الاثنين، 6 يوليو 2026

ما بين السياسة والدين والطب (8)

 ما بين السياسة والدين والطب (8)

كاتب وصحفي بالنمسا


حشد المهارات البشرية في الدائرة النقابية وولوج القفص الزجاجي.

عندما تُحْشَد المهارات البشرية في دائرة نقابية مؤسساتية، يعني ولجوها القفص الزجاجي، وتغدو رؤوس مُجَنَّده تحت مجهر المراقبة العليا التي تتدخل بدورها في تحديد منطوقها ومقرؤها.. تستحيل حبيسة الإجراء تتجمد مهارة الاستقصاء المنهجي لديها مما يفقدها مكانتها المستحقة.. غير أن الميراث العام أودع في العقل الجمعي الوثوق في القوالب النقابية تحت زعم “تمثيلها الأكثرية”.. وعليه يصبح “نظامًا موثوقًا” به.. وهنا تكمن المعضلة التي ينتج عنها “التوقف عن مراقبتها” ويجلي المعنى الحقيقي لولوج “القفص الزجاجي”.. تلكم التبدلات تُصَيِّر مجتمع المهارات البشرية من “البروتوبيا” “protopia” أي مجتمع يتحسن باستمرار نحو الأفضل ومن الصيرورة الإيجابية حيث نُدرة السلبيات، إلى “الديستوبيا” “Dystopia” أي مجتمع بائس ومظلم تسوده المعاناة بحسب التعبير الاصطلاحي لكاتب الخيال العلمي “كيفن كيلي” “kevin Kelly “.. المؤسساتية أو النقابية على وجه الشمول “علمية” كانت أو “عمالية” بفرضية الواقع تعني السيطرة السياسية والخضوع للمنظومة الحاكمة الكبرى وملحقاتها.. ومسرحية “كورونا” أقرب وأظهر وأبيَّن نموذج للمراقب الحذق الأمين.

إزاحة الستار عن عملية “بلوبيرد” وقانون كلينتون لكشف سجلات الحكومة الأمريكية.

حرصًا على تبيان العلاقة الدامغة للسياسة بالطب نسوق أنموذج توضيحي تالي كشفته سجلات الحكومة الأميركية بمساعدة قانون الرئيس كلينتون ” الكشف عن جرائم الحرب النازية”.. وكذلك السجلات الارشيفية الألمانية وروايات شخصية ورسائل عن إزاحة الستار عن عملية “بلوبيرد” ” Operation BluebirdأوProject Bluebird” الذي سُميت لاحقًا “MK-ULTRA”.. يهدف المشروع لإجراء أنشطة بحثية على “الهندسة السلوكية للبشر” دون موافقتهم.. ومن خلال هذا البرنامج أعطى الدكتور “فرانك رودولف أولسن” “Frank Rudolph Olson” مخدر “LSD” من قِبَل وكالة الاستخبارات الأميركية.. وقد عُثِر على “فرانك أولسن” غارق في دمه أمام الفندق المقيم فيه بنيويورك بعد أن قفز من نافذة غرفته من الطابق الثالث عشر منتحراً كما تقول الرواية الرسمية.. وحينها أمر “ريتشارد هيلمز”، “Richard McGarrah Helms” بتدمير جزء كبير من الوثائق حتى تظل ملابسة وفاة “فرانك أولسن” لغزاً مثيراً غير قابل للتفسير.. أما عائلة “فرانك أولسن” أصرت على أن وكالة الاستخبارات الأمريكية قامت بقتله بسبب تهديده إياها بفضح برامج ومشاريع على درجة عالية من السرية تتعلق بالتحكم بالدماغ عن طريق التخدير والتنويم المغناطيسي والتحقيق في كيفية منع القوى المعادية من استخلاص المعلومات من العملاء.. وقد جرى بناء على رغبة اسرته استخراج رفاته من قبره عام 1994 وتم تشريح جثته مجدداً وقد أظهرت النتائج بأنه تعرض للضرب العنيف قبل رميه من شباك غرفته بعد فقدانه للوعي.

المُهلك العصبي أو غاز “السارين” السلاح البيولوجي الأكثر فتكًا.

غاز السارين “Sarin” أحد مخرجات “الأسلحة البيولوجية” الذي لا يجب تجاوزه دون مسه والتعريج عليه في هذا المقام.. ويمكن تسميته بغاز “المُهلك العصبي أو السم العصبي” ويتكون من مركبات المبيدات الحشرية للفسفات العضوي.. ونظراً لفاعليته التدميرية يُصنّف على انه من أسلحة الدمار الشامل.. في منتصف عام 1939، تم تمرير تركيبة غاز السارين إلى قسم الحرب الكيميائية في مكتب أسلحة الجيش الألماني، الذي أمر بإدخاله إلى الإنتاج الضخم لاستخدامه في زمن الحرب.. وبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية تراوحت تقديرات إجمالي إنتاج “السارين” من قبل ألمانيا النازية من 500 كجم إلى 10 أطنان.. ومعلوم ان غاز السارين والتابون والسومان كانت مدمجة في قذائف المدفعية الألمانية، جدير بالذكر انه تم اكتشاف السارين لأول مرة قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية على يد مجموعة من العلماء الألمان، كما تم اشتقاق اسم الغاز من الحروف الأولى لأسماء مكتشفيه وتكريمًا لجهودهم، وهم “Schrader شرادر” وهو عالم كمياء ورئيس فريق بحث، ” Ambros أمبروس” كيميائي وعضو في مجلس إدارة شركة “إي جي فاربن”، “ريديجر Rüdiger ” رئيس مختبر الحماية من الغازات التابع للجيش الألماني، ” Hans Jürgen von der Linde” “هانس-يورجن فون دير لينده” من مسؤولي مكتب أسلحة الجيش الألماني.. غاز “السارين” سائل رائق بلا لون أو رائحة حينما يكون نقيًا وبلا طعم.. التعرض لغاز “السارين” غالبًا ما يكون مميتًا حتى في التركيزات المنخفضة للغاية، ويُحْدِث الموت في غصون دقيقة إلى عشرة دقائق حالة الاستنشاق المباشر بسبب الاختناق وشلل الجهاز العصبي.. كما تشمل عوارض التعرض لغاز “السارين” تشنُج ورجفة العضلات، التقيّؤ، التعرق، صعوبة التنفس إلى توقفه ومن ثَمَّ الموت، الاسهال وغشاوة البصر.

التبيعات الصحية لغاز “السارين” وتأثيره على الناقل العصبي “الاسيتيل كولين”.

تُعد التأثيرات الصحية لغاز السارين خطيرة ومركزية.. يُقدر أن السارين في أنقى صوره أكثر فتكًا بـ 26 ضعف من غاز “السيانيد cyanide” السام الذي يؤدي إلى السكتات القلبية ويتواجد بشكل طبيعي على شكل مركبات “أميجدالين” في بذور الفواكه مثل التفاح، المشمش، الخوخ، واللوز.. إذ يؤثر السارين على ناقل عصبي من أهم النواقل العصبية في الجسم البشري وهو “الاسيتيل كولين Acetylcholine” بمهاجمته مما ينتج عنه اختناق بسبب عدم القدرة على التحكم في العضلات المشاركة في عملية التنفس.. واضطراب في تنظيم معدل ضربات القلب، ضغط الدم، وحركة الأمعاء.. سيلان الأنف، وضيق الصدر، ضيق في حدقة العين، غثيان وسيلان اللعاب، ويتطور الأمر إلى فقدان السيطرة على وظائف الجسم بالكلية.

توظيف غاز “السارين” في الجائحة التي عُرِفَت عالميًا بجائحة كورونا.

لم يقتصر استغلال و”توظيف” غاز “السارين” في حالات الحرب فقط بل تم استغلاله في حالات السلم ضد المدنيين أيضًا.. هناك شواهد متعددة على استعماله.. فقد تم استغلاله في المسرحية التي عُرِفت عالميًا “بجائحة كورونا”، فلم يكن هناك فيروس أو ما شابه، بل غاز “السارين” “Sarin” الذي كان يتم نثره في سماء الأقطار بشكلٍ ممنهجٍ وعلى مقربة من الأرض لأنه “أثقل من الهواء”.. وللعودة إلى الوراء حيث الجائحة المزعومة ستكتشف أن كل “العوارض” التي أشرنا إليها لهذا الغاز “وهي بالمناسبة ليست اجتهاد من قريحتي” كانت هي الاعراض التي كانت تبدو على البشر من ذوي الامراض المزمنة بحسب تسميتهم “لاعتراضي على ان ثمة أمراض مزمنة” من ضيق في التنفس والاسهال وغشاوة البصر ورجفة العضلات والتقيّؤ والتعرق!.

استخدام نظام بشار البعثي غاز “السارين” في سوريا كسلاح في الهجوم الكيميائي إبان الثورة.

يؤدي في الواقع التعرض المستمر لغاز “السارين” إلى الموت كما حدث في الهجوم الذي استخدام السارين كسلاح في الهجوم الكيميائي على “خان شيخون” والذي يعتقد أنه من تنفيذ الحكومة السورية، حيث وقع الهجوم في مدينة “خان شيخون” التي كانت تسيطر عليها قوات المعارضة السورية وقتئذ، مما أدى إلى وقوع 100 قتيل وكان جلهم من الأطفال ونحو 400 مصاب.. في مارس 2013 كان هجوم كيميائي على “خان العسل” وهي بلدة واقعة غرب مدينة حلب السورية وقد تم استخدام غاز السارين في الهجوم، مما أسفر عن مقتل 28 شخصًا وإصابة 28 آخرين.. وفي يوم 21 من أغسطس 2013 في الغوطة في سوريا خلال الثورة السورية استُهدِفَت منطقتان تحت سيطرة المعارضة السورية في ضواحي دمشق بصواريخ من قِبَل نظام بشار البعثي حينئذ تحتوي على غاز السارين في منطقة الغوطة، وقد أسفر القصف عن مقتل 1429 شخص بينهم 426 طفلاً، وقد أكد وزير الخارجية الأمريكي آنذاك “جون كيري” ان بلاده واثقة من ان قوات بشار قامت به أيضًا في ريف دمشق، وفي 2 نوفمبر 2016 تم استخدام غاز “السارين” في مدينة حلب من قبل قوات النظام السوري على منطقة الحمدانية في مدينة حلب.. وعلى نفس النهج الهجوم الذي قامت به الجماعة اليابانية الدينية المتطرفة “آوم شينريكو” “ŌmuShinrikyō” بغاز السارين في شبكة مترو أنفاق طوكيو في 20 مارس 1995، مما أسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة الآلاف.

استغلال السارين في الحرب والسلم والتخلص من الخصوم السياسيين في تشيلي.

لقد تم استغلال غاز السارين من قِبَل الولايات المتحدة في حرب الخليج وأفغانستان.. كما استخدمته روسيا أيضًا في التخلص من القادة اثناء صراعها العسكري في الشيشان.. ولم يقف استغلال السارين عند هذا الحد، بل تم تطويره إلى درجات أكثر تدميرية للتخلص من الخصوم السياسيين، ففي العام 1976، كلف جهاز المخابرات التشيلية “DINA” عالم الكيمياء الحيوية “أوجينيو بيريوس Eugenio Berríos Sagredo” بتطوير غاز السارين ضمن برنامجها، لاستخدامه كسلاح ضد الخصوم، وقد كان أحد أهداف جهاز المخابرات “DINA” هو تعبئة “السارين” في علب رش لسهولة الاستخدام، والتي وفقًا لشهادة وكيل DINA السابق “مايكل تاونلي”، كانت أحد الإجراءات المخطط لها في اغتيال “أورلاندو ليتيلير Orlando Letelier ” عام 1976 الذي كان عضواً في الحزب الاشتراكي التشيلي.. شهد ” Eugenio Berríos ” لاحقًا أنه تم استخدامه في عدد من الاغتيالات وكان من المخطط استخدامه لقتل السكان، من خلال تسميم إمدادات المياه في العاصمة الأرجنتينية “بوينس آيرس”.

ثمة كثير من المسائل التي نود إيضاحها وفق العلاقة الثلاثية السياسة، الدين، والطب، في الأجزاء التالية المتبقية بمشيئة الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق