الاثنين، 6 يوليو 2026

العمامة الملطخة بالدماء

العمامة الملطخة بالدماء

شاهدت يوم الخميس مقطعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم أصدق ما رأيته: رجلٌ مسنّ، اشتعل رأسه شيبًا، يقف داخل قفص في قاعة محكمة، مرتديًا الزيّ المخطط الخاص بالسجناء. 
كان يجيب بهدوء وأدب عن أسئلة رئيس المحكمة، ويستمع بصمت إلى التهم الموجّهة إليه، دون أن ترتسم على وجهه أي ملامح أو انفعال أو ردّ فعل.

كان ذلك المشهد في العاصمة السورية دمشق، أما الرجل الذي يُحاكم فهو الشيخ أحمد بدر الدين حسون، المفتي النافذ والمتغطرس في عهد بشار الأسد. 
وكان حسون قد اعتُقل في الخامس والعشرين من مارس/آذار من العام الماضي في مطار دمشق، أثناء استعداده لمغادرة البلاد مع عائلته إلى الأردن، ومنذ ذلك الحين وهو رهن الاحتجاز. 

ولأنني أعرف جيدًا من يكون أحمد بدر الدين حسون، وأدرك الدور المحوري الذي لعبه في القمع الذي مارسه نظام البعث بحق الشعب السوري، وأعرف إلى أي حد باع منصبه بثمن بخس، فقد خرجت مني تلقائيًا عندما قرأت خبر فشله في الفرار من البلاد العبارة التالية: «ليتهم يحاكمونه ثم يشنقونه!».

لكنني، في المقابل، كنت أخشى أن تعمد الإدارة السورية الجديدة إلى العفو عنه «حتى لا تُقدّم صورة غير محببة للعالم»، أو أن تكتفي بإبعاده عن الأنظار بدلًا من محاكمته، ليُطوى ملفه ويُنسى مع مرور الوقت. ويبدو أن حسون نفسه كان يظن ذلك؛ إذ لم يغادر سوريا مباشرة بعد سقوط نظام البعث، وحين قرر أخيرًا الفرار، حاول حتى استخدام صالة كبار الشخصيات (VIP) في مطار دمشق. 
ولحسن الحظ، لم يتحقق ما كنت أخشاه، فقد بدأت محاكمته – كما يستحق – داخل قفص، وفي جلسات علنية مفتوحة أمام الرأي العام. ولهذا السبب قلت في البداية إنني لم أصدق ما رأيت.

وبما أن أحمد بدر الدين حسون أمضى سنوات طويلة من حياته العامة مرتديًا عمامة ضخمة وجبة طويلة تجر أطرافها على الأرض، فقد يستغرب بعض القراء قولي: «ليتهم يشنقونه!». 
فمن المعروف أن للزي الديني أثرًا خاصًا في نفوس الناس. ولذلك، ومن أجل توضيح سبب هذا الموقف، سأبين لماذا أرى أن حسون مجرم حرب وضدًّا للإنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

لقد سبق أن تناولت سيرته أكثر من مرة، لذلك لن أتوسع في تفاصيل حياته. لكن يجدر التذكير بأنه ابن الشيخ النقشبندي الجليل محمد أديب حسون، أحد علماء مدينة حلب، غير أنه بدأ منذ شبابه العمل لصالح جهاز الاستخبارات الداخلية السورية «المخابرات»، وكان سببًا في اعتقال عدد كبير من زملائه في المدارس والمعاهد الشرعية، وهو ما أثبت به ولاءه لحزب البعث. 
وبعد أن ورث عن والده المشيخة، أضيف إليها منصب الإفتاء عام 2005، ليصبح منذ ذلك الحين خادمًا مطيعًا وطوعيًا لنظام البعث.

ورغم أن السوريين لم يكونوا يعرفونه على نطاق واسع قبل ذلك، فإنه منذ عام 2011 تحول إلى شخصية حاضرة باستمرار في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، يبرر بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الهجمات المروعة التي كان الجيش السوري يقصف فيها المدنيين الأبرياء، ويشيد بها، ويصدر الفتاوى التي تبيح القتل الجماعي لعشرات الآلاف من المعتقلين داخل السجون، وكل ذلك دون أن يرف له جفن. 
لقد برز بوصفه ديماغوجيًا متحمسًا لا يعرف التردد. وكان يحمل إعجابًا عميقًا وصادقًا بالقائد الإيراني قاسم سليماني، الذي لُقب بـ«جزار حلب» وعدّه كثيرون أحد أبرز مهندسي عمليات التطهير العرقي في المدينة. 
وكثيرًا ما سمعناه يمتدح عناصر «الشبيحة» التابعين لنظام البعث، أو يوجه التهديدات إلى النساء والأطفال الذين لجؤوا إلى إدلب قائلًا: «الجيش التركي لن يستطيع إنقاذكم!».

وما يميز أحمد بدر الدين حسون عن سائر المتعصبين المؤيدين لدكتاتورية البعث، دون شك، هو حجم الضرر الذي ألحقه بالقيم التي كان يُفترض أنه يمثلها. فقد كان ينتسب إلى أهل السنة، ومع ذلك رضي لنفسه أن يكون خادمًا لنظام أقلوي منحرف. 
وجعل من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ستارًا يغطّي به جرائم واحد من أكثر الأنظمة وحشية في العالم. وحوّل منابر المساجد ومقاعد الوعظ إلى منصات لتمجيد الجزارين من أبناء المسلمين. وملأ المحاريب التي ورثها المسلمون عن النبي ﷺ بدمى تتغنى بالطغاة. ولوّث عمامته وجبته بدماء الأبرياء. بل إنه ألحق أذى بالغًا بالطريقة النقشبندية، إحدى أغنى مدارس التراث الروحي الإسلامي، حتى ربطها في أذهان كثير من السوريين بمساندة الظالمين.

ويمكن أن تطول قائمة هذه الجرائم كثيرًا. فكل واحدة منها تمثل وزرًا عظيمًا ومسؤولية ثقيلة. وليس خطأ العالم كخطأ الجاهل، فضلًا عن أن الخطأ إذا تكرر بإصرار لم يعد مجرد خطأ.

وقد قررت المحكمة تأجيل جلسات محاكمة حسون إلى شهر يوليو/تموز للاستماع إلى مزيد من الشهود. وسنواصل متابعة هذه المحاكمة عن كثب، وفاءً لذكرى النساء والأطفال والشيوخ الأبرياء الذين تلطخت يداه بدمائهم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق