الجمعة، 10 يوليو 2026

من جيفرسون المعجب بالقرآن إلى ترمب.. كيف تغيرت نظرة أمريكا إلى الإسلام؟

من جيفرسون المعجب بالقرآن إلى ترمب.. كيف تغيرت نظرة أمريكا إلى الإسلام؟
أستاذ الشؤون الدولية والدراسات الإسلامية بجامعة جورجتاون.جون، وعمل مستشارا لوزارة الخارجية وإدارات أمريكية عديدة.

يجدر بنا، ونحن نحتفل بالذكرى الـ250 لتأسيس أمريكا، أن نتأمل في كيفية انطباق بعض مبادئ ديمقراطيتنا، كحرية الدين والحماية من التمييز، على تجارب المسلمين الأمريكيين في القرن الحادي والعشرين.

لقد شكل المسلمون حضورا أساسيا وجزءا لا يتجزأ من تاريخ أمريكا وتأسيسها وتطورها. بيد أن معظم الأمريكيين يجهلون حقيقة أن المسلمين كانوا متواجدين في الولايات المتحدة منذ ما قبل استقلال أمريكا عن بريطانيا، حتى إن العديد من الأفارقة المستعبدين الذين جُلبوا إلى أمريكا كانوا مسلمين.

ويقدر المؤرخون أن 15٪ إلى 30٪ من السكان المستعبدين الذين نُقلوا عبر المحيط الأطلسي نشؤوا في مناطق ذات أغلبية مسلمة في غرب إفريقيا، وكان العديد منهم متعلمين. وعلى عكس عامة السكان المستعبدين، أجاد عدد كبير من هؤلاء الأسرى القراءة والكتابة باللغة العربية.

وأُجبر المستعبدون الأفارقة من قبل مالكيهم المسيحيين على التخلي عن الإسلام. وسعى العديد منهم إلى ممارسة شعائر دينهم سرا من خلال اتباع الشريعة في مسائل الطعام والشراب: الامتناع عن لحم الخنزير والكحول، والاحتفال بالأعياد، والحفاظ على ملابسهم التقليدية كلما أمكن ذلك.

يدرك قلة من الأمريكيين أن توماس جيفرسون تأثر بالقرآن. وبدافع الفضول للاطلاع على الأنظمة القانونية للثقافات المختلفة، اشترى ترجمة إنجليزية أثناء دراسته للقانون في ويليامزبرغ، فيرجينيا. وأُعجب بما رآه كمفهوم للقرآن عن الحرية الدينية العالمية، مما عزز التزامه بالتعددية الدينية وتأكيده أن الحقوق المدنية الأساسية للأمريكيين يجب ألا تعتمد أبدا على مرجعياتهم الدينية.

جعلت وسائل الإعلام الجماهيرية والاجتماعية- التي تركز على الأحداث المتفجرة والرئيسية، حيث "الدموية تتصدر العناوين"- من الإسلاموفوبيا ثابتا عالميا

جذور الإسلاموفوبيا الحديثة

إعلان

شملت المحفزات الرئيسية للنمو المتسارع للإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة وأوروبا هجمات 11 سبتمبر/ أيلول على مركز التجارة العالمي والبنتاغون، والهجمات في لندن ومدريد من قبل تنظيم القاعدة، والعمليات اللاحقة في أوروبا وعبر العالم، وصولا إلى بالي، إندونيسيا.

وساهم لاحقا الانتشار الناجح لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، والهجرة الجماعية إلى الغرب، في تأجيج صعود اليمين المتطرف والقومية البيضاء، مما أثر على السياسة الأمريكية والأوروبية.

صُور الإسلام والمسلمون- لا المتطرفون والإرهابيون المسلمون وحدهم- وفي كثير من الحالات شُيطنوا، على أنهم "الآخر" الراديكالي في الإعلام والمجتمع الغربي.

أدت "الحرب العالمية على الإرهاب" التي تقودها الولايات المتحدة، بخطابها وسياساتها وأفعالها- بما في ذلك غزو واحتلال العراق وأفغانستان، وقانون باتريوت الأمريكي وخليج غوانتانامو– إلى عولمة الإسلاموفوبيا. ولم يكن ضحاياها- ولا يزالون- مجرد أقلية صغيرة من المتطرفين المسلمين أو الإرهابيين، بل شملت بشكل أوسع وأكثر أهمية، عقيدة وهوية الأغلبية الساحقة من المسلمين.

كما تزايدت الإسلاموفوبيا وتأثيرها بحلول عام 2015 بشكل مطرد، وبلغت التغطية الإعلامية أعلى مستوياتها. وأصبحت الهجمات الإرهابية المحلية والدولية (القاعدة- تنظيم الدولة)، ووسائل الإعلام الجماهيرية والاجتماعية، والانتخابات والسياسة الرئاسية الأمريكية محفزات رئيسية في نمو الإسلاموفوبيا.

أصبح الخوف من الإسلام والمسلمين، لا المتطرفين المسلحين والإرهابيين فقط، أمرا طبيعيا في الثقافة الشعبية في أمريكا وأوروبا.

ومن جهته أفاد معهد أبحاث الدين العام بأنه "لم يُنظر إلى أي مجموعة دينية أو اجتماعية أو عرقية وإثنية على أنها تواجه تمييزا في الولايات المتحدة أكبر من المسلمين".

يشيطن النشطاء السياسيون والأحزاب اليمينية المتطرفة، ووسائل الإعلام المطبوعة والاجتماعية، والقادة الدينيون القوميون المسيحيون، المسلمين دون عقاب باتهامات لن يُرمى بها أبدا اليهود والمسيحيون الأمريكيون في وسائل البث الرئيسية، وكذلك الإعلام المطبوع.

جعلت وسائل الإعلام الجماهيرية والاجتماعية- التي تركز على الأحداث المتفجرة والرئيسية، حيث "الدموية تتصدر العناوين"- من الإسلاموفوبيا ثابتا عالميا. كان ثلثا جميع الأخبار المتعلقة بالمسلمين عالميا بحلول عام 2016، انتقادية أو موجهة.

وبلغت السلبية الإعلامية أعلى مستوى لها على الإطلاق من التغطية. وكان أكثر من 80٪ من التغطية الإعلامية التلفزيونية للإسلام سلبية. وفي الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، كانت 9 مقالات من أصل 10، سلبية. ومالت حتى التغطية للمسلمين العاديين (أكثر من 50٪ من التقارير) إلى السلبية.

صور القادة السياسيون، والمسؤولون المنتخبون، والقوميون المسيحيون، والصهاينة اليهود المتشددون، الإسلام والمسلمين على أنهم عنيفون بطبيعتهم، مستخدمين الأفعال التي ارتكبتها أقلية صغيرة من المتطرفين كدليل

النمو المتسارع للإسلاموفوبيا

ألفتُ في تسعينيات القرن العشرين كتاب "الخطر الإسلامي: خرافة أم حقيقة؟"، استجابة لحرب الخليج الأولى، وهزيمة الاتحاد السوفياتي على يد المجاهدين في أفغانستان، وسقوط الاتحاد السوفياتي، ومخاوفي من أن يُنظر إلى الإسلام باعتباره التهديد العالمي التالي.

إعلان

اكتسب في الوقت نفسه، تقريبا، باحثان ومستشاران حكوميان أمريكيان بارزان ومؤثران- وهما برنارد لويس من جامعة برينستون في كتابه "جذور الغضب الإسلامي" (1990)، وصامويل هنتنغتون من جامعة هارفارد- اهتماما عالميا بالتحذير من صراع الحضارات، وهو صراع بين الحضارتين الإسلامية والغربية: بين الإسلام وقيمنا الغربية الحديثة العلمانية والديمقراطية.

عزز برنارد لويس رؤية الصراع الوشيك بين الإسلام والغرب باعتباره مجرد مرحلة أخرى في نمط تاريخي من المواجهة، قائلا: "لقد استمر الصراع بين الإسلام والغرب الآن أربعة عشر قرنا. وتألف من سلسلة طويلة من الهجمات والهجمات المضادة، والجهاد والحروب الصليبية، والفتوحات وعمليات الاسترداد. واليوم، يستولي استياء شديد وعنيف من الغرب مرة أخرى على جزء كبير من العالم الإسلامي".

هكذا، جرى تصوير الإسلام والمسلمين باعتبارهم المحركين والفاعلين الأساسيين للعنف والحروب طوال 14 قرنا. وكلما نشب صراع تم تحميل المسلمين مسؤولية اشتعال الهجمات والجهاد والفتوحات، بينما وُصِف الغرب- على النقيض من ذلك- بأنه في موقع دفاعي يكتفي بالرد عبر الهجمات المضادة، والحملات الصليبية.

انتشر كتاب صامويل هنتنغتون- الأكثر مبيعا (1996)، "صراع الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي"- بشكل واسع وكان له تأثير سياسي وفكري على مستوى العالم. وانتقل من مقولة "للإسلام حدود دموية" إلى "للإسلام حدود دموية وأحشاء دموية"؟

صور القادة السياسيون، والمسؤولون المنتخبون، والقوميون المسيحيون، والصهاينة اليهود المتشددون، الإسلام والمسلمين على أنهم عنيفون بطبيعتهم، مستخدمين الأفعال التي ارتكبتها أقلية صغيرة من المتطرفين كدليل.

وجد استطلاع المسلمين الأمريكيين لعام 2025 لمعهد السياسة الاجتماعية والتفاهم، أنه في عام 2025، كان المسلمون هم المجموعة الدينية الأكثر احتمالية للإبلاغ عن تعرضهم للتمييز الديني في العام السابق (63٪)، أكثر من اليهود (50٪)، والكاثوليك (25٪)، والبروتستانت (27٪)، والإنجيليين البيض (26٪)، وغير المنتمين (22٪).

وبالنظر إلى العوامل التي تتنبأ بالإسلاموفوبيا، وُجد أن التصويت للرئيس ترمب (بالنسبة لعامة الناس والمسلمين) والآراء السياسية المحافظة (للعامة) كانت من بين أقوى العوامل المرتبطة بدرجات أعلى من الإسلاموفوبيا.

كما يواجه المسلمون التمييز الديني في البيئات الهيكلية والاجتماعية على حد سواء. وكان الرجال المسلمون عرضة للإبلاغ عن مواجهة التمييز الديني في العام الماضي، مثل النساء المسلمات: (63٪ للنساء و64٪ للرجال).

أبلغت نسبة 47% من العائلات المسلمة التي لديها أطفال في سن المدرسة عن وجود طفل تعرض للتنمر على أساس ديني، مقارنة بـ23٪ بين عامة الناس.

ورغم كل التحديات المستمرة للإسلاموفوبيا، برز المسلمون في أمريكا، كطبقة مهنية مسلمة ناجحة للغاية من الأطباء والمحامين والأساتذة والمعلمين ورواد الأعمال والرياضيين وقادة منظمات حقوق الإنسان، فضلا عن آلاف المسلمين الذين يخدمون في القوات المسلحة الأمريكية.

بالإضافة إلى خمسة أعضاء في الكونغرس والعديد من رؤساء البلديات، انتُخب 42 مسلما أمريكيا لمناصب عامة أخرى في تسع ولايات أمريكية. وتشير الانتخابات التمهيدية الحالية إلى زيادة كبيرة في عدد المسلمين المرشحين للمناصب الانتخابية الوطنية.

انتُخب زهران ممداني هذا العام بأغلبية ساحقة رئيسا لبلدية نيويورك، أكبر مدينة في الولايات المتحدة، متحديا المؤسسة السياسية في المدينة والعديد من حملات الإسلاموفوبيا. وكما أعلن: "أنا شاب، وأنا مسلم… والأكثر إدانة من ذلك كله، أرفض الاعتذار عن… هذا".

بلغت السلبية الإعلامية أعلى مستوى لها على الإطلاق من التغطية. وكان أكثر من 80٪ من التغطية الإعلامية التلفزيونية للإسلام سلبية. وفي الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، كانت 9 مقالات من أصل 10، سلبية

وأصبح المسلمون الأمريكيون مساهمين رئيسيين في الحياة الخيرية للأمة. ووفقا للباحثين في مبادرة العمل الخيري الإسلامي بجامعة إنديانا، تبرع المسلمون الأمريكيون بحوالي 4.3 مليارات دولار أمريكي للجمعيات الخيرية في عام 2020، على الرغم من أنهم يشكلون ما يقرب من 1٪ من السكان. ويبلغ متوسط ذلك حوالي 3200 دولار لكل متبرع، مقارنة بـ1900 دولار من جيرانهم غير المسلمين.

إعلان

كما تبقى حوالي 85٪ من هذه المساهمات داخل الولايات المتحدة، ويتدفق الجزء الأكبر منها ليس إلى المساجد أو المؤسسات الإسلامية، ولكن إلى أهداف علمانية على نطاق واسع: التخفيف من الفقر المحلي، والاستجابة للوباء أثناء "كوفيد-19″، والدفاع عن الحقوق المدنية.

يميز التوجه الخارجي نفسه بيانات الزكاة؛ فمن بين حوالي 1.8 مليار دولار من الصدقات الإلزامية التي دفعها المسلمون الأمريكيون في عام 2021، مرت الحصة الكبرى عبر المؤسسات الخيرية غير الربحية بدلا من الأقارب أو دور العبادة.

ليس المسلمون الأمريكيون وحدهم من يعانون من الإسلاموفوبيا. فنحن نعيش في عالم أصبحت فيه عولمة الإسلاموفوبيا من أمريكا إلى أوروبا (المملكة المتحدة، فرنسا، النمسا، بلجيكا…) وإلى آسيا (الصين، ميانمار، الهند، كشمير…) وأفريقيا حقيقة واقعة. وأدت الحاجة إلى معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب ويمكن الوصول إليها في عصر الإنترنت إلى إنشاء "مبادرة الجسر: حماية التعددية- إنهاء الإسلاموفوبيا" داخل جامعة جورج تاون.

وهنا بدأ عمل مبادرة الجسر بالتركيز على الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة، ثم توسع ليغطي عولمة الإسلاموفوبيا ليس فقط في الولايات المتحدة بل أيضا في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. وتقدم مبادرة الجسر تحليلا وتعليقا على نظريات المؤامرة المعادية للمسلمين التي تروج لها شخصيات في صناعة الإسلاموفوبيا، وتنتج موارد حول السياسات الحكومية التمييزية التي تنتهك الحقوق المدنية وحقوق الإنسان.

ولا تزال مبادرة الجسر اليوم تمثل مصدرا رائدا للمعلومات حول ظاهرة الإسلاموفوبيا لكل من الصحفيين، والمعلمين، وعامة الناس. وقد استشهدت كبريات المطبوعات، من قبيل "نيويورك تايمز"، و"نيويوركر"، و"ميدل إيست آي"، و"ذا نيشن"، بالتحليلات التي تقدمها المبادرة.

وبفضل حضورنا الفاعل والجذاب عبر منصات التواصل الاجتماعي، يواصل ملايين الأفراد في شتى أنحاء العالم متابعة أعمالنا والاهتمام بها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق