من أجبرك ؟.. المجتمع لا يكتب قدرك
حمد حسن التميمي
تجلس وحدها في الثلاثين أو الأربعين، وتستمع للغط صامت من حولها: لماذا لم ترتبطي بعد؟.
لا أحد منهم يدرك أنها هي من رفعت سقف كرامتها، وأنها رفضت من تقدم لخطبتها لأنه لم يكن مناسباً لروحها وفكرها؛ رفضت بوعيها، ومع ذلك يعاملها المجتمع كمتهمة، وكأن العمر خطيئة، وكأن عدم الارتباط بأي شخص والسلام هو فشل يستدعي التفسير والاعتذار.
وفي زاوية أخرى من هذا المشهد الواقعي، تجد آخراً نهش المرض سنوات من شبابه فوجد نفسه محاصراً بنظرات التقييم، وكأن الحياة سباق يجب أن ينتهي عند خط وصول واحد رسمه ناس لا يعرفونك.
بينما يخطو ثالثاً نحو مقاعد العلم أو يغيّر مساره متأخراً عن توقيتهم الجماعي.
غير أن ما يزعج هذا كله من الداخل هو سؤال لا مهرب منه: من أجبرك أصلاً على أن تزن قيمتك بجداولهم، وتعيش حياة لم تكتبها أنت؟
عالمة النفس الأميركية بيرنيس نيوغارتن من جامعة شيكاغو سمت هذا الوهم في الستينيات «الساعة الاجتماعية»، وهي الجدول الزمني الضمني الذي يضعه المجتمع لأحداث الحياة الكبرى؛ متى تتزوج، ومتى تتعلم، ومتى تنجب.
ودراسة نُشرت عام 2024 شملت 800 شخص أثبتت أن الشعور بالتأخر عن هذه الساعة يرفع معدلات الاكتئاب بشكل ملحوظ.
وهنا تحديداً يقع الكثيرون في فخ الخلط؛ إذ يظنون هذه التوقيتات مبادئ ثابتة لا تتغير، بينما الحقيقة أن أحكام المجتمع العرفية ابنة زمنها فقط.
لو تأملت عزيزي القارئ كيف تحولت مجتمعاتنا خلال خمسين أو ستين عاماً مضت، لوجدت أن جداول الأمس وقوالبه قد تبدلت برمتها، وأن ما يراه البعض اليوم فرضاً واجباً لم يكن قبل عقود إلا خياراً عابراً. بمعنى آخر، أنت لا تعاني لأنك فعلاً تأخرت، بل لأنك صدقت جدولاً مؤقتاً لم تكتبه أنت، ولم يفرضه الله عليك يوماً، وما لم يُلزمك به الخالق لا يملك أحد من خلقه حق حصارك به.
الساعة الاجتماعية وهم جماعي لا حقيقة فردية، صنعه ناس يحتاجون أن يروا الجميع مثلهم لأن اختلافك يزعزع يقينهم بخياراتهم.
والمفارقة أن الدين نفسه الذي يحتجون به لم يُلزمك بجدولهم يوماً. فالقرآن دلنا على العلم وحثنا على بناء الأرض، لكنه لم يضع قيوداً زمنية بشرية؛ لم يقل إن من رفضت رجلاً لم تجد فيه نفسها قد أذنبت، ولم يقل إن من فاته توقيت في علم أو عمل قد ضاع.
من قال إن هذه الأحكام العرفية هي الحقيقة؟
هذه قيود صاغها ناس يخافون من اختلافك لأنه يكشف محدودية خياراتهم.
والحقيقة التي لا تتغير هي أن القدر لا يخطئ ولا يتأخر.
الله حين قدّر لكِ أن ترفضي وتنتظري الأنسب، وحين قدر لك أن تتعافى بعد مرض أو تبدأ محطتك المعرفية في الوقت الذي تراه مناسباً، لم يظلمك ولم يؤخرك، بل وضعك في وقته المثالي حيث تكون أنت أفضل وأنضج.
الله لا يقيس النجاح بالتوقيت، بل بما صنعته بوقتك حين جاء، وكل لحظة ظننت فيها أنك تأخرت، كانت في علم الله تماماً في موعدها.
المشكلة ليست في ظروفك وخياراتك، بل في أنك تمنح المرضى والمأزومين في المجتمع سلطة تقييم حياتك ورسم حدود رضاك الداخلي.
لماذا تقبل أن يكون هؤلاء قضاة عليك، وتنسى أن أحكامهم العرفية موازين متبدلة، ولو فتشت في واقعهم لوجدت أيامهم مليئة بالتشوهات التي لا تليق بوعيك؟ الغريب أنهم يحكمون على نتيجة لا يعرفون تفاصيلها؛ لا يدركون الليالي التي صارعت فيها نفسك، ولا القرارات الصعبة التي اتخذتها بمفردك صوناً لكرامتك.
يرون القشور بمقياس لم يعيشوه يوماً، وحين يصمتون حتماً، ستدرك أن ضجيجهم لم يصنع في واقعك شيئاً، ولن يملك لك نفعاً ولا ضراً.
السر الحقيقي هنا لا يكمن في محاولة إرضائهم، بل في الاستيعاب الكامل بأن تلك السنوات التي وصفوها بالمتأخرة، لم تكن في حقيقتها إلا المساحة الحرة التي نضجت فيها روحك وتأهلت.
المطلوب منك اليوم ليس الاعتذار عن خياراتك، ولا تبرير مسارك العلمي أو الشخصي، بل المضي شجاعاً بوعيك المستقل.
فمن رفضت صوناً لكرامتها لم تخسر قطاراً، ومن تعافى من مرضه أو بدأ علمه متأخراً لم يفتْه السير؛ بل وضعهم الخالق جميعاً في محطاتهم الصحيحة لينطلقوا منها بوعي أنضج، لا ليقفوا عندها بانتظار صك غفران من جداول المجتمع.
حين تتأمل حياتك اليوم، وتنزع عن وعيك ركام أصواتهم المكررة، اسأل نفسك:
إذا كانت أحكام هذا المجتمع تتبدل وتتحول مع كل حقبة، فهل تعتقد أن هذه القيود التي تخنقك اليوم سيكون لها أي قيمة بعد أربعين عاماً من الآن؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق