ليس مستغربًا عند من لا يؤمنون بعقيدة سايكس وبيكو السياسية أن يروا المستوطنين يجتاحون قرى درعا في حوران، كما يجتاحون بلدات وقرى الضفة الغربية وعموم فلسطين.
إن إسرائيل، ككيان غريب، لم توجد إلا لأجل هدم المنطقة العربية والإسلامية، وقد أخطأ وظلم نفسه، وأعمى بصره، من لم يعِ أن سايكس وبيكو عقيدة سياسية وُضعت لأجل العرب والمسلمين من أجل خصيهم، فيما لا تؤمن بها المشاريع الدولية الكبرى المعادية.
ودومًا أكرر بلا كلل، وأقول: إن الكيان الإسرائيلي هو ذراع تنفيذي حقير للمشروع الغربي الأمريكي، وقد وُضع على أرض الشام في فلسطين، ليس من أجل الزيت والزيتون، ولا حتى لأجل اختطاف الأقصى المبارك، بل لأجل استهداف عموم المنطقة العربية والإسلامية، حتى تركيا، وخصوصًا للحيلولة دون تعافي مصر، والشام، والعراق باعتبارها الحواضر الفاعلة في إحداث منعرجات في التاريخ.
إن الكيان الإسرائيلي لن ينتظر حتى يتعافى المسلمون في أرض الشام، ومصر، والعراق، فيقارعونه وفق عقيدتهم ومبادئهم الواضحة. ولذلك فمن الطبيعي أن تبقى إسرائيل في حالة مدٍّ وجزر، وتحرشٍ واستنزافٍ للمنطقة. وحين يحتاج الغرب إلى حرب، فلا بد أن تبدأها ذراعه التنفيذية، إسرائيل، التي تأكل وتشرب وتعتاش على الغرب حتى يأتي زمن انكساره القريب بإذن الله.
لقد خسر الغرب كله خسارة كبرى بسبب ثورة الشام المباركة، التي انتهت إلى تحطيم المنظومة الأسدية الطائفية، والتي كانت تشكل الركيزة الثانية إلى جانب كيان إسرائيل في ضبط عموم المنطقة حتى الخليج العربي. واليوم ازداد الحمل على كاهل إسرائيل بعد رحيل بشار الأسد، فلا بد أن تقوم بأعمال وقائية بعد أن فرَّ حارسها الأمين.
ورغم أن العقيدة السياسية التي فرضها سايكس وبيكو على العالمين العربي والإسلامي قد قطعتهما إربًا إربًا، إلا أن الأمة بقيت حقيقة قائمة، تشهد عليها وحدتها الشعورية، ومواقفها المعلنة تجاه القضايا الكبرى. وعلى رأسها مطلب عودة الإسلام وتحكيم شرع الله وشخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم ثم الشوق للوحدة الإسلامية بشكل سياسي يقوم بين الشعوب والدول، ثم الانحياز الكامل لقضية فلسطين وأقصى الموحدين. وهكذا دواليك، لم تختلف الأمة، ولم تضعف أو تتفكك وحدتها الشعورية تجاه جميع عناوينها الصحيحة والرئيسة.
والمقصود من هذا أن الخامة الأساسية التي يمكن أن يُبنى عليها لتجاوز العقيدة السياسية التي فرضها سايكس وبيكو متوفرة في الأمة. وإذا كانت القوى والمواثيق الدولية الظالمة تمنع وحدتها السياسية، فإن واجب المسلمين اليوم، حكامًا وقيادات، ألا يكونوا أدنى من القيادات الإسرائيلية في تجاوزهم العملي لعقيدة سايكس وبيكو، وفي بناء خططهم على ما وراء تلك الحدود.
وخلاصة القول: إنه إذا كان العجز المرحلي عن تحقيق الوحدة السياسية بين الدول، لتعود كما كانت إطارًا سياسيًا واحدًا معبرًا عن مجموع الأمة، عذرًا قائمًا، فإن الأمة وقياداتها غير معذورين في التقصير بتعاملهم الاعتباري، والمصلحي مع الأمة بوصفها وحدة واحدة، لا أن يبنوا خططهم، البعيدة منها والقريبة، في نطاق من رسم لهم حدودًا ظالمة وكاذبة.
سورية التي يُعاد تشكيلها بين المسؤولية والواجب
من نافلة القول أن سورية تُعاد صياغتها من جديد، بعد أن حطم الثوار والمجاهدون نظامها الذي بناه الفرنسيون، وبلوره كيسنجر اللعين. وإذا كان أهل الشام الكرام يستحقون سورية الجديدة المعبرة عن ثقافتهم وآمالهم، فإن الغرب، وفي مقدمته أمريكا، معنيٌّ بصناعة سورية ثانية تعيد إنتاج سياسات سورية الأولى بوجوه جديدة وأدوات مختلفة وعناوين أكثر خداعًا.
وفي هذا السياق يأتي الدور الإسرائيلي بوصفه رأس الحربة في خلخلة سورية، واستنزافها بصورة دائمة، من خلال صناعة التهديدات الخارجية والداخلية لتبقى البلاد في حالة إنهاك مستمر. وتسير هذه السياسة عبر خطين متوازيين: إذكاء الفتن الطائفية من جهة، وإعادة توظيف ظاهرة «الدواعش» من جهة أخرى، بما يضمن استمرار الفوضى، ويحول دون تعافي الشام واستقرارها.
واجب الأمة حماية الشام، ووعي قادتها صمام أمان
لن تُنقذ سورية من قدرها المحتوم بالمواجهة أن تفر إلى حضن الخصوم، بل إن ذلك سيزيدها ضعفًا وتلفًا. وإنما واجب القيادة السورية أن تهرع إلى أمتها، مدركة أن السياج القطري سبب في إزهاقها لاسيما واليوم لم يبق مشروع معادٍ إلا وله امتدادات في الشام.
وإذا كانت هذه مسؤولية القيادة السورية، فإن على الأمة كلها مسؤولية حقيقية في حماية الشام وتجربتها الواعدة، بما لا يقل عن اهتمامها بالأقصى الذي لن يعود إلا بعد تعافي الشام ومصر. ومن هنا فإن أكبر مظاهر التخاذل هو تقصير العرب والمسلمين في نصرة الشام، بالذات أنها ما تزال تملك فرصة حقيقية للبناء والنهوض في ظل صعود العلماء، والمجاهدين، والقيادات المسلمة فيها، وإن صعود الشام حماية لتركيا وتشذيب لمصر واستعادة للعراق.
مضر أبو الهيجاء، بلاد الشام 6/7/2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق