جدلية الوهم.. عند الظالم والمظلوم
"الوهم حين يتسلح بالقوة لا يبقى مجرد خطأ فكري، بل يتحول إلى مشروع كامل لإنتاج الخراب"
غرام الوهم
ليست الكارثة الكبرى في التاريخ أن تخطئ قوة عظمى في الحساب، بل أن تقع في غرام صورتها عن نفسها، أو لا يعاد النظر بعد كل هذا البلاء في الداروينية الاجتماعية كما تسمى، والتي نرى نتائجها على الأرض في شعوبنا دون تأنيب ضمير أمام الدم والقتل والتهجير. وإن بسّطنا الموضوع كمثقفين ضحايا هذا المنهج ونفلسف الموضوع، نقول: إن الأمم التي تملك فائض قوة غالباً ما تصاب بمرض أخطر من الضعف نفسه، العمى الناتج عن الوهم، حينها لا يعود الواقع كما هو، بل يتحول إلى مسرح واسع يعكس رغبات القوة ومخاوفها، وتصبح الجغرافيا مجرد مادة خام لإعادة تشكيل العالم وفق خيال المنتصر.
الوهم حين يتسلح بالقوة لا يبقى مجرد خطأ فكري، بل يتحول إلى مشروع كامل لإنتاج الخراب، فالعقل الذي يعتقد أنه يحمل رسالة كونية ينتهي غالباً إلى معاملة الشعوب كمواد قابلة لإعادة الصياغة، لا ككيانات تملك تاريخها وإيقاعها الخاص، عند هذه النقطة يبدأ الجنون السياسي؛ إذ تتوهم الإمبراطوريات أن كل اختلاف تهديد، وكل استقلال تمرّد، وكل مقاومة مجرد سوء فهم ينبغي سحقه.
صناعة الفوضى
تبدو الحروب الحديثة أحياناً وكأنها مطاردة لأشباح أكثر منها صراعاً مع أخطار حقيقية؛ تضخيم التهديدات، وصناعة صور أسطورية عن "الخطر القادم"، ثم تُدار الآلة العسكرية والإعلامية والأيديولوجية بكامل طاقتها، لكن المفارقة أن هذه الحملات كثيراً ما تنتهي بإنتاج الوحش الذي ادّعت أنها جاءت للقضاء عليه، فحين يُهدم التوازن الطبيعي للمجتمعات، وتُكسر المؤسسات، ويُهان القانون، لا يظهر الفراغ بل تنبت الفوضى، وحين يُطلب من المظلوم ألّا يصرخ فسيصرخ صرخة شمشون.
الفوضى لا تبقى فارغة طويلاً؛ إذ تملؤها دائماً قوى أكثر قسوة وأقل عقلانية، عندها يكتشف صانع الخراب أنه لم يكن يحارب وحشاً، بل كان يزرع بيضته بيديه، غير أن العقل المأخوذ بوهم البطولة نادراً ما يعترف بخطئه، إنه يفضّل دائماً اختراع تفسير ميتافيزيقي للهزيمة: مؤامرات، سحرة، قوى عالم سفلي خفية كنمتار ونركال، خيانة داخلية.. أي شيء سوى الاعتراف بأن أصل الكارثة كان الغرور نفسه.
أمم بلا مشروع:
لكن المأساة لا تتوقف عند حدود القوة المتوهمة، هناك دائماً طرف آخر يشارك في صناعة العبث: التابع الذي يسلّم إرادته بدوافع ينتجها الوهم، فالخضوع لا يولد من الضعف وحده، بل من فقدان المشروع الخاص، وغلبة التفاهة على كل المعاني.
الدول التي تشحذ الحماية، تشبه من يبيع بيته ليستثمر ثمنه ويعود ليدفع إيجار سكنه فيه، وهنا تظهر أخطر نتائج التبعية: ليس فقدان المال والقرار فقط، بل تحلل الإرادة الداخلية، تصبح الأمة غنية بالموارد وفقيرة بالمعنى، كثيرة الضجيج قليلة الثقة بنفسها.
وحين تتراكم الهزائم، تبدأ المجتمعات بإعادة تفسير عجزها على أنه قدر تاريخي، لا نتيجة خيارات خاطئة، تتسع الفجوة بين الواقع والوعي، فتظهر حالة غريبة من الإنهاك الحضاري: الجميع يدرك حجم الانهيار، لكن أحداً لا يريد مغادرة الوهم والأساطير التي تعززه، لأن العودة إلى الواقع مؤلمة، ولأن الاعتراف بالخطأ يتطلب شجاعة أخلاقية أكبر من شجاعة الحرب نفسها.
استفاقة:
ومع ذلك، فإن التاريخ لا ينهض بالقوة وحدها، بل بلحظة الاستفاقة، اللحظة التي تدرك فيها المجتمعات أن خلاصها لا يأتي من قوة منظومات طامعة بها، ولا من المعارك المسرحية، بل من استعادة علاقتها الطبيعية بالأرض والعمل والمعنى، فالسيادة ليست خطاباً عاطفياً، بل قدرة على حماية الحقل ومنظومة العقل قبل التفكير في فتح العالم.
الأمم التي بلا مشروع تعود دوما تبحث في أمجاد الماضي ولا تنقلها كحالة بأخطائها وصلاحها، بل تنقل الجانب المشرق من أحداثها وأبطالها وقدسيتهم، وبذلك لا تكون مسارا للنهضة أو نموذجا للخلاص، بل وهم لا يُطال، مبني على وهم كاذب بفخر شابه التزييف فيسقط حسناته.
إن أعظم انتصار قد تحققه أمة ليس هزيمة خصومها، بل التحرر من الوهم الذي يجعلها تحتاج دائماً إلى خصم كي تشعر بوجودها، أو إلى حارس لهذا الوجود التافه المعيق للتقدم. فالأمم الناضجة لا تبني مستقبلها على الهلع، بل على الفهم؛ ولا على انتظار المنقذين، بل على إنتاج الإنسان القادر على حمل مسؤوليته دون أوهام كيشوتية.
ليست الكارثة الكبرى في التاريخ أن تخطئ قوة عظمى في الحساب، بل أن تقع في غرام صورتها عن نفسها، أو لا يعاد النظر بعد كل هذا البلاء في الداروينية الاجتماعية كما تسمى، والتي نرى نتائجها على الأرض في شعوبنا دون تأنيب ضمير أمام الدم والقتل والتهجير. وإن بسّطنا الموضوع كمثقفين ضحايا هذا المنهج ونفلسف الموضوع، نقول: إن الأمم التي تملك فائض قوة غالباً ما تصاب بمرض أخطر من الضعف نفسه، العمى الناتج عن الوهم، حينها لا يعود الواقع كما هو، بل يتحول إلى مسرح واسع يعكس رغبات القوة ومخاوفها، وتصبح الجغرافيا مجرد مادة خام لإعادة تشكيل العالم وفق خيال المنتصر.
الوهم حين يتسلح بالقوة لا يبقى مجرد خطأ فكري، بل يتحول إلى مشروع كامل لإنتاج الخراب، فالعقل الذي يعتقد أنه يحمل رسالة كونية ينتهي غالباً إلى معاملة الشعوب كمواد قابلة لإعادة الصياغة، لا ككيانات تملك تاريخها وإيقاعها الخاص، عند هذه النقطة يبدأ الجنون السياسي؛ إذ تتوهم الإمبراطوريات أن كل اختلاف تهديد، وكل استقلال تمرّد، وكل مقاومة مجرد سوء فهم ينبغي سحقه.
صناعة الفوضى
تبدو الحروب الحديثة أحياناً وكأنها مطاردة لأشباح أكثر منها صراعاً مع أخطار حقيقية؛ تضخيم التهديدات، وصناعة صور أسطورية عن "الخطر القادم"، ثم تُدار الآلة العسكرية والإعلامية والأيديولوجية بكامل طاقتها، لكن المفارقة أن هذه الحملات كثيراً ما تنتهي بإنتاج الوحش الذي ادّعت أنها جاءت للقضاء عليه، فحين يُهدم التوازن الطبيعي للمجتمعات، وتُكسر المؤسسات، ويُهان القانون، لا يظهر الفراغ بل تنبت الفوضى، وحين يُطلب من المظلوم ألّا يصرخ فسيصرخ صرخة شمشون.
الفوضى لا تبقى فارغة طويلاً؛ إذ تملؤها دائماً قوى أكثر قسوة وأقل عقلانية، عندها يكتشف صانع الخراب أنه لم يكن يحارب وحشاً، بل كان يزرع بيضته بيديه، غير أن العقل المأخوذ بوهم البطولة نادراً ما يعترف بخطئه، إنه يفضّل دائماً اختراع تفسير ميتافيزيقي للهزيمة: مؤامرات، سحرة، قوى عالم سفلي خفية كنمتار ونركال، خيانة داخلية.. أي شيء سوى الاعتراف بأن أصل الكارثة كان الغرور نفسه.
أمم بلا مشروع:
لكن المأساة لا تتوقف عند حدود القوة المتوهمة، هناك دائماً طرف آخر يشارك في صناعة العبث: التابع الذي يسلّم إرادته بدوافع ينتجها الوهم، فالخضوع لا يولد من الضعف وحده، بل من فقدان المشروع الخاص، وغلبة التفاهة على كل المعاني.
الدول التي تشحذ الحماية، تشبه من يبيع بيته ليستثمر ثمنه ويعود ليدفع إيجار سكنه فيه، وهنا تظهر أخطر نتائج التبعية: ليس فقدان المال والقرار فقط، بل تحلل الإرادة الداخلية، تصبح الأمة غنية بالموارد وفقيرة بالمعنى، كثيرة الضجيج قليلة الثقة بنفسها.
وحين تتراكم الهزائم، تبدأ المجتمعات بإعادة تفسير عجزها على أنه قدر تاريخي، لا نتيجة خيارات خاطئة، تتسع الفجوة بين الواقع والوعي، فتظهر حالة غريبة من الإنهاك الحضاري: الجميع يدرك حجم الانهيار، لكن أحداً لا يريد مغادرة الوهم والأساطير التي تعززه، لأن العودة إلى الواقع مؤلمة، ولأن الاعتراف بالخطأ يتطلب شجاعة أخلاقية أكبر من شجاعة الحرب نفسها.
استفاقة:
ومع ذلك، فإن التاريخ لا ينهض بالقوة وحدها، بل بلحظة الاستفاقة، اللحظة التي تدرك فيها المجتمعات أن خلاصها لا يأتي من قوة منظومات طامعة بها، ولا من المعارك المسرحية، بل من استعادة علاقتها الطبيعية بالأرض والعمل والمعنى، فالسيادة ليست خطاباً عاطفياً، بل قدرة على حماية الحقل ومنظومة العقل قبل التفكير في فتح العالم.
الأمم التي بلا مشروع تعود دوما تبحث في أمجاد الماضي ولا تنقلها كحالة بأخطائها وصلاحها، بل تنقل الجانب المشرق من أحداثها وأبطالها وقدسيتهم، وبذلك لا تكون مسارا للنهضة أو نموذجا للخلاص، بل وهم لا يُطال، مبني على وهم كاذب بفخر شابه التزييف فيسقط حسناته.
إن أعظم انتصار قد تحققه أمة ليس هزيمة خصومها، بل التحرر من الوهم الذي يجعلها تحتاج دائماً إلى خصم كي تشعر بوجودها، أو إلى حارس لهذا الوجود التافه المعيق للتقدم. فالأمم الناضجة لا تبني مستقبلها على الهلع، بل على الفهم؛ ولا على انتظار المنقذين، بل على إنتاج الإنسان القادر على حمل مسؤوليته دون أوهام كيشوتية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق