الثلاثاء، 2 أغسطس 2022

عاشوراء بين هدي الإسلام وهدي الجهلاء

عاشوراء بين هدي الإسلام وهدي الجهلاء



الشيخ عبدالعزيز بن مرزوق الطريفي.

عند كل أمرٍ مشروع يأتي الشيطان ليظفر بغلو أو تفريط، ولا زالت الشياطين تجتال الناس عن دينهم، والعجب أنه لا يتبعها أفراد ضُلال بل أمم تتوارث الضلال. ولا بد من بيان ما جاء به الشرع وما ابتدعته الشياطين وأتباعُها.


مقدمة .. جلالة قدْر اليوم
بيان فضل اليوم
مشروعية مخالفة اليهود والنصارى
من صام يوم العاشر وحده
ما لا يُشرع في هذا اليوم من الأعمال
وجوه ظهور مخالفة الرافضة للهدْي النبوي والعقل
خاتمة
مقدمة .. جلالة قدْر اليوم
الحمد لله؛ أحمده حق حمده، وأُصلي وأُسلم على نبيه وعبده، أما بعد:

فيوم عاشوراء يوم جليل القدر في الإسلام، كان يصومه النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة وبعدها، وذلك شكراً لله على نعمته إذ نجّا الله به موسى من فرعون، وهذا أصل فضل هذا اليوم، وبداية منقبته على غيره.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية وكانت قريش بمكة واليهود بالمدينة يصومونه، ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: “قدم رسول الله المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً لله فنحن نصومه، فقال: «فنحن أحق وأوْلى بموسى منكم» فصامه رسول الله وأمر بصيامه”.

ولتأكده فرض النبي صلى الله عليه وسلم صيامه قبل رمضان ثم نُسخ لما فرض رمضان.

بيان فضل اليوم
وفضله على غيره من وجوه منها:

تتابع أنبياءٌ على صيامه
وقد جاء في “المسند” صيامه قبْل موسى ولا يصح، ومعلوم أن عيسى بعث لبني إسرائيل ومن لم يتّبعه من قوم موسى ـ اليهود ـ ويؤمن به كان كافراً؛ فعبد الله بن سلام رضي الله عنه، قبل قدومه للنبي صلى الله عليه وسلم كان كافراً لعدم اتباعه للنصرانية واتباعه لعيسى.

وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “حين صام رسول الله عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع» قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله”.

فرضُه قبل رمضان
وهذا ليس لصيامٍ إلا لعاشوراء، فلمّا فُرض صيام شهر رمضان ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمْر الصحابة بصيام يوم عاشوراء مع تأكيده وحرصه على صيامه، لما في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: “صام النبي عاشوراء وأمر بصيامه فلما فُرض رمضان ترك ذلك”.

وهذا دليل على نسخ الفرض وبقاء الاستحباب.

بعْث النبي صلى الله عليه وسلم من يبلغ الناس بصومه
وهذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في صيام فريضة ولا نافلة إلا في عاشوراء ورمضان.

ففي الصحيحين عن الربيع بنت معوذ قالت: “أرسل رسول الله غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: «من كان أصبح منكم صائماً فليتم صومه، ومن كان أصبح منكم مفطراً فليتم بقية يومه»، فكنا بعد ذلك نصوم ونصوّم صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها حتى يكون عند الإفطار”.

وفي رواية: “فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة نلهيهم حتى يُتموا صومهم”.

تكفيره للذنوب
وقد جاء في فضله: تكفيره لذنوب سنة كاملة، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي قتادة أن رجلاً سأل النبي عن صيام يوم عاشوراء فقال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله».

وهو في هذا الفضل لا يقاربه من فضل صيام النوافل إلا صيام يوم عرفة، فهو يكفر سنةً ماضية وباقية.

ومن صام عرفة وعاشوراء جمع أسباب تكفير ذنوب العام الماضي، وتأكد ذلك في حقه أكثر من غيره، مع الأجر المكتوب لذات العمل، كالاستغفار يكثر منه المذنب، والتوبة الصادقة تقبل باستغفار واحد، ولكن الشارع ذكر تكفير الذنوب بالاستغفار وصيام عرفة وعاشوراء.

ولم يذكر غيره من الفضائل والعواقب الحميدة، لأن الذنوب هي سبب رفع الخير، وجلب البلاء، وكما في الأثر: “ما نزل بلاء إلا بذنب”. فإذا زالت الذنوب رُفع عن العبد لوازمها وشؤمها، وإذا رفع ذلك حل محله الخير والبركة، ولهذا يظهر اعتناء الشارع بذكر الأسباب أكثر من الآثار واللوازم، وهذا في جميع أبواب الشريعة.

شدة تحري النبي صلى الله عليه وسلم لصيامه أكثر من غيره
بل قُرن تحرّيه بتحرّي رمضان كما جاء في الصحيحين عَن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهمَا قال: “ما رَأَيْتُ النَّبِي صَلّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَتَحرَّى صِيام يَومٍ فَضَّلَهُ على غَيرهِ إِلا هذَا اليوم يومَ عَاشُوراءَ وَهذا الشهرَ يعنِي شَهْرَ رَمضانَ”.

شدة حرص الصحابة على صيامه والأمر به، والخوف من فوته
كما روى ابن جرير الطبري في “التهذيب” عن الأسود أنه قال: “ما أدركت أحداً من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كان آمر بصوم عاشوراء من علي وأبي موسى”.

ورُوى عن عبد الرحمن بن عوف أنه أضحى يوم عاشوراء حتى ارتفع النهار ولا يعلم ثم علم بعد ففزع لذلك، ثم صام وأمرنا بالصيام بعد أن أضحى”.

وهي آثار صحيحة.

مشروعية مخالفة اليهود والنصارى
ويُشرع صيام يوم عاشوراء ويوماً قبله، مخالفةً لليهود والنصارى، وذلك أنهم يصومونه منفرداً.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه منفرداً ثم شرع صيام يومٍ قبله مخالفةً لهم.

كما جاء في الصحيح من حديث الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: “انْتَهَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهً عَنْهُمَا وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فِي زَمْزَمَ فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ! فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا. قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ”. (1)

وهو صريح في أن النبي صلَّى الله علَيهِ وَسَلمَ شرع صيام التاسع والعاشر، وذلك أن عاشوراء سمي بهذا الاسم لكونه “العاشر من محرم” والتاسع يُسمى “تاسوعاء”.

وأمر ابنُ عباس بصيام التاسع للعلم بالعاشر.

وهكذا كان فعل السلف من الصحابة وغيرهم، يصومون عاشوراء ويوماً قبله، ثبت هذا عن ابن عباس وابن سيرين وغيرهما.

فقد كان محمد بن سيرين يصوم العاشر فبلغه أن ابن عباس كان يصوم التاسع والعاشر فصامهما.

وقد روى عبد الرزاق في “مصنفه” والبيهقي وغيرهما من حديث ابن جريج قال: “أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء: خالِفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر”.

وأما صيام ثلاثة أيام عاشوراء ويوماً قبله ويوماً بعده فلا دليل صحيح فيه، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قصد المخالفة، والمخالفة تحصل في صيام التاسع وحده، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه صام الحادي عشر.

وإنما جاء عن بعض السلف المتبوعين كطاووس بن كيسان وغيره، كما ثبت عند ابن أبي شيبة أنه كان يصومه ويصوم قبله وبعده يوماً مخافة أن يفوته.

من صام يوم العاشر وحده
وإن لم يصم شيئاً قبله ولا بعده، وصامه منفرداً فلا بأس، ومع الاستطاعة خلاف الأولى، وهو أقل وأدنى.

الاتِّباع والأجر متحقق فيه كما في الحديث وهو أجر التكفير، ولكن لا أجر للمخالفة.

وقد روي عن بعض السلف ما يفهم منه تخصيص العاشر بصيام كما رواه عبدالرزاق في “مصنفه” عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث “أن عمر أرسل إلى عبد الرحمن بن الحارث مساء ليلة عاشوراء أن تسحّر وأصبِح صائماً فأصبح عبد الرحمن صائماً”.

ما لا يُشرع في هذا اليوم من الأعمال
مما لا يُشرع في هذا اليوم جعله مأتماً كما يفعله الرافضة، وموضعاً للحزن، وهذا من أشد المنكرات، والجهالات في الإسلام، وفي العقل الصحيح، وذلك من عدة وجوه:

أن هذا الفعل مناقض لهدْي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم، من الفرح به، والسعادة بقدومه، وشكر المنعِم على ذلك بصيامه.

واستقبالُه بضد ذلك، بالحزن، والغضب، واللطم والتطبير، وإراقة الدماء؛ من كفر النعم، والابتداع في الدين، وتسليم العقول لإبليس، وإعارة الفهوم لذوي الجهالة.

وما يفعلونه في هذا اليوم مع كونه غير جائز في كل يوم، وفي كل مصيبة، فكيف في موضع عبادة، وشكر نعمة جليلة، وتشريعٍ سماويٍ عليه أصحاب الملل كلها، أهل الكتاب وأهل الإسلام؟

ثم أنه مع كون الأصل في الإسلام استقلال التشريع في الفروع بأدلة منصوصة مخصوصة، ومع ذلك كان يوم عاشوراء مما خرج عن هذه القاعدة، لجلالة قدره ولعظم النعمة والمنة فيه، فاستحق الشكر المستديم بين الأنبياء وأتباعهم إلى قيام الساعة.

ولقوة السبب وجلالة حكمته، وظهورها، استحق الاستثناء بالاقتداء من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لموسى عليه الصلاة والسلام، مع كون الأصل ما جاء في الخبر عنه عليه الصلاة والسلام: «لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي»، وعيسى عليه الصلاة والسلام ينزل في آخر الزمان ولا يسعُه إلا الحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

وجوه ظهور مخالفة الرافضة للهدْي النبوي والعقل
وبهذا تعظم مخالفة الرافضة لهدْيٍ متأكد، هدْي موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم، ثم مخالفة العقل الصحيح والمنطق الحق في هذه الأعمال من أظهر ما يكون جلاء لمن تأمل وتجرد، وذلك من وجوه:

أولاً: لم تعهده أمة من قبل
أنه لا يُعلم منذ نزول آدم عليه الصلاة السلام، وهبوطه إلى الأرض؛ أن أمَّة من الناس اتخذت ميتة أحدٍ من أعلامها ومتبوعيها، مهما علا قدره، وكبر شأنه، مأتماً يتعبد فيه باللطْم والتطبير والنياحة كما فعل الرافضة.

والنقل يقتضي أن هناك ممن سلف مَن هو أعلى مقاماً، وأسنى منزلة، من الصحابي الجليل الحسين رضي الله عنه، كالأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم، فمنهم من قُتل كيحيى، ومنهم من ادّعى قومه صلبه كعيسى، وكذلك ملوك الأرض، وأسياد الأمم ومتبوعيها بالحق أوالباطل على مر الأزمنة؛ لم يُحْدثوا شيئاً من ذلك، والعقل يقتضي أن الشعوب تحاكي بعضاً، وتعتبر أعمالها بأعمال غيرها ولو من بعض الوجوه؛ فكيف إذا كان ذلك محله التوقيف والتشريع، كيف وقد نهت الشرائع عنه؟

ثانياً: لم يفعله من شُهد لهم بمحبة آلهتهم
أن الآلهة المعبودة من دون الله، وتعلق المعبودين بها أشد من غيرها، وبها يعلقون حياتهم ومماتهم، وذهابهم وإيابهم، كما كان قوم إبراهيم وقوم نبينا صلى الله عليه وسلم، فجعل الخليلان آلهة المشركين جذاذاً، فما صنعوا ما صنعه هؤلاء، والله يقول عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّـهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ (البقرة:165) وهي آلهة.

وإذا كنا نجزم بصدق الله تعالى في إخباره عن حال المشركين أن حبهم لآلهتهم أشد من حب الله، وذلك من الغيب الذي لا يدَرك إلا بالوحي، إذ لا تُقبل الدعاوى لاحتمال صدقها وكذبها، ومع ذلك ما فعلوا ما فعل غيرهم، فلا يخلو الفاعل لذلك:

إما أن يكون صادقاً في فعله ويزعم أن دافعه الحب، والعقل يقتضي رد هذا الزعم.

أو يكون يفعل فعله ذلك من غير حب على الحقيقة المجردة، بل دافع ذلك الحب الكاذب ومخادعة النفس، وإغاظة الخصوم على صفة لا سلف فيها مع قيام المقتضِي والسبب.

أو يكون هذا الفعل على حبٍ هو أشد من حب المشركين المذكور في الآية، وهذا لو صح وجاز لكان كفراً صريحاً.

ثالثاً: لم يُفعل مع من هم أعظم منزلة باتفاقهم
أن علياً رضي الله عنه، بالمقام والمنزلة الرفيعة في الإسلام، وهو عند الشيعة المتأخرين قاطبة مقدَّم على سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ومنهم الحسن والحسين، وقد قُتل مظلوماً بغير حق بإقرار أهل الإسلام جميعاً، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي سنة أربعين للهجرة ومع ذلك لم يصنع في يوم قتله أصحابُه وأتباعُه من الصحابة وفيهم الحسن والحسين ما صُنع في مقتل الحسين.

وقد عاش ابنه الحسين بعده نحواً من إحدى وعشرين سنة، وهو أعرف الناس بيوم موت أبيه بل وساعته، وأولى الناس به، ولم يصنع في موت أبيه شيئاً.

بل قد مات الحسن بن علي رضي الله عنه، شقيقه وصفيّه، وهو حيٌ عام ثمان وأربعين، وما فعل من ذلك شيئاً، بل وقدّم الحسينُ غيرَه للصلاة عليه، فقد قدم سعيد بن العاص رضي الله عنه لمقامه ومنزلته مع ما بينهما.

كما روى عبدالرزاق في “مصنفه” عن سفيان عن سالم بن أبي حفصة عن أبي حازم قال: “شهدت يوم مات الحسن فرأيت الحسين يقول لسعيد بن العاص ويطعن في عنقه: تقدم فلولا أنها سنة ما قدمتك”، والحسن والحسين سيدا شباب الجنة.

رابعاً: لو صح لاطّرد في بقية الطوائف
أنه لو صح عقلاً وشرعاً ما يفعلونه في يوم مقتل الحسين، من إحيائه باللطم والتطبير والنياحة وضرب الخدود والاجتماع على ذلك، لصحّ فيه القياس، وأنه يلزم من مصحح ذلك الفعل أن يصحح فعل كل طائفة إسلامية في أعيانها المقتولين ظلماً وقهراً وبغياً ولو من باب التنزل في المتفق على أصل فضله بين الطوائف الإسلامية، ولأصبحت أيام السنة كلها لطم وتطبير ونياحة؛ تدعو كلُ طائفة أختها وفي هذا من الإعراض والصد عن الحق وسبيل الله ومصالح الدين والدنيا ما يدركه أقل الناس فهماً.

كيف وإذا كانت الطائفة ترى أن هذا الفعل من الدين والتشريع؟!

والتشريع مخاطَب فيه كل من قَبِل بالإسلام ديناً، إذ أن محمداً صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الناس كافة، كيف ولو قيل بقول من يرى أن الكفار مخاطبون بفروع الدين؟.

ويكفي عن ذلك كله قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». (2)

وكذلك ما يذكر بعض العلماء من استحباب التوسعة على العيال فكل ما جاء في الباب لا يصح، أنكره الأئمة النقاد كأحمد وغيره.

وتخصيص عاشوراء باغتسال وتنظف وتطيب واكتحال وخضاب مما لا أصل له، ولم يستحبه أحد من السلف مطلقاً.

خاتمة
ما من خير إلا في التزام السنة؛ فهي الهدي الأكمال ومحل القبول والثقة أن فيها رضا الله تعالى. وما سواها أعمال مردودة وجهود حابطة. والله لا يقبل إلا ما شرع على لسان نبيه. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.



هوامش:
رواه مسلم.
البخاري ومسلم.
أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718)، وأبو داود (4606) واللفظ له، وابن ماجه (14)، وأحمد (26033).
 

حلف العار والخيانة ومسؤلية العلماء

 حلف العار والخيانة ومسؤلية العلماء



إن الهدف المعلن للحلف بأنه ضد إيران هو كذب وخداع إنما هو ذريعة للهدف الحقيقي وهو جعل دويلات الخليج ومن حضر المؤتمر ذنبا لليهود ومحميات لهم وعلى هذه الدول فتح اقتصادها وإعلامها وتعليمها وسياحتها لليهود يسرحون ويمرحون. وباختصار هو حماية لأمن اليهود وجعل السيادة والقوة لها في المنطقة.


وظيفة العلماء بيان الحق وفضح الباطل وتحذير الناس منه

إن الله عزوجل قد أخذ الميثاق على العلماء ليبينوا للناس الحق وما يضاده من الباطل وذلك في أكثر من آية من كتاب الله عزوجل.  منها قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) وقوله تعالى: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) أي هلا نهى العلماء الفساقَ عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما صنع العلماء بسكوتهم. وروى الطبري بسنده إلى الضحاك قوله: ما في القرآن أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية .

وإن الناظر اليوم في واقع الأمة وما يراد لها ويعرض عليها من دين جديد سواء في المفاهيم والمعتقد أو في الأخلاق والقيم ، ليشعر بالخطر من هذه الفتن التي يرقق بعضها بعضا وذلك على فئتين من الناس:

الأولى : عامة الناس وسوادهم وما يقعون فيه بسبب هذه الفتن والفساد الممنهج في الدين من انحرافات شنيعة في المعتقد والسلوك.

الثانية: فئة العلماء والدعاة بما يصيبهم من الإثم العظيم بسكوتهم وكتمهم للحق ، أو قولهم للباطل نسأل الله العافية والسلامة.

وإن ما نشاهده اليوم لاسيما في بلاد الحرمين من تسارع شديد في التفلت من الدين فهما وسلوكا وذلك بخطط ممنهجة حثيثة  لينذر بالخطر إن لم يؤد العلماء أمانتهم في بيان الحق وفضح الباطل وتحذير الناس منه .

مقدمتان لضبط الفهم والموازين

وإنه من باب إبراء الذمة والنصح للأمة نسجل هنا بعض الأمور المهمة التي تعين على فهم ما يحدث ويخطط له المفسدون ، لعلها أن تسهم في بيان الحق  للناس فيتبعوه وبيان الباطل فيجتنبوه ولعلها أيضا أن تسهم في رفع الوعي بالواقع وبيان سبيل المجرمين . وقبل ذلك نقدم لها بمقدمتين عظيمتين تضبط الفهم والموازين.

المقدمة الأولى : حكمة الله عز وجل في كل ما يقدره

أن نصدر في أفهامنا وموازيننا ومواقفنا من القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . ومن ذلك العلم اليقيني بأن الله عزوجل هو الذي يدبر الأمور ويقدرها ويقضيها بعلمه وحكمته ورحمته ولطفه وخلقه لها في الزمن والمكان الذي يختاره الله عزوجل ويحدده . قال تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) وقال سبحانه: (وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ) وقال جل شأنه: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ) وبهذا الفهم نوقن أن الله عز وجل له الحكمة في كل ما يقدره وأن مآلها خير لعباده المؤمنين وفي ذلك من الحكم والمصالح مالا يعلمه إلا الله (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) كما أن هذا الفهم يفيدنا في أن الله هو القاهر فوق عباده ونواصيهم بيده وأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا إلا بإذنه قال سبحانه: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) وقال سبحانه: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه) وهذا يجعلنا نفرد الله عزوجل بالتوكل والاستعانة وإحسان الظن به سبحانه وأن ننقي قلوبنا عما سواه خوفا أو رجاء .

المقدمة الثانية : التعرف على سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول

معرفتنا أن لله سننا لا تتبدل ولا تتحول وأن ما يحدث من أمور وحوادث إنما هي مقتضى أسمائه الحسنى وسننه الثابتة وأن شيئا لا يحدث هكذا عبثا تعالى الله عزوجل عن ذلك ، وهذا يقودنا لأن نتعرف على سننه تلك ونسير في مواجهتنا للأحداث في ضوئها ومن ذلك سنته في المدافعة بين الحق والباطل وسنته في الابتلاء والتمحيص ليتميز الخبيث من الطيب وسنته في الإملاء للكافرين وسنته في أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله وكل هذا في القرآن.

نقاط حاكمة تعين على فهم ما يحدث وتحذير الناس منه

وبعد هاتين المقدمتين نسجل هنا بعض الأمور المهمة التي تعين على فهم ما يجري وما ينبغي أن يبذل في تحذير الناس منه وتغييره حسب الاستطاعة .

الأمر الأول: أن ما يحدث تجاوز كونه منكرا فرديا إلى مخطط لحرب هذا الدين وطمس معالمه

ينبغي أن ننظر لما يحدث من فساد وانحلال في بلاد الحرمين بل وفي جميع بلاد المسلمين نظرة شمولية لا نظرة جزئية بمعنى أن لا ننظر إلى ما يحدث بأنه حدث جزئي أو منكر فردي أو تصرف فرد من أفراد المفسدين بل يجب أن تجمع هذه القطع المتناثرة من صور الفساد وتجمع في لوحة واحدة حينها سيظهر لنا أن الأمر تجاوز كونه منكرا فرديا أو تصرفا شخصيا إلى أنه مخطط إفسادي ممنهج قد درس أعداء الإسلام أهدافه ومراحله ووسائله وطرق إقناع الناس بقبوله وتبريره وأنه مخطط لحرب هذا الدين وطمس معالمه الراقية في السلوك والعقيدة وتبديله وعلمنته وتحويله إلى إسلام مترهل هو الذي يريده الغرب الكافر ويرضى به.

وعلى سبيل المثال لو جمعنا الصور المتعددة التي نراها للتغريب ولاسيما للأسرة والمرأة وجمعناها في لوحة واحدة لتبين لنا أنه مخطط مدروس لتبديل أحكام الله فيما يتعلق بالأسرة والمرأة وعلمنة المجتمع ، وقل مثل ذلك في الصور الكثيرة لتبديل الدين في التعليم والإعلام والاقتصاد وغيرها.

وفرق بين من رام التغيير والإصلاح بهذه النظرة الشاملة الواعية وبين من نظر إلى الأمر نظرة ساذجة وأن الأمر لا يعدو كونه منكرا جزئيا حصل في المجتمع كما تحصل في المجتمعات المسلمة في أي مكان وزمان.

الأمر الثاني : أن الله لا يقدر شرا محضا بل فيه من الخير والمصلحة ما يربوا على مفاسده

سبق أن ذكرنا في المقدمة الأولى أهمية معرفة الله عزوجل بأسمائه الحسنى وأن الأمر كله له من قبل ومن بعد وأن جميع الحوادث التي تحدث في ملكه سبحانه هي بما يقتضىيه علمه وحكمته ورحمته وعزته وقهره ، وبناء على هذا فإن المؤمن ينظر إلى هذه التغييرات وإن كان ظاهرها مفسدة ومؤلم إلا أن لله عزوجل الحكمة في الإذن بوقوعها الإذن القدري لا الإذن الشرعي وأن الله لا يقدر شرا محضا بل فيه من الخير والمصلحة ما يربوا على مفاسده . لذا فإن المؤمن الذي يحسن الظن بربه يرى في هذا المكر من الماكرين خيرا ويدخل في قوله تعالى: (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ) وقوله عز وجل: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

بعض المصالح والحكم الربانية في هذه الشرور

 زيادة وعي الناس ومعرفتهم للحق وأهله ومعرفتهم لسبيل المجرمين

تعرية الباطل وأهله ومعرفة الناس لهم ولكيدهم بعد أن كانوا يخادعون الناس باسم الإسلام وخدمة الحرمين ، فيظهر حتى لأعشى البصر فسادهم وإفسادهم وخيانتهم للأمة ودينها وأخلاقها، فألقى الله عزوجل بغضهم في قلوب الناس وقابل الله مكرهم بمكر أشد وأنكى (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) ومن مكر الله عزوجل أن خذلهم وأملى لهم وأغفلهم عما يترتب على حماقاتهم وقراراتهم من إضرار وخذلان لهم قبل غيرهم وإسراع إلى نهايتهم المحتومة (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) .

فكان من جراء هذه التغييرات زيادة وعي الناس وزيادة معرفتهم للحق وأهله ومعرفتهم لسبيل المجرمين وسبل مكرهم وفي هذا خير .

تمييز الله عز وجل الخبيث من الطيب

ومن هذه المصالح أيضا تمييز الله عزوجل الخبيث من الطيب فيبين للناس حقيقة من يدعي الإيمان والإصلاح ممن هو صادق الإيمان .

استخراج عبوديات يحبها الله عز وجل

ومن هذه الحكم والمصالح الربانية ظهور عبوديات يحبها الله عزوجل لا تقوى وتتجلى إلا في حالات الصراع بين الحق والباطل كعبودية الولاء والبراء وعبودية الصبر والاستعانة بالله والتوكل عليه وعبودية المراغمة لأعداء الله عزوجل.

الامر الثالث: أن لهؤلاء الكفرة والمنافقين الذين يفسدون في الأرض أجل قدره الله لمحقهم وقصمهم

يقول الله عزوجل: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) ويقول سبحانه: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ) ويقول سبحانه: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ).

ألا ما أصدق انطباق هذه الآيات على الكفرة والمنافقين الذين يفسدون اليوم في الأرض ويمكرون فيها وما علموا أن الله عزوجل يمكر بهم الآن وهم لا يشعرون ، فتراهم يغترون بإمهال الله لهم فيزدادوا مكرا وفسادا حتى يصلوا إلى الأجل الذي قدره الله لمحقهم وقصمهم ، ولسنا الذين نحدد هذا الأجل فعلمنا وحكمتنا وقوتنا لا شيء في جانب علم الله وحكمته وقوته ، والله عزوجل يعلم بعلمه الأزلي أن لهم أعمالا باقية من الإفساد والمكر لم يعملوها بعد (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) فإذا اكتملت هذه الأعمال من المكر والإفساد جاءهم أمر الله وهم في غمرة ساهون يحسبون أنهم قادرون على كل شيء.

المؤمن المجاهد يبذل جهده في نصرة الدين ولا يشغل نفسه بموعد هلاك الظالمين وزوالهم

ونحن اليوم نرى تسارع المفسدين وأكابر المجرمين في إفساد البلاد والعباد كيف يزداد فسادهم يوما بعد يوم ولم يصبهم شيء فيؤدي بهم ذلك إلى الغرور والازدياد من الإثم وذلك إملاء لهم من الله.

والمتأمل لغطرسة الظالمين وإفسادهم الكبير للضرورات الخمس وبلوغهم الذروة في الظلم والطغيان ليشعر في ضوء معرفة الله عزوجل وأسمائه وسننه التي لا تتبدل أن نهايتهم قريبة ولكنهم لا يشعرون (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ).

ومع ذلك فإن المؤمن المجاهد يبذل جهده في نصرة الدين ولا يشغل نفسه بترقب ذلك اليوم أو السؤال عنه ، إنما حسبه أن يقوم بنصرة دين الله ابتغاء مرضاته وجنته على الطريق المستقيم (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).

الأمر الرابع: أن مقصودهم من وراء هذه التحالفات سيطرة اليهود

في كل يوم نفاجأ بحدث أو تغيير مواقف من الحكام الظلمة يخرمون به الدين ويقطعون منه قطعة ومنها المؤتمر الشيطاني للحرب على الدين بقيادة طاغوت العصر بايدن وأتباعه من حكام الخليج والأردن ومصر والذي سيطرح فيه قرارات وتغييرات وتحالفات تنتهي إلى أن تظهر دولة اليهود أنها المسيطرة على جميع هذه الدول وتطبع العلاقات معها وتنتهي العداوة وتحل المحبة وفتح البلاد لهم ليفسدوا الحرث والنسل وتصبح دول الخليج ومصر والأردن محميات لهم بحجة التحالف أمام الخطر الإيراني.

وقفات وإيضاحات لهذا الحدث الكبير والخطير 

أولا: هذا الحدث حلقة في مسلسل الحرب على ديننا

إن هذا الحدث يأخذ مكانه في اللوحة الكبيرة كقطعة من قطعها التي تنتظم مع بعضها ليظهر المشهد الكامل لواقع هذه الأنظمة وارتكابها لعدة نواقض من نواقض الإسلام وإن هذه الخيانات وتولي أعداء الله من دون المؤمنين ليست هي أولى سوءات المجرمين ولكنها تزيد من سوءاتهم فقبلها رفض شرع الله وتولي أعداء الله ومظاهرتهم على المسلمين وشرعنة خروج المجتمع والأسرة والمرأة على أحكام ربها وشرعه . كل هذه السوءات من نواقض الدين يضم إليها تولي اليهود والنصارى باسم الإبراهيمية ، ليكون ذلك زيادة في الكفر كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا).

ثانيا: الهدف المعلن للحلف بأنه ضد إيران هو كذب وخداع

يعلل المتآمرون على الدين وأهله اجتماعهم وتحالفهم بالوقوف أمام الخطر الإيراني وتمدده في المنطقة . والخطر الإيراني لا يستهان به ولكننا نعلم أن هذا التبرير خداع للمسلمين واستخفاف بهم فإنه لم يعد يخفى تلك العلاقات السرية بين أمريكا واليهود والتفاهمات الغير معلنة ولم يعرف أن إيران الشيعية وقفت أمام النصارى في تاريخ الصراع معهم حتى تقف اليوم لتحاربهم ، بل الدراسات التاريخية والمعاصرة تدل على أن هناك تعاون بين الشيعة الروافض وبين النصارى واليهود لحرب أهل السنة ، وإلا فمن سلم العراق على طبق من ذهب لإيران والشيعة إلا الأمريكان الصليبيون ومن سمح لهم بالتغلغل في سوريا وغض الطرف عنهم إلا أمريكا .

إذن فالهدف المعلن للحلف بأنه ضد إيران هو كذب وخداع إنما هو ذريعة للهدف الحقيقي وهو جعل دويلات الخليج ومن حضر المؤتمر ذنبا لليهود ومحميات لهم وعلى هذه الدول فتح اقتصادها وإعلامها وتعليمها وسياحتها لليهود يسرحون ويمرحون. وباختصار هو حماية لأمن اليهود وجعل السيادة والقوة لها في المنطقة.

ثالثا: الحذر من استخدام العلماء لتبرير هذه الخيانات وتضليل الناس من ورائهم

ومن المكر الكبار الذي سينشأ من خداع المسلمين بأن هذا المؤتمر يهدف إلى إنشاء حلف عسكري لمواجهة إيران ما يخشى من أن يسعى الحكام لإقناع كبار العلماء بإصدار بيان وفتوى يؤيد هذا التحالف والتطبيع مع اليهود بحجة جواز الاستعانة بالكافر على عدو خارجي يريد غزو البلاد وعلى جواز الصلح معه كما صالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشا في صلح الحديبية ، وهذا إن حصل طامة كبرى يتحمل من يفتي في هذه النازلة إثمها الأعظم لتبريرهم لهذه الخيانات وتضليل الناس من ورائهم .

ولو تم هذا كذلك فقد يتلوه إلزام للخطباء بتلاوة هذه الفتوى على المنابر لتغيير الرأي العام من كونه معاد لليهود رافضا لاحتلالهم لمقدسات المسلمين إلى كونه محبا مسالما لليهود راضيا بما يفعلونه بإخواننا المسلمين في فلسطين مرحبا بهم في بلاد الحرمين .

ولسنا بصدد الرد على شبهة جواز الصلح مع اليهود بحجة صلح النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش فقد كفانا ذلك بحوث ومقالات كثيرة موجودة على الشبكة العنكبوتية في بيان حكم هذه الخيانات وتسليم ديار المسلمين لليهود فليرجع إليها.

ولكن العجب من بعض أهل العلم الذين يقيسون خيانة الأمة بمحبة أعدائها وإقرارهم لليهود بالاحتلال بفعله عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية .

رابعا: أيها العلماء اتقوا الله واحذروا أن تكونوا أداة في يد العدو يحاربون بكم الإسلام وأهله

بناء على الفقرة السابقة نذكر العلماء والخطباء لو طلب منهم ذلك بأن يتقوا الله عزوجل ولا يضللوا الأمة بفتاوى أو خطب يوظفها أعداء الإسلام وأذنابهم المنافقون في هدم الإسلام وأصوله وثوابته ، لا تستعجلوا وادرسوا هذه النازلة في ضوء الكتاب والسنة وعقيدة الولاء والبراء وواقع الأعداء واستبانة سبيل المجرمين وكيدهم وخططهم . اتقوا الله واحذروا أن تكونوا أداة في يد العدو يحاربون بكم الإسلام وأهله (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) واعلموا أنكم بهذه الفتاوى تتحملون ضلال كل فرد من الأمة . اربعوا على أنفسكم ولا تحملوها أوزاركم وأوزار من تضلونهم بغير علم . اللهم هل بلغنا اللهم فاشهد.

خامسا: لا تفتوا قبل معرفة الواقع وتفنيد المصالح المزعومة

إن من يفتي بجواز التحالف والتطبيع مع اليهود مستدلا بصلحه عليه الصلاة والسلام مع قريش في صلح الحديبية ، إنه لم يعمل القاعدة المجمع عليها بين أهل العلم [الحكم على الشيء فرع عن تصوره] بل أهملها وأفتى في هذه النازلة الخطيرة دون أن يعرف واقعها وإنما حسب ما صورها له الماكرون من أعداء هذا الدين من المنافقين الذين لا هم لهم إلا دنياهم وعروشهم فجاءوا بزخرف من المصالح التي زعموا أنها ستتحقق في هذا التطبيع وأن فيه درءا لمفاسد كبيرة تترتب عليه. فينخدع بهم المفتي ويوجهونه إلى فتوى يريدونها . ورحم الله ابن القيم حين قال: (يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيل على إسقاط واجب أو تحليل محرم أو مكر أو خداع أن يعين المستفتي فيها ويرشده إلى مطلوبه أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده بل ينبغي له أن يكون بصيرا بمكر الناس وأحوالهم ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم بل يكون حذرا فطنا فقيها بأحوال الناس وأمورهم يؤازره فقهه بالشرع وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ .. وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق ، وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل ، ومن له أدنى فطنه وخبرة لا يخفى عليه ذلك بل هذا أغلب أحوال الناس)1.

سادسا: العلم بسبيل المجرمين لا يقل أهمية عن العلم بالأحكام الشرعية

بناء على ما سبق يجب على المفتي في هذه النازلة أن يكون محيطا بسبيل المجرمين ومكرهم وفق أمر الله عز وجل: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) ولا يكفي أن نعرف المجرمين بأعيانهم وأحوالهم فإن الله عزوجل لم يقل ولتستبين المجرمين بل قال: (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) أي لتستبين طريقهم ومكرهم وكيدهم وخططهم وخداعهم . فعلى أهل العلم أن يكونوا على دراية بسبيل المجرمين ولا سيما في هذه النوازل التي تمس عموم الأمة والكافر طرفا فيها ، ففي هذه الأحوال لا يكفي أن يكون عالما بالأحكام الشرعية وأصولها وفروعها بل لابد أن ينضم لذلك العلم بأحوال وواقع القضية التي يريد أن يفتي فيها وحقيقة أطرافها وإلا ضل وأضل.

 سابعا: بعض الأهداف الخبيثة لهدا التحالف

ولكي نرى بعض من يفتي في هذه النازلة بالجواز وأنه يفتي بلا علم نسوق حقيقة هذه الواقعة الباقعة من المفاسد والمخاطر العظيمة على الدين وأهله وأن قياسها على صلح النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش أو مع اليهود قياس فاسد وقول على الله بغير علم. لذا سوف نسوق بعض هذه الأهداف الخبيثة التي جاء بعضها على لسان الكفرة أنفسهم في حديثهم عن التطبيع وأهداف المؤتمر المنعقد في جدة في 16/ذو الحجة/ 1443.

شكر وتشجيع لحكام المملكة على وقف تصدير وتمويل “التطرف الإسلامي”

يعلق فروموت ساتلوف مدير معهد واشنطن للدراسات على زيارة بايدن للسعودية وعقد مؤتمرة الخياني الشيطاني في جدة فيقول: (على بايدن إنهاء خلافاته مع السعودية حتى تستمر في الابتعاد عن التطرف الإسلامي ووقف تصديره وتمويله وتهنئتها بانتقالها من القرن السابع إلى القرن الواحد والعشرين وتشجيعها للمسلمين الولاء لبلدانهم بدل الولاء للأمة الإسلامية . من الضرورة أن تدرك أمريكا أن ابن سلمان أوقف تصدير الأيدلوجية المتطرفة وبدأ بتغييرات جذرية اجتماعية وثقافية واقتصادية وأوقف دعم شبكة عالمية من المدارس والمساجد والمدارس الدينية المتطرفة ودعى المسلمين في جميع أنحاء العالم على إعطاء الأولوية للولاء للبلدان التي يعيشون فيها ، لا لنسخة الإسلام العابرة للأوطان . هذه التغييرات تصب في مصلحة أمريكا وهي في مراحلها الأولى. ودعا (ساتلوف) بايدن إلى الذهاب للرياض ومصافحة ابن سلمان على ما قام به دون السجود له مقابل ضخه لبراميل من النفط والتربيت على كتفه لتهنئته على الخطوات الحيوية ولكن غير المكتملة التي اتخذها لجر السعودية من القرن(7) إلى ( 21) وحثه على مواصلة العمل).

التعاون مع اليهود في الجوانب الأمنية والاستخباراتية والعسكرية والاقتصادية

أما عن التحالف الشيطاني الخياني الذي يريد رأسه المدبر (بايدن) إقامته في بلاد المسلمين في مؤتمر جدة والذي لم يذكر في البيان المشترك ولا في التصريحات المعلنة فهو تحالف ضد الإسلام وأهله ويتكون من عشر دول هي دول مجلس التعاون الست ومصر والأردن ودولة اليهود وأمريكا وهو تحالف وتعاون بين هذه الدول والكيان اليهودي في الجوانب الأمنية والاستخباراتية والعسكرية والاقتصادية وبناء عليه يتحالف الأعضاء بحفظ أمن كل عضو من التحالف وعدم التعدي على أمنه واقتصاده كما تلتزم الدول الأعضاء بتبادل المصالح والمعلومات الاستخباراتية والتعاون العسكري والاقتصادي في جميع المجالات . محاولة لإنهاء مقاومة اليهود ودفن القضية الفلسطينية .

ومن باب الخداع والمكر يصور المخططون لهذا الحلف بأن دول الخليج سيحصل لها استقرار اقتصادي مربوط بالنظام العالمي وتستفيد من ردع التهديد الإيراني الذي تضخمه أمريكا واليهود وتستفيد من الإمدادات العسكرية الغير محدودة من أمريكا واليهود.

المشاريع السياحية الغرض منها استقرار دولة اليهود وضمان أمنها

كما أن المشاريع السياحية التي تنفذ حاليا في مصر والسعودية والأردن وأبرزها (نيوم) ستصبح منطقة دولية تحت قوانين دولية ومحاكم دولية وشرطة خاصة وستزدهر السياحة والتجارة فيها وستدر على الدول المشاركة الأموال العظيمة وذلك من السياحة والاستثمارات الأجنبية (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا).

والمستفيد الأكبر من هذا التحالف هي دولة اليهود حيث ستبرز بأنها القوة العسكرية الأولى وستحصل على حمايتها واستقرارها بفعل تحالف هذه الدول معها وتعهدها لها بالحماية . وستقوم دولة اليهود بالتوسع وجعل المجاهدين في حالة عزلة ومعاداة لكل هذه الدول الأعضاء ويأمن اليهود على دولتهم من جميع الحدود.

وستكون القدس تحت تحكم اليهود ماعدا الأماكن القديمة وستكون تحت تدابير وإدارة لجنة دولية مكونة من تسعة أعضاء 3 مسلمين (سني، شيعي ، درزي) و3 نصارى و3 أعضاء يهود ويشترط أن الجميع يحملون الجنسية اليهودية.

انضمام هذا الحلف إلى الناتو الغربي لردع الصين وروسيا

وترمي أمريكا من هذا التحالف إلى أن يتطور بعد تأسيسيه وقناعة الأعضاء به إلى أن ينضم إلى الناتو الغربي لردع خطر الصين وروسيا وهذا هو الهدف الاستراتيجي الثاني لأمريكا بعد أن تحقق الهدف الاستراتيجي الأول وهو استقرار دولة اليهود وضمان أمنها وإبرازها الشرطي العسكري في المنطقة وبقية الدول أذناب ومحميات لها ولو قامت حرب بين إيران واليهود فستكون مادته البشرية من أبناء المسلمين في الخليج وإمداداتها من أموال النفط الخليجي، هذا ملخص الأهداف لهذا التحالف الشيطاني.

وصايا هامة لعلماء الأمة

فهل يعي العلماء الذين يفكرون بإعطاء الفتوى لجواز ذلك حقيقة هذه المؤامرة . ألا ما أعظم مسؤليتكم أيها العلماء أمام الله وكم من الإثم ستجنونه على أنفسكم ومن تضلون به من هذه الأمة بسبب غفلتكم عما يخطط للدين وأهله وستكتب شهادتهم ويسألون.

كلمة أخيرة نوجهها إلى إخواننا الدعاة والمجاهدين من أهل السنة نذكرهم فيها بوصية الله لهم: (اتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) وقوله سبحانه: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) وقوله سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) فأجمعوا أمركم وأتوا صفا فقد بان لنا اليوم تآمر أعدائنا علينا وعلى ديننا حيث رمانا العدو عن قوس واحدة والجميع من التيارات الإسلامية مستهدف الآن ومحارب فإن لم نجتمع في مثل هذه الظروف الخطيرة فمتى سنجتمع؟

إننا نعيش ظروفا استثنائية من الاستضعاف وتسلط الباطل من كفار ومنافقين الأمر الذي يستوجب أن ننسى خلافاتنا في مواجهة الخطر الأعظم علينا وعلى الأمة وأن نلين في أيدي إخواننا وأن نحول خصومتنا وخلافاتنا إلى العدو الأكبر الذي يريد طمس هويتنا وسحق ديننا وتبديله مع بقاء التناصح بيننا فإن لم نفعل ذلك فستكون فتنة وفساد كبير.

اللهم بك نصول وبك نجول ، ولا حول لنا ولا قوة إلا بك ، اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا وانصرنا ولا تنصر علينا اللهم رد كيد الكافرين والمنافقين في نحورهم وخالف بين كلمتهم

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الهوامش

(1) [اعلام الموقعين 4/229].

اقرأ أيضا

زيارة بايدن للمنطقة العربية

“ولتستبين سبيل المجرمين” .. دروس وعبر

آل سعود، من “مطاوعة” الى التطبيع مع اليهود .. مختارات من “المسلمون والحضارة الغربية” (5)

التطبيع مع اليهود والحلقة المفقودة

الفرصة سانحة للخلاص من التبعية

 الفرصة سانحة للخلاص من التبعية

عامر عبد المنعم

الفرصة مواتية للعالم العربي للهروب من أسر التبعية؛ فالنظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية ينهار، وحالة التمرد على الهيمنة الأمريكية وصلت إلى محطتها الأخيرة، وتتنافس الدول التي تمثل الحضارات القديمة لحجز أماكن لها في النظام الجديد.

الروس والصينيون والفرس والأتراك يندفعون إلى الأمام بكل قوة ليكونوا مؤسسين لعالم متعدد الأقطاب، ولكن العرب يسيرون إلى الخلف وكأنهم لا يعيشون في هذه الدنيا، يحاربون طواحين الهواء، ويخترعون أعداء وهميين، ويعلنون الحرب على أشباح، ويتحالف بعضهم لتدمير شعوبهم وبلادهم.

دول الغرب المهيمنة على العالم مشغولة بنفسها وبأزماتها واقتصاداتها المتراجعة، ويصرخ الأوربيون مما ينتظرهم من كوارث بسبب الحرب في أوكرانيا وتداعياتها والطموح الروسي الذي يتوسع ويبحث عن استعادة إمبراطوريته القديمة بقوة السلاح.

وبدلا من أن نرى تحركا عربيا جماعيا يستغل اللحظة الراهنة لإنقاذ شعوبنا واستعادة الاستقلال نجد النار مشتعلة في بعض دولنا، ولا أحد يبحث عن إطفائها، رغم أن الحلول بسيطة ومعروفة، ولم نعد قادرين على الدفاع عن أراضينا وأنهارنا، وتجرأت علينا دول الجوار التي ما كانت تستطيع رفع رؤوسها، بل تلاعب الإسرائيليون ببعض دوائر السلطة وأخذوا ما لم يكونوا يحلمون به.

التغيير العالمي الذي يجري الآن لن يرحم الدول المغيبة والغائبة عن قراءة الواقع، ولن تفلت من المحرقة الحكومات التي تتبرأ من ثوابتها ولا تحترم عقيدتها ومحيطها، وتسير بشكل منفرد كما اعتادت وكأن شيئا لم يكن!

نهاية الإمبراطورية الأمريكية

الهجوم الروسي على أوكرانيا ليس مجرد حرب بين دولتين، وإنما الشرارة الأولى لحروب ستبدأ في أكثر من بقعة لإعادة رسم الخرائط؛ فالعالم الآن يعيش لحظة أفول الإمبراطورية الأمريكية، التي تكافح للحفاظ على هيبتها ومكانتها، ولكن استمرار القيادة العالمية له تكلفة اقتصادية وعسكرية وبشرية باهظة لا تستطيع الولايات المتحدة تحملها لأنها منهكة بعد خسائرها في أفغانستان والعراق.

لقد عانى العالم من الحملات الاستعمارية واحتلال الجيوش الأوربية لأفريقيا وآسيا بسبب التفوق العسكري وسيطرة الأساطيل الأوربية على البحار والمحيطات، وظل هذا التفوق قرونا حتى حارب الأوربيون أنفسهم ودمروا بلدانهم فانتقلت الزعامة من أوربا إلى الولايات المتحدة.

لم تكمل الهيمنة الأمريكية أكثر من سبعة عقود حين دفع الغرور الأمريكيين إلى غزو أفغانستان والعراق لاستعراض القوة ولتتويج زعامة بلادهم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مع بداية الألفية الجديدة، لكن سرعان ما انقلب السحر على الساحر فخرجت أمريكا مكسورة ومثخنة بالجراح من العراق ثم أفغانستان.

التراجع الأمريكي أغرى الكثير من الدول الصاعدة بتمديد نفوذها وشغل الفراغ الذي بدأ يظهر في المناطق الرخوة على تخوم أراضي الحضارات القديمة، فظهر الضعف الأمريكي أكثر وضوحا؛ فتجرأت القوى الجديدة أكثر فأكثر، حتى أصبح التمرد عالميا وفي أكثر من اتجاه، وبدأ القادة الجدد يتساندون ويقوي بعضهم بعضا للإجهاز على الخصم المشترك.

الانقسام في الداخل الأمريكي

الوضع الداخلي في أمريكا منقسم فالشعب الأمريكي ليس متوحدا خلف قيادته، فالرئيس السابق دونالد ترمب لم يعترف بفوز جوزيف بايدن وما زال يحرض أنصاره على التمرد، وهناك مخاوف جدية من تصعيد اليمين المتطرف الذي يشعر بأن السلطة بدأت تخرج من سيطرة العنصر الأنجلوساكسوني البروتستانتي الأبيض لصالح الأقليات والمهاجرين.

لا يمكن التعامل مع ترمب على أنه يمثل نفسه، وإنما يمثل تيارا وعرقا كان يحكم أمريكا منذ نشأتها، ولكن مع تزايد عدد المهاجرين فقد هذا التيار الأغلبية العددية، ورغم ما يراه البعض من تصرفات ترمب الانفعالية فإنه حصل في الانتخابات الأخيرة على أكثر من 74 مليون صوت،  ورغم سقوطه ما زال حتى الآن هو أبرز مرشحي الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية القادمة.

ما رأيناه من اقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي الذي يذكرنا بما يحدث في دول العالم الثالث قد نرى مثله في الانتخابات القادمة، بل قد نرى أكثر من ذلك؛ فترمب نفسه كان يفكر في الانقلاب العسكري وفرض نفسه بالقوة ولكن لم يجد وقتها من يساعده على ذلك.

هذا الانقسام الداخلي تصاحبه دعوات باستقلال ولايات، وهذا الوضع يشير إلى أن الولايات المتحدة ليس باستطاعتها في ظل هذه الأوضاع أن تخوض حروبا خارجية بنفسها تكلفها تضحيات لا يتحملها المواطن الأمريكي، وهذا يصب في صالح التقوقع وترك الحلم الإمبراطوري الذي أصبح مستحيلا.

حرب أوكرانيا

في الوقت الذي كانت أمريكا تحشد فيه الجهود لحصار الصين، بل كانت مراكز الدراسات تناقش فكرة ضربة عسكرية للصين لإجبارها على التفاوض لتقاسم العالم وفق التصور الأمريكي، وجه بوتين ضربته ليفرض كلمته، ويجعل أوربا وأمريكا أمام خيارات صعبة، فإما أن يقبلوا بروسيا قوة عالمية وإلا فعلى أوربا أن تنتظر كوابيس مفزعة تذكرها بحرائق الحربين العالميتين السابقتين.

أمام الاندفاع الروسي فإن الموقف الأمريكي يبدو ضعيفا جدا، فالولايات المتحدة لا تستطيع خوض معركة مباشرة مع الروس، تتطور إلى استخدام الأسلحة النووية، ومن ناحية أخرى فإن أوربا ضعيفة عسكريا، حتى مع التسليح الأمريكي من وراء الستار، وقد ظهر هذا الضعف في عجز الجيش الأوكراني حتى الآن عن استرداد الأراضي التي يحتلها الروس.

ربما يستطيع الأوكران الصمود كما حدث في معارك كييف لكن القوة الصاروخية الروسية التي تدمر المدن في الشرق لا تقابلها قوة موازية ترد الغزاة أو ترد بالمثل على المدن الروسية.

قد يراهن الغرب على طول فترة الحرب والضغط على روسيا بالعقوبات واستنزاف القوات الروسية وتحقيق خسائر مؤثرة باستخدام الطائرات المسيرة والمدفعية الدقيقة وصواريخ هايمارس الأمريكية، لكن الروس يعلمون أن عدم النجاح في العملية يعني هزيمة مذلة ونهاية الحلم الروسي في استعادة الإمبراطورية، وهذا قد يدفعهم إلى مغامرات أكثر جنونا وتوسيع نطاق الحرب.

****

كل الأبواب مفتوحة لتتخلص الدول العربية من العبودية وتتحرّر من المستعمر القديم والحديث؛ فلأول مرة منذ قرون ينشغل من يسيطرون على الثروات والمقدرات العربية بحروبهم وصراعاتهم والابتعاد عنا لكي نتنفس ونبحث عن الطريق إلى الاستقلال لوقف نهب ثرواتنا، واستعادة قدرتنا وكرامتنا.

لكن هذا الاستقلال يحتاج إلى إرادة وعقول تحترم هويتها وتفطم نفسها عن المستعمر وأدواته، وقبل ذلك احترام الشعوب؛ فالذين لا يحررون شعوبهم لن يحرروا أوطانهم.

الاثنين، 1 أغسطس 2022

التصريح الأخير للأستاذ إبراهيم منير، كيف نفهمه؟

 التصريح الأخير للأستاذ إبراهيم منير، كيف نفهمه؟

د. عطية عدلان

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول

في تصريحٍ لَهُ أُذيعَ مؤخرًا أَعْلَنَ الإستاذ إبراهيم منير رفْضَه للصراع على السلطة في مصر، وبرر ذلك بأنّ هذا الصراع إنْ وَقَعَ على أي وجه وبأيّ صورة سَيُفضي حتما إلى ضياع الحقيقة وتبدد الرؤية الصحيحة، واستطرد موضحًا أنّ مثل هذا الصراع مرفوض ولو كان عبر القنوات الدستورية كتشكيل الأحزاب وخوض الانتخابات، أمّا الصراع المسلح فهو أولى بالرفض؛ لمخالفته لما تؤمن به الجماعة وما تعتقده.

    وقد تباينت ردود الأفعال؛ ما بين مؤيدٍ تأييدًا مطلقًا ومزايدٍ مزايدةً فَجَّة، وتفاوتت التقديرات بتفاوت الثقافات، فَمِنْ قائلٍ بأنّ هذا التصريح لا يعدو أن يكون مخاتلة كتلك التي مارستها الجماعة من قبل، وواصفٍ للتصريح بالعقلانية لكونه يسقط ثنائية “عسكر وإخوان”، وداعمٍ للفكرة بزعم أنّها تُسْقِطُ حجة النظام التي يبرر بها استمراره في القمع ومصادرة الحريات، ومستنكرٍ يَلعَنُ الخنوعَ ويَسُبُّ الاستكانة.

    وقبل أن أخوض في تقييم التصريح وما أثير حوله من ردود أَوَدُّ أن أبادر إلى بلورة بعض الحقائق التي لا أعتبرها من قبيل الرأي، 

   أول هذه الحقائق أنّ هزيمة الإخوان المسلمين لم يكن سببها عدم قدرتهم على إدارة الدولة، وإنّما السبب الحقيقيّ في فشل وهزيمة الإخوان خصوصًا والإسلاميين عموما هو عدم القدرة على إدارة الصراع – وشتان بين الأمرين – بسبب الجهل بأبسط قواعد إدارة الصراع، أو عدم الاستعداد لالتزامها، تلك القواعد التي بُسِطَتْ في كتاب الله بسطا لا يدع لمتهاون فيها تَعِلَّةً ولا ذريعة([1]).

    ثاني هذه الحقائق أنّ الصراع على السلطة والتنافس على الحكم شيء والعمل من أجل استعادة الخلافة بوصفها غاية للمشروع الإسلاميّ شي آخر، فالأولى آلية ووسيلة تختلف باختلاف الزمان والمكان والحال، ويختلف حكمها شرعا بحسب هذا الاختلاف، ومن ثم فهي مما يقال فيه: “لا ينكر اختلاف الأحكام باختلاف الأزمان”؛ وعليه فلا يصح اعتبار الصراع على السلطة أو عدمه مبدأً من المبادئ التي تقوم عليها جماعة، أمّا الثانية فهي – بالنسبة لكل عمل ينتمي للإسلام – مبدأٌ لا يقبل المساومة، ولا أحسب أنَّ أحدا ينازع فيه، حتى الأستاذ إبراهيم منير نفسه صاحب تلك التصريحات، وإنّما تختلف الوسائل والأدوات ومناهج الوصول لهذه الغاية من جماعة لأخرى ومن مكون لآخر.

    الحقيقة الثالثة هي أنّ النظام العسكري في مصر وعلى رأسه (عبفتاح) لن يمنعه من مواصلة عسفه وجوره واستبداده تراجع الإخوان أو غيرهم عن الصراع السياسي، مهما بلغت درجة هذا التراجع؛ لأكثر من سبب لا وقت للخوض فيها، أمّا كيف نضطره للتراجع عن كثير من العسف والجور؟ وكيف نلجئه إلجاءً إلى أن يولي وَجْهه لمن ولاهم من قبل قفاه؟ وكيف نفتح الطريق لحوار يؤدي لنتائج عملية كإخراج المعتقلين؟ فذلك أمر له من الوسائل والأدوات ما يحققه؛ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

    أمّا الحقيقة الرابعة فهي أنّ تَبَنِّي قائد معين أو جماعة معينة لاستراتيجية تقوم على الصراع على السلطة أو تقوم – بالعكس – على تجنب الصراع على السلطة لا علاقة له بالحكم الشرعي ولا بوجهة النظر الإسلامية، إن هي إلا خيارات تختارها القيادات أو الجماعات لنفسها، ولا تملك الادعاء بأنّ هذا الذي اختارته هو المعبر عن الإسلام والموافق للشريعة، ولكنها تملك فقط التسويغ لموقفها والتبير لخيارها، كأن تقول: إنّ دورنا محصور فقط في التربية والدعوة وإصلاح المجتمع، وهذا ما نستطيعه.

    وأختم جملة الحقائق بالتأكيد على أنّ المراجعات التي صدرت ولا تزال تصدر عن كثير من المكونات الإسلامية ليست مراجعات على الحقيقة، إن هي إلا تراجعات أو توجعات، تعكس حال الهزيمة وتؤكد روح الفرار من تحمل المسئولية([2])؛ إنّ المراجعة مكاشفة و مصارحة، وإنَّ التجافي عن المكاشفة الجماعية والمصارحة الشورية يوقع في معضلات أقلها ضرراً أن يحل محل المكاشفة والمصارحة فضح وتشويه وتبادل للتهم وتقاذف بالمناكر، وأخطرها تَغْيّيبُ الحقائق وتضليل الجيل وإطالة أمد الغفوة التي يحياها الناس، وليست هذه المفاسد الجمة مقابلة بمصالح إلا تلك الأوهام التي تتعلق بما يسمى بمصلحة الجماعة أو الحزب، وما هي إلا مصالح شخصية تختبئ خلف أستار ناعمة أكثر تدليسا من جلد الثعبان.

    وفي ضوء تلك الحقائق أستطيع أن أقول إنّ الأستاذ إبراهيم منير عندما أصدر هذا التصريح كان صادقا مع نفسه، ومعبرا عمّا يدور بخلد أغلب قيادات الخارج بما فيهم الجبهة الأخرى التي قد تركب متن المكابرة والمزايدة، وهذا حقه بوصفه قائدا لجماعة، ومن حق جماعته أن تراجعه في ذلك فتقره أو ترفضه، وليس في ذلك مأثم، مادام يقول ذلك في سياق اختيار ما يناسبه ويناسب جماعته من التخصصات وفروض الكفايات، فكم من جماعة اختارت لنفسها طريق الدعوة والتزكية دون أن يثرب عليها أحد.

    لكن الذي لا نرضاه منه ولا نققره عليه – ولا نحسبه يعنيه ويقصده – أمران، الأول: أن يجعل ذلك الذي يؤمن به ويعتقده دينًا واجب الاتباع، ومعقدا من معاقد الولاء والبراء، لأنّ دين الله تعالى يفرض على الأمّة في مجموعها فروض كفايات متعددة، فمن قام ببعضها فقد امتنع عليه أن يحجر على الآخرين القيام بسائرها أو الحديث عن وجوب القيام بها، الأمر الثاني: أنْ يزعم أنّ هذا هو منهج جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها الإمام البنا وأنّ هذا هو فكره الذي تربّت عليه الجماعة من أول يوم.

    إنّ أفئدة شباب الجماعة – وهذا ما نعرفه عنهم بطول العشرة – معلقة بالمشروع الإسلاميّ الكبير، بشموله وعمومه وعمقه واتساعه، المشروع الإسلاميّ الذي يعنى بالفرد والأسرة والمجتمع والدولة، المشروع الإسلاميّ الذي يبدأ بالدعوة وينتهي بالدولة، ويضع نصب عينية أمل استعادة الخلافة وتحقيق سيادة الشريعة، فمن خالفني في ذلك فليس عليه إلا أن يواجهنا بأدبيات الجماعة بدءا من الإمام الشهيد حسن البنا ومرورا بالشهيد سيد قطب وانتهاء بالرئيس الشهيد محمد مرسي رحمهم الله جميعا رحمة واسعة.

    وهذا الذي تربى عليه شباب الإخوان هو ذاته الذي تربى عليه شباب الصحوة الإسلامية من كافّة الاتجاهات؛ فلا أدري ما هذا الذي تفعله القيادات؟! ولا أحد يدري إلى أي مدى ستستمر القيادات في توسيع الهوة بينها وبين الأجيال؟! 

إنّنا معشرَ الشيوخ – من حيث ندري أو لا ندري – نهدر أعظم مقومين من مقومات البناء والتغيير دفعة واحدة: الفكرة والنواة الصلبة التي تحمل الفكرة؛ فكيف يمكن أن نحقق لدين الله مكسبا وسط هذا العالم المزدحم بالصراعات على المكاسب الاستراتيجية؟!


([1])   مقال: مقومات إدارة الصراع فيي كتاب الله

مقال: قواعد إدارة الصراع من قصة داود وسليمان عليهما السلام 

([2])  راجع  مقال:  (المراجعات التراجعة)

 ومقال: (المراجعات بين الهروب وجلد الذات)

مقال (المراجعات بين المجاملات وجلد الذات) بموقع نور سورية وغيره 

ومقال (الخطوة الأولى المنسية


المنسيون في مهرجانات العفو الرئاسي

 المنسيون في مهرجانات العفو الرئاسي

وائل قنديل


احسب كم مرة أكّد فيها الجنرال عبد الفتاح السيسي وشدّد على أنه لا يوجد معتقلون وسجناء سياسيون في مصر .. كم مرّة تحدث في الخارج والداخل نافيًا بشكل قاطع أن يكون هناك معتقلون أو محبوسون بتهمة التعبير عن رأي سياسي، وأن الموجودين في الزنازين سجناء جنائيون؟

لا تعدّ ولا تحصى المناسبات التي تكلم فيها جنرال انقلاب 2013 متحدّيًا من يقولون إن المصريين يُسجنون بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية، وهي النغمة التي ردّدها إعلامه، المصنوع على عينه، على مدى تسع سنوات هي عمر هذه الفترة حالكة السواد في تاريخ مصر .. هذا الإعلام، نفسه، هو الذي ينافس بعضه بعضًا في الإعلان عما يعتبره أعدادًا ضخمة من السياسيين وأصحاب الرأي المسجونين، الذين خرجوا من السجون بقرارات عفو رئاسي من الجنرال.
حفاوة هذا الإعلام بأرقام الحاصلين على العفو، مع التركيز الشديد على أنهم من أهل السياسة والرأي، تمثل اعترافًا صريحًا بأن البلاد تحوّلت في السنوات البائسة الماضية إلى زنزانة شاسعة تضم المعارضين، مع الأخذ بالاعتبار أن مفهوم المعارضة هنا، وبحسب هذا الإعلام، هم أهل 30 يونيو (2013) الذين انحرفوا عن المسار، كما تعتقد السلطة الحالية، ومارسوا أشكالًا من التذمّر والاعتراض جعلتهم في لحظةٍ مدانين بتهمة الإرهاب.
لسان حال هذا الإعلام السعيد بقوائم الحاصلين على عفو رئاسي يكاد يقول: لدينا من الرهائن والأسرى والمحبوسين ما يكفي لصناعة مشاهد عديدة لانفراجة زائفة، فيما يخص ملف الحرّيات السياسية وحقوق الإنسان، وبذلك من حيث أرادوا التصفيق والتطبيل للنظام، فإنهم يفضحون أكاذيب هذا النظام، ويعترفون بأن أعداد المحبوسين ظلمًا تفوق طاقة السجون على الاستيعاب، مع ملاحظة أن الحديث في هذه الحالة يدور، في معظمه، عن الأسماء المشهورة، والأقل شهرة، أكثرهم من المنتسبين لأحزاب وتيارات من جماعة "30 يونيو".
أكرّر دائمًا أن خروج أي سجين رأي أو معتقل سياسي كان قد تم حبسه ظلمًا هو خبر جيد يستوجب التهنئة  لكل من غادروا الزنازين عائدين إلى بيوتهم وأسرهم، عبر كل الطرق، وبمختلف الوسائل، سواء كانت عفوًا من قتلة الحريات والحقوق، اضطرّوا إليه لزوم تحسين الصورة القبيحة أمام الخارج، أو امتصاصًا لغضبٍ مكتوم في الداخل.
على الناحية الأخرى، ينبغي ألا تُنسينا بهرجة أضواء احتفالات العفو الرئاسي أولئك المأسورين منذ تسع سنوات في زنازين المجرمين، من دون أن يذكرهم أحد، وهم بالآلاف من طبقاتٍ سياسية متنوعة، منهم من كان رئيسًا لأول مجلس تشريعي منتخب بعد ثورة يناير، وهو المهندس محمد سعد الكتاتني، ومنهم من كان رئيسًا للجهاز المركزي للمحاسبات، المسؤول عن كشف الفساد في البلاد ومواجهته، المستشار هشام جنينة، ومنهم قيادات حزبية ووزراء وسفراء ومرشّحون سابقون لرئاسة الدولة، في الانتخابات الرئاسية الحقيقية، الوحيدة في تاريخ مصر، ومنهم، كذلك المنسيون الذين لا يعرفهم ولا يذكرهم أحد.
من هؤلاء المنسيين، هذا نموذج كاشفٌ لقتل قيمة العدالة في مصر، والوصول بالقمع إلى مستويات مجنونة، شاب من مواليد 1986 من أسرة بسيطة في محافظة الشرقية، تفاعل مثل ملايين غيره مع حلم الحرية في ثورة يناير 2011 بعد تخرّجه من كلية الطب البيطري بتفوق، ومن ثم اتخاذ قرار الزواج في 2010.
الشاب أسامة السيد محمد محمد، طبيب بيطري من ديرب نجم بمحافظة الشرقية جرى اعتقاله يوم 27 سبتمبر/ أيلول  2013 حين كان عمره 27 سنة، ليتم ضمّه إلى قضيتي تظاهر وانضمام لجماعة محظورة ويحكم عليه سريعًا بالسجن خمس سنوات فى القضية الأولى وثلاث سنوات في الثانية، ثم تضاف سنة سجن ثالثة بتهمة إهانة القضاء. 

أمضى هذا الشاب ثماني سنوات بالسجن، هي مدة العقوبة كاملة في القضيتين اللتين اتهم فيهما، في وقتٍ كان قد تقدم فيه بالنقض على حكم حبسه عامًا بتهمة إهانة القضاء، وكان من المقرّر قانونًا  الإفراج عنه في 27 سبتمبر/ أيلول 2021، لكنه وجد نفسه محكومًا عليه بالسجن عامين في قضية جديدة، وهو داخل السجن، وهو الحكم الذي طعن عليه بالنقض فتم تخفيض العقوبة إلى شهرين، أمضاهما بالسجن ذاته، وكان مقرّرًا إطلاق سراحه بانتهاء مدة العقوبة، غير أنهم كانوا جاهزين بقضية جديدة بتاريخ 23 مارس/ آذار 2022 برقم 6192 بلبيس، لتبدأ من جديد حلقات مسلسل الحبس الاحتياطي وتجديده كل 15 يومًا، في عملية أوتوماتيكية لا تتوقف.
يقبع هذا الشاب في عتمة الزنزانة منذ تسع سنوات، تاركًا زوجته، ووالدته التي تعيش بمفردها، بعد أن مات والده كمدًا في أثناء وجوده في السجن، لكنه للأسف ليس من الأسماء التي تصلح لصناعة خبر عاجل، يتبعه إقامة مهرجان صاخب احتفالًا بالعفو الرئاسي من عطوفة الجنرال الزعيم الإنسان. 
عشرات الآلاف من المنسيين في السجون، لا يذكرهم أو يهتم بأمرهم أحد من مطربي مهرجان العفو الرئاسي.