السبت، 4 يوليو 2026

انظروا إلى هذا المرتكب للإبادة الجماعية...

 انظروا إلى هذا المرتكب للإبادة الجماعية...

ياسين أقطاي 

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم

- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

قررت الحكومة الإسرائيلية، بمبادرة من وزير الخارجية جدعون ساعر، الاعتراف بأحداث عام 1915 على أنها "إبادة جماعية للأرمن". أما مبرر القرار، فهو أشبه ما يكون بنكتة في عرض كوميدي: "المسؤولية التاريخية والأخلاقية".

إسرائيل والأخلاق، والصهيونية والمسؤولية الأخلاقية، ونتنياهو، ومشاعر إنسانية تجاه أناس غير يهود فقدوا حياتهم قبل 111 عامًا بطريقة أو بأخرى.

ماذا يمكن أن نقول؟ في الحقيقة، فإن استخدام سفاح غزة، ومرتكب إبادة جماعية واضحة لا تزال مستمرة حتى اليوم، لهذا الملف بهذه الطريقة، يمكن اعتباره دعمًا كبيرًا لتركيا. 

فإسرائيل، بوصفها دولة ترتكب الإبادة الجماعية، لا تستحق بطبيعة الحال أي شكر أو تقدير، لا في هذا الموضوع ولا في أي موضوع آخر. لكن هذا الموقف العبثي الذي اتخذته في هذه القضية يشبه اعترافًا يكشف كيف استُخدمت مسألة "الإبادة الجماعية للأرمن" حتى الآن أداةً للاستغلال السياسي الدولي. وحتى إن لم يكن ذلك عن قصد أو عن إرادة، فقد قدمت دعمًا كبيرًا لتركيا. ولو كانت هناك محكمة تقبل بها تركيا للنظر في تهمة الإبادة الجماعية، فإن مجرد كون الشاهد ضد تركيا هو إسرائيل سيكون كافيًا لصالح تركيا.

واليوم، فإن إسرائيل هي المسؤولة عن واحدة من أكبر المجازر الجماعية التي تُبث على الهواء مباشرة في تاريخ البشرية.

وأمام أنظار العالم أجمع، ترتكب إسرائيل كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة، فظائع يُقتل فيها الأطفال، وتُقصف المستشفيات، ويُستهدف الأطباء، ويُباد المعلمون والصحفيون وعمال الإغاثة والنساء وكبار السن بصورة منهجية.

وما ترتكبه اليوم لا يُعرف من خلال أرشيفات ستُفتح بعد مئة عام، ولا يُستخلص من تفسيرات المؤرخين المثيرة للجدل، ولا يقوم على افتراضات، بل يُسجل مباشرة، ويُصور، ويُوثق، ويدخل في تقارير المنظمات الدولية، ويتحول إلى ملفات قضائية.

وفي الوقت الذي يحدث فيه كل ذلك، فإن إقدام حكومة نتنياهو على استخدام ورقة "الإبادة الجماعية للأرمن" ضد تركيا لا يُكوّن رأيًا ضد تركيا، بل يشبه رهينة يتمسك بها القاتل كورقته الأخيرة للهرب. وهذه الرهينة، أي مزاعم الإبادة الجماعية للأرمن، ينبغي إنقاذها من أيدي قتلة مثل إسرائيل.

وفي الحقيقة، ألم يكن هذا هو الوضع الأخلاقي لمزاعم الإبادة الجماعية للأرمن طوال سنوات؟ فجميع الدول التي اعترفت بهذه المزاعم في برلماناتها كانت تحمل في حقائبها الاستعمارية الحديثة عددًا لا يحصى من الجرائم ضد الإنسانية. والغريب أن الدول التي كانت ولا تزال تتحمل المسؤولية الرئيسية عن غياب الديمقراطية في العالم الإسلامي، وعن بقاء الديكتاتوريات الدموية، جعلت من حادثة مضى عليها أكثر من قرن بابًا لتطهير نفسها من جميع خطاياها. 

ولم يكن لدى أي منها ذرة تعاطف أو اهتمام بآلام حدثت قبل مئة عام. بل إن أحدًا لم يكن يعرف على وجه الحقيقة ما الذي جرى آنذاك. لكنهم كانوا يجدون لأنفسهم شعورًا متوهمًا بالتفوق في سرديات تاريخية متخيلة.

إن خطابًا سياسيًا يتجاهل الجرائم التي تُرتكب اليوم أمام أعين العالم، ثم يوزع الدروس الأخلاقية استنادًا إلى أحداث وقعت قبل مئة وأحد عشر عامًا، وقد رحل جميع أطرافها إلى التاريخ، ولم يبق لها شهود، وما زالت النقاشات مستمرة حول ظروف تلك المرحلة، وتبقى مفتوحة لتفسيرات جديدة كلما ظهرت وثائق جديدة، هو خطاب يستهلك في النهاية ثقة الناس بجميع شعارات حقوق الإنسان.

وفي الحقيقة، فإن لهذه التحركات، فضلًا عن كل شيء آخر، جانبًا يمثل إساءة منفصلة إلى الضمير الإنساني المشترك. لأن الذين يلتزمون الصمت أمام جريمة تُرتكب اليوم، ثم يحاولون إعطاء البشرية دروسًا باسم أحداث وقعت قبل 111 عامًا، لا يعززون الشعور بالعدالة، بل يعتدون عليه بصورة أكبر.

واللافت في الأمر أن إسرائيل، التي احتكرت طوال سنوات مفهوم الإبادة الجماعية وقصرته على الهولوكوست الذي تعرض له اليهود، لم تكن مستعدة أصلًا للاعتراف بتعبير "الإبادة الجماعية للأرمن". فلم تأخذ إسرائيل يومًا في الاعتبار مزاعم الإبادة الجماعية، لا للأرمن ولا لأي شعب آخر. لأنها كانت ترى أن هذا الحدث لا يمكن أن يكون قد وقع إلا لأبناء شعبها.

وبعبارة أدق، فإن إسرائيل فضلت الحفاظ على احتكارها حتى للمكاسب السياسية الهائلة التي أنتجتها من مزاعم الإبادة الجماعية. وبهذه الطريقة، كانت تُظهر نفسها وكأنها تقف إلى جانب تركيا في مواجهة جماعات الضغط الأرمنية في الولايات المتحدة، وكانت في المقابل تُحمّل تركيا باستمرار دينًا معنويًا. وهكذا أظهرت أداءً مثيرًا للدهشة في الاستفادة من خطاب الإبادة الجماعية من جميع جوانبه.

كما شعرت تركيا طوال سنوات بأنها مدينة لإسرائيل بسبب هذا الموقف الاحتيالي المخادع. ومع ذلك، كنا نقول دائمًا آنذاك إن الشيء الوحيد الذي ينبغي على تركيا فعله أمام هذه الديون المصطنعة الناتجة عن مثل هذه الأساليب الاحتيالية هو ألا تنخدع بهذه اللعبة، وألا تعترف أصلًا بهذا الدين. نعم، ينبغي كشف هذه الممارسات المخادعة، وفضح النفاق الكامن وراء ما يسمى بالحساسية تجاه الإبادة الجماعية. كما ينبغي باستمرار مواجهتهم بنفاقهم المتمثل في استخراج ديون من قضية أصبحت جزءًا من التاريخ، بينما يلتزمون الصمت تجاه الإبادات الجماعية التي تقع اليوم.

وفي الوقت نفسه، فإن تحويل ما حدث للأرمن إلى دين يُطالب به في الحاضر لا يحل مشكلات الأتراك والأرمن. فما زال الشعبان مضطرين إلى العيش معًا، وإن بقائهما أسيرين للماضي يشكل أكبر عقبة أمام بناء المستقبل معًا.

وفي هذا السياق، أرى أن موقف رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان كان أكثر الردود عقلانية ورقيًا. فعند قراءة تصريحاته بعناية، يتبين أن أرمينيا أيضًا بدأت تدريجيًا تدرك هذا الاستغلال.

فبدلًا من تقديم قرار إسرائيل بوصفه انتصارًا دبلوماسيًا، فضل اتخاذ موقف متحفظ من تحويل القضية الأرمنية إلى أداة في الصراعات الجيوسياسية. وكان موقفه تعبيرًا عن إدراك أن القضية الأرمنية استُخدمت طوال المئة عام الماضية، في معظم الأحيان، من قبل أطراف أخرى أكثر مما استُخدمت من قبل الأرمن أنفسهم.

فتارة كانت في حسابات روسيا، وتارة في حسابات فرنسا، وتارة في حسابات الولايات المتحدة، واليوم في حسابات إسرائيل. وهذا هو الأمر الذي أدركه باشينيان أيضًا؛ وهو تحويل معاناة الشعب الأرمني إلى وسيلة تستخدمها دول أخرى لتصفية حساباتها مع تركيا.

ولا يمكن نقل هذه القضية إلى أرضية ذات معنى إلا إذا نوقشت بين الأتراك والأرمن أنفسهم. وفي الواقع، فإن بعض التصريحات الصادرة من يريفان خلال السنوات الأخيرة تُظهر أن إرادة بناء المستقبل أصبحت أقوى من العيش أسيرًا للتاريخ. 

فليس لدى أي من هذه الدول ذرة تعاطف أو رحمة أو قرب من الشعب الأرمني. ويكفي أن فرنسا أثبتت ذلك عندما دفعت بالأرمن إلى الخطوط الأمامية خلال الحرب العالمية الثانية للعمل في إزالة الألغام. أما الآخرين، فلا داعي حتى للتطرق إليهم.

ومن هذا المنطلق، فإن إسرائيل، بفضل تسببها في صدور هذا الموقف من باشينيان، قد خدمت، من حيث لا تدري ولا تريد، في إظهار الحقيقة إلى العلن.

وبالطبع، لسنا بصدد تقديم الشكر لها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق