الأحد، 5 يوليو 2026

تفجير دمشق بين المطالب السياسية وحضور تركيا إضاءات منهجية سياسية إصلاحية

تفجير دمشق بين المطالب السياسية وحضور تركيا
إضاءات منهجية سياسية إصلاحية
مضر أبو الهيجاء

إن تعافي دمشق والقاهرة يشير إلى حقيقة تاريخية ثابتة، وهي استرداد القدس وعودة المسجد الأقصى للمسلمين. الأمر الذي يجعل تصور البعض حول تعاون القوى الدولية أو الإقليمية -بالوكالة أو بالأصالة- مع حواضر المسلمين -وعلى رأسها دمشق- من أجل تحقيق ازدهارها، وقوتها، وتعافيها، وهمًا كبيرًا، بل خبلًا لا يليق بالعقلاء وقراء التاريخ.

وبغض النظر عمّن يقف خلف التفجير الإرهابي البشع الذي وقع في دمشق، وقتل وجرح أناسها الطاهرين، وبغض النظر عمّن نفذه، سواء أكانت إسرائيل التي يقض مضجعها التواجد التركي المتعاظم على أرض الشام المسلمة، أم كانت المخابرات الأمريكية ردًّا على رفض الحكومة السورية الخضوع لإرادة ترامب في إقحام الجيش السوري في جنوب لبنان نيابة عن الصهاينة في مقارعة حزب إيران المجرم، أم كانت الأيادي الإيرانية وذراعها اللبناني ردًّا على الحضور المهيب لوزير الخارجية السوري الشيباني في طرابلس الشام، فإن المؤكد أن هذا الحادث الإجرامي البشع يأتي في سياق ضغوط ومطالب سياسية تُدفع إليها دمشق دفعًا، من خلال الترغيب تارة، والإكراه تارة، والترهيب تارة أخرى.

واهمٌ من ظن أن دمشق وعموم أرض الشام ستشهد أمنًا واستقرارًا في الحقبة الحالية، لا سيما والكيان الإسرائيلي قد زُرع بأيادٍ غربية على أرض فلسطين المباركة، لا لأجل الزيت والزيتون، ولا حتى المسجد الأقصى، بل للحيلولة دون نهضة الأمة من خلال أهم حواضرها المؤثرة عبر التاريخ: دمشق، والقاهرة، وبغداد.

ولذلك فإن هذا الواقع يحتاج من الصادقين، والجادين، والمضحين الرساليين، أن يعدوا العدة للتحدي والتصدي للمشاريع المعادية خلال حقبة ساخنة وفارقة، ستشهد منعرجات كبيرة ستكون -بإذن الله- في صالح الأمة إن كانت على مستوى الإعداد اللائق. وهذا الإعداد لا ينحصر في الجانب العسكري، بل يشمل جميع أشكال الإعداد: السياسي، والعلمي، والمجتمعي، وتأهيل الإنسان، فهو الرصيد الحقيقي الذي ينبغي أن يُبنى عليه ويُعتنى به.

ومن نكد الزمان اليوم، وفي ظل تصاعد الاحتراب الدولي، والتنافس الإقليمي، واستباحة قتل الشعوب برعاية الغرب الديمقراطي، الذي مكّن بشار الأسد من نحر رقاب السوريين، وأيد انقلاب السيسي على الرئيس الشرعي المنتخب، وفي ظل الفوضى التي رعتها وكالة الاستخبارات ووزارة الخارجية الأمريكية، وعموم الغرب الفاعل في تدمير المنطقة، يبرز دورٌ مشبوه تقوم به بعض النخب العربية السياسية حين تعمل على تجميل صورة ترامب والسياسات الأمريكية، وإقناع الناس بأن أمريكا بدأت تتراجع عن إسرائيل، ويمكن أن تتحالف مع العرب وتستغني عنها. وهذا، لعمري، من أسوأ أشكال الاستمناء السياسي القبيح، الذي يعمي الأبصار، ويغلق العقول، ويمنع الإعداد الصحيح.

الحضور العربي والدور التركي هم السور الواقي وأهل سورية هم صمام الأمان في الشام

لن تنجو سورية وحدها، ولو اجتمع جميع أهلها على كلمة واحدة. ورغم أن أهل الشام هم أساس النصر والتمكين، إلا أنهم لن يفلحوا منفردين في مواجهة مشاريع متعددة معادية تدرك خطورة المنعطف الذي يمكن أن تحدثه دمشق، والقاهرة، وبغداد في واقع الأمة من جديد.

ولذلك، فإن بناء الدولة والإنسان في الشام يجب أن يترافق مع حضور عربي فاعل، ودور تركي مركزي وأصيل، يسهم في هندسة المواقف السياسية، ولا سيما الخارجية، ويكون ركيزة في المعادلة الأمنية والعسكرية.

وخلاف ذلك، فإن سورية اليوم من أكثر الساحات عرضة للعبث والتفكيك، وهي غير قادرة على حماية نفسها من التهديدات المحيطة بها. فهل يتواضع السوريون سياسياً، ويتساموا عن عقدة الجاهلية الوطنية والقطرية، ويدركوا أنهم جزء من أمة عظيمة، لم يكن ليحيا طرف منها بمعزل عن بقية الأمة؟

تمكين الشام مدخل انعتاق الأمة واسترداد الأقصى

إن العمل العربي والإسلامي على أرض الشام، الهادف إلى تمكينها، وإعزاز أهلها، وتمتين دولتها، وتقويم سياساتها، ووقاية مكوناتها من العبث الخارجي، هو دليل الوعي والانتماء. فالشام اليوم من أكثر الساحات رخاوة، نتيجة التدمير الممنهج الذي قادته القوى الغربية، برعاية فرنسية وأمريكية، منذ سقوط الخلافة وحتى اليوم، وذلك بقصد الحيلولة دون نهوض المسلمين.

ومن الصعب، بل يكاد يكون مستحيلاً، أن تقوم للمسلمين قائمة دون أن تتعافى حواضرهم الكبرى، وفي مقدمتها مصر خزان الأمة، وأرض الشام المباركة. وهو ما يعني أن عودة الأقصى إلى حضن المسلمين لن تتحقق، مهما عظمت تضحيات أهل فلسطين وثباتهم، إلا بتعافي الأمة، واستعادة محيط فلسطين القريب لعافيته وقوته.

استرداد الأقصى ثمرة الاستقامة ونتيجة التمكين

إن الأقصى وفلسطين مرآة لواقع الأمة، وعودتهما إلى حضن المسلمين ثمرة لتعافيها وتحقيق التمكين.

فمتى نراجع نظريات الجهاد والإصلاح والتغيير، لتقود إلى تمكين تكون غايته أن تكون كلمة الله هي العليا وقد فُتِحت لنا دمشق المسلمين اليوم؟

 مضر أبو الهيجاء، بلاد الشام 3/7/2026


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق