الاثنين، 30 مارس 2020

المقال الأول :وستأكل النار مشعليها..

المقال الأول :وستأكل النار مشعليها..
أ. د. زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية
نعم، ستأكل النار مشعليها مثلما ستدخل "جريمة كورونا" التاريخ كأكبر وأقذر حرب إبادة جماعية تم الترتيب لها وتنفيذها في القرن الواحد والعشرين. والجريمة تمت بقيادة الولايات المتحدة وكبار أثريائها، والمخابرات المركزية الأمريكية، وحلفائها في الغرب، ومعهم الفاتيكان كأكبر مؤسسة مالية في العالم، وجميعهم يشكلون المجموعة المتحكمة في مصير العالم، ومقرهم المالي فيما يُطلق عليه "المربع المالي في لندن" (The City of London) وهو غير المدينة السكنية نفسها، ويكاد يكون عبارة عن كيلو متر مربع تكدست فيه أهم البنوك التي تمتلك أموال العالم.

ولو ألقينا نظرة خاطفة على عدة نقاط متفرقة شكلا لأدركنا أهم خيوط اللعبة:

 صرح الكاتب الفرنسي أتالي سنة 2009 بأن وباء عالمي سيسمح بإقامة الحكومة العالمية.

 أعلن بيل جيتس في مارس 2015 قائلا "ان الحرب القادمة التي ستهدمنا لن يكون عتادها الأسلحة وإنما الفيروسات والميكروبات.. اننا نصرف ثروات طائلة للحد من الأسلحة النووية، وما اقل ما نصرفه للحماية من وباء، فاليوم يمكن لفيروس مجهول أن يقتل ملايين الأشخاص في السنين القادمة ويتسبب في خسائر مالية تقدر بثلاثة مليارات في العالم". وهو ما نشرته جريدة "التليجراف" البريطانية. وقد استقال بيل جيتس منذ فترة من إدارة شركته ميكروسوفت، وسيظل بها كاستشاري ليتفرغ "للمشاريع الإنسانية"..

 تمت تجربة غاز السارين في سوريا بأمر من الولايات المتحدة.

 تم الإعلان عن برنامج للتطعيم ضد كورونا أثناء انعقاد اجتماع داڤوس من 21 ـ 24 يناير 2020، أي اسبوعان بعد الإعلان عن اكتشاف وباء كورونا في الصين يوم 7 يناير، ولم يكن عالميا بعد..

 الكيان المسئول عن انتاج هذا المصل هو منظمة CEPI التي يمولها التحالف الاقتصادي العالمي ومؤسسة "بيل ومليندا جيتس".

 البنتاجون قد موّل أبحاث حول الأسلحة البكتريولوجية وافتتح القسم البيوكيماوي في مؤسسة داربا (DARPA) سنة 2014، ومشاريع أخري مرادفة لها.
 تشككت السلطات الصينية في أن الفيروس قد انتشر أثناء الألعاب الأولمبية العالمية التي أقيمت في ووهان، في منتصف أكتوبر الماضي، وحضرها 300 جندي من الجيش الأمريكي، كانوا بين اللاعبين كرياضيين وهم متخصصون في مهمة عسكرية لحرب بيولوجية. وهو ما أعلنه موقع "المحاربون القدامى" الأمريكي الحر (Veterans Today).

 انتشار وباء كورونا بشدة في أفغانستان بعد إصابة طيارة تجسس للمخابرات المركزية الأمريكية وعلى متنها رئيس عمليات الشرق الأوسط مايك داندريا.

 يتنافس حاليا كلا من الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على الأسواق لبيع التطعيم باسم تجمع الصيدليات واللجنة الأوروبية بعد أن حاول ترامب الاستيلاء على المصل ليحتكره لبلده فقط.

 موقف الولايات المتحدة (التي تصر على تنفيذ النظام العالمي الجديد القائم على نظام سياسي واقتصادي وديني واحد لتسهل قيادة العالم)، والمنافسة التي تبلورت بوصول الصين الي قوي اقتصادية كبري، والمنافسة الممتدة بين البلدين. كما ان المخابرات المركزية الأمريكية يمولها اللوبي الصهيوني وتأثيرها على تجارة السلاح الذي تسانده اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤن العامة (AIPAC)، والمعروفة بمساندتها الشديدة للكيان الصهيوني.

 موقف دونالد ترامب من إغلاق الحدود بين ولاية نيو يورك وكونيكتيكت ونيو جرسي وهي المقاطعات الأكثر إصابة، للحد من انتشار الوباء، ثم التراجع فجأة وأمر أمس، 29 مارس 2020، بفتح الحدود بينها "ليستمتع المواطنون بالحركة احتفالا بعيد الفصح" بينما الوباء يمتد ويتزايد هناك حتى أصبحت أمريكا تتصدر القمة في عدد الوفيات..

 من مضحكات الزمن وجشع أصحاب المال، موقف چيف بيزوس، أثري أثرياء العالم وصاحب شركة أمازون، أن يطلق حملة يوم 26 مارس 2020 يطالب فيها الشعب الأمريكي بالتبرع لمساندة عمال مؤسسته، مساندتهم في الأزمة الحالية، وتقدر ثروته بثلاثة مليارات دولار..

 أما الطامة المقززة الكبرى فهي الشكوة، التي تصدرت الصحف التابعة لقيادة ذلك الغرب المنفلت، في السنوات الماضية، من مأساة تكلفة أصحاب المعاشات وعبء حملهم على ميزانيات الدول، خاصة بعد أن امتدت سنين العمر وأصبح العديد منهم يتخطى التسعين او يصل للمائة! أي ان التخلص من المسنين هو السبب الحقيقي وأن التخلص منهم هو الحل لأزماتهم المالية المفتعلة، لذلك تمخضت عبقرياتهم الإجرامية في التخلص منهم بإعداد فيروس يحصدهم في جميع البلدان، وهم بالفعل أكبر فئة لا تتحمل وقع ذلك الفيروس الذي تم تصنيعه بالمواصفات المطلوبة.

 تم استخدام بعض الذباب وتطعيمه بالفيروس لنقله في بعض البلدان.

 مما لا شك فيه أنها حرب جشعة ضد الإنسانية لتكديس رؤوس الأموال في جيوب حفنة أشخاص.

فلو وضعنا حب السيطرة لتلك الحفنة، وهم حكام قارة قامت حضارتها على أشلاء أصحابها الحقيقيين، وحب السيطرة على العالم بلا منافس، وحب استعباد الشعوب واستنفاذ مواردها الطبيعية، وكل ذلك من أجل حفنة دولارات، أيا كان عدد الأصفار التي يمكنهم رصها، فهي حفنة زائلة وستزيلهم قبل زوالها فتلك حكمة من قتل يُقتل ولو بعد حين.. وستأكل النار مشعليها..


زينب عبد العزيز
30 مارس 2020




"التزموا بيوم السَبَت كاليهود" !

"التزموا بيوم السَبَت كاليهود" !

أ. د. زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية


بينما لا تزال كورونا تعربد حول العالم، والشعوب هلعة من شبح الموت الذي يواكبها الخطي، تفتق ذهن البابا فرنسيس بأن ينتهز فرصة انشغال الجميع ليعلن، يوم 22 مارس 2020، في رسالة مسجلة، لعدم ظهوره شخصيا منذ فترة، احتراما لكورونا، فاجأ الجميع بإعلانه بوضوح:

"على العالم أن يحترم ويلتزم بيوم السبت مثل اليهود"! ثم راح يشرح لماذا هو محب لذلك التقليد اليهودي.. والمتأمل لتاريخه أو بمعني أدق لتاريخ الكنيسة الفاتيكانية الممتد الفا عام، والتي تحولت من عداء شرس بدأ منذ أيام إعلانها قتل اليهود للسيد المسيح، ظلت الكنيسة تلعنهم في قداس كل يوم أحد حتى قبل أن تتم صياغة الأناجيل بالكامل. ويشهد على تاريخهم هذا نفس سجلاتهم وما تتضمنه من قرارات باباوية متتالية للتنكيل بهم وإزلالهم لكيلا أقول شيئا عن القتل والطرد وعدم التعامل معهم وتحديد اقامتهم الخ... وإذا بالكنيسة تكتشف فجأة أنهم أبرياء، وتعلن تبرئتهم رسميا في وثيقة مخجلة من الوثائق التسعة التي تمخض عنها مجمع الفاتيكان الثاني سنة 1965.

ولمن لا يفهم معني هذا القرار فهو بمثابة خروج الفاتيكان عن دينه. إذ ان أهم أركان المسيحية التي نسجها قائم على مقولة "أن اليهود هم قتلة الرب" وظلوا يرددونها في كل قداس وفي الأعياد، وفجأة، سنة 1965 اكتشف الفاتيكان أن اليهود أبرياء وأن من "قتل الرب يسوع هم المسيحيون الذين كانوا موجودون آنذاك حول المسيح"، مع العلم بأنه "آنذاك" لم تكن المسيحية قد تألفت بعد.

ومن موقف الاتهام والإدانة وإلقاء التهم والعقوبات المتواصلة، أعلن البابا عند توليه الباباوية عن رفضه لمعاداة السامية ليفصح عن صداقته الحميمة بالحاخام الأرجنتيني، ليعلن على الجميع أنه صديقا للصهاينة. وها هو يتوج هذه الصداقة الممتدة بأنه يجب على العالم احترام وإتباع يوم السبت الذي تتوف فيه كافة الأعمال ويكرس الوقت فيه للعبادة وللأسرة.
فالبابا الذي لا يبالي بكل ما يواكب مسيرته من متناقضات أعلن مبررا: "إن ما يتبعه اليهود على مر الزمان هو اعتبارهم قدسية يوم السبت إذ يقول الرب: "يوم السبت ستستريحون. يوما في الأسبوع اعترافا بالجميل. اعبدوا الرب، اقضوا وقتا مع الأسرة، العبوا، قوموا بكل هذه الأشياء، فنحن لسنا آلات مميكنة".. واستشهد بسفر الخروج 20 (8ـ10).

وقد علق الحاخام ربي إشمويل الياهو قائلا، وكأنه تفاجأ بفعلة البابا فرنسيس، قائلا: "ربما لن تصدقوا الخبر، لكن البابا ناشد سكان العالم بالالتزام بيوم السبت مثل اليهود"! ثم استطرد قائلا: "أنه شيء لا يصدق. أولئك الذين أصدروا قرارا بأننا لن نلتزم بيوم السبت أدركوا اليوم ما هي قيمة يوم السبت"..

ولو حاولنا الربط بين الأحداث وما يدور في العالم من خلفيات سواء المعلن عنها أو المخفي منها، حتي افتعال مأساة كورونا وتوابعها خاصة حصد الآلاف، والانهيارات المالية في البورصات، أو ما تناولته الأقلام حول العالم، منذ بضعة أعوام، عن ضرورة تنفيذ النظام العالمي الجديد وضرورة أن يحكم العالم حكومة سياسية واحدة ونظام اقتصادي واحد ونظام ديني واحد، إضافة الي كل ما تم من تدخلات للتلاعب بالإسلام علي هواهم، لربما فهمنا بعضا من أهمية كرونا وعربدتها حول العالم، أو حقيقة ما يرتبون له بكل أسف..
زينب عبد العزيز
23 مارس 2020

دعاء الكروان على كورونا

دعاء الكروان على كورونا

وائل قنديل
صار الدعاء بصوت عبد الفتاح السيسي.. إذن ليس من المستبعد أن يصبح التعليق على مباريات كرة القدم بصوت المفتي، أو شيخ الأزهر أحمد الطيب (هناك معلق كروي يحمل الاسم ذاته).


هوس السيسي بالتغول على السلطة الدينية ظاهر، ومتصاعد منذ اليوم الأول لصعوده على خشبة مسرح السلطة، في مشهد إعلان الانقلاب رسميًا كان محاطَا بشيخ الأزهر وبطريرك الكنيسة، من اليمين، و بطريرك الثورة على اليسار.

لا يترك مناسبة دينية، إسلامية أو مسيحية، إلا ويُقدِم فيها على استعراضاتٍ فجّة يقول فيها للجماهير إنه أبو الأزهر والكنيسة، أعلى من الإمام الأكبر ومن البابا، فيقفز مسرعًا إلى الكنيسة عشية كل احتفال مسيحي، ليخطف الكاميرا من البطريرك ويلعب على مشاعر جمهور الكنيسة باعتباره الراعي الأكبر.

الأمر نفسه ظل يفعله في مناسبات إسلامية على فترات، احتفال ليلة القدر، لكن من دون أن يتواضع ويذهب إلى مقر الأزهر الشريف، إذ كان الأزهر يذهب إليه في قصره، إلى أن جفت بحيرة الود وتقطعت السبل، وصدرت الأوامر بإعلان النفير العام لاحتلال المشيخة سياسيًا.

منذ اعتلى عبد الفتاح السيسي سدة الحكم، وهو يستدعي شيخ الأزهر إلى قصر الحكم، على نحو لا يليق بمكانة الشيخ والمشيخة. 
وفي المقابل، لم نقرأ أو نسمع أن السيسي ذهب إلى الأزهر، الجامع أو المشيخة، على الرغم من أنه لم يترك مناسبةً دينية إلا وخطب فيها، في أماكن مختلفة، باعتباره رئيس السلطة الدينية، وليس فقط السلطة التنفيذية، حيث يشرّع ويُفتي ويهرف ويجدّف في كل ما يتعلق بالإصلاح الديني وتجديد الخطاب، مع الوضع في الاعتبار أنه لا يستطيع قراءة آيةٍ قرآنية، أو حديثٍ نبوي، أو جملة عربية، بشكل سليم ومنضبط.
في شهر نوفمبر/ تشرين ثان الماضي، كان آخر إعلان عن فعالية تجمع بين الأزهر والسيسي، حين نشر أنه "بحضور ورعاية السيسي سوف يعقد الأزهر مؤتمرًا عالميًا لتجديد الفكر الديني في يناير/ كانون ثاني "2020"، لكن يناير جاء ولم يأت السيسي، بل حضر رئيس جامعة القاهرة، محمد عثمان الخشت، متقمصًا دور الجنرال في التطاوس الجهول على الأزهر وشيخه، فما كان من الأخير إلا أن لقّنه درسًا في كيف يكون التفكير، وكيف يكون الفقه، وكيف يكون الاستدلال، في مبارزة على الهواء أسقطت الخشت أرضًا.. 
وقد قيل كلام كثير عن أسباب عدم حضور السيسي لوعكة صحية طارئة، لكن المؤكد أن السيسي مصاب بحساسية شديدة تجاه الأزهر، تصل إلى درجة المرض النفسي، إذ كيف تكون هناك سلطة دينية أعلى منه، وهو الحكيم الفيلسوف الفقيه ذو العلم اللدني "وفهمناها سليمان"، كما هز كتفيه وخاطب الجموع بخيلاء، وكأنه الحاكم بأمر الله ظهر من جديد في القاهرة الفاطمية؟
الآن، لم يعد السيسي يحسب حسابًا للأزهر، فقرّر أن يكون الداعية والداعي، يؤم المسلمين بصوته في الدعاء على فيروس كورونا، بصوته العجيب وتلعثمه المثير للأسى مع كل حرف ينطقه، برغم التدريبات المكثفة وبروفات الأداء، كل ذلك لا يهم فهناك آلة إعلام جبّارة ستفرضه الصوت الأجمل للمطرب الأول بالإلحاح والتكرار، فيذاع الدعاء المسجل بصوت الكروان العسكري على كل المحطات التلفزيونية والإذاعية، مع موسيقى مؤثرة، تنساب في الخلفية، وتنتظر ناقدًا من نوعية يوسف القعيد ليعلن أنه اكتشف أن قماشة صوت عبد الفتاح السيسي تتفوق على خامة الصوت عند الشيخ سيد النقشبندي أو نصر الدين طوبار أو حتى الشيخ عبد الباسط عبد الصمد. 
لن يكون مثيرًا للاستغراب، لو خرج النائب مصطفى بكري باقتراح، يزعم أنه مطلب جماهيري عريض، بأن يسجل السيسي الأذان وخطبة الجمعة بصوته، ويؤم المصلين من منازلهم لأداء الصلوات في فترة إغلاق المساجد بسبب الحظر، إذ لا يكفي أن يكون الدعاء فقط مسجلًا بصوت السيسي، بينما خطورة المرحلة تستدعي أن تكون التواشيح والابتهالات والأذان في رمضان المقبل بصوته أيضًا.
في سالف أزمنة الاستبداد، لم نعرف طاغية قرّر أن يكون هو المطرب والمرشد والمفتي والمذيع والشيخ والقسيس والحاخام في وقت واحد.

نفخوه واستعملوه !!!

نفخوه واستعملوه !!!

2007-07-18

محمد جلال القصاص

والعجيب أن عامة المسلمين اليوم يرون الكفر ولا يرون مَنْ يمتطيهم

الكفر أعني المنافقين . العجيب أن المطايا لا زالت بيننا تحمل

البلايا(2) وقومنا لا يفقهون ....



بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم



يَمرُّ بقريتنا نهرٌ صغير (1)، وكنت مع أطفال القرية نتعلم السباحة في (الترع) ثم نأتي هذا النهر لنسبح فيه، النهر سريع ونسبياً عريض، ويموت كل عام فرد أو فردان أو أكثر غرقاً فيه، والمروءة بين الأطفال في العبور. بعضُهم ماهرٌ يعبر بنفسه، وبعضهم أمهر يشاكس الماء الجاري في قلب النهر بل ويمتطي جذور الموز السابحة على سطح الماء، وبعضهم يستعين بإطار السيارة الداخلي (كالعوامة) ينفخه ويستعمله في عبور النهر، وبعضهم جبان لا يفكر في العبور وإنما يداعب النهر ويتلذذ بمائه وهو على الشاطئ دون أن يسبح فيه.




حال الأطفال في عبور النهر كحال الغرب حين أراد أن يعبر إلى حصوننا العقدية وثوابتنا الفكرية، يصورهم لي الخيال وكأنهم على شاطئ البحر الأبيض المتوسط (بحر العرب سابقاً) يفكرون في العبور كيف يكون؟




حاولوا بأنفسهم عدة مرات (الحملات الصليبية) فغرقوا وما استطاعوا العبور، ثم فكروا في حيلة ذي العزم الضعيف، وهي أن يستعينوا بغيرهم فعمدوا إلى نفرٍ من (المسلمين) نفخوهم واستعملوهم في العبور إلى حصوننا العقدية، فخربوا بيوتنا بأيديهم وأيدي هؤلاء.




والعجيب أن عامة المسلمين اليوم يرون الكفر ولا يرون مَنْ يمتطيهم الكفر أعني المنافقين. العجيب أن المطايا لا زالت بيننا تحمل البلايا (2) وقومنا لا يفقهون.




قاسم أمين، صنف كتابين (تحرير المرأة) صدر في عام 1899م، و(المرأة الجديدة) صدر بعده بعام واحد 1900م، ولم يأت في الكتابين بجديد، بل كان كل ما فيه مأخوذ ممن هم بين يديه من نصارى العرب (مرقص فهمي) ونصارى الغرب تحديداً الدوق الفرنسي صاحب كتاب (المصريون)، ومن الاعتراضات الأوروبية على الرحلة الأصمعية. ثم ماذا؟




أقبل القوم على قاسم أمين فنفخوا فيه حتى صار إماماً وعلماً وباحثاً ورائداً وملهماً.. الخ وترجموا (كتبه) إلى لغات أخرى... وبدى للناس وكأن المسلمين هم الذين يطالبون بهدم الثوابت العقدية، وبدى للناس وكأنها معركة داخلية بين المسلمين!!




ثم الذين جاءوا من بعد ذلك.. من النسويين، الذين تكلموا في ما يعرف بـ (قضية المرأة) رددوا كلام قاسم أمين الذي هو كلام الكافرين من المستشرقين والمستعمرين، وللشيخ سليمان الخراشي ـ حفظه الله ـ رسالة قيمة في ذلك الأمر في صفحته الخاصة في موقع صيد الفوائد بعنوان (المشابهة بين قاسم أمين في كتابه تحرير المرأة ودعاة التحرير في هذا العصر) لمن شاء أن يطلع عليها.




وطه حسين (3)، تكلم العارفونَ بحالهِ أنه تنصر وتزوج بنصرانية فرنسية شقراء وهو الأعمى الفقير المعدم، واتخذ كاتباً (سكرتيراً) نصرانياً، وحين رشحه أحدهم لمنصب وزارة المعارف في عام 1949 فزع الملك فاروق منه وقال: "لا يمكن.. هذا شخص خطير أنتم لا تعرفونه!!"... تأمل، فاروق المجرم يرى أن طه حسين خطير جداً لا يمكن التعامل معه!!




وجاء النصارى وما زالوا بالملك حتى ولاه وزارة المعارف.




كان فقيراً معدماً من كل فضيلة، لصاً، أخذ كتاب (الشعر الجاهلي) من جرجس صال ومرجليوث، وهم نصارى مثله، وأخذ آرائه في حديث الأربعاء من جورج زيدان، وأخذ أفكاره التي بثها في (على هامس السيرة) من الأساطير و(ميل جيت)، وآرائه في (مستقبل الثقافة) مما كتبه المستشرقون عن حضارة البحر الأبيض المتوسط، وزعم بأن ما في القرآن من حقائق ينافي العلم الحديث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم علمته يهود أو أثرت فيه، وكذب فقد آذوه وحاربوه وحاولوا أن يقتلوه، فقاتلهم وقتلهم جزاءً على إجرامهم، وأيد التنصير ودعم المنصرين في الجامعة، وأيد كل المخالفين الكارهين للسنة النبوية من أمثال محمود أبورية، واعتبر الفتح الإسلامي لمصر احتلالا، واعتبر الصحابة رضوان الله عليهم طلاب دنيا، وزعم أن الوحي خرج من الأرض ولم ينزل من السماء (4)، وكان كارهاً للعربية.. كل العروبة وليس فقط الإسلام، فقد دعى إلى إلغاء اللغة العربية واستبدالها باللغة اللاتينية وهي لغة قديمة مهملة يجهلها هو، ولا أدري لم يدعوا الناس إلى لغة هو يجهلها؟؟!! ، ورأى أن ما تفعله فرنسا بالجزائر من تقتيل وتشريد معاناة وعلى فرنسا أن تصبر على تلك المعاناة في سبيل نشر الحضارة الفرنسية على هذه الشعوب المتخلفة التي ترفض التقدم والاستنارة، وكان ظهيراً للمجوس، فقد قام بطبع (رسالة إخوان الصفا) الداعية للمجوسية، وتكلم بأن القرن الثاني الهجري، وهو من القرون المفضلة، كان عصر مجون، وراح يشيع الفاحشة في الذين آمنوا، إذ استخرج الشعر الماجن وطبعه ونشره، وترجم القصص الفرنسي الماجن للغة العربية وعمل على نشره، وأنشأ معهداً للتمثيل والرقص الإيقاعي، وشجع الاختلاط.




وكانت له علاقة قوية بيهود، زارهم في أرض فلسطين الحبيبة عام 1944م، وما نغص عليهم بمقالٍ واحد يكتبه في يهود وهم يقتلون الآلاف من المسلمين ويضطردون الملايين، كان هذا الرديء يحضر عندهم ويحاضر بما يسرهم، وهم مَن خلعوا عليه لقب عميد الأدب العربي من إحدى صحفهم التي تصدر وتطبع في فرنسا.




انظر شخص رديئ كهذا: كيف احتل كل هذه المكانة في حس الجيل الصاعد من أبناء المسلمين؟؟!!... إنه (النفخ) وإنه (الاستعمال)، ولولا الأولى نفخوا لكان نسياً منسياً.




ولطفي السيد، قالوا: أستاذ الجيل، وقالوا فيلسوف، وقالوا رائداً في السياسة، وكله كذب، كله نفخ للاستعمال، وحقيقته أنه رقيق أجوف لا يصلح للشيء لولا من نفخوا فيه ليستعملوه كعوامة الأطفال.




لطفي السيد عارض مجانية التعليم، ودعى إلى قصر التعليم على أبناء الأعيان. ودعى إلى اعتماد العامية!!




وهذا المناضل ـ زعموا ـ أيد الإنجليز في سيطرة أبنائهم على أموال البلاد والعباد من خلال تملكهم للأراضي!!، وطالب بعدم مساعدة الليبيين في مقاومة الاحتلال الإيطالي لبلادهم!!




فلا تدري من كان يناضل؟، ولا أين كان يناضل هذا (المناضل)؟!!




وهذا الفيلسوف ـ زعموا ـ تبين أنه لص لا يعرف شيئاً عن الفلسفة، لم يجلس يوماً في حَرَمِها يتأمل في قبحها فضلاً عن أن يكون قد بنى لها صرحاً أو قبراً، تبين أن مترجماته الفلسفية من الفرنسية عن أرسطو وهي التي أطلق عليه بسببها لقب فيلسوف، لم يكن هو مترجمها وإنما ترجمها قسم الترجمة في دار الكتب المصرية وذلك بشهادة عديد من معاصري هذه الفترة.




وفي الوقت الذي كان يطالب بالدستور والحرية شارك فيه في الوزارات القمعية .وأجمع العارفون على أن حزب الأمة الذي أسسه كان من صناعة الإنجليز، أسسه اللورد كرومر لتقنين الاستعمار والعمل على شَرْعَنِةْ الاحتلال والدعوة إلى المهادنة مع الغاصب وتَقَبُّل كل ما يسمح به دون مطالبته لشيء.




وكذا قصر العمل على مصر دون ربطها بأي خلفيات إسلامية أو عربية، وكان يغالي في التبعية للفكر الليبرالي الغربي، وكان ظهيراً لأعمى البصر والبصيرة طه حسين في كل ما فعل وخاصة في الجامعة، وكذا له ذكر مع قاسم أمين فيما كتبت يداه.




هذا هو أشهر المعروفين في السياسة، يحمل مفاهيم الغرب ـ أو الغرب ـ على ظهره ليبذرها بيننا.




يُمَكِّن لهم ثم هو رائدٌ وأستاذٌ للجيل!!




إنه (النفخ) وإنه الاستعمال، وإنهم يهدمون حصوننا ببعض (أبنائنا)...




ـ وعباس العقاد نفخ فيه واستعمل. ولا تعجب، ولا تشاكسني، ولا تحسب أنني سمعت كلمتين وجئت أردد بل قرأتُ ما قال وما قيل عنه، نعم نُفخ فيه واستُعمل. وحتى تعرف سَلْ كلَّ من تلقاه وخاصة من أهل مصر والسودان واليمن والمغرب والشام، سلهم عن عباس العقاد ستجد تبجيلاً وتعظيماً للرجل، ثم سلهم لم تعظموه وتوقروه؟ لن تجد إجابة. وهذا هو السحر. هذا هو الدجل الذي يمارسه الإعلام. ينفخ في أحدهم حتى يكبر ولا يرى الناس غيره، ولا يرى الناس حقيقة أمره، ولا يعرف الناس عنه سوى أنه (عظيم) من (العظماء).. (عبقري) من (العباقرة).. وكله نفخ للاستعمال...




فهل يعقل قومنا؟؟... أرجو ذلك.




عباس العقاد قال بقول يهود، قال ـ بلسان حاله ـ: ما أنزل الله على بشرٍ من شيء، قال بأن الدين نبت من الأرض ولم ينزل من السماء، ذكر ذلك صريحاً في مقدمة كتابه (الله) يقول: "ترقى الإنسان في العقائد كما ترقى في العلوم والصناعات.. فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى" (5).




وهذا الكلام من عند غيرنا.




يقول هذا وهو مفكر، يقول هذا وعقله أكبر العقول ـ زعموا ـ.




ومن له أدنى دراية بالدين يعلم أن الرجل يجلس بيننا بجسده وعقله مستعار، مَن يقرأ للعقاد ـ وخاصة كتاب (الله) وسلسلة (العبقريات) ـ يعلم أن الرجل لا علاقة له بثقافتنا البتة وإنما شرب من حياضهم.




العقاد مستعار.. منفوخ يُستعمل.. نُحْمَلُ على تبجيله وتعظيمه رغماً عن أنوفنا.




مَن له أدنى دراية بالدين يعلم أن الأصل في البشرية التوحيد، وأن آدم ـ عليه السلام ـ كان نبياً مكلماً(6). وأن آدم ـ عليه السلام ـ كان على التوحيد وظلَّ عليه أبناؤه ألف عام، فلم يظهر الشرك إلا في عهد نوح عليه السلام (7)، وإنما العقاد ينقل عن الآخر(8)، جلس إليهم فتأثر بهم، ومن ثم ردد كلامهم.




والعقاد لا يصلي على الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين التحدث عنه إلا قليلاً ويقول (عليه السلام) (9)، ينظر للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أنه عبقري من العباقرة، ويعرض سيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضمن الحديث عن (العباقرة)، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عبقري من العباقرة بيد أنه أفضلهم، هذا ما نفهمه من تسمية العقاد للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالعبقري، وما نفهمه من سرده لسيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سياق العباقرة.




كان العقاد يعتنق فكرَ بعضِ المستشرقين القائم على أولية الفرد وأحقيته في صناعة التاريخ، يقول أن التاريخ يصنعه أفراد، كان لا يؤمن بالجانب الجماعي، وكان يشكك في دور العقائد والتربية في توجيه الأشخاص، فالعظيم عظيم بفطرته، والعبقري عبقري منذ نشأته، والعوامل الوراثية والتكوين الجسماني والعصبي، في المرتبة الأولى ـ عند العقاد ـ في توجيه الشخصية. ولذا تراه قد هاجم الفاشية في كتابه (هتلر في الميزان)، والشيوعية في كتابه (الشيوعية والإنسانية) و(أفيون الشعوب)، وهاجم جماعية الإسلام في (العبقريات).




ولذا لم نرَ أثراً في كتابات العقاد للإسلام في بناء شخصية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولا في تحليل سيرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقارن بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغيره (نابليون مثلا) في النواحي المادية والعسكرية. وجعل إيمان الصحابة بسبب انبهارهم بشخص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.




وهذا الكلام من عند غيرنا، لا نعرفه، ولا يقر به عاقل. وقد قمت بتتبع شخصية خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ لأبين أثر العقيدة في بناء الشخصية (10)، وهو ما لا يقر به العقاد، بل يتنكر له رغم أنه كشمس الضحى في يوم صائف في بيدٍ جرداء.




قلتُ: ولذا اهتم الغرب بترجمة كتابين للعقاد هما كتاب (الله) و (العبقريات) ونشروهم، لماذا؟

لأن العقاد في هاذين الكتابين ينطق بقولهم، وقد رأيتُ ناهد متولي ـ وهي مجرمة جهدها في الصدِّ عن دين ربها ـ في إحدى حلقات برنامج أسئلة عن الإيمان تثني على العقاد وكتاب العقاد (الله) جل جلاله، ووجدت الكذاب اللئيم زكريا بطرس في ذات الحلقة وفي غيرها يستدعي العقاد شاهداً على (صحة) عقيدة النصارى!!




لهذا أخذ العقاد كل هذا الحجم في حسِّ الصاعدين دون أن يعلموا لماذا؟

نفخوا فيه لأنه يتكلم بكلامهم.. لأنه مربوطٌ بآخيتهم ويرعى من خضرائهم ثم يأتينا بليلٍ.. يكدر صفو مائنا.. يذهب بطهارة ونقاوة فكرنا.. ونحن نهلل فرحين مسرورين!!




ولا زال (النفخ) مستمراً، تجد قزماً قد رفعوه، وعظيماً قد تجمعوا عليه ليقبروه، فاليوم يُصدَّرُ لنا أشباه الرجال ليأخذوا بأيدينا (على خطى الحبيب)، وهم في حقيقة أمرهم أبعد الناس من هدي الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وتجد الذي يجيء ويروح هو من يحمل أفكار القوم ـ أو القوم ـ على ظهره، ويحاول أن يوطنهم في حصوننا العقدية وثوابتنا الفكرية. ولكننا صحونا، ولم يعد يجدي النفخ. هاج البحر، وعلى الأطفال أن تلعب بعيداً أو هو الغرق وإن استعملوا ما نفخوه!!




أبو جلال/ محمد جلال القصاص





=======================================




(1) القرية هي قرية سجين الكوم بمحافظة الغربية في مصر. ويقال للنهر الصغير في عرف أهل مصر بحر، ولذا تجد في التاريخ (المماليك البحرية) نسبة لنهر النيل إذْ كانوا يسمونه بحر النيل، وكانت قلعتهم في جزيرة تطل عليه.




(2) البلايا جمع بلية وهي المصيبة. و(البلايا) تستمع علم على الدواب كانت تقتل على قبور أصحابها في الجاهلية كي يركبوها للمحشر يوم يحشرون. انظر المفصل في تاريخ العرب ج11/117، وما بعدها.




(3) انظر للأستاذ أنور الجندي (الوجه الآخر لطه حسين) و( طه حسين.. حياته وفكره في ميزان الإسلام) و (هل غير طه حسين آرائه في سنواته الأخيرة). وانظر (طه حسين في ميزان العلماء والأدباء). وعند الشيخ سليمان الخراشي في صفحته الخاصة كلام طيب وبحوث نافعة عن هؤلاء المنفوخين المستعملين من أمثال طه حسين وقاسم أمين وغيره. وكذا عند الشيخ محمد اسماعيل المقدم في سفره الماتع (معركة الحجاب والسفور) وفي دروسه في صفحته الخاصة بموقع طريق الإسلام. وفي و(هل غير طه حسين آرائه في سنواته الأخيرة) نقل الأستاذ أنور الجندي شهادة أصدقاء طه حسين على كثير من أحواله، وهي والله أقبح وأخس مما ذكرت في المقال، وتركت ما قال الشيخ هناك تعففاً إذ ما يعنيني هو إيصال بعض المفاهيم لا التحقيق والتأصيل. ونقل في ذات الرسالة شهادة الأستاذ فريد شحاته سكرتير طه حسين لنصف قرن من الزمن تقريباً على أنه كان نصرانياً، نقلها على لسان شاهد آخر هو (الأستاذ الكبير أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة، والمؤرخ الكبير الذي عايش الأحداث في مجلة وزارة الثقافة) على حد تعبير الأستاذ أنور الجندي. والرسالة صغيرة (10 صفحات فقط).




(4) وهذه النقطة عند كلهم، وهذه النقطة عند كلهم، وهي آخية النصارى جميعاً.. نفي النبوة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسيأتي العقاد نموذجاً لهم.




(5) رسالة (الله) .ص /6 . ط .نهضة مصر.




(6) مسند أحمد /21357




(7) راجع تفسير ابن كثير لقول الله تعالى {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}.




(8) ذكر في مقدمة الكتاب بعض هؤلاء .وكذا ذكر بعضهم في مقدمة (عبقرية محمد) صلى الله عليه وسلم.




(9) وهي موضة عند هذا الجيل وهذا النوع من الكتاب، وتجدها واضحة جداً عن جواد علي في كتابه المفصل، لا يصلي على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبداً. قلت ذلك لأن أمر الرسالة هين في نظر هؤلاء وربما غير موجود. وإن كان جواد علي عندي أهون بكثير من العقاد ومن على شاكلته.






الأحد، 29 مارس 2020

مباشر مع د.زغلول النجار رئيس لجنة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

كورونا.. من رحمة الله وإن كرهنا


كورونا.. من رحمة الله وإن كرهنا

د. علي الصلابي
إن فيروس كورونا آية من آيات الله في خلقه وتدبيره وفق حكمته ومشيئته. وإني أراه رحمة ببني الإنسان تتجلى في هذا الابتلاء العظيم والمحن والمصاعب التي نزلت بنا نحن بني آدم، وهذا المصاب الجلل أحدث زلزالاً روحياً عظيماً، وهزَّ الفِطرة في أعماقها وأغوارها؛ لإزاحة الصدأ عن أرواح كثير من بني البشر، لتحقيق أشواقها المكنونة، بعدما تشبعت بقضاياها المادية، ومعارفها العقلية، واكتشافاتها لقوانين الحياة والمادة، وحدث لها ضموراً روحياً وتصحراً وعطشاً هائلاً عظيماً.

فمن رحمة الله بهذا الإنسان أن جاء هذا الحدث التاريخي الكبير، فعرف ضَعفه وعَجزه واضطرَّ لدعاء ربه الخالق العظيم. فطبيعة البشر التي خلق الله عليها الناس عندما يشعرون بالخطر والكروب والشدائد والابتلاءات فإنهم يلجأون من أعماقهم بإخلاص عظيم إلى خالقهم (سبحانه وتعالى) سواء كان هذا الإنسان مؤمناً أو كافراً. وفي تلك الأوقات العصيبة تتجلى الحقائق، وتضمحل الأوهام، ويضعف استفزاز إبليس بصوته وتخبو جلبته بخيله ورَجلِه ومشاركته للناس في أموالهم في الربا والحرام ولأولادهم في الزنا والفساد. فعندما تنهار المؤسسات الربوية الإبليسية، أليس هذا من رحمة الله!؟

وعندما تُقفَل النوادي الليلية وتنخفض نسبة بيع الخمور ويعزف الناس عن الدعارة ويتحررون من الشبهات والشهوات وترجع إليهم عقولهم للتفكير في هذا المصاب الكبير فتقودهم إلى خالقهم الرحمن الرحيم، فينكسرون ويتضرعون بين يديه. أليس هذا من رحمة الله!؟ ويبحث المفكرون والمثقفون والعلماء والسياسيون عن الحلول الناجعة، فإذا بإرشادات النبي (صلى الله عليه وسلم) وتعاليمه تحيا من جديد، كقوله صلى الله عليه وسلم: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل معه دواء". وينتشر هديه في الطهارة ورفع النجاسة والحجر الصحي، وتَكتب كبرى الصحف العالمية عن ذلك. أليس هذا من رحمة الله!؟

إن أرواح بني آدم التي في أجسادها بعد هذا الحدث أزيلت عن كثير منها أغلال الشهوات المحرمة، وانهزمت الشبهات الإبليسية الداعية إلى الإلحاد، وتفجرت معاني الأشواق الروحية لتتصل بخالقها العظيم تائبة وطالبة للمغفرة والرحمة
ويَسمع بني الإنسان الآيات المزلزة المذكرة له بفطرته فيتجاوب معها، كقوله تعالى: "أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ" (سورة النمل: 62).. أليس هذا من رحمة الله!؟ وكقوله تعالى: "قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ" (سورة الأنعام: 63 – 64).. أليس هذا من رحمة الله!؟

وكقوله تعالى: "فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ". (يونس: 23). فعندما نتأمل في هذه الحقائق والمعاني القرآنية العظيمة.. أليس هذا من رحمة الله!؟

وعندما تتبخر وعود الشياطين الزائفة، وتنهار أمام أصحابها في القِمار والربا والظلم وسفك الدماء وأخذ أموال الناس بالباطل سواء أفراداً أو شعوباً... أليس هذا من رحمة الله!؟ وعندما نرى اسم الله (الرافع) في خلقه بقلوب مفتوحة، وعقول متدبرة، ونرى اسم الله (الخافض) في المخلوقين، واسمه (المحيي) و(المميت) و(الوارث)... أليس هذا من رحمة الله!؟

وعندما يرجع الإنسان إلى إنسانيته وحقيقته، ويُجيب عن هذه الأسئلة الوجودية الكبرى من أين أتيت ولماذا خلقت وإلى أين المصير وإلى آخره من الأسئلة. كقوله تعالى: "أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36)" (سورة الطور: 35 – 37). ولو يتأمل في هذه الأسئلة، فإنه سيصل إلى إجابات مقنعة بعقله وقلبه وفطرته ويتجاوب معها بشفافية ماتعة ومقنعة فيجيب من أعماقه، بقوله: "قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ " (سورة إبراهيم: 10)... أليس هذا من رحمة الله!؟

وتتجاوب فطرته مع قول الله تعالى: "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)" (المؤمنون: 115). أليس هذا من رحمة الله!؟ إن هذا البلاء يحمل في طياته رحماتٍ ونعمٍ لا تعد ولا تحصى... وتدبر معي في قوله الله تعالى: "كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ" (الأنعام: 54). وفي الحديث القدسي: "إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي". إن ربنا العظيم الذي خلقنا وخلق هذا الخلق يستحيل أن يكون إلا رحيماً، فرحمته من لوازم ذاته، ولهذا كتب على نفسه الرحمة، ولم يكتب على نفسه الغضب. وقد قالت الملائكة في دعائها: "رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ" (سورة غافر: 7).

إن هذا الحدث تتجلى فيه رحمات الله عندما اضطر الكثير من الغافلين بالرجوع إليه ودعائه والاستغاثة به والتضرع والانكسار بين يديه. إن أرواح بني آدم التي في أجسادها بعد هذا الحدث أزيلت عن كثير منها أغلال الشهوات المحرمة، وانهزمت الشبهات الإبليسية الداعية إلى الإلحاد، وتفجرت معاني الأشواق الروحية لتتصل بخالقها العظيم تائبة وطالبة للمغفرة والرحمة والرضوان.. أليس هذا من رحمة الله!؟
إن هذا الحدث الجلل والابتلاء الكبير ساهم في إحياء القلوب وانبعاث الأرواح وأزاح الغشاوات عن العقول.. أوليس هذا من رحمة الله!؟ إن رحمة ربي الكبير المتعالي تتجلى في هذه المصائب والمكروهات التي قدرها علينا في هذه الأوقات، وإن كانت لنا مؤذية ومكروهة إلا أن في طياتها رحمة وخير كثيراً.. قال تعالى: "وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)" (سورة البقرة: 216).. وقال تعالى: "فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا" (النساء: 19). أليس هذا من رحمة الله!؟

أوليس أبناء الإنسانية اليوم في حالة من الذهول من عظمة وقدرة الخالق وحالة من الرجاء والتعلق في رحمة الله (سبحانه وتعالى). وبأن كل صاحب فطرةٍ سوية لسان حاله بأن ربه كريم ورحمن ورحيم وغفار وحفيظ، فأمله في فضله وإحسانه ورحمته وعفوه وصفحه وغفرانه وحفظه، وهو ما لا تُعبر عنه الألسن ولا تحيط به الأفكار.

أيها الإنسان أينما كنت قل ما شئت عن رحمة الله، فإنها فوق ما تقول، وتصور ما شئت عن رحمة الله فإنها فوق ما تتصور. يا بني آدم ربنا يريدك أن تتعرف عليه وترجع إليه من خلال هذا الحدث بل الزلزال العظيم وغيره من الأحداث، والطريق إليه في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.