الجمعة، 30 أبريل 2021

البابا فرانسيس لميشيل عون: "لبنان لا يمكن أن يفقد هويّته"

البابا فرانسيس لميشيل عون: 

"لبنان لا يمكن أن يفقد هويّته"

أ. د. زينب عبد العزيز

أستاذة الحضارة الفرنسية


تحت هذا العنوان الكاشف الفاضح لحقيقة الموقف الفاتيكاني الصليبي المتعصب، الذي يتعامل بوجهين لا يعرفا للأمانة طريقا، أرسل البابا خطابا تلقاه رئيس الدولة اللبنانية يوم الثلثاء 27/11/2021، مؤكدا له أن بلد الأرز لا يمكن أن يفقد هويته، مؤكدا مرة أخري على رغبته في أن يتوجه قريبا إلى لبنان، الذي يجتاز أزمة اجتماعية ـ اقتصادية غير مسبوقة، مؤكدا مرة أخري وكلها تأكيدات تكشف عن التوجه الحقيقي لهذه المراسلات:

"لبنان لا يمكن أن يفقد هويته ولا تجربته في التعايش الأخوي الذي جعل منه رسالة للعالم أجمع".

ثم واصل مستشهدا بعبارات البابا الراحل يوحنا بولس الثاني قائلا: "لبنان ـ رسالة"، وذلك في خطاب رسولي أصدره سنة 1989. والرسالة الشديدة الوضوح تقول أو تنص على أن تكون الأقلية المسيحية في البلد هي الهوّية الرسمية الرئيسية المتحكمة في الدولة.. وجدد البابا فرانسيس رغبته في أن تتحقق زيارته للبنان وشعبه الحبيب".

والهويّة تعني إجمالا: مجموعة من الخصائص الجوهرية والميزات التي يمتلكها الشخص ويتم التعرف عليه من خلالها، وتميّزه عن غيره: وأولها الهوية الدينية، والوطنية، والرقم القومي، وبصمات الإصبع، وجواز السفر، وشهادة الميلاد وغيرها. لذلك يصر البابا الفاتيكاني على التمسك بالهوية الدينية للبنان.

وكان فرانسيس عقب زيارته للعراق في مطلع شهر مارس الماضي، قد تلقي دعوة رسمية من ميشيل عون لزيارة لبنان. وفيما يلي نص خطاب البابا ردا على هذه الدعوة:
"إلي معالي السيد ميشيل عون،

"رئيس الجمهورية اللبنانية
"أشكركم على الخطابات القلبية التي وجهتموها لي بمناسبة العام الثامن لباباويتي، وكذلك عقب عودتي من رحلة العراق، موجها لي الدعوة لزيارة بلدكم وشعبه الحبيب.
"وفي انتظار هذا المشروع الغالي على نفسي أن يتحقق، وفقا لإرادة الرب، أؤكد للبنانيين صلواتي الورعة، حتى يتحلوا بالصبر والأمل في المحنة. إن لبنان لا يمكنه أن يفقد هويته ولا تجربته في التعايش الأخوي التي هي رسالة للعالم أجمع.

"ليعاونكم الرب، والمسؤولون السياسيون، للعمل بلا هوادة للصالح العام لبلد الأرز.

"أستودع بلدكم الغالي لحماية سيدتنا عذراء لبنان. وأن يبارككم أمير السلام، أنتم ولبنان وكل من يقطنونه.
"من الفاتيكان، يوم 29 مارس 2021،

فرانسيس".

وإن أمكن الإشارة إلى عدة نقاط في هذا الخطاب، أن البابا سبق وتلقي عدة رسائل من الرئيس اللبناني ولم يكن قد رد عليها وإنما تفضل بالرد حين تعلق الموضوع بالهوية المسيحية.. فكل ما يعني البابا هو "ألا يفقد لبنان هويته المسيحية"، تلك الهوية غير الحقيقية أو الهوية المزيفة والتي اكتسبها بفضل غطرسة وتعنت الاستعمار الفرنسي، الذي صاغ دستورا ينص على أن تكون رئاسة الدولة لمسيحي، ورئاسة الوزراء لمسلم، وباقي المناصب توزع على اختيارات من الطوائف الدينية مجتمعة.

وهذه الفرية الظالمة المجحفة لحق المسلمين في لبنان، إذ وفقاً لإحصائية الفاتيكان قبل تعديلها نسبيا مؤخرا، فإن المسلمون يمثلون أكثر من 67 % من التعداد، أي أنهم يمثلون الأغلبية الساحقة لشعب لبنان، ومع ذلك، وبفضل التلاعب السياسي الفرنسي فهوية البلد مسيحية بسبب تماثيل السيدة العذراء والسيد المسيح التي تملأ حواري وشوارع وجبال لبنان، إضافة الي عدد الكنائس اللافت للنظر. الأمر الذي يفرض الهوية المسيحية على بلد أغلبيته الساحقة مسلمة!
وهذا التلاعب السياسي الغربي الصليبي هو ما يحاول البابا فرانسيس الحفاظ عليه زورا وظلما، متغنياً بالهوية المسيحية التي يحاول فرضها على العالم.

والغريب أن البابا وكافة قيادات العالم الغربي الصليبي المتعصب قد غضوا الطرف عن جريمة الصهاينة ونسفهم مرفأ بيروت بقنبلة ذرية محدودة المفعول.. الأمر الثابت من صور الانفجار التي نشرتها جرائد العالم. ورغمها، ساد الصمت ولم يتجرأ أحدهم على المساس بالكيان الصهيوني المحتل لأرض فلسطين بقرارات حربية غربية صليبية تلهو بالتحكم في العالم وتوزيع الأنصبة فيما بينهم.

وفي خضم هذه الاستعدادات لتثبيت هويّة مزيفة، لم يفت البابا تواضرس الثاني، الذي من الواجب أن يكون ولاءه لمصر وليس للفاتيكان، أن يساهم هو أيضا بإرسال رسالة بيد مرسال، لبابا الفاتيكان، للعمل على تثبيت الهوية المسيحية للبنان. كما أكد نفس المطلب الأسقف بشارة بطرس الراعي يوم 3/4/2021 في خطابه للتهنئة بعيد القيامة يحثهم فيه على التمسك بالهوية المسيحية لبلدهم.

كما التقي السيد ميشيل عون، رئيس الدولة اللبنانية، بالمستشار الأعلى لوزارة الدفاع البريطانية للشرق الأوسط، الجنرال چون لوريمر بمرافقة وفدا رسميا. وتناولت المحادثات الوضع الأمني والعسكري في لبنان والمنطقة، كما تناول الحديث التعاون بين الجيش اللبناني والبريطاني.

وبينما المسلمون نيام، تتغني القيادات المسيحية بالأخوة الإنسانية، ويقتلعون البيانات، والوثائق، والموافقات التي تقتلع الهوية الإسلامية خطوة خطوة.. لتنصير الشرق الأوسط بكامله كما هو مُعلن في مختلف النصوص، الي ان يتم فرض الكاثوليكية الفاتيكانية على العالم..

عندئذ ستفيق المسيحيات الثلاثمائة وخمسون، حينما يتم اقتلاعهم من عقائدهم المنشقة عن الفاتيكان.. ويا له من صراع زائف، غير أمين، قائم على التزييف والتحريف.


زينب عبد العزيز
30 ابريل 2021



عاصفة في وجه الأمة .. الإعلام الليـبرالي العربي يخدم من ؟

 عاصفة في وجه الأمة .. الإعلام الليـبرالي العربي يخدم من ؟

Mar 07, 2017

د. صنهات بن بدر العتيـبي

سيقف المراقبون حائرين في تـفسير توجهات الإعلام الليبرالي العربي الذي بدأ في شيطنة الإخوان المسلمين لأسباب سياسية ثم أستمرأ الطريقة فأخذ يوغل في شيطنة الإسلاميين كلهم والآن يسلك محوراً خطراً بتـشويه وشيطنة الدين الإسلامي، للآسف! 

بل إن الطريق سالكة للإعلام الليبرالي العربي لشيطنة كل من يقف في وجه الهجمة الشرسة على المنطقة العربية برمتها! 

من الواضح أن أجندات الإعلام الليبرالي العربي هي أجندات موجهة لخدمة الغزاة والمستعمرين الجدد للأرض العربية ما ساهم في زعزعة المواقف السياسية العربية،
ومن الواضح كذلك أن الموج التدميري الذي يقوده الإعلام الليبرالي العربي لن يتوقف إلا بأوامر من «الجهة» التي أعطته الضوء الأخضر!


ليس جديداً على المتابعين المتعبين أن الإعلام الليبرالي العربي يهاجم التيارات الدينية والإسلاميين بشراسة وقلة أدب، لكن في السابق كان الأمر يؤخذ على أساس أنها نوع من المشاكسات المحلية (عربياً) بين التيارات المتصارعة فكرياً، كما أنه ليس جديداً من بعض الكتّاب والمحللين والمؤلفين العرب أن يهاجموا الدين والتيارات الدينية والإسلاميين، فهذا يحدث سابقاً في أغلب وسائل الإعلام العربي الموجه، لكن الغريب حقاً أن كبار المسؤولين في بعض الدول العربية دخلوا حلبة الصراع وتحمسوا للمساهمة في شيطنة الإسلاميين والدين الإسلامي بما يخالف حتى مواقف الدول التي يعملون فيها ومما يحرج القيادات التي يعملون تحت آمرتها، هناك أناس أقوالهم تعتبر «مواقف رسمية»، لذلك فإن إصرارهم على تـشويه وشيطنة الدين الإسلامي يصبح أمراً خطيراً لا تـفسير له!
كتّاب الإعلام الليبرالي العربي كانوا- ومازالوا- يتماشون مع توجهات ولهجة السياسي الأميركي سواء كان ديمقراطياً أم جمهورياً، مهما كانت هذه اللهجة ضد دينهم وأمتهم! على سبيل المثال، هناك كتّاب في الشرق الأوسط نـشروا مقالات عدة دفاعاً عن مواقف وتصريحات الرئيس الأميركي الجديد ترامب رغم ما ظهر فيها من عدوانية في حق الدين الإسلامي وشيطنة للمسلمين ورغم قراراته التـنـفيذية المثيرة الموجهة لرعايا الدول الإسلامية والتي عارضها الشارع الأميركي بكافة توجهاته خاصة الليبراليين الأميركيين، وقد أدرج هؤلاء الكتّاب في مقالاتهم انـتقادات حادة وخطيرة للرئيس الأميركي المغادر أوباما (وفي لهجتهم قدر كبير من التـشفي والشـتم) مع أن هؤلاء الكتّاب جندوا أنفسهم لخدمة أجندات إدارة أوباما طوال السنوات الثماني العجاف التي شغل فيها منصب الرئيس!
بعد هجمة ترامب الشرسة على الإسلام جاء رجع الصدى في الصحف العربية! 

فقد نـشر كاتب سعودي مقالاً في جريدة الجزيرة السعودية الرسمية! ووضع له عنواناً بارزاً «الإرهاب الإسلامي»! هكذا! وجادل في المقال كثيراً لاستخدام هذا المصطلح الخطير وردد ببلاهة «لماذا لا نستخدم مصطلح الإرهاب الإسلامي»؟ المثير أن هذا المقال تزامن مع حملة بلاغية يقودها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير يحاول من خلالها أن يشرح للغرب صعوبة ومظلومية استخدام مصطلح «الإرهاب الإسلامي»، خاصة من ناحية التعميم المجحف الذي يشمل كافة المسلمين حول العالم، تـناقض فاخر، لكنه مؤلم!
من ناحية أخرى يستخدم الإعلام الليبرالي العربي قوة إعلامية صاخبة وقـنوات فضائية متـفلتة لوضع سيف «الدعشنة» على الرقاب وتلبـيس غطاء «سحري» على العيون ليس لغرض تـشويه الدين الإسلامي والإسلاميين فحسب، بل كذلك لتـشويه القيادات والحركات والجماعات والأشخاص الذين يخـتلفون مع توجهات الإدارة الأميركية أو يقفون ضد المؤامرة الأميركية الروسية المشـتركة لتـفكيك وتمزيق العالم العربي والقضاء على أنـفاس الحرية العربية التي بدأت تـنطلق في أعقاب الربيع العربي المغدور، يقف الإعلام الليبرالي العربي في خدمة الهجمة الشرسة التي تـقودها أميركا وروسيا لتـغيـير المفاهيم وتمزيق الخريطة العربية وما يدور في العراق وسوريا وليبيا ليس سوى رأس جبل الجليد!! لقد أصبحت الهجمة الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا) على المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الأولى قزمة في القوة والأثر مقارنة مع ما يحدث اليوم من هجمة غير مسبوقة وعلى كافة الأصعدة العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية!
يتحدثون في الغرب كثيراً عن مفهوم «الحرب من الداخل» ويعشـقون الطريقة التي تكون فيها جهودهم التدميرية مدعومة من أطراف داخلية (مغـفلة أو مزروعة) عند الكيان المستهدف، وقد جاء في تـقارير مؤسسة راند الأميركية كم هائل من الأبحاث والدراسات التي تـشرح الاستراتيجيات والأدوات التدميرية التي تعمل في الخفاء ولا ينـتبه لها القوم المستهدفون إلا بعد ضحى الغد! بالنسبة لهم هي مجرد «إعادة تجربة»، حيث مازالوا في الغرب يتذكرون بالفخر الدور الرهيب للحرب الإعلامية والمخابراتية التي ساهمت في شيطنة «الفكرة المركزية» للماركسية ومن ثم تـفكيك وهزيمة الاتحاد السوفياتي! لذلك كان الإعلام الليبرالي العربي أداتهم المفضلة لإعادة الدرس، يا غبي!!
بقلم: د. صنهات بن بدر العتيـبي

“حلمت بأن أصبح رساماً”

“حلمت بأن أصبح رساماً”

عبد الله بومدين أصغر معتقل في السجون المصرية


ريد مطر - صحافية مصرية
أبريل 30, 2021

"عبد الله حاول أن ينتحر في رمضان الماضي، كما تم احتجازه فترة داخل أحد المستشفيات بسبب ظروف احتجازه غير الانسانية، فقد أصيب بالحكة وبمرض جلدي لأنه ممنوع من الاستحمام".
حكاية عبد الله بومدين لا تشبه حكايات الأطفال الآخرين، إنها ديستوبيا تم تمريرها بكل سوداويتها لحياة طفل حلم بأن يصبح رساماً، أتم بالكاد 12 سنة، حين قُبض عليه في منطقة العريش في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2017، ليتعرض لسلسلة من الانتهاكات والتعذيب والإنهاك البدني والنفسي، وزادت الأجهزة الأمنية في قمعه بالتكتم على مكان احتجازه منذ عام 2019 إلى اليوم. 
عبد الله بومدين، أصبح الآن عنواناً لقصة مفزعة عن الأطفال الذين يحتجزهم النظام الأمني في مصر، ولا نعلم إن كان لا يزال حياً، وإن كان يحتفظ بحلمه القديم بأن يصبح رساماً، أم تمت تصفيته ولا ترغب الأجهزة الأمنية في الإفصاح عن مصيره.


انتزعه الأمن الوطني من حضن والدته 

أتم عبد الله بو مدين نصر الدين عكاشة 12 سنة، قبل أسبوعين من القبض عليه من منزله في العريش، تحركت قوة أمنية من الأمن الوطني  في 31 كانون الأول 2017، “وانتزعته من حضن والدته حرفياً”، كما وصف أحمد سالم مدير مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان لـ”درج”.

 زعمت قوات الأمن الوطني وقتها بأنها ستحتجز عبد الله كـ”رهينة” حتى يأتي شقيقه عبد الرحمن بومدين لتسليم نفسه، لكن المفاجأة كانت توجيه تهم عدة للفتى، منها الانضمام إلى جماعة إرهابية محظورة واستهداف مناطق تابعة للجيش وإحراق مدرعات في سيناء.

يقول سالم: “الأمن الوطني هو من قام بالقبض على عبد الله بومدين و سلّمه للجيش، الذي احتجزه  في الصاعقة، في كتيبة 101، ومنطقة الصاعقة مشهورة في سيناء وتثير الذعر، بسبب ما يتعرض له  المحتجزون  فيها  من أشكال تنكيل”.

تعذيب ومحاولة انتحار

ظهر عبد الله للمرة الأولى بعد عشرة أشهر من احتجازه، وتمكنت والدته من رؤيته والتحدث إليه أثناء استجوابه في إحدى الجلسات في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2018. يقول سالم: “عبد الله روى لوالدته أنه تعرض للتعذيب بداية من الضرب المبرح، والصعق بالكهرباء وإطفاء السجائر على مناطق متفرقة من جسده، كان بيتحط في أوضة على أرضها مياه ويلقوا عليها سلوك كهرباء ويكهربوه، وتم تقييده على سرير حديدي وأشعلوا النيران تحت السرير، كما تعرض لتعذيب بالتجويع، لا يحصل على الطعام سوى مرة واحدة كل ثلاثة أيام في السجن المركزي، والطعام عبارة عن خبز جاف وفول”.

ويضيف سالم “قبل القبض على عبد الله بومدين بأيام تم القبض على والده في 5 كانون الأول 2017 وغير معلوم مصيره ومكان احتجازه حتى الآن، وعام 2019 تم القبض على شقيقه عبد الرحمن بومدين وتمت تصفيته داخل السجن”.

 بعد تصفية عبد الرحمن بومدين شقيق عبد الله لم يتم الإفراج عن عبد الله، على رغم أن الأمن الوطني قال في البداية إن عبد الله رهينة لحين الوصول إلى شقيقه-  وجد عبد الله نفسه أمام قضية تحمل رقم 570 لسنة 2018، باتهامات الانضمام إلى جماعة إرهابية ومحظورة، على رغم أنه أنكر كل الاتهامات الموجهة إليه،  وانقطع عبد الله عن الدراسة منذ احتجازه وهو بالصف الإعدادي الأول .

مسؤول في مؤسسة “بلادي لحقوق الإنسان” التي وثقت قضية عبد الله بومدين وكانت مسؤولة عن الدفاع القانوني والقضائي عنه، يوضح لـ”درج”  أن عبد الله تعرض للسجن الانفرادي لسنوات بين سجن الأزبكية وقسم العريش ومُنعت عنه الزيارة.

حصل عبد الله على تأييد بإخلاء سبيله في 1 كانون الثاني/ يناير 2019، وتم ترحيله إلى قسم ثانٍ في العريش، يقول أحمد سالم “في 17 كانون الثاني 2019 ذهبت شقيقته لاستلامه من قسم العريش بعد صدور أمر بإخلاء سبيله، وطلب منها الضابط المسؤول عن القسم بتوقيع ورقة تعهد بتسليم عبد الله بعد الإفراج عنه في حال طلبته الشرطة للاستدعاء والاستجواب، لم يسمح لها بقراءة الورقة لكنها وافقت على التوقيع وأقرت بما طلبه منها ضابط القسم.

مسؤول “مؤسسة بلادي لحقوق الإنسان” يوضح لـ”درج” أنه يُرجح أن الورقة التي أُجبرت شقيقة عبد الله على توقيعها هي ورقة استلامها عبد الله، لكنها في الواقع لم تتسلمه ولم يخرج معها من القسم.

منذ عام من الآن حاول عبد الله بومدين الانتحار داخل السجن بتجرع كميات كبيرة من حبوب دواء السكر، يقول أحمد سالم، “عبد الله حاول أن ينتحر في رمضان الماضي، كما تم احتجازه فترة داخل أحد المستشفيات بسبب ظروف احتجازه غير الانسانية، فقد أصيب بالحكة وبمرض جلدي لأنه ممنوع من الاستحمام”.

أسرة عبد الله من الأسر التي تم تهجيرها وهدم منزلها وفق قرارات الإخلاء الكامل لمنطقة عريش شمال سيناء، تعرض الأب للاعتقال والإخفاء القسري، والابن عبد الرحمن تعرض للاعتقال قبل قتله، وعبد الله اعتقل وتم إخفاؤه، والأم تعيش ثكلى على مصير الأسرة التي حوصرت بكارثة قتل وتصفية أفرادها. 

يقول أحمد سالم أن “مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان” وثقت عشر حالات لأطفال تحت الـ16 سنة واجهوا الاعتقال والإخفاء القسري، أصغرهم عمراً هو عبدالله بومدين.



انتهاكات لقانون حماية الطفل

“مؤسسة بلادي لحقوق الإنسان” تقدمت بدعوى ضد النائب العام ووزير الداخلية ووزير الدفاع تطالبهم بالإفصاح عن مكان احتجاز عبد الله بومدين، وكسبت مؤسسة “بلادي” الدعوى قضائياً، لكن عملياً لم يتم الكشف عن مكان احتجاز عبد الله حتى الآن.

لم تستطع “مؤسسة بلادي” تقديم دعوى ضد وزير الداخلية بشأن التعذيب الذي تعرض له عبد الله داخل السجن، يقول  لـ”درج”، “لا توجد  دعاوى ضد تعذيب سجناء الآن في مصر، فأي محامٍ سيتقدم بمحضر ضد ضابط قام بتعذيب سجين سيتم القبض عليه إلى جانب أن الطفل مختفٍ، فكيف سنتواصل معه للإدلاء بشهادته؟”. 

قانون الطفل في مصر يلزم جهة تنفيذ  الأحكام بتوفير  مكان  احتجاز مناسب للأطفال جيد التهوية، و لا يحبس الطفل حبساً انفرادياً بل في  دار رعاية للأحداث، تحتوي على ملاعب وفصول دراسية، لكن ما تعرض له عبد الله ورفاقه يفتقد لشروط الرعاية، فقد انقطع عبد الله عن التعليم وحُبس انفرادياً وتعرض للتعذيب ومُنعت عنه الزيارة.



أعداد مفزعة لأطفال خلف القضبان
في التقرير السنوي لمركز بلادي لحقوق الإنسان لعام 2020 تم رصد 166 حالة قبض عشوائي واحتجاز لأطفال، بينهم الطفل عبد الله ابراهيم شاهين مواليد 2005، وهو محتجز ومختفي قسرياً منذ ثلاث سنوات”.

يقول التقرير: “واجه معظم المختفين قسرياً من الأطفال، التعذيب النفسي أو البدني أو كليهما، سواء لإجبارهم/هن على الاعتراف أو لمجرد التنكيل بهم/هن وبينما نصت اتفاقية مناهضة التعذيب على كون التعذيب يشمل ذلك المستخدم لانتزاع الاعترافات أو المستخدم لمجرد التنكيل أو عقاب أي مشتبه به/اـ إلا أن المادة 126 من قانون العقوبات المصري لم تصف المعاملة القاسية بلفظ تعذيب” .

ورصدت “مؤسسة بلادي” بشكل مؤكد ممارسة التعذيب على 14 طفلاً قاصراً داخل السجون بهدف انتزاع اعترافات.

إلى الآن هناك 5 أطفال ما زالوا مختفين داخل السجون المصرية وأماكنهم ما زالت مجهولة، كما انتشرت حالات قيام الأمن المصري باختطاف أطفال بهدف إجبار أحد أفراد الأسرة على تسليم نفسه مثلما حدث مع عبد الله بومدين والطفلة خلود مصطفى، التي تم اعتقالها وأسرتها بالكامل لإجبار شقيقها على تسليم نفسه.

الخميس، 29 أبريل 2021

‫كامب ديفيد النيل: الشرب مقابل السلام‬

 ‫كامب ديفيد النيل: الشرب مقابل السلام‬

وائل قنديل

كل ما يجري أمامك، هذه الأيام، في موضوع مياه النيل، يقول إننا بصدد حالة "كامب ديفيد" جديدة بعد أكثر من أربعين عامًا على كامب ديفيد أنور السادات، والتي كانت انقلابًا عنيفًا على كل مقتضيات التاريخ والجغرافيا أيضًا.

هذا التصاعد المدروس في دراما معركة الملء الثاني لسد النهضة، وما يصاحبها من تلويح بالحرب العسكرية، حتى تكاد تحسّ أزيز المقاتلات يخرق أذنيك، مع انطلاق أسراب الطائرات من مرابضها على صفحات السوشيال ميديا .. ثم التحليق بالدراما على ارتفاعاتٍ منخفضة للغاية، وانتعاش الحديث عن المصالح المشتركة والتعايش بين دول الحوض واحترام الحصص المخصصة لمصر من المياه .. كل هذه الدراما تبدو مصنوعةً ومكتوبةً مسبقًا، ومتفقًا عليها بين جميع أطراف اللعبة.

شيء من ذلك كان في كامب ديفيد أنور السادات، حين كانت دراما معركة المفاوضات تبدو مشتعلةً بالأحداث، بينما السيناريو كان قد وضع، والأدوار كلها كانت قد وزّعت، قبل أن يخطو السادات خطوته الأولى، متجهًا إلى كنيست الكيان الصهيوني، تحت الرقابة والرعاية الأميركيتين.

التوقيع على "كامب ديفيد"، المعلن منها والخفي، كان يعني أن كل شيء قد انتهى وكل الأمور قد حسمت، ولم يبق سوى الشكل الدرامي الذي يخطف الجماهير، ويبهرها ويشعرها بأن ثمّة معركة حقيقية حامية الوطيس قادها وخاضها ذلك الشخص الأسطوري الذي سيتم منحه لقب "بطل الحرب والسلام" فيما بعد، ثم جائزة نوبل للسلام لاحقًا، بما يوحي بأن معركة موائد ما يسمى السلام لم تكن أقلّ ضراوة من المعارك العسكرية على جبهة القتال.

قياسًا على ذلك، من السذاجة أن يتصوّر أحد أن عبد الفتاح السيسي، وهو يوقع إعلان المبادئ  الخاص بتقاسم مياه النيل مع إثيوبيا والسودان، لم يكن يعلم مآلات ما بعد التوقيع، أو أنه لم يكن مدركًا أنه بذلك التوقيع منح أديس أبابا تفويضًا بالإدارة والتحكّم في مياه النهر.

وعلى ذلك، ظني الذي أتمنّى أن يخيب، أن لا حرب ستقع، ولا سلام سيحل، وستبقى مصر رهينة إعلان المبادئ، كما بقيت رهينة كامب ديفيد على مدار ما يزيد عن أربعة عقود مضت. سيبقى كل شيء حبيس غرف المفاوضات التي لن تأتي بنتائج حقيقية، لسبب منطقي للغاية، أن المفاوضات هنا ليست مقدّمة ضرورية للوصول إلى النتائج، لأن النتائج قد حسمت بالفعل وسلمت لأصحابها، ربما على ضوء مفاوضاتٍ أخرى سرية في الغرف المغلقة، قبل أن يبدأ هذا العرض المثير الذي تعيشه بكل جوارحك الآن.

لقد سالت أمتار مكعبة كثيرة من الحبر في الكتابة عن تلك السيناريوهات الشريرة عن أن المشهد الأخير سيكون عبور النيل إلى الكيان الصهيوني، استجابةً لمشاريع صهيونية قديمة ترجع إلى ما قبل إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، ومن ذلك ما تناوله نقيب نقباء الصحافيين المصريين الراحل، كامل زهيري، في كتابه "النيل في خطر"، حيث يعود بالحكاية إلى العام 1903، حيث مشروع اتفاقية توطين اليهود في سيناء مدة 99 عاما. ويورد نص تقرير البعثة الصهيونية التي زارت سيناء أيام الاحتلال البريطاني، واقترحت تحويل مياه النيل تحت قناة السويس، وحقيقة الاتصالات السرية بين المليونير الصهيوني روتشيلد وجوزيف تشمبرلين وتيودور هرتزل وبين اللورد كرومر وبطرس باشا غالي. 

وعلى ذكر بطرس باشا غالي الجد، تساءل الحفيد بطرس غالي وزير الشؤون الخارجية زمن السادات، في كتابه "بين النيل والقدس": إذا كان لابد من الاختيار بين العالم العربى وأفريقيا، فماذا سيكون خيارنا؟ باختصار، ما هو الأهم بالنسبة لمصر: النيل رمز المستقبل أم القدس، رمز التاريخ؟ ما هو الأهم: الجغرافيا أم التاريخ؟

بقراءة فصول الكتاب، تدرك أن غالي، وزير السادات في كامب ديفيد وما بعدها، كان يرى أن الجغرافيا أهم من التاريخ، وأن اهتمام مصر ينبغي أن يكون بالنيل، لا بالقدس، وها هي مصر الرسمية بعد أكثر من أربعين عاما من ذلك المنطق قد استقالت من التاريخ (القدس وفلسطين) من دون أن تفوز بالجغرافيا (النيل وأفريقيا)، بل وصل بؤس الحال بنا إلى أن حصتنا من مياه النيل باتت مرهونةً بالإرادة الإسرائيلية، ليس لعمق الارتباط المصلحي بين تل أبيب وأديس أبابا فقط، وإنما لأن الشخص المتحكّم في القرار المصري هو نفسه تجسيد للمصالح والأحلام الإسرائيلية.

الشاهد أن ما جرى على القدس والقضية الفلسطينية في مفاوضات العبث مع إسرائيل التي بدأت مع أنور السادات، سوف يجري على موضوع مياه النيل في مفاوضات الوقت الضائع مع إثيوبيا التي انطلقت مع عبد الفتاح السيسي.

توقيع السادات سلم القدس والعرب، بمن فيهم عرب الرفض لإسرائيل، مقابل الحصول على سيناء منزوعة السيادة الكاملة، مزروعة بالإرهاب، يدخلها الطيران الإسرائيلي والسائح الإسرائيلي كيفما ووقتما يشاء. وتوقيع السيسي الحالم بالسادات، والسائر على خطاه، منح مفتاح النيل لإثيوبيا، وصار منتهى حلمه أن تتعطّف علينا الأخيرة بعدم الضرر وزيادة الحصة.

ويبقى من التاريخ أن السادات الذي انتهى دوره وانتهت حياته بعد أن سلم مفاتيح كل شيء إلى أصحاب كامب ديفيد.

دروس في الصبر تقدمها صحابيات حول الرسول

 دروس في الصبر تقدمها صحابيات حول الرسول 



د. علي الصلابي

كانت غزوة أحد أول معركة في الإسلام تشارك فيها نساء المسلمين، وقد ظهرت بطولات النساء، وصدق إيمانهن في هذه المعركة، فقد خرجن لكي يسقين العطشى ويداوين الجرحى، ومنهنّ مَن قامت بردّ ضربات المشركين الموجّهة للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وممَّن شاركن في غزوة أحد: أمُّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، وأمّ عمارة، وحَمْنَة بنت جحش الأسدية، وأمّ سليط، وأمّ سليم، ونسوة من الأنصار. [مسلم (1809 و1810 و1811)].

قال ثعلبة بن أبي مالك رضي الله عنه إنَّ عمر بن الخطاب قسَم مُرُوطا بين نساء من نساء أهل المدينة، فبقي منها مِرط جيّد، فقال له بعض مَن عنده يا أمير المؤمنين! أعطِ هذا بنت رسول الله التي عندك -يريدون أمّ كلثوم بنت علي- فقال -عمر رضي الله عنه- أمّ سَليط أحقُّ به. وأمُّ سليط من نساء الأنصار مِمّن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عمر فإنها كانت تُزْفِر لنا القِرَب يوم أحد. [البخاري (2881، 4071)].

وقد سطّرت النساء في هذه الغزوة أروع صور التفاني في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ظهرت بعض المواقف العظيمة في صبرهن على ما أصابهن في سبيل الله تعالى، وثّقتها لنا كتب السيرة النبوية، ونذكر منها 4:

 

صفية بنت عبد المطَّلب رضي الله عنها:

لـمَّا استُشهد أخوها حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في أحد، وجاءت لتنظر إليه -وقد مثَّل به المشركون فجدعوا أنفه وبقروا بطنه وقطعوا أذنيه ومذاكيره، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لابنها الزّبير بن العوّام "القِها، فأرجعْها؛ لا ترى ما بأخيها"، فقال لها يا أُمَّه! إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أنَّه قد مُثّل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسبنّ، ولأصبرنّ إن شاء الله.

فلـمَّا جاء الزّبير بن العوّام -رضي الله عنه- إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبره بذلك، قال "خَلِّ سبيلها" فأتته، فنظرت إليه، فصلّت عليه، واسترجعت، واستغفرت له. [سبق تخريجه].

 

حَمْنَةُ بنت جحش رضي الله عنها:

لـمَّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من دفن أصحابه رضي الله عنهم، ركب فرسه، وخرج المسلمون حوله راجعين إلى المدينة، فلقيته حمنة بنت جحش، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حمنة! احتسبي! قالت مَنْ يا رسول الله؟! قال أخاك عبد الله بن جحش، فاسترجعت، واستغفرت له، ثمّ قال لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم احتسبي! فقالت مَن يا رسول الله؟! قال: خالك حمزة بن عبد المطَّلب، قالت إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له، هنيئا له الشهادة. ثمَّ قال لها احتسبي! قالت مَن يا رسول الله؟ قال زوجك مصعب بـن عُمير، قالت: واحزنـاه!

وصاحت، وولولت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنَّ زوج المرأة منها لبمكان"؛ لما رأى من تَثبّتها عند أخيها، وخالها، وصياحها على زوجها. [ابن ماجه (1590)، والطبري في تاريخه (2/532)، والبيهقي في الدلائل (3/301)، وابن هشام (3/104)]. ثمّ قال لها ولم قلت هذا؟ قالت: يا رسول الله! ذكرت يُتم بنيه، فراعني، فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولدها أن يحسن الله تعالى عليهم من الخَلَف، فتزوَّجت طلحة بن عبيد الله، فولدت منه محمّدا، وعمران، وكان محمّد بن طلحة أوصل النَّاس لولدها.

 

المرأة الدِّينارية رضي الله عنها:

قال سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه مرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بامرأة من بني دينار، وقد أُصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأحد، فلمّا نُعوا لها قالت فما فعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا خيرا يا أمّ فلان! هو بحمد الله كما تحبّين، قالت أَرُونيه حتّى أنظر إليه، فأُشير لها إليه، حتَّى إذا رأته؛ قالت: كلّ مصيبة بعدك جلل. [الواقدي في المغازي (1/292)، والطبري في تاريخه (2/533)، والبيهقي في الدلائل (2/302)، وابن هشام (3/105)].  تريد أن كل مصيبة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صغيرة. وهكذا يفعل الإيمان في نفوس المسلمين.

 

أمُّ سعد بن مُعاذ، وهي كبشةُ بنت عبيد الخزرجيَّة رضي الله عنها:

خرجت أمّ سعد بن معاذ تعدو نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم واقف على فرسه، وسعد بن معاذ آخذ بعنان فرسه، فقال سعد يا رسول الله! أمّي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرحبا بها، فدنت حتّى تأمّلت رسول الله، فقالت أما إذ رأيتك سالما؛ فقد أشوت المصيبة، فعزّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمرو بن معاذ ابنها، ثمّ قال يا أمّ سعد! أبشري، وبشّري أهليهم أنّ قتلاهم قد ترافقوا في الجنَّة جميعا -وهم اثنا عشر رجلا- وقد شُفّعوا في أهليهم. قالت رضينا يا رسول الله! ومن يبكي عليهم بعد هذا؟! ثمَّ قالت ادعُ يا رسول الله! لمن خُلّفوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللّهُمَّ أذهب حُـزن قلوبهم، واجْبُـر مصيبتهم، وأحسن الخَلَف على من خُلّفوا». [مغازي الواقدي (1/315 – 316)].

 


 

نظرات وعبرات | صناعة العدو وصناعة الصديق (١)

 نظرات وعبرات 
صناعة العدو وصناعة الصديق (١)

محمود عبد الهادي

في الوقت الذي كانت بعض الدول العربية مشغولة فيه بصناعة عدو جديد، بعد نجاح الانقلاب العسكري على الرئيس الأسبق محمد مرسي في يونيو/حزيران 2013م، كانت تجري وبهدوء شديد عملية أخرى لتفكيك عدو آخر وإعادة صناعته من جديد كصديق، أما العدو الذي تمت صناعته فكان "الإخوان المسلمين"، وأما العدو الذي تم تفكيكه وتحويله إلى صديق، فهو الكيان الصهيوني، العدو الأزلي للأمة العربية والإسلامية ما دام محتلًا لدولة فلسطين. فكيف حدث هذا؟ ولماذا؟ وهل كانت هناك علاقة بين العمليتين؟ وهل ستحقق هذه الصناعة أهدافها في النهاية؟

 

بدأت عملية صناعة العدو بالتزامن مع مرحلة تهيئة الظروف للانقلاب العسكري في مصر، لتحويل جماعة الإخوان المسلمين، من جماعة وطنية تمارس حقها السياسي الدستوري، إلى منظمة إرهابية مطاردة محليًا وإقليميًا ودوليًا، والأكثر تهديدًا لأمن المنطقة العربية وزعزعة لاستقرارها.

 

لأسباب كثيرة تحرص الإمبراطوريات والدول والكيانات المختلفة على اتخاذ عدو لها، وإذا لم يكن هذا العدو موجودًا فإنها تعمل على إيجاده، وقد يكون العدو خارجيًا أو داخليًا، وقد يكون دولة مجاورة أو غير مجاورة، وقد يكون العدو دينًا أو مذهبًا أو فكرة أو قيمة أو سلوكًا، وقد يكون مخدِّرًا أو مرضًا، كما قد يكون حقيقيًا أو مصنوعًا أو وهميًا.

صناعة العدو

بعد انهيار الحركتين القومية العربية والشيوعية، تصدّرت جماعة الإخوان المسلمين المشهد السياسي على غيرها من القوى السياسية، في كثير من الدول العربية التي كانت تسمح لها بالنشاط الدعوي والسياسي، كالأردن ومصر والكويت والمغرب والجزائر والسودان واليمن، وبعد نجاح الانقلاب العسكري بقيادة الفريق عبد الفتاح السيسي في مصر، كان أمام رئيس الانقلاب تحديات داخلية وخارجية عدة، فعلى الصعيد الداخلي، كانت الديمقراطية لا تزال في سنتها الأولى، وكان الشعب ما زال يعيش أجواء شعارات ثورة يناير 2011م، ومن بينها "الشعب والجيش إيد (يد) واحدة"، وكانت الدولة تعاني كثيرا من الأزمات الاقتصادية والتنموية، بسبب التركة المنهارة التي تسلمتها من نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، فضلا عن أن جماعة الإخوان المسلمين كان لها في مصر كثير من الإنجازات العلمية والاجتماعية، وقد أظهرت ثورة يناير 2011م حجم الحضور الذي يتمتع به الإخوان المسلمون والحشد البشري الذي قاموا به، الأمر الذي قد يؤدي إلى مواجهة دموية يذهب ضحيتها المئات أو الآلاف.

وأما خارجيًا فكان العالم مبهورا بنجاح الشعب في إحداث هذا التغيير السلمي للسلطة، ومشاهدة الشعب المصري يقيم نظامه الديمقراطي بنفسه أول مرة في تاريخه، ومن المفترض أن تساند الدول الغربية هذه الديمقراطية الوليدة وتدافع عنها، فضلًا عن أن جماعة الإخوان المسلمين لها خارج مصر امتدادات تنظيمية في معظم دول العالم، ولها حضور سياسي ومجتمعي ومدني لا يستهان به، خاصة في ظل الأجواء التي كانت سائدة وقتئذ في أعقاب ما يعرف بـ"الربيع العربي".

مراحل الصناعة

وكان لا بد لرئيس الانقلاب من خطة تساعده على مواجهة هذه التحديات، تعينه في ذلك الأطراف الداخلية والخارجية الحريصة على إخراج الإخوان المسلمين من المشهد السياسي في مصر على وجه الخصوص، وفي غيرها من الدول بوجه عام، فبدأت عملية صناعة العدو بالتزامن مع مرحلة تهيئة الظروف للانقلاب، لتحويل جماعة الإخوان المسلمين، من جماعة وطنية تمارس حقها السياسي الدستوري، إلى منظمة إرهابية مطاردة محليًا وإقليميًا ودوليًا. وقد مرّت هذه الصناعة بمراحل متدرجة عدة، نذكر من بينها:

الشيطنة: مثل تصيد الأخطاء، والترويج للإخفاق والتقصير في خدمة الشعب، ونشر معلومات وبيانات وتقارير كاذبة خلافًا لما هي عليه.

التشكيك: في الانتماء الوطني والولاء لمصر، والدخول في علاقات مشبوهة، وفي صدق الالتزام الديني، وترويج الإشاعات المسيئة إلى الجماعة ومنتسبيها.

التجريم: بصورة تدريجية، كاتهامهم بترويع المواطنين، ثم ارتكاب أعمال عنف وجرائم يعاقب عليها القانون، ثم حيازة أسلحة غير مرخصة، ثم ارتكاب جرائم قتل.


التخوين: باتهامهم بالخيانة العليا والعمالة لجهات خارجية، والتآمر على الدولة وتهديد الاستقرار والأمن.

دعم الإرهاب: باتهامهم بالتواصل مع تنظيمات إرهابية محظورة، وقيامهم بأنشطة إرهابية.

التضخيم: تضخيم صورة الإخوان المسلمين بعدّهم الخطر الأكبر الذي يهدد استقرار الدولة وأمنها، ويتسبب في جميع أزماتها ومشكلاتها، وبالقضاء عليه يتم القضاء على هذه المهددات والأزمات والمشكلات.

التدويل: بتوسيع دائرة الاستعداء عليهم، عن طريق قيام دول عربية أخرى باتخاذ الموقف نفسه منهم، وإصدار بيانات متشابهة بعدّهم جماعة إرهابية ومصادرة مؤسساتهم وممتلكاتهم كافة، وسنّ تشريعات تجرّم كل من ينتمي إليهم أو يتعاون معهم بأي شكل من الأشكال، ثم مطالبة المجتمع الدولي بتأييد الخطوة، وتصنيف الإخوان المسلمين منظمة إرهابية.

وقد سخر الانقلاب العسكري في مصر، والدول المساندة له كل الطاقات المنضوية تحتهم والملتفّة حولهم، لشنّ حملات متواصلة -بمناسبة ومن دون مناسبة- على الإخوان المسلمين، ومن هذه الطاقات: الوزراء والوكلاء وعلماء الشريعة والإعلاميون والفنانون والأكاديميون والخبراء والمستشارون ومديرو المنظمات والهيئات، وغيرهم ممن يدور في فلك النظام. بل بلغ الأمر حد عدّ المشاركة في هذه الحملات واجبًا وطنيًا لا ينبغي التخلف عنه، وكل من نأى بنفسه عن ذلك أقصي عن البساط الأحمر، ومنعت عنه كل المنابر وقنوات الاتصال.

ليس هذا فحسب، فقد بلغ الأمر مداه، بالتحذير من الإخوان المسلمين في مناهج التعليم، والتعميم على خطباء المنابر بالتحذير منهم والتعريف بخطرهم على المجتمع، وإقامة ورش وندوات للشباب وكوادر المجتمع، للتعريف بالإخوان المسلمين وأساليبهم وخطورتهم على الدولة والمجتمع والأفراد، والتحذير منهم ومن فكرهم ومن الاتصال بهم أو التواصل معهم لأي سبب من الأسباب، هذا عدا عن فصل جميع الخطباء والأساتذة والمدرسين لمجرد شبهة العلاقة بالإخوان المسلمين، باعتبارهم -حسب ما يجري صناعته- العدو الأكبر الذي يهدد استقرار الدولة وأمنها.

ووُضعت هذه الأعمال على رأس الأولويات في الدولة، ورُسمت الخطط وسخّرت الموارد المالية واستثمرت الإمكانات اللازمة لضمان نجاحها، وهذا يعني نجاح النظام والدول الداعمة له، في صناعة العدو على النحو الذي يحقق لهم أهدافهم من صناعته.

أهداف صناعة العدو

*بالنظر إلى التحديات الداخلية والخارجية التي رافقت الانقلاب العسكري في مصر، فقد لجأ النظام الجديد وحلفاؤه إلى تحويل الإخوان المسلمين إلى عدو إرهابي إقليمي -بل دولي-، يهدد استقرار دول المنطقة وأمنها، وأنه لا بد من تضافر الجهود للقضاء على هذا العدو، وذلك بقصد تحقيق جملة من الأهداف، على رأسها:
*إيجاد مسوّغ محلي وإقليمي ودولي لإزاحة الإخوان المسلمين والقضاء عليهم، وما سيترتب على ذلك من انتهاكات وتجاوزات تتعارض مع القانون الدولي، ويُتغاضى عنها إذا كانت ضمن الحرب على الإرهاب.
*إقناع الشعب بأن النظام جاء ليخلصهم من العدو الحقيقي الذي يريد أن يزيد حياتهم بؤسًا، ويجلب لهم المصائب والتخلف، ويزعزع استقرارهم، ويزرع بينهم التطرف والإرهاب.
*زيادة تأييد الشعب للنظام الذي سيخلصهم من الخوف والقلق الدائمين بسبب وجود هذا العدو الخطر.
إيجاد شماعة لتعليق إخفاق النظام عليها، مهما كان نوع هذا الإخفاق وأسبابه والجهات التي تقف وراءه، فهي دائما بسبب هذا العدو.
*قبول الشعب بالتضحيات التي يقدمها، والمعاناة التي يعانيها في المجالات كافة، بذريعة أن الدولة تمر بمرحلة حساسة، وتحارب عدوًا شرسًا.
*تصديق الشعب ما يبثه له النظام من معلومات وتقارير عن مشروعاته وإنجازاته وانتصاراته على العدو وقرب القضاء عليه.
*تمكين النظام من التعبئة المستمرة للرأي العام في مواجهة العدو، وتقديم ما تحتاج إليه هذه المواجهة من بذل وإمكانات وتضحيات، وتأييد كل ما يقوم به النظام من انتهاكات بحق هذا العدو، وكل من له أي صلة به.
*صرف الرأي العام عن إخفاقات النظام وأخطائه في إدارة الحكم، وتقصيره في حق الشعب، وصرفه عن تجاوزاته السياسية والعسكرية والمالية والتشريعية والدستورية.
*تسويغ جميع ما يقوم به النظام من تغييرات تشريعية واجتماعية وثقافية وفكرية.

 

ومع الأسف الشديد فقد مضى على هذه الصناعة أكثر من 8 سنوات دون توقف، وكان من نتائجها زجّ عدد من دول المنطقة في أتون صراعات أهلية دامية راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى والجرحى، وملايين المشردين، في ليبيا واليمن وسوريا، وما زال شبحها يخيم فوق دول أخرى نسأل الله تعالى أن يسلمها منه. (يتبع..)

الأربعاء، 28 أبريل 2021

الأنظمة الملكية العربية بين النموذجين الأفغاني والإسباني

 الأنظمة الملكية العربية بين النموذجين الأفغاني والإسباني

ياسر أبو هلالة

بعد عقد من الربيع العربي، لا تزال الدول العربية، باستثناء تونس، بعيدة عن التحول الديمقراطي، ولم تعد ‏للديمقراطية الجاذبية السابقة، لا بالنسبة للشعوب ولا للأنظمة، ولكنها باتت تشكل مخرجا لمواجهة الأزمات الاقتصادية الخانقة، ومواجهة الضغوط الخارجية. 

وظلت الأنظمة الملكية، لما تتمتع به من استقرار نسبي، أقدر من الأنظمة الجمهورية التي ترواح بين الاستبداد المطلق، كالحالة المصرية، أو التفكك والفوضى، كما آل إليه الوضع في سورية وليبيا وغيرهما.

تتفاوت الأنظمة العربية الملكية في ابتعادها عن التحول الديمقراطي، بين نظام ملكي شمولي مطلق، لا تجرى فيه أي انتخابات، ويرفضها مبدئيا، وملكيات دستورية لكنها لا تطبق الدساتير كما يجب، مثل المغرب والأردن والكويت. وهذه الدول الثلاث يمكنها أن تشكل نموذجا لغيرها من الملكيات والجمهوريات في التحوّل الديمقراطي وبناء الدولة الحديثة.

تراجعت كثيرا الدولة الريعية وسياسة استرضاء الناس، وما من بديل غير إشراك الناس في المسؤولية، ليتحملوا أعباء القرارات الصعبة. والشكل الديمقراطي لا يقنع الناس، ولا يلبي طموحهم. وبإمكان الملكيات الدستورية أن تطبق الدساتير بنزاهة، من خلال انتخابات حقيقية، لا شكلية تحدد نتائجها مسبقا.

ذلك كله لا يعني عدم التحوّط من المخاطر الداخلية والخارجية التي قد تودي بالتحول، كما حصل في تجربة أفغانستان، فقد نجح الملك ظاهرشاه في إنجاز عقد من التحوّل الديمقراطي من 1963 إلى 1973، أجهضه تهوّر القوى اليسارية المحلية بقيادة ابن عمه الأمير داود خان، الذي انقلب عليه، بموازاة التدخل الخارجي السوفييتي، في أوج الحرب الباردة، فالتعامل ببراءة مع المخاطر أسقط الدولة، ولم يوقف مسار التحوّل فقط، على خلاف مسار التحوّل الديمقراطي في إسبانيا، الذي تمكّن فيه الملك من كبح جماح المتطرّفين من الملكيين في الجيش، عندما أفشل انقلابهم، مطلع الثمانينيات. وفوق ذلك، لعبت الحرب الباردة في صالحه، وكانت أوروبا الغربية وأميركا حريصتين على مغادرة إسبانيا حقبة العسكر والجنرال فرانكو، ودخولها في النادي الديمقراطي، وقدمتا في سبيل ذلك كل أشكال الدعم، المالي والسياسي.

تستطيع الملكيات العربية الاعتبار من النموذجين، في فشلهما ونجاحهما. يحتاج التحول الديمقراطي إلى ديمقراطيين. وبناء القوى الديمقراطية مهمة شاقة، وليست قرارا سهلا، يبدأ بالتعليم والإعلام، ولا يتوقف عند الانتخابات. ومواجهة القوى المتطرّفة تبدأ بتحييد الجيش وإبعاده عن السياسة، حتى لا يتحوّل أداة بيدها.

هذه الأيام فرصة ذهبية للملكيات حتى تجدّد نفسها، وتلتزم بالدستور وتنسجم مع العصر، وأن تتحوّل، بهدوء وتدرج، أفضل من أن ترتبك في ظل موجة ثانية متوقعة من الربيع العربي، قد تتسرب منها مياه التطرّف والفوضى.