الجمعة، 3 يوليو 2026

ناجح والخرافات العشر

 ناجح والخرافات العشر

د. عطية عدلان

           مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي    

ليس هذا عنوانًا لرواية من الأساطير؛ بالرغم من أنّ ناجح إبراهيم نفسَه صار أسطورة في فنّ التخريف والتجديف، لكنّ البلاء الذي أصابنا من هؤلاء (المفكرين!) جعلنا كلما تناولناهم وقعنا في حيرة تبدأ معنا من العنوان، المهم هنا أنّه كتب مقالًا في (الشروق) بعنوان (الأسباب العشرة لفشل الإخوان في الحكم)، وبدأه بهذا الادعاء: "يسأل الناس عن أسرار فشل جماعة الإخوان فى حكم مصر"، وأنا على يقين من أنّه لا يوجد أحدٌ من الناس اليوم يسأل هذا السؤال؛ لأنّ السؤال الذي يحير الناس ويحاصرهم ويطاردهم في صحوهم ومنامهم هو: ما هذا البلاء العريض الذي أصابنا بسبب حكم السيسي؟ 

لكنْ لنتجاوز للأخ ناجح عن هذه، ولنغفرها له؛ فالمقال جاء يوم 3 يوليو، وقد نفدت موضوعات النفاق والتملق للعسكر وللسيسي، فاضطر الرجل لالتقاط هذا العنوان من فوق ناصية الصعلكة في شارع الضياع.

     وجاء السبب الأول لفشل جماعة الإخوان متمثلا في مخالفتهم لهذه القاعدة (الذهبية!): «لا تستطيع أى جماعة مهما كانت قوتها أن تبتلع دولة، ولكن يمكن للدولة أن تبتلع أى جماعة وتهضمها»، ولست أدري من أيّ مصدر استقى هذه التي سماها (القاعدة الذهبية!)؟ كأنّ الرجل يعمل صائغًا ووقع على كنز من الذهب فصار يصيغ منه قواعد استراتيجية من الذهب الخالص! والعجيب أنّه وهو يطلق هذه القاعدة في فضاء محنتنا ينسى أنّ (شلة العسكر) جماعة من أحقر خلق الله وأجهلهم وأسرعهم في مرضات كلّ عدو مشرق أو مغرب من أعداء أمتنا، وأنّ هذه الجماعة قد ابتلعت مصر بأرضها ونيلها وسهلها ووعرها وأخضرها ويابسها وأرضها وسمائها وحاضرها ومستقبلها، ثم من أين أتيت بهذه الفرية (الإخوان أرادوا ابتلاع الدولة)، إنّ أقصى ما بلغه أكثر الناس افتراء مقالة (الإخوان أرادوا أخونة الدولة)، أمّا ابتلاع الدولة فهذا هو الإبداع الذي خرج من ضيئضئك أيها الدعيّ الأفاق، وأين هي الدولة التي تخشى عليها من ابتلاع الإخوان؟ أتكون دولة وهي تصادر كلّ المؤسسات لصالح شرذمة العسكر ومن حولهم من النتفعين؟


    وأجدني مضطرًا إلى تجاوز أربعة أسباب بعد هذا السبب الأول؛ لكونها جميعًا نتاج ثقافة القطيع المقرفة: من مثل استحواذ الحزب الحاكم على السلطات، وإدارة الدولة بقانون الجماعة، وأمثال ذلك من الكلام الفارغ من المعنى العاري عن المبنى الذي يسيل من أشداق المغفلين كاللعاب العبيط الذي يسيل من أفواه البلهاء والمجانين، وأثب باتجاه هذه العبارة المستفزّة: "وقد أدى عدم الاستنان بسنة الحسن بن على رائد الصلح والعفو الذى تنازل عن الخلافة حقنًا للدماء وجمعًا للشمل إلى كل الكوارث التى لحقت بالإخوان والوطن"! يا له من كذب صراح قراح لا تشوبه شائبة صدق! والله إنّني لعلى يقين من أنّ ناجح يعلم علم اليقين أنّ السيسي لا يبلغ شعث نعل معاوية رضي الله عنه، على الرغم من أنّ سيدنا معاوية رضي الله عنه أخطأ ولم يكن إلا الفئة الباغية، أمّا الذي أوقن بأنّ ناجح لا يعلمه - وأنّى لهذا المهلوس أن يعلمه - فهو أنّ الزمان الذي نعيشه شاغر تمامًا من كل ما يمكن أن ننزل عليه حكمًا من الأحكام الدائرة في ميدان السياسة الشرعية، فلا يسوغ لأحد أن يذكر أحدًا من السابقين - ولو كان الحجاج بن يوسف الثقفي - وهو يتحدث عمّا يجري اليوم، كفى كذبًا وتدليسًا وغشًّا، كفى دجلًا باسم البحث العلميّ.

    أشعر الآن بالاشمئزاز الشديد، وأراني غير قادر على الاستمرار مع هذا الهذيان، لكن قبل ان أغلق هذا المقال الذي اضطررت إليه اضطرارًا أحب أن أنبه إلى أنّ الفشل الذي وقع لم يكن في إدارة الدولة، إنّما وقع في إدارة الصراع، فلمّا فشل الجميع في إدارة الصراع مع العسكر الخونة المجرمين أفشلهم العسكر في إدارة الدولة، ومع ذلك فإدارة الدولة فاشلة من قبل ومن بعد، وكل من حكم وأدار قبل ذلك وبعده في ظل العسكر إنما كان ينفذ أجندة وفقط؛ فدعونا من هذه التخاريف التي تمارسونها (نقطونا بسكاتكم).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق