هل سيعود أبرهة إلى جزيرة العرب؟
د. جاسم الجزاع
* باحث وأكاديمي كويتي
وفي غمرة هذا الصراع الاستعماري المحموم، جاء بناء أبرهة لكنيسته الشاهقة التي عُرفت بـ "القليس" في صنعاء، مستعيناً بأحجار جُلبت من قصر بلقيس، ومزيناً إياها بالذهب، والفضة، والرخام، والياقوت الأحمر، في محاولة بائسة لإبهار ملك الحبشة والقيادة الرومانية وصرف حج العرب إليها وتحويل حركتهم الاقتصادية والدينية لليمن بدلا من العمق الحجازي. ولأن أيديولوجية الطغيان تعمى دائماً عن فهم الوجدان العقدي وحرمة المقدسات لدى الشعوب وجالبة للفوضى في الإقليم، فقد ارتكب النصارى الأحباش خطأً إستراتيجياً وفادحاً حينما حاولوا استفزاز مشاعر القبائل العربية وتحدي رمزية الكعبة المشرفة، وتعددت الروايات التاريخية حول الشرارة المباشرة التي جاءت كرد فعل لهذا الاستفزاز، ومنها قصة دخول رجل من كنانة العرب وتدنيسه لجدران القليس بالقاذورات لبيان حقارتها رداً على دعوة السلطة اليمنية النصرانية لتهميش الكعبة المشرفة.
وعندها حشد أبرهة جيشه العرمرم المدعوم مادياً ومعنوياً من القيادة الإثيوبية والرومانية، يتقدمه فيل ضخم يُدعى "أبو الفيلة"، وحاصر مكة مساقاً بطغيانه وجبروت آلته العسكرية، وتجلت أسمى مواقف السياسة المحنكة والعقلانية في رد سيد قريش عبد المطلب بن هاشم، حين قال لأبرهة بثقة مطلقة ويقين حازم بعدما طلب استرداد إبله المسلوبة: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه !، ولأن العوامل البشرية والقوانين المادية تفرض الانسحاب، واللجوء إلى رؤوس الجبال لعجز القبائل العربية عن مواجهة هذا الجيش الطاغي كحسبة مادية، إلا أن النتيجة النهائية تظل دائماً معلقة بمشيئة مسبب الأسباب وحده، وحين وجهوا الفيل صوب مكة ليدخل الحرم، برك الفيل الأكبر وأبى التقدم رغماً عنهم، بينما كان يهرول سريعاً إذا وجهوه نحو اليمن أو الشام أو المشرق، ولم ينتهِ الطغيان البشري حتى أتاهم أمر الله ونزل العذاب الإلهي بالمغمس، حيث أرسل الله أضعف جنده طيراً أبابيل متتابعة ومتفرقة، تحمل حجارة من سجيل حوّلت ذلك الجيش العرمرم إلى "عصف مأكول".، كما خلدها الله للبشرية في سورة "الفيل"، ولقد أبيدت تلك المخططات الشيطانية بالكامل، وهلك الطاغية أبرهة بجسد يتساقط قطعة قطعة حتى انصدع صدره في صنعاء، ليتوج هذا النصر الرباني برفع مكانة مكة وقريش دينياً وسياسياً بين سائر القبائل العربية، وليصبح هذا العام تاريخاً مجيداً تؤرخ به العرب، وإرهاصاً ودلالة واضحة على شرف البيت الحرام الذي شهد في نفس العام مولد المصطفى ﷺ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق