والأقليات على حد سواء، يمكنهم وقف انحدار القارة. لكن الأدلة تشير إلى عكس ذلك. البلدان التي صاغت سياساتها تحت تأثير كراهية الأجانب لم تحقق أداء اقتصاديا جيدا.

في المملكة المتحدة، حيث قاد اليمين المتطرف حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي خوفا من الهجرة، قدر خبراء أن الناتج المحلي الإجمالي اليوم أقل بنسبة تتراوح بين 6% و8٪ مما كان سيكون عليه دون بريكست.

وفي المجر، حيث تبنت حكومة فيكتور أوربان سياسات معادية للمهاجرين وتمييزية، شهد الاقتصاد ركودا، وسجلت الميزانية عجزا كبيرا، وتم تجميد التمويل الأوروبي.

الإقصاء يُضعف الاقتصادات، ويجعل الديمقراطيات أكثر هشاشة. إن تمكين ورثة الأيديولوجيات المتطرفة، التي ساعدت الولايات المتحدة يوما في دحرها، لن يسهم في تعافي القارة. بل على العكس، فإن هذا "الترميم" المزعوم لليمين المتطرف لن يؤدي إلا إلى تعميق تبعية أوروبا لواشنطن، وربما لاحقا لموسكو.

ومع ذلك، فإن أوروبا لا يمكنها أن تنجو في عالم السياسة الواقعية العالمية، عبر الاتكاء على الحنين الليبرالي، أو المؤتمرات متعددة الأطراف، أو الالتزامات البلاغية.

ما تحتاجه أوروبا فعلا هو واقعية شاملة: الاعتراف بأن الاستثمار في جميع الناس ليس إحسانا، بل ضرورة إستراتيجية. صعود الصين يقدم الدليل الأوضح على ذلك. فعقود من الاستثمار في الصحة والتعليم والعمل وسعت رأس المال البشري، وزادت الإنتاجية، وأعادت رسم توازنات القوة في العالم.

لا يمكن لأوروبا أن تهدر طاقاتها السكانية، ثم تتوقع أن تبقى لاعبا دوليا ذا صلة. فالخيار الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين الليبراليين واليمين المتطرف، بل بين تعميق الجراح عبر تهميش الملايين، أو البدء في الشفاء من خلال الاستثمار في أناس طالما اعتُبروا عبئا زائدا يمكن الاستغناء عنه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق