الاثنين، 6 يوليو 2026

قُبلةٌ نَبَوِيّة !

قُبلةٌ نَبَوِيّة !

في بيت النبي


أدهم شرقاوي




في زمنٍ كان بعضهم يظنُّ أنَّ القسوةَ شجاعةٌ، ويحسب أنَّ الجفاءَ وقارٌ، جاء النَّبيُّ ﷺ ليضع ميزانًا آخر، ميزان الرحمة، وليُخبرنا أنَّ من لا يلين للأطفال لا يشتدُّ لله، وأنّ القلب إذا خلا من الرَّحمة خلا من أجمل ما في الإنسان.

لم يكنِ النَّبيُّ ﷺ يُربّي النَّاسَ على العبادات وحدَها، بل كان يُعيد ترتيب القلوب قبل الأفعال، ويكشف لهم أنّ الإيمان لا يُقاس بخشونة الوجوه أو بغلظة الطَّبع، بل بقدرة القلوب على أن ترحم.

دخل جماعةٌ من الأعراب على النَّبيِّ ﷺ وعنده سبطه الحسن بن عليِّ رضي الله عنهما، فقبّله النَّبيُّ ﷺ، فسأله الأعراب باستغراب: أتقبّلون صبيانكم؟

فقال النَّبيُّ ﷺ: نعم.

فقالوا: كلُّنا والله ما نقبِّل.

فقال لهم: أوَأَملِكُ إن كان الله نزع من قلوبكم الرَّحمة؟!

خلاصة حكم المحدث : أخرجه في صحيحه
الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : ابن حبان | المصدر : صحيح ابن حبان | الصفحة أو الرقم : 5595
| التخريج : أخرجه البخاري 

بعض الآباء فيهم من الجفاء ما يُشعرك أنَّ قلوبهم من صخر، وليست من لحمٍ ودمٍ تنبضُ كما تنبضُ قلوب النَّاس، وبعضهم على النَّقيض من هذا حنونٌ ومحبٌّ، ولكنَّه يعتقد أنَّ إظهار هذا الحنان وهذا الحبّ منافٍ للرُّجولة.

كان النَّبيُّ ﷺ أكثرَ النَّاس رجولة، ولم يمنعه هذا من إظهار حنانه.

مشاعرُك هي التي سيتذكَّرها أولادك منك، ولا شيء غير هذا!

إنّهم لن يتذكَّروا الأثاث الفاخر الذي زيّنتَ به منزلك، ولا السَّيارة الفارهة التي جعلتهم يستقلُّونها، ولا الطَّعام الشهيَّ الذي ملأتَ به بطونهم، ولا الأسِرَّة الفاخرة التي جعلتهم ينامون عليها، سأخبرك بما سيتذكَّره أولادك إلى الأبد:

سيتذكَّرون الكتف الذي استندوا عليه حين كسرتهم الحياة، والحضن الذي وجده الابن حين رسب في امتحان، والذي وجدته البنت حين فشلت خطوبتها، سيتذكَّرون كلماتك الدَّافئة ولحظاتك الحانية، سيتذكَّرون حكاية ما قبل النَّوم، ووجبة الطَّعام المتأخِّرة التي كُسرت لأجلها ولأجلهم قواعد البيت، سيتذكَّرون كلامك عنهم أمام النَّاس، مديحًا أو تهكُّمًا، سيتذكَّرون حياتك، سيتذكَّرون هدايا النَّجاح، ومفاجآت المناسبة السعيدة، والرحلات العائليَّة، والابتسامات التي رسمتها على وجوههم.

هذه الأشياء وحدها تبقى، فإن ضيَّعتها فلن يشفع لك عندهم ما فعلت بعدها.

«أوَأَملِكُ إن كان الله نزع من قلوبكم الرَّحمة؟»

هكذا حَسَم النبيّ ﷺ المسألة بجملة واحدة، ولكنّها كاشفة؛ فالرحمة ليست طرفًا أخلاقيًّا ولا عادةً اجتماعية، بل علامة على حياة القلب، ومن لا يعرف كيف يُقبّل طفلًا لن يعرف كيف يحمل أمانة الإنسان، لأنّ القلوب التي نُزعت منها

الرحمة لا يُعيدها إلى موضعها ادّعاء الإيمان ولا كثرة الكلام.

لقد جاء النَّبيُّ ﷺ ليُعيد إلى الإنسان إنسانيته، وليقول لنا بوضوح لا لَبْسَ فيه: الدِّين الذي لا يُليِّن القلب ليس من هديه، والإيمان الذي لا يفيضُ رحمةً على الضُّعفاء ليس إيمانًا كاملًا، وأنّ الذي لا خير فيه لأهله لا خير فيه للنَّاس!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق