‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ياسر أبو هلالة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ياسر أبو هلالة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 13 يوليو 2026

رحلة عن قرب في شخصية الأمير الوالد من ساندهيرست إلى الناصرية و الوهابية

 رحلة عن قرب في شخصية الأمير الوالد من ساندهيرست إلى الناصرية و الوهابية


الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني


تزاحم المشيعون في أكبر حشد شهدته
الدوحة لوداع باني قطر وصانع نهضتها، ولم يلتفتوا إلى حرارة الجو ولا إلى بُعد الشقة مشياً، في صلاة الجنازة على الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب.

للزمان والمكان معنى. في مثل هذه الأيام قبل 13 عاماً ترجّل عن صهوة السلطة، وفي سابقة تاريخية تخلى عن العرش وسلّم الراية لفارس شاب. هنا يودّع الناس حمد الإنسان لا صاحب السلطان، وفي هذا المسجد تجسّد اعتزازه بهويته وكبرياؤه؛ فارساً من بني تميم، فخوراً بعروبته وإسلامه. بُني المسجد في ذروة تداعيات 11 سبتمبر، يوم صارت «الوهابية» تهمة، وسط سعار الإسلاموفوبيا. وبشجاعة تحدّى السائد وتحدث بفخر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بوصفه مجدداً وابن قبيلته. وهذا مفتاح شخصيته: الشجاعة.

الشيخ تميم يحمل إرثا بارّا به وفيا له


في الحرب على قطر، يرفض الصهاينة، المهوسون باليهودية هويةً قومية، الاعتراف بأن قطر بلد له هوية عربية إسلامية تحدد موقفه من القضية الفلسطينية، وليس لقيطاً، فنسجوا أسطورة الإخوان المسلمين. وفي ليلة رحيله، يا لها من مصادفة، بثت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية فيلماً لمدة ساعة عن حرمه سمو الشيخة موزا، بوصفها زعيمة الإخوان المسلمين! والواقع أن الأمير الوالد، بالإضافة إلى اعتزازه بهويته، شخصية تقدمية من الناحية الاجتماعية، بصورة لا تُرضي الإسلاميين من إخوان وسلفيين وغيرهم. وتجلّى ذلك في موقفه من المرأة: زوجه وبناته والمرأة القطرية عموماً.

وتلمس تقدميته وانفتاحه لا في قضية المرأة وتمكينها فقط، بل في الإعلام والتعليم. في الجزيرة، كان أول رئيس تحرير سامي حداد، رحمه الله، وهو مسيحي ليبرالي، وكثيراً ما أغضبت المساحة الليبرالية في الجزيرة الإسلاميين. وفي التعليم، كان استقدامه للمدارس البريطانية والأميركية والفرنسية والكندية والفنلندية، وجامعات المدينة التعليمية، جورج تاون ونورث وسترن وكارنيجي ميلون وكورنيل، واقعاً يناقض أسطورة «الأخونة» ويؤكد التقدمية.

وهذه الوقائع وغيرها تجدها في متاحف قطر، وهي من مآثر الشيخة موزا أيضاً: متحف الفن الإسلامي بجوار حركة فنية ثقافية تستوعب أكثر الفنانين والمصممين والمعماريين حداثة. فضلاً عن كأس العالم وما يجسده من انفتاح على ثقافات العالم وشعوبه. ذلك وغيره ينسف أكاذيب الإعلام الصهيوني.

والشجاعة لا تجدها في السياسة والمواقف الفكرية فقط، فقد كان اقتصادياً شجاعاً مخاطراً. قبل ثلاثين عاماً لم تكن قطر التي نعرفها اليوم. كانت إمارة نفطية صغيرة على هامش الخليج، احتياطيها النفطي لا يتجاوز أربعة مليارات ونيّف من البراميل، أي كسراً ضئيلاً مما تملكه السعودية أو العراق أو الكويت، وإنتاجها يدور حول أربعمئة ألف برميل يومياً، وموازنتها في العام الذي تسلّم فيه الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم كانت تُقرّ بعجز مقداره نحو ثلاثة مليارات ونصف المليار من الريالات.

لم تكن قطر ثرية ولا فقيرة، لكن شجاعة القائد جعلته يخاطر بذكاء في الرهان على الغاز، وهو ما جعل قطر تتمتع بأعلى دخل للفرد عالمياً. ولم يكتفِ بالثراء، بل سخّر المال لبناء الإنسان القطري هويةً وصحةً وتعليماً: أفضل نظام صحي، وأرقى الجامعات القطرية والعالمية، وخدمة قضايا الأمة، فتضاعف حجم قطر الاستراتيجي بحجم اهتماماتها وتطلعاتها.

كتبت عنه في جريدة «الحياة» اللندنية بعد تنازله عن الحكم مقالاً بعنوان: «صديق أعداء أميركا»، مع أنه صاغ أفضل علاقة تحالفية مع الولايات المتحدة. والحديث عن شخصيته ليس سهلاً، فهي شخصية غنية متعددة الأبعاد، يصعب اختزالها في موقف أو مرحلة. ولفهمها بعيداً عن الإشادة أو التشويه نعود إلى البدايات.

سؤال ساندهيرست
في ساندهيرست، وفي أول تدريب، كان المدرب يسأل كل ضابط مرشح عن بلده، وحين أجاب: «قطر»، سأله: «وأين تقع قطر؟». يقول الشيخ حمد، رحمه الله، لمحدثه إنه فكّر يومها بأنه يريد أن يعرف العالم كله أين تقع قطر، حتى قال، على سبيل المبالغة والسخرية، إنه فكّر في خطف الطائرات حتى يعرف الناس أين تقع بلاده.

وهذه الحادثة الصغيرة ليست طرفة عابرة، بل هي مفتاح المشروع كله. فقد أدرك منذ شبابه أن صغر المساحة وقلة السكان ليسا قدراً، وأن الدولة الصغيرة تستطيع أن تضاعف وزنها إذا امتلكت الرؤية والإرادة والتطلع الكبير. ومن ذلك أنه بنى أكبر أساطيل الطيران وأفخمها، لا أن يخطف طائرات.

وفي ساندهيرست، الكلية العسكرية البريطانية الصارمة، لم يتخلَّ عن أحلام الشباب. كان ناصرياً معادياً للاستعمار، وممن يشهدون له بذلك زميله في الكلية اللواء المتقاعد عبد السلام الحسنات، وهو عسكري من محافظتي ، قال لي إنه استقبل المعزّين في الكلية العسكرية بوفاة جمال عبد الناصر. في عاصمة الاستعمار يفتح بيت عزاء لألدّ أعداء الاستعمار. تلك البدايات صقلت مقاتلا، شجاعا، في أعرق الكليات العسكرية، مستندا إلى إرث من الفروسية. وظل في السياسة يجيد القتال بشجاعة.

أن تبيع ما لا أحد يريد شراءه


كان حقل الشمال قد اكتُشف عام 1971، وهو أكبر حقل للغاز غير المصاحب في العالم. ومع ذلك ظل قرابة عشرين عاماً أقرب إلى الأصل النائم منه إلى الثروة. والسبب أن الغاز في ذلك الزمن لم يكن سلعة عالمية كالنفط، بل منتجاً محلياً ثقيل الحركة: تبيعه لجارك عبر أنبوب أو لا تبيعه أصلاً.

وهنا تصطدم قطر بجغرافيتها من جديد. فالأنبوب يحتاج إلى ممر برّي وإلى سوق قريبة كبيرة، وقطر لا تملك الاثنين. والطريق الوحيد المتبقي كان الأصعب والأكثر كلفة: الغاز الطبيعي المسال. ومعنى ذلك أن تبني، من الصفر، سلسلة صناعية متكاملة كل حلقة فيها بلا قيمة من دون الحلقات الأخرى: منصات إنتاج بحرية على بعد ثمانين كيلومتراً من الساحل، وأنابيب تنقل الغاز إلى البر، ومدينة صناعية كاملة في رأس لفان، وقطارات إسالة تبرّد الغاز ليصبح قابلاً للنقل بحراً، وأسطولاً من الناقلات المبرّدة المصممة خصيصاً لهذه المهمة، ومحطات إعادة تغويز في موانئ المشترين على الجانب الآخر من العالم. ولا تعمل هذه السلسلة إلا كاملة، ولا تدرّ دولاراً واحداً قبل أن تكتمل بأسرها.

ولا يصح إغفال قاعدة العديد، فشركات الطاقة الأميركية لا تأمن على استثماراتها في بلد بين إيران والسعودية من دون شراكة عسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية.

وبلغة الاستثمار، هذا يعني إنفاق عشرات المليارات قبل أي إيراد، وربط مصير الدولة بأصل واحد لعقود. وقد قُدّرت كلفة مشروع «قطر غاز 1» وحده بنحو 2.3 مليار دولار للمصنع، وقرابة خمسة مليارات مع البنية التحتية المرافقة، فيما كانت تقديرات منتصف التسعينات تضع كلفة مشاريع الغاز الثلاثة مجتمعة عند نحو خمسة عشر مليار دولار، في بلد لا يتجاوز عدد مواطنيه بضع مئات من الآلاف وموازنته تسجّل عجزاً. ولم يكن أمام الدولة إلا أن تقترض بكثافة من البنوك العالمية ووكالات ائتمان التصدير، وأن تدخل في شراكة مع كبريات شركات الطاقة.وُضع حجر الأساس عام 1994، وأُنتجت أول شحنة غاز مسال في نوفمبر 1996، وغادرت أول ناقلة ميناء رأس لفان في ديسمبر من العام نفسه لتصل إلى اليابان مطلع 1997.

وأذكر أن عبد الكريم الكباريتي، وهو سياسي استراتيجي واقتصادي خبير، تولى رئاسة الوزراء في الأردن عام 1996 ثم صار رئيساً لمجلس إدارة البنك الأردني الكويتي، قال لي عام 2000 مستغرباً هذا الرهان: «صدام يبيع النفط لنا بسعر تفضيلي بثمانية دولارات، ويهرّبه إلى دبي بستة دولارات، فبكم سيبيعون الغاز؟». ولم يكن الكباريتي وحده. كان هذا هو الحكم السائد في أوساط المال والسياسة على السواء: مغامرة دولة صغيرة تستدين فوق طاقتها لتبيع منتجاً منخفض القيمة في سوق لم تُخلق بعد.

وقد أثبتت السنوات عكس ذلك تماماً. فمع مطلع الألفية، ومع ثورة «القطارات العملاقة» التي ضاعفت حجم وحدات الإسالة وخفضت كلفة الوحدة المنتجة، ومع أسطول الناقلات العملاقة الذي جعل النقل أرخص من نقل أي منافس، صارت قطر المنتج الأدنى كلفة في العالم. ووصلت طاقتها إلى نحو سبعة وسبعين مليون طن سنوياً، وتحولت من دولة تقترض إلى دولة تُقرض، فأسست صندوقها السيادي عام 2005، وبلغت عام 2007 أعلى دخل للفرد في العالم.

الجزيرة
في نوفمبر 1996، أي في الشهر ذاته الذي أُنتجت فيه أول شحنة غاز مسال، بدأت قناة «الجزيرة» البث. وهذا التزامن ليس مصادفة. رجلٌ وضع في العام نفسه رهانين متوازيين على المشكلة الواحدة:
الغاز يمنح الدولة الصغيرة وزناً مادياً، والإعلام يمنحها وزناً معنوياً، والاثنان معاً تعويض عن الجغرافيا.

شكّلت «الجزيرة» قوة ناعمة، لا لقطر وحدها بل للعرب جميعاً، ولأول مرة صار للعرب روايتهم في العالم.
وفوق «الجزيرة» والإعلام، دخل ميدان الرياضة قوةً ناعمة من أبوابه الواسعة، وفازت قطر بتنظيم كأس العالم، في بطولة غير مسبوقة أعجزت من جاء بعدها.

التوازنات
لم يكن يؤمن بأن الدول أسيرة الجغرافيا أو التحالفات الجامدة. وكان يرى أن تأسيس مجلس التعاون الخليجي في سياق الحرب العراقية الإيرانية لا يعني أن تكون قطر في حالة عداء دائم مع إيران، رغم خلافاتها معها، ولا في عداء مع العراق بعد احتلاله الكويت. لذلك كان، وهو ولي عهد، أرفع مسؤول خليجي يزور طهران عام 1993، وكان وزير خارجيته حمد بن جاسم أرفع مسؤول خليجي يزور العراق ويكسر الحصار. بنى سياسة توازن دقيقة: يصطدم مع الدول في ملفات، ويتوافق معها في أخرى، وفقاً لمصلحة قطر لا لمنطق المحاور. وهو توازن له ما يبرره في الجغرافيا قبل السياسة. ولهذا وصفه حزب الله خلال حرب تموز بـ«أمير المقاومة»، قبل أن ينقلب عليه ويشن عليه حملات قاسية بعد انحيازه إلى الثورة السورية.

ولا أزعم أنني عرفته عن قرب، فقد التقيته مرات معدودة بحكم عملي. أتذكر اللقاء الأول عام 2005 عند افتتاح المبنى الجديد لقناة «الجزيرة»، وكانت العلاقات الرسمية بين الأردن وقطر في أسوأ مراحلها بعد إغلاق مكتب «الجزيرة» في عمّان. يومها قال لي: «أنت قادر على إدارة التوازنات»، ثم ضحك ضحكته المعروفة. وعلى المستوى الإنساني، كان من الصعب ألا يلمس من يلتقيه دفأه وعاطفته، وهي سمة عرفها القطريون وكل من تعامل معه، فكان أقرب إلى الوالد منه إلى الحاكم
في قناة الجزيرة وضحكة عن إدراة التوازنات.

المبدأ وحدود القدرة
كان سياسياً قلبه في المكان الصحيح، يدرك حدود الإمكانات وقدرات الدولة. ولعل القضية الفلسطينية كانت أوضح تجليات هذه الشخصية. أعطى عملية السلام فرصة، وعندما صافح شمعون بيريز وعاتبه الشيخ يوسف القرضاوي، ردّ ساخراً: «لقد غسلت يدي بعد مصافحته»، فأجابه القرضاوي: «بل سبع مرات، إحداهنّ بالتراب».

وخلال حرب غزة عام 2008، حاول عقد قمة عربية رغم الجهود التي بُذلت لإفشالها، وأغلق مكتب التمثيل التجاري الإسرائيلي في الدوحة. وكانت زيارته إلى قطاع غزة المحاصر، وهو أمير لقطر، خطوة سياسية شجاعة. وانفعاله بالقضية الفلسطينية حقيقي، حتى إنه لم يتمالك نفسه من البكاء حين شاهد فيلماً يوثّق مجزرة جنين في أول مهرجان للأفلام الوثائقية في «الجزيرة».

ومع الربيع العربي انحاز إلى الشعوب، وضحّى بعلاقات استراتيجية كانت من أهم ركائز السياسة القطرية. فقد كانت علاقته بمعمر القذافي وبشار الأسد علاقة وثيقة، لكنه حين رأى القذافي يذبح شعبه، وبشار الأسد يفعل الأمر نفسه، انحاز إلى الشعوب، ولم يجعل المصالح السياسية مقدَّمة على المبادئ، مع أنه بذل معهما جهوداً لم تنجح للإصلاح بدلاً من قمع الثورات.

وكان يؤمن بأن الدول تكبر بمواقفها كما تكبر بمواردها. لذلك تحلّى بشجاعة استثنائية في القضايا الكبرى: في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، وسوريا، وغيرها. وكانت لديه الجرأة على اتخاذ القرار وتحمّل كلفته، وهي الشجاعة التي صنعت المكانة التي تحتلها قطر اليوم.

وإذا كانت النفوس كباراً، تعبت في مرادها الأجسام. آن للفارس أن يترجل. في مقبرة لوسيل، دُفن باني قطر الحديثة إلى جوار مؤسس قطر الشيخ جاسم، وفياً لإرثه الذي رأى بلاده «كعبة المضيوم».

شِيَمُ الأُلى أنا منهمُ … والأصلُ تتبعُه الفروعُ 

(المعتمد بن عباد)

لا تحزن عليه قطر وحدها، فالحزن بحجم الأمة المضيومة التي نذر نفسه لها. والعزاء بما تركه من إرث ومحبة. أوسع بكثير من جغرافيا قطر.

الشروق الجزائرية

الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

الدرس غير المستفاد من 7 أكتوبر

 الدرس غير المستفاد من 7 أكتوبر

ياسر أبو هلالة

تمكّنت الحركة الصهيونية، منذ نشأتها، من استيعاب اختلافات اليهود ضمن إطار القومية الصهيونية؛ فحوّلت التباينات الفكرية والثقافية والدينية والاقتصادية والاجتماعية إلى مصدر قوة ثراء وتنوّع. وفي المقابل، نحوّل نحن، ضحايا الصهيونية، وأعداءها، عناصر القوة والتنوّع لدينا إلى عوامل انقسام وضعف، فالفجوة الفكرية، مثلاً، في المشروع الوطني الفلسطيني بين الجبهتين، الشعبية والديمقراطية، وحركتي فتح وحماس، تُقاس بالسنتيمترات، بينما الخلافات داخل الائتلاف الحاكم في إسرائيل يتجاوز كيلومترات.

لو أن العرب عموماً، بمن فيهم "الصهاينة العرب"، يتعلمون أبسط دروس الصهيونية من خلال الاستفادة من درس المعركة على تجنيد الحريديم، فالعلمانيون الصهاينة يبذلون دماءهم في قتال الفلسطينيين والعرب، والمتشدّد الحريدي يرفض، منذ قيام دولة إسرائيل، الخدمة في الجيش، ويكتفي بالصلاة ودراسة التوراة والقيام بالواجبات الشرعية. بالنتيجة، يخوض نتنياهو العلماني معركة سياسية كبرى لحماية حق حرية الحريدي في الإعفاء من الخدمة العسكرية.

ذلك ليس محبة، وأخوة صهيونية، بقدر ما هو انتهازية سياسية، تخدم الدولة وتحافظ على وحدة الحكومة. لا يزال كيان العدو في حال حرب، على جبهات داخلية وخارجية، ونتنياهو يواجه تهديداً في وجوده السياسي، وهو في حاجة لليمين المتشدّد. وقدّم في الأسبوع الجاري مشروع قانون صاغه عضو في حزب الليكود أغضب المعارضة، وحتى بعض أعضاء الائتلاف الحاكم، بحجّة أنه لا يذهب بعيداً بما يكفي لدفع الناس إلى التجنيد. وقد يشكّل ضعف الدعم لمشروع القانون، الذي يهدف إلى تلبية المتطلبات التي وضعتها المحكمة العليا، خطراً على استقرار الائتلاف الحكومي لنتنياهو.

العلمانيون الصهاينة يبذلون دماءهم في قتال الفلسطينيين والعرب، والمتشدّد الحريدي يرفض، منذ قيام دولة إسرائيل، الخدمة في الجيش

المحكمة العليا المفترض أنها تمثل "ضمير الدولة" هي التي رفضت الإعفاء، وبموجب تسوية تعود إلى تأسيس دولة الاحتلال عام 1947، أُعفي الشبّان المنتمون إلى الطائفة الحريدية المتشدّدة دينيّاً من الخدمة العسكرية الإلزامية. وبدلاً من ذلك، يلتحقون بمدرسة دينية (يشيفاه)، وينقطعون لدراسة التوراة والتلمود والفقه. وقد ظل هذا الأمر، إضافة إلى الإعانات الحكومية الكبيرة للحريديم، سبباً لانقسام داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي سنوات، مع تصاعد المطالب بأن يشارك الحريديم أكثر في "تقاسم عبء" الخدمة الوطنية. فجميع المواطنين اليهود في دولة الاحتلال ملزمون بالخدمة عند سن الـ18؛ الرجال مدة تقارب ثلاث سنوات، والنساء يخدمن عامين. ومع الارتفاع الكبير في عدد الحريديم، تجاوز عدد الرجال المُعفَين من الخدمة 80 ألفاً. مع إن الإعفاء في البداية عام 1947 كان يشمل فقط 400، وكانت المحكمة العليا قد اعتبرت عام 2012 هذا الترتيب غير عادل وغير دستوري، وأصدرت، منذ ذلك الحين، عدة قرارات، من دون جدوى، تلزم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بسنّ قوانين تُجبر مزيداً من الرجال الحريديم على الخدمة. ولم تطالب المحكمة بتجنيد النساء الحريديات.

وبعد أكثر من عامين من الحرب في غزّة، اكتسبت القضية إلحاحاً شعبيّاً أكبر، فالجيش يقول إنه يحتاج آلاف المقاتلين الإضافيين لتأمين جبهات نشطة متعدّدة وتعويض النقص الناتج من القتلى والجرحى، في وقتٍ يُستدعى فيه جنود الاحتياط للخدمة مئات الأيام. وقد بدأت لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الأسبوع الجاري مناقشة مشروع القانون الجديد، الذي صاغه رئيس اللجنة، بوعاز بيسموث، عضو حزب نتنياهو، بمساهمة كبيرة من النواب الحريديم. وقال وزير الهجرة والاستيعاب، أوفير سوفير، من حزب الصهيونية الدينية، إنه "عار"، وأعلن أنه سيصوّت ضده حتى لو هدّده نتنياهو بإقالته. وأضاف: "طوال العامين الماضيين، حاولت مراراً التواصل مع القيادة الحريدية. وجدت فجوة ثقافية عميقة… بعضهم تحدّث عن الحاجة إلى التغيير، وللأسف لم يظهر ذلك عملياً. وأصدر حزب الصهيونية الدينية الذي يقوده بتسلئيل سموتريتش بياناً قال فيه إن نوابه "لن يصوّتوا إلا لمشروع قانون يحقق تجنيداً حقيقيّاً".

راهن يحيى السنوار، رحمه الله، وكان خبيراً بالمجتمع الصهيوني وعرفه تماماً خلال فترة السجن، وظل مواكباً له، على انقسام المجتمع الصهيوني

وصرّح نائبان إضافيان على الأقل من الحزب (وهو حزب محوري في ائتلاف نتنياهو ويمثل جمهوراً دينيّاً يخدم أبناؤه في الجيش) بأنهما سيصوّتان ضد مشروع القانون. كذلك طالب خمسة أعضاء من حزب الليكود نفسه بتعديل القانون، وأشاروا إلى احتمال التصويت ضده، وكذلك فعل فصيلٌ حريدي أكثر تشدّداً، يرفض أي نوع من الخدمة العسكرية. ويثير هذا التمرّد الوليد شكوكاً جدية في قدرة نتنياهو على تمرير الصيغة الحالية من مشروع القانون (يصفه معارضوه بأنه "قانون التهرّب من الخدمة") من دون تغييرات كبيرة. لكن أي تعديلات كبيرة قد تقود إلى معارضة شديدة من الأحزاب الحريدية، وتعرّض الحكومة للخطر. كذلك يشكك محللون في إمكانية صمود الصيغة الحالية أمام اختبار المحكمة العليا، لأنها تتضمّن أهدافاً ضعيفة للتجنيد بين الشبان الحريديم وعقوبات مؤجّلة في حال عدم تحقيق تلك الأهداف.

وكانت الأحزاب الحريدية قد أعلنت استقالتها "اسميّاً" من الائتلاف الصيف الماضي، احتجاجاً على تخفيضات مالية فرضتها المحكمة على مؤسّساتها وعدم وجود حل مناسب لأزمة التجنيد. لكنها، رغم ذلك، لم تتخذ خطوات فعلية لإسقاط الحكومة، لكونها على مدى سنوات ركيزة أساسية في "ائتلافات" نتنياهو. وقد حاول الأخير لأشهر إيجاد صيغة قابلة للاستمرار. وعلى الرغم من السخط الشعبي والبرلماني، ما زال يبدو مصمّماً على تمرير القانون في الأسابيع المقبلة. وكان قد أقال رئيس اللجنة السابق، يولي إدلشتاين، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لأنه سعى إلى تشديد القانون، بينما أراد نتنياهو نسخةً أكثر تساهلاً. وفي جلسة اللجنة الاثنين، قال إدلشتاين إن "أهداف مشروع القانون قد تكون أي شيء (يبدو أنها حماية الائتلاف)، لكنها بالتأكيد ليست التجنيد". وأضاف: "تمرير هذا القانون سيضر بالأمن القومي، لأنه لا يعالج الاحتياجات الحادة للجيش". واستمعت اللجنة أيضاً إلى شهادات من أقارب جنود قُتلوا في المعارك خلال الحروب الإقليمية الأخيرة (بما في ذلك الحملات البرية في لبنان وسورية والضفة الغربية المحتلة)، وكذلك من زوجات جنود الاحتياط اللواتي تحدّثن عن انهيار العائلات نتيجة عمليات الاستدعاء الطويلة.

لا يزال كيان العدو في حال حرب، على جبهات داخلية وخارجية، ونتنياهو يواجه تهديداً في وجوده السياسي، وهو في حاجة لليمين المتشدّد

وقال حغاي لوبر، الذي قُتل ابنه في القتال في غزّة، أمام اللجنة الاثنين، إنه صوّت للحكومة الحالية، لكنه هاجم مشروع القانون، لأنه يميّز، كما قال، "بين دم ودم". وأضاف أن أبناءه خدموا في الاحتياط ما مجموعه 900 يوم خلال العامين الماضيين. وقال: "نحن نفعل ذلك لأنه لا يوجد عدد كافٍ من الناس. إن كنت قد وُلدت في القطاع المناسب، فحياتك أكثر أماناً بكثير في دولة إسرائيل".

في دروس 7 أكتوبر، علينا أن نتذكّر هذا الدرس. لقد راهن يحيى السنوار، رحمه الله، وكان خبيراً بالمجتمع الصهيوني وعرفه تماماً خلال فترة السجن، وظل مواكباً له، على انقسام المجتمع الصهيوني، خصوصاً أنه بلغ أوجه قبيل الحرب إلى درجة تمرّد كبار الضباط. ودخل بايدن على خطه، لكن الصهاينة أثبتوا قدرتهم على الاتحاد. وفي المقابل، فلسطينياً نشهد المسخرة المأساة في سلطة رام الله، التي لا تنفك عن تمزيق المشروع الوطني الفلسطيني. وعربياً نشاهد حجم التآمر العلني لا التضامن. هل يتعلم الفلسطينون والعرب الدرس من عدوهم؟

... مع ملاحظة فارق، الأصولية الفلسطينية ممثلةً بحركتي حماس والجهاد الإسلامي، هي من يحمل العبء الأكبر، وتقدّمه هدية غير مستحقة لعجوز المقاطعة المتفرع، كالحريديم، لشعائر السلطة وامتيازاتها.


الجمعة، 21 نوفمبر 2025

يوم الجمعة نتذكّر أصحاب الكهف وأصحاب النفق …

 يوم الجمعة نتذكّر أصحاب الكهف وأصحاب النفق …

ياسر أبو هلالة

‏يتفاخر الأعلام الإسرائيلي بقتل 5 منهم ليلة الجمعة، كما في الصور ، وحقيقة هم من يفتخرون بما قدموا في ملحمة الطوفان التي لا مثيل لها في التاريخ.

‏◾️بحسب هيئة البث الاسرائيلية ” “الجيش الإسرائيلي قتل خلية مسلّحين خرجت من بنية تحتية إرهابية تحت الأرض في رفح
‏رصدت مجموعة القتال التابعة للواء ناحال خمسة مسلّحين خرجوا من بنية تحتية إرهابية تحت الأرض في شرق رفح، خارج الخط الأصفر، واقتربوا من قوات الجيش الإسرائيلي المنتشرة في جنوب قطاع غزة، بشكل شكّل تهديدًا مباشرًا عليهم.سلاح الجو، بتوجيه من القوات على الأرض، قام بتصفية المسلّحين”
‏◾️◾️قيل ان عدد من بقي خلف الخط الأصفر 50 ، أو150، أكثر أم أقل كما أصحاب الكهف . ” لا يعلمهم إلا قليل ” ربهم أعلم بهم، وهم من أكثر قصص حرب طوفان الأقصى إيلاما و إلهامًا؛ كل واحد منهم يصلح رواية وكتاب، وفيلم ..ولا شك أن كل لحظة يعيشونها منذ عامين سُجّلت بتفاصيلها، عند من لا يضل ولا ينسى ولا تخفى عليه خافية ، فما وطئوا موطئا يُغيظ الكفار إلا كتب لهم به عملَ صالح.

‏ثلة في نفق، أم الأمة في نفق ؟
‏هم التعبير الأوضح عن خطة ترامب الغامضة. التي قبلها المقاتلون لا عجزا عن قتال بل لوقف قتل غير المقاتلين.

‏ لم تتطرق الخطة للمقاتلين الذين بقوا وراء الخط الأصفر؛ إذ اعتبرتهم إسرائيل مشاريع قتل أو أهدافًا مشروعة ، ولم ينجح الوسطاء حتى الآن في إقناعها بنقلهم إلى بلد ثالث.

‏◾️◾️تخيّل مقاتلين لم يُلقوا سلاحهم منذ عامين، يعيشون في الأنفاق، لا يرون ضوء الشمس؛ كقصة أصحاب الكهف الذين خرجوا فوجدوا العالم قد تغيّر.مع فارق إنهم وجدوا الطغيان قد زال بعد قرون ، ومجدّهم الأحفاد واتخذوا عليهم مسجدا.

‏هؤلاء يجسدون قمّة الإيمان والتضحية والبطولة والشجاعة التي عرفها الإنسان.


‏هؤلاء يجسدون قمّة الإيمان والتضحية والبطولة والشجاعة التي عرفها الإنسان.
‏لا شمس لا هواء لا طعام لا ذ خيرة تكفي ، نقص في كل ذلك. لكن القليل منه كثير بالنسبة لهم. تزاور الشمس عن نفقهم ، تكفي قطرات ماء ، تكفي بضع رصاصات..
‏في داخل كل واحد منهم طاقةٌ تُوازي مفاعلاً نوويًّا. كيف يستطيع الإنسان أن يبقى صامدًا أكثر من عامين؟!

‏لماذا لا يستسلمون؟
‏من حقهم أن يرفعوا بعد عامين راية بيضاء ، لكنهم يفضلون عليها حمر الدماء!

‏بمعايير البشر العاديين يمكن للمرء أن يصبر يومًا، أيامًا، أو شهرًا؛ لكن أن يصبر عامين وهو يفتقر إلى ضرورات الحياة: الشمس، الهواء، الماء، الطعام… فهذا لا يكون إلا بإيمان بأن في هذا الجسد روحًا عظيمة، وإذا كانت النفوس عظاما تعبت في مرادها الأجساد.

‏كل مقاتل في أنفاق رفح يستحق ألا ننساه.
‏نتذكّر أن هؤلاء إن خرجوا من نفقهم تتخطفهم المسيرات و الاف 35.. وهم بين أمرين أحلاهما مرّ:
‏الفرار أو الردى… فاختاروا الردى
‏انقطع اتصالهم بعالمنا، لكن اتصالهم بالله لم ينقطع.

‏لهم أبناء وأمهات وأخوات لا يعلمون عنهم شيئا
‏وفرقٌ كبير بين من انقطع اتصاله بالبشر، وبين من انقطع اتصاله بالله.

‏لا نرى وجوههم ولا نعرف اسما منهم كما صاحب النقب المجهول حتى يومنا ، لكنه عند الله معلوم .
‏◾️روى الإمام أحمد (حديث رقم 23468) عن عطية بن بسر المازني:

‏أن المسلمين حاصروا قلعة، فوجدوا فيها نقبًا، فدخلوا منه وفتحوها.
فسأل النبي ﷺ:
‏“من صاحب النقب؟”

‏فلم يجبه أحد.
‏ثم جاء رجل مِن الليل، فاستأذن على النبي ﷺ وقال:
‏“أنا صاحب النقب، على أن لا تذكرني لأحد.”
‏فقال ﷺ:
‏“هو من أهل الجنة.

‏◾️◾️لعل الله يخرجهم من نفقهم ، ويلتحقوا بإخوانهم. وربما اختار لهم أن يلتحقوا بمن سبقهم في الشهادة .
‏وفي النهاية هم روايات من البطولة والشجاعة والتضحية والإيمان.
‏ستمرّ عقود ، وقرون ويغادر الجميع هذه الدنيا: الشهداء، ومن خان، ومن تخاذل ، ومن ظلم، ومن اجرم وسرق الأرض . .
‏ويخلد أصحاب النفق، كما خلد أصحاب الكهف.
‏فهم يجسدون الجذور الضاربة في أعماق الأرض، بينما أصحاب المسيّرات عابرون .
‏◾️◾️في يوم الجمعة، حين نقرأ سورة الكهف، لا نعلم عددهم: سادسهم كلبهم أم سابعهم… لكنهم خُلّدوا في التاريخ مع كلبهم الوفي .
‏ترفقت بهم الشمس إذ تزاور عن كهفهم ، وبسط الكلب لهم ذراعيه بعد أن تخلّى عنهم البشر
‏” وكانوا من آياتنا عجبًا.”

الشروق الجزائرية

الأحد، 2 نوفمبر 2025

‏بين الترامبية والممدانية إسرائيل تخسر بالنقاط

 ‏بين الترامبية والممدانية إسرائيل تخسر بالنقاط

ياسر أبو هلالة

ربما كان آخر صوت صهيوني نقي مدافع عن إسرائيل وجرائمها الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، وهذا موقفه الذي لم يتغيّر منذ غزو لبنان في 1982. والواضح أن الرئيس الحالي، ترامب، في ولايته الثانية غير مريح لإسرائيل. 

صحيح أنّه يفتقر للتعاطف من حيث المبدأ، ومع الفلسطينيين بخاصة، إلّا أنه بات، بعقلية التاجر، لا يراهن على اللوبي الصهيوني. 

نحن أمام رئيس ليس لديه أي مبدأ، ويتحرّك وفق غرائز السياسة. 

المجموعة المحيطة به ليست الحزب الجمهوري التقليدي، ولا المحافظين الجدد، إنها مجموعة شعبوية تحرّكها هوية شوفينية أميركية بيضاء تعبّر عنها بشكلٍ ما حركة MAGA. ولا يمكن القول إنّ هذه الحركة معادية للصهيونية لأسبابٍ أخلاقية، وليس لديها الوعي الكافي بالمشروع الصهيوني وخطره على البشرية وعلى الولايات المتحدة. منطلق هذه الحركة شوفيني، تعتقد أن إسرائيل عبءٌ على أميركا، وأيضاً من منطلقات عقائدية ثمّة تأويلها للمسيحية الرافض للمسيحية الصهيونية، باعتبارها انحرافاً خطيراً، وأن الدين الحق هو المسيحية، وأن شعب الله المختار هم المسيحيون لا اليهود.

‏طبعاً، تتحالف هذه الحركة موضوعياً مع المسلمين، ليس عن محبة، بل لأنها تشعر أن المسلمين والعرب على نحوٍ خاص أقرب من اليهود. 

لعلّ العلامة الفارقة في هذه الحركة هي الاعتداء على كنائس غزّة؛ فهذه الحركة تكتشف أن العرب مسيحيون ومسلمون، وأن العروبة ليست هوية دينية نافية للمسيحي، وأن المشترك بين العرب والمسلمين والأميركيين هو تقديس المسيح، حتى لدى المسلمين؛ فالمسيح ومريم العذراء والإنجيل قيم عليا، الإسلامُ مكمّل لها، وليسَ مناقضاً أو معادياً لها.

في التصريحات الأخيرة لنائب ترامب في تأبين الناشط كريك، والذي يتوقع أن يكون خليفته، كلام أزعج الإسرائيليين كثيراً، خصوصاً أنه تزامن مع مواقفه الناقدة نتنياهو في خطة ترامب.

تختلف المعارضة الشعبوية اليمينية للدولة اليهودية اختلافاً بيّناً عن الموقف التقليدي المؤيّد لإسرائيل

‏في جامعة ميسيسيبي، حيث ألقى نائب الرئيس، جي دي فانس، كلمة أمام حشدٍ نظّمته "ترنينغ بوينت يو إس إيه". وبعد كلمةٍ قصيرة، أجاب فانس عن أسئلة الطلبة. وقد طرح طالبان أسئلةً معادية لإسرائيل. وبدلاً من صدّهما، بدا نائب الرئيس إلى حدّ كبير وكأنه يزكّي عداءهما، وذلك جديدٌ على صوتٍ بهذا البروز داخل السياسة الجمهورية، وقد ألقى جي دي فانس بظلالٍ قاتمة على العلاقات الأميركية مع إسرائيل، ومن المهم تحليل الحوار مع الطلاب.

السؤال من أحد الطلاب: "أنا رجل مسيحي، وأشعر بالحيرة من فكرة أنّنا مدينون لإسرائيل بشيءٍ ما، أو أنها أعظم حليفٍ لنا، أو أننا مضطرّون لدعم حزمة المساعدات الخارجية بمئات المليارات لإسرائيل لتغطية ما سمّاها، على حدّ تعبير تشارلي كيرك، عملية تطهير عرقي في غزّة. لا أفهم كيف ظهرت هذه الفكرة، خصوصاً وأن ديانتهم لا تتفق مع ديانتنا، بل تدعم اضطهادها علناً".

فانس: "أميركا أولاً" لا تعني العزلة. ... قال فانس إن مبدأ أميركا أولاً لا يعني أن الولايات المتحدة لن تكون لها تحالفات بين حين وآخر، موضحاً: "أحياناً تكون لإسرائيل مصالح مشابهة لمصالح الولايات المتحدة، ونعمل معها، وأحياناً لا تكون كذلك"، كما أضاف أنّ صفقة ترامب الخاصة بغزّة "لم يكن من الممكن إنجازها إلّا من خلال ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل"، وتابع: "لذلك عندما يقول بعضهم إنّ إسرائيل تتحكّم بالرئيس الأميركي، فإنهم مخطئون. إسرائيل لا تتحكّم بهذا الرئيس، ولهذا تمكّنا من تحقيق بعض النجاحات في الشرق الأوسط". وأكثر أهمية من الحديث السياسي، أكد فانس أيضاً أنّ هناك "خلافات لاهوتية كبيرة" بين اليهود والمسيحيين، "لكن الطرفَين يمكنهما العمل معاً لحماية المواقع المقدّسة في إسرائيل"، وأشار إلى زيارته كنيسة القيامة في القدس الأسبوع الماضي، قائلاً: "موقفي أنه إذا كان في وسعنا التعاون مع أصدقائنا في إسرائيل لضمان وصول المسيحيين الآمن إلى ذلك الموقع، فذلك مجال واضح للمصلحة المشتركة، وأنا مرتاح لذلك".

لا يقتصر الأمر على نائب الرئيس، ثمّة أصوات فاعلة مؤثرة في اليمين، الصوت الأبرز لتلك الآراء المعادية هو تاكر كارلسون، مع جمهوره الهائل على "البودكاست". وهو ليس وحده. تختلف هذه المعارضة الشعبوية اليمينية للدولة اليهودية اختلافاً بيّناً عن الموقف التقليدي المؤيّد لإسرائيل لدى "جمهوريّي ريغان" والإنجيليين، مثل السفير الأميركي الحالي لدى إسرائيل، مايك هاكابي. ومع ذلك، يتراجع الدعم حتى بين الإنجيليين، ولا سيّما الشباب منهم.

ثمّة صعودٌ ليسار راديكالي يعبّر عنه المرشّح الأوفر حظاً ليُنتخب عمدة نيويورك، زهران ممداني، الذي دخل السياسة من بوابة ترامب الشعبوية نفسها

على الضفة الأخرى، ومقابل الاستقطاب اليميني المتحلّل من التحالف، والتماهي مع الصهيونية، ثمّة صعودٌ ليسار راديكالي يعبّر عنه المرشّح الأوفر حظاً ليُنتخب عمدة نيويورك، زهران ممداني، الذي دخل السياسة من بوابة ترامب الشعبوية نفسها، فقد واجه معارضة من الحزب الديمقراطي لا تقلّ ضراوة عن الجمهوريين، وهو يعبّر عن ظاهرة يمكن تسميتها الممدانية.

... تمثّل اليسار الراديكالي الذي يحاول استعادة القيم الأميركية بخطاب يستخدم أدوات ترامب نفسها، لكنه يختلف معه في الغاية. تنبّه الكاتب تشارلز ليبسون، وهو أكاديمي مرموق مؤيد لإسرائيل، في مقاله أخيراً في "الديلي تليغراف" إلى مؤشّرات الخطر على إسرائيل "لكنّ الهجمات على إسرائيل، والدعوات إلى فرض قيودٍ أشدّ على الدعم الأميركي للدولة اليهودية، مرشحةٌ للاتساع في التربة الشعبوية التي هي الحزب الجمهوري اليوم. وهناك ثلاثة أسبابٍ على الأقل لهذا الاتجاه؛ أولاً أنّ ترامب يخدم ولايته الأخيرة، وهو الصوت الأكثر نفوذاً وتأييداً لإسرائيل بين الشعبويين الجمهوريين. ويُنظر إلى فانس حالياً بوصفه خلفه المرجّح"، والسبب الثاني أنّ قيمة الشراكة الأمنية مع إسرائيل لواشنطن باتت "أقلّ الآن بعد "احتواء" إيران وتحويل الولايات المتحدة اهتمامها إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ"، وثالثاً، أصبح الحزب الجمهوري "شعبوياً، وقد انغرس في الشعبوية تاريخياً فكرٌ تآمري. والسؤالان هما: هل ستبقى تلك الرؤى على الهامش أم تتقدّم إلى الصدارة؟ وهل سيواجهها داخل الحزب دفعٌ قويّ مضاد؟"، ويحذر من أنّ تمسّك فانس بتلك الآراء، وإذا ازدهرت، وإذا تحوّلت إلى سياسةٍ أميركية، فستشكّل "منعطفاً كبيراً في العلاقات الأميركية–الإسرائيلية. ولن يكون ذلك المنعطف إلى الأفضل، لا لإسرائيل، ولا للشرق الأوسط، ولا لأميركا".

تمثّل اليسار الراديكالي الذي يحاول استعادة القيم الأميركية خطاباً يستخدم أدوات ترامب نفسها، لكنّه يختلف معه في الغاية

شكّلت، بنظره، الشراكة القوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ركناً ثابتاً من أركان السياسة الخارجية الأميركية عقوداً. غير أنّ هذه الرابطة، التي تعود بالنفع على البلدين معاً، تتعرّض الآن لهجومٍ متواصل، ولم يعد مصدرُه مقتصراً على اليسار التقدّمي. ويتنبّأ أن تكتسب الهجمات اليسارية على إسرائيل مزيداً من الزخم، إذا ما انتُخب زهران ممداني رئيساً لبلدية نيويورك، كبرى المدن الأميركية وعاصمة إعلامها، وهو يعتبر "عداءه الدولة اليهودية مقروناً بما يبدو أنّه لامبالاة تجاه المقاومة الفلسطينية العنيفة، وليس شذوذاً على أقصى اليسار. بل هو، في الواقع، من ركائز ائتلافهم السياسي".

تخسر إسرائيل نقاطاً مهمة منذ "7 أكتوبر" (2023)، وما التغيّر في اليمين واليسار في أميركا إلّا ثمرة تضحياتٍ كبرى وجهود هائلة، من دماء وعرق مقاتلٍ في الأنفاق، إلى طفل يتضوّر جوعاً، إلى طالب فُصل من جامعة هارفارد بسبب تظاهرة... ولا تتحوّل تلك الخسارة ربحاً لقضية فلسطين، من دون وجود قيادة فلسطينية موحّدة وقادرة، وعالم عربي موحّد على دعم فلسطين، فبقدر ما يبتعد الأميركيون والغرب عن الصهاينة، ثمّة عرب يتصهينون، ويطعنون القضية الفلسطينية في ظهرها. يظلّ الأمل معقوداً على الأجيال العرب، أكثر من ممداني، رياح التغيير في نيويورك تصل إلى العالم العربي عاجلاً أم آجلاً، وهذا ما تخشاه إسرائيل، جيل جديد معادٍ لها بأدواتٍ غير مسبوقة.

الاثنين، 2 يونيو 2025

ما يريده نتنياهو من الدولة السورية الجديدة

 ما يريده نتنياهو من الدولة السورية الجديدة


ياسر أبو هلالة

أولاً، التركيع والتطبيع والتوقيع من دون إعادة أيّ من حقوق الشعب السوري في أرض هضبة الجولان (وإعادة مليون نازح)، ولا في جبل الشيخ ومزارع شبعا وشواطئ طبرية الشرقية. يعني التخلّي عما يعرف بـ"وديعة رابين". يُسوَّق ذلك في إطار اتفاق "وقف الاعتداء"، وهو اختراع نتنياهوي لا سابقة له في تاريخ البشرية، يعني شرعنة الاعتداء الدائم احتلالاً وتهجيراً، مقابل وقف الاعتداء المؤقّت، واعتبار الدفاع عن القانون الدولي اعتداءً، والتوقيع على ذلك. 
ثانياً، في حال رفض التركيع، تتواصل "الحرب الأبدية" ضدّ سورية وتحويل الدولة وجيشها وأمنها فصيلاً "إرهابياً"، مثل حزب الله وحركة حماس، تضربه إسرائيل متى شاءت، في مطاردة ساخنة، والغرض ضرب الاستقرار في سورية، بمنع قيام الدولة، وتقسيمها وفق منطق "تحالف الأقلّيات"، فيصل الجيش الإسرائيلي إلى كلّ كائن أقلّوي يشعر بالخوف من الدولة، ما يعني ضرب الاستقرار والاستثمار.
بحسب السفير الأميركي روبرت فورد، في محاضرته التي أُلقيت ونشرت عبر قناة مجلس بالتيمور للشؤون الخارجية على "يوتيوب"، وهاجمها كثيرون من دون أن يستمعوا إليها، إسرائيل هي الطرف الوحيد الذي لا يريد الاستقرار في سورية. على الرغم من الرسائل الإيجابية من خلال ضبط النفس واستقبال يهود سوريين والسماح لهم بترميم معابدهم. ووجّه نقداً لاذعاً لإسرائيل التي لم تقصف خلال الثورة السورية، مع قصف نظام الأسد مناطق معارضة بالكيماوي والبراميل، أي قواعد جوية ولا معسكرات طوال حكم الأسد، وفعلوا هذا بعد سقوطه. 
ويقول بوضوح إن إسرائيل تريد سورية "ضعيفةً مقسّمةً". في المقابل، يتحدّث عن الأتراك أنهم أصدقاء كبار لسورية، وإنهم القادرون على مواجهة إسرائيل. ويتحدّث عن مخاوفه بشأن صراع تركي إسرائيلي، باعتبار أن إسرائيل قوة عسكرية طاغية، وتركيا قوة عسكرية صاعدة، وعضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو). ... تحتاج الدولة السورية، بعيداً من المزايدات والمناقصات، إلى حماية من العدوان الإسرائيلي القديم والجديد. حتى لو أريد لها أن تكون دولةً منزوعة السلاح مثل اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية بعد الحرب العالمية الثانية. حسناً، تقام قواعد عسكرية تركية في سورية، وهي بلد عضو في "ناتو"، لحمايتها من الاعتداءات، وفوق ذلك تبقى قاعدة أميركية لحمايتها من إسرائيل، وإيران أيضاً، أو السماح لها مثل كلّ دول العالم ببناء جيش قوي.

تظلّ الورقة الأقوى بيد الدولة السورية موقف شعبها، مشهد هجوم الأبطال السوريين العزّل على الدورية الإسرائيلية في القنيطرة وإنزال العلم الإسرائيلي عبّر عن شجاعة وذكاء ووعي

لا يفهم نتنياهو قصّة العدو الإيراني المشترك، ومن يتابع الإعلام الإسرائيلي، ويستمع إلى المسؤولين الأميركيون الموالين لإسرائيل (مسؤول مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض مثلاً)، يدرك أنهم يرون في الرئيس أحمد الشرع تجميعاً ليحيى السنوار وصدّام حسين. أقنع السنوار نتنياهو أنه يريد حكم غزّة، ففاجأه بهجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وصدّام أوهم الغرب أنه يحارب إيران، وفي الحقيقة كانت عدوّه إسرائيل. 
وللتذكير، في أوج الحرب العراقية الإيرانية ضرب الطيران الإسرائيلي مفاعل تمّوز النووي (1981)، وكان صدّام الرئيس العربي الوحيد الذي حاول الموساد اغتياله. وللتذكير، الحاكم العربي الوحيد الذي قصف الطيران الإسرائيلي قصره هو أحمد الشرع، رغم كلّ رسائل التطمين.
وفي سياق رسائل التطمين، منح الرئيس السوري أحمد الشرع مقابلةً لجوناثان باس، من "المجلة اليهودية" (Jewish Journal)، وهي صحيفة تصدر في لوس أنجليس، وتُعدّ من أبرز المنصّات الإعلامية المعنية بشؤون الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة والعالم، ولم يحصل الصحافي على ما يريده من التزام بالتطبيع والسلام، وخلط أعداء الشرع بين تحليله الصحافي وأمنياته وما قاله الشرع. في المقابلة أكد باس نصّاً: "ورغم أنه لم يقترح تطبيعاً فورياً، إلا أن الشرع لمّح إلى انفتاح على محادثات مستقبلية تستند إلى القانون الدولي والسيادة". يعني "لمّح" تحوّلت شراكةً أمنيةً مع إسرائيل لمواجهة إيران (حسب جماعة المحور)؟ وفوق ذلك، اعتبر أن موضوع الدروز "غير قابل للتفاوض". 
يقول باس: "أبدى رغبته في العودة إلى روح اتفاق فكّ الاشتباك لعام 1974، ليس فقط خطّاً لوقف إطلاق النار، بل أساساً لضبط النفس المتبادل وحماية المدنيين، خصوصاً مجتمعات الدروز في جنوب سورية وهضبة الجولان". 
ويقتبس باس من الشرع: "دروز سورية ليسوا بيادق. إنهم مواطنون، راسخون تاريخياً، أوفياء، ويستحقّون كلّ حماية بموجب القانون". أمنهم غير قابل للتفاوض. قال: "أريد أن أكون واضحاً، عصر القصف المتبادل الذي لا ينتهي يجب أن ينتهي. لا تزدهر أمّة وسماؤها مليئة بالخوف. الحقيقة أننا نملك أعداء مشتركين، ويمكننا أن نلعب دوراً رئيساً في الأمن الإقليمي". لقد سبق أن لعب صدّام حسين على ورقة الأعداء المشتركين إلى آخر يوم قبل الحرب الأميركية، وحارب إيران ثماني سنوات. وفي الحقيقة كان هو وإيران "الأعداء المشتركين" وليس العكس.
لا تحتاج سورية اليوم إلى من يورّطها في مواجهة خشنة مدمّرة مع نتنياهو، ولا إلى تطبيع مدمّر ناعم، بقدر ما تحتاج وقفةً صادقةً من حلفائها لوقف العدوان عليها، وصولاً إلى إعادة حقوقها التاريخية. 
كيف يمكن المواءمة بين رفع العقوبات وجلب الاستثمارات في ظلّ الاعتداءات؟ 
وكيف يمكن الحفاظ على شرعية الدولة الثورية التي قدّمت مليون شهيد في سبيل الكرامة، في ظلّ فرض التركيع والتطبيع والتنازل عن حقوق الشعب السوري؟... 
يحاول "الأعداء المشتركون" دفع العهد الجديد في سورية باتجاه إسرائيل لنزع شرعيته وإظهاره خائناً وعميلاً صهيونياً، وهم أنفسهم من يقبلون سكوت حزب الله، وهو حركة مقاومة وليس دولةً، على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة عليه ولا يردّ بطلقة، يشنّون الحملات على العهد الجديد في سورية عندما لا يردّ على الاعتداءات الصهيونية. العداء للصهيونية مسألة مبدئية أخلاقية، وليست دعايةً سياسيةً للترويج أو التشويه. 
فمن يقف ضدّ الصهيونية عندما تعتدي على كنيسة القيامة، يقف ضدّها عندما تعتدي على المسجد الأقصى، ومن يقف ضدّ الصهيونية عندما تعتدي على حزب الله، يقف ضدّها عندما تعتدي على "حماس" أو الدولة السورية أو اليمنية.

لا تحتاج سورية إلى مَن يورّطها في مواجهة خشنة مدمّرة مع نتنياهو، ولا لتطبيع مدمّر ناعم، بل إلى وقفة صادقة لوقف عدوانه

تظلّ الورقة الأقوى بيد الدولة السورية موقف شعبها، مشهد هجوم الأبطال السوريين العزّل على الدورية الإسرائيلية في القنيطرة، وإنزال العلم الإسرائيلي ودوسه وحرقه عبّر عن شجاعة وذكاء ووعي. فلم تتمكّن الدورية من الاشتباك مع العزّل، ولو كان فيهم مسلّح لكرّرت مجزرة الكويا، التي استشهد فيها ستة شبان تصدّوا بسلاح خفيف للدورية الغازية. ‏مقابل هذه المقاومة الشعبية، توسوس أصوات نشاز تزعم الانتساب للثورة بنظرية نتنياهو في التطبيع. من المفيد للدولة السورية الاستثمار في الورقة الشعبية، وهي تحتاج تأطيراً وتنسيقاً، للجان لنازحي الجولان، ولجان للاجئين الفلسطينيين، وللتضامن مع غزّة... 
لا أنسى يوماً التقيت فيه اللواء إلياس رزق في مشروع بحثي عام 2009، وكان عضواً في الوفد السوري المفاوض، عندما سألته عن عدد نازحي الجولان، فقال: مليون. سألته لماذا لا يخرجون مظاهرات تطالب بالعودة. لم يُجب. اليوم مفترض أن يخرجوا.
ليس الحديث عن مركزية القضية الفلسطينية تكراراً لما كان يردّده الرئيس أحمد الشرع في إدلب، ولا قادة هيئة تحرير الشام، بقدر ما هو توثيق لموقف الدولة السورية منذ تأسيسها. 
فكلّ العهود في سورية تبنّت المواقف العربية في مركزية القضية الفلسطينية، ‏وإضافة إلى الأعداء يحاول بعض الحلفاء بحسن نيّة إلقاء العبء على الدولة السورية، وتتنوع نصائحهم إلى درجة التناقض، فثّمة من ينصح بتجنب التفاوض المباشر مع العدو، وإسناد ذلك إلى الحلفاء، مقابل من ينصح بالتفاوض المباشر بشكل سرّي أو علني. 
والأسوأ من ذلك كلّه من ينصح بالتوقيع والتركيع ‬ونسف شرعية دولة الثورة، ثورة الكرامة أمام المستبدّ والمحتلّ.

الأربعاء، 14 مايو 2025

الهدية أكبر من طائرة لترامب

 الهدية أكبر من طائرة لترامب



بوينغ 747 وقد كُتب عليها "HAMAS FORCE ONE"، وهو تعديل ساخر ومركّب على الاسم الشهير لطائرة الرئاسة الأميركية "Air Force One". علم الولايات المتحدة ظاهر على ذيل الطائرة. الصورة معدّلة "فوتو شوب" وليست حقيقية، وهي تردّ بسخرية على الحملات التي شنّت على قطر بسبب إهدائها للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الطائرة الفاخرة، وكأن الطائرة ثمن الصفقة لوقف الحرب في غزّة.

احتلت قصة الطائرة حيزاً كبيراً في الإعلام الأميركي، وهاجم الرئيس ترامب منتقديه "... حقيقة أن وزارة الدفاع تحصل على هدية، مجاناً تماماً، طائرة من طراز 747 لاستبدال طائرة "إير فورس ون" التي عمرها 40 عاماً، مؤقتاً، وفي عملية علنية وشفافة جداً، تزعج الديمقراطيين الفاسدين إلى درجة أنهم يصرّون على أننا ندفع مبالغ طائلة مقابل الطائرة. أي أحد يمكنه فعل ذلك! الديمقراطيون خاسرون من الطراز العالمي!".

ويؤكد مسؤولون في البيت الأبيض والإدارة، بحسب صحيفة واشنطن بوست، أن الهدية تتوافق مع القوانين ذات الصلة، على الرغم من المخاوف التي أثارها منتقدو ترامب بشأن انتهاكها بند المكافآت في الدستور. بينما كانت المناقشات بشأن نقل ملكية الطائرة جارية، صاغ مكتب المستشار القانوني في وزارة العدل مذكّرةً توضح أسباب اعتقاده أن استلام ترامب الطائرة سيكون جائزاً، وفقاً لمسؤول مُطّلع على المذكرة. ووقّعت المدّعية العامة بام بوندي، المُسجّلة للضغط السياسي لصالح قطر خلال ولاية ترامب الأولى، على تلك المذكرة لاحقًا. وقال ترامب الاثنين إنه بمجرد مغادرته منصبه لن يستخدم الطائرة القطرية، وستُنقل إلى مكتبته الرئاسية المستقبلية.

المطلوب اليوم بناء تحالف عربي إسلامي داعم للحقوق العربية في فلسطين، ويرفع العقوبات عن سورية، ويعيد إعمارها، وإعمار غزّة

يدرك كل صاحب ضمير، وعربي شريف، أن قطر لم تدّخر وسعاً في الوقوف مع فلسطين، ودعمت غزّة ورام الله على السواء، وبذلت بسخاء بلا منّة. ولاقت، بسبب ذلك، حملات شعواء من الصهاينة بالحق وبالباطل، ولا تزال. لنتذكّر أن الوزيرة العربية الوحيدة التي رابطت في غزّة هي لولوة الخاطر، وأن قطر البلد الوحيد الذي يستقبل قادة حركة حماس وأسرهم.

تستطيع أن تنتقد التخاذل العربي، وترك غزّة تقاوم وحيدة الإجرام الصهيوني، وتخجل من الضعف الذي يلجئك إلى الولايات المتحدة بدلاً من الاعتماد على القوة العربية الذاتية. وتنتظر حتى ينهض العرب ثانية، ويعتمدوا على قوتهم الذاتية. في غضون ذلك، طالت أم قصرت، لا توجد في الواقع قوة قادرة على الضغط على إسرائيل غير الولايات المتحدة. ويدرك كل من يتابع الإعلام الإسرائيلي أن ثمّة فجوة بدأت تتسع بين رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو وترامب. وهذا لا يعني تحوّلاً استراتيجياً في علاقات البلدين، فتلك تتجاوزهما وتضرب عمقاً في التاريخ والثقافة والمصالح، بقدر ما يعني أن ثمّة فرصة على العرب أن يغتنموها كفّاً للأذى وجلباً للمصالح.

يوجد منطق مختلف تماماً في التعامل مع ترامب عن غيره من رؤساء البيت الأبيض، سواء في سياسته الداخلية أو الخارجية. وخلال ولايته، لا بد من توثيق العلاقة به، عبر تقديم الهدايا له، من العرب، ومن حالفهم عموماً، وقد قدّمت "حماس" هدية أيضاً بالإفراج عن الأسير ألكسندر عيدان بوساطة قطرية. وهذه ليست المرة الأولى التي تكون فيها قطر مركز ثقل دبلوماسي، ويتذكر ترامب جيداً دورها في إنهاء أطول حروب أميركا في أفغانستان، غير أن القضية الفلسطينية تظلّ الأولوية عربياً، ولا يلغي هذا سلّةً من القضايا الكبرى، ثنائياً وعربياً وعالمياً.

يحتاج العالم العربي والمنطقة إلى أميركا، ولها قواعد عسكرية في قطر والسعودية والإمارات والبحرين والأردن والعراق وسورية، وهي حاجة متبادلة، وليست من طرف واحد، والمهم، والخليج يستضيف ترامب، أن تصل رسالة أن مصالح أميركا مع العالم العربي والإسلامي لا تقلّ أهمية عن مصالحها مع دولة الكيان. وتلعب الحكومة الإسرائيلية المتطرّفة دوراً مهمّاً في تسهيل إيصال الرسالة وتحسين صورة العرب، باعتبارهم عقلاء في مواجهة مصاريع.

قدّمت الدولة السورية الجديدة كل أوراق الاعتماد لرفع العقوبات، بما فيها بناء برج ترامب في دمشق

بلغة المصالح، فضلاً عن عدالة قضايانا، يمتلك الخليج أكبر ثقل مالي، وفقاً لتقرير نشرته مجلة The Economist في إبريل/ نيسان 2023، يُقدّر أن الفائض في الحساب الجاري لدول الخليج النفطية قد يصل إلى حوالي 666 مليار دولار خلال عامي 2022 و2023، ما يعكس تدفّقاً نقدياً كبيراً نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز. كما نشرت "وول ستريت" تقريراً عن دول الخليج التي تمتلك أكبر سيولة نقدية في العالم، فالسعودية تمتلك احتياطيات أجنبية تُقدّر بحوالي 452.6 مليار دولار حتى نهاية مارس/ آذار 2023، ما يضعها ضمن قائمة الدول العشر الكبرى عالميّاً، من حيث الاحتياطيات الأجنبية. وتقدّر الإمارات احتياطياتها النقدية بحوالي 300 مليار دولار، تشمل أصول جهاز أبوظبي للاستثمار وصناديق أخرى. وقطر، بحسب الصحيفة، تُقدّر احتياطياتها النقدية بحوالي 200 مليار دولار، تشمل احتياطيات مصرف قطر المركزي وأصول جهاز قطر للاستثمار. وتمتلك الهيئة العامة للاستثمار في الكويت: أصولاً تُقدّر بأكثر من 700 مليار دولار، ما يجعلها واحداً من أكبر صناديق الثروة السيادية عالميّاً.

يقدّر ترامب هذه السيولة جيداً، وتعني له أكثر بكثير من صداقة إسرائيل التي تستنزف سيولة الولايات المتحدة عبر المساعدات العسكرية والاقتصادية، ومن دونها تأتي أهمية بلدين مسلمين مهمين يتشاركان مع العرب في دعم فلسطين، تركيا وإندونيسيا، ولهما أهمية استراتيجية قصوى بالنسبة لإدارة ترامب. ومعلوم أن الرئيس التركي، أردوغان، شخصياً، بالإضافة إلى الأهمية الاستراتيجية لتركيا، على علاقة استثنائية مميزة مع ترامب. وفي مقال كتبه ديفيد إغناتيوس، المقرّب من الدوائر الاستخبارية والعسكرية في واشنطن، ذكر أن ترامب يحبّ الرجال الأقوياء، ووُضع على المقال رسم لرؤساء تركيا وروسيا والصين. وتركيا اليوم بيضة القبّان في أوروبا، تحتاجها أوروبا في ظل التخلي الأميركي عنها، وتحتاجها روسيا في صراعها مع أوكرانيا، ويحتاجها ترامب لوقف الحرب الأوكرانية الروسية. فوق ذلك، تركيا واحدة من الدول العشرين الكبرى في الاقتصاد العالمي.

‏أما إندونيسيا التي يتوقع أن تكون خامس اقتصاد في العالم في الأعوام المقبلة، وهي أكبر بلد إسلامي، فتشكّل بيضة القبّان في آسيا في ظل الصراع الصيني الأميركي. تحتاج إليها الصين بقدر ما تحتاج إليها أميركا، سواء بسبب موقعها الاستراتيجي وثرواتها المعدنية، وقوتها العسكرية والبشرية. سيما أن المعركة الأولى بالنسبة لترامب هي الصين، وليست روسيا. لنا أن نتخيّل حجم الهدية التي يمكن أن تقدّمها الدول العربية والخليج بخاصة، وتركيا وإندونيسيا لترامب، وتطرح عليه مقايضة ذلك برفع الظلم عن الشعب الفلسطيني؟

يدرك كل صاحب ضمير، وعربي شريف، أن قطر لم تدّخر وسعاً في الوقوف مع فلسطين، ودعمت غزّة ورام الله على السواء

ستكون تلك خطوة مهمّة لها ما بعدها، المأمول أن نبدأ خطوة في الألف ميل مع ترامب. ‏قضية فلسطين هي القضية الأولى لكنها ليست الوحيدة، فسورية اليوم تحت حصار قاتل، وشعبها يعاني بسبب العقوبات الأميركية، وقد قدّمت الدولة السورية الجديدة كل أوراق الاعتماد لرفع العقوبات، بما فيها بناء برج ترامب في دمشق. من دون أن ننسى أن ترامب اعترف بضم الجولان، وهي أرض سورية عربية خالصة، وبنى الإسرائيليون فيها مستوطنة باسمه. وحتى في ملفّ إيران، يستطيع العرب ضمّها لهم، بدلاً من أن تكون عليهم، وتقديم مقاربة جديدة بخصوصها في ظل الهزيمة التي تلقّتها في سورية، فالذين هزموها هم السوريون لا الإسرائيليون، وإعاده تأهيل إيران من خلال المفاوضات النووية تسجّل للعرب أيضاً. هزيمتها في سورية سرّعت التفاوض، والوساطة العُمانية والقطرية مهمّة. مركز المفاوضات عُمان، وكان لقطر قبلها دور كبير في العلاقة الأميركية الإيرانية، وشكّل الاتفاق السعودي الإيراني الموقّع في بكّين في 2023 مقدّمة أرضية مناسبة لبناء علاقة جديدة لإيران في المنطقة، تقوم على التعاون والشراكة والاحترام في الاختلاف، بدلاً من الاحتراب والصراع الأبدي طائفياً.

واللفتة الأهم من ترامب كانت وقف الحرب مع الحوثيين، ما اعتبره الإسرائيليون ضربةً لهم. ويأتي العراق في قلب التحولات الإيرانية، وفي ظل تآكل القوة الإيرانية خفّت قبضة الحرس الثوري على العراق. وصارت حكومة محمد شيّاع السوداني جزءاً من منظومة عربية أكثر منها دائرة في فلك إيران. وقد يكون العراق المستقل عن إيران الهدية الكبرى لترامب.

المطلوب اليوم بناء تحالف عربي إسلامي داعم للحقوق العربية في فلسطين، ويرفع العقوبات عن سورية، ويعيد إعمارها، وإعمار غزّة. ويرفع هذا التحالف قيمة الجميع ويضعف إسرائيل، بدلاً من التعامل بشكل ثنائي مع أميركا، وهو ما يضعف الجميع ويقوّي إسرائيل.

... لا توجد هدية ما وراها جزية (جزاء)، لا في العلاقات الشخصية ولا علاقات الدول.

السبت، 19 أبريل 2025

قضية السيارة الجيب .. في الأردن

 قضية السيارة الجيب .. في الأردن

ياسر أبو هلالة


بحسب زاوية النظر، يمكن الحكم على قضية اتهام أفراد من الإخوان المسلمين في الأردن بتصنيع صواريخ ومسيّرات وحيازة متفجرات بقصد استخدامها في الأردن. فمن نظر لها من زاوية أمنية محضة، فكل ما قيل من ادعاءات صحيح. فجهاز الأمن لا يُحسن الظنّ بمن امتلك أي قطعة سلاح بشكل غير قانوني، فكيف بالتصنيع؟ وانتماء تلك المجموعة لجماعة الإخوان، يدفع بوضع الجماعة كلها نحو دائرة الاتهام.

من زاوية قانونية، فإن الحيازة - مجرّد الحيازة - بمعزل عن النوايا هي جريمة.
سياسيا، هنا يمكن قراءة القضية من زاوية التضامن مع المعتقلين وإحسان الظن بهم، في سياق قضايا مشابهة من قضية السيارة الجيب في مصر قبل سبعين عاما، إلى قضايا مشابهة كُشف أو لم يُكشف عنها خلال العقود الماضية.

ما شهدته وسائل الإعلام ومنصّات التواصل كان تسييسا في الاتجاهين؛ بين رأي عام عربي، وجزء كبير من الرأي العام الأردني يرى في المعتقلين ثلة من الشباب المناصر لفلسطين، حاول مساندة الفلسطينيين الذين يتعرّضون لحرب إبادة بقليل من السلاح. 

وتسيّيس مناقض من جانب إعلام الدولة ومن حالفها من الدول، يرى الإخوان عموما إرهابيين، وما المجموعة المعتقلة سوى دليل على تورّط الجماعة بالإرهاب. وأسوأ من ذلك كله، هو لعب مجموعة، ليس ذباب الموساد عنها ببعيد، على وتر الغرائز وإثارة انقسام أردني فلسطيني.

قبل الحديث سياسيا، لا بد من الاستدراك قانونيا بأن لائحة الاتهام لا تعني الإدانة، فقد يبرّأ المتهمون في الدرجة الأولى من المحاكمة، وقد يبرّؤون في الدرجة الأخيرة من التمييز. وأذكر في بدايات عملي الصحفي في العام ١٩٩٣، غطّيت القضية المعروفة باسم قضية "جامعة مؤتة"، وكان معتقلا فيها النائب السابق وعضو مجلس الأعيان عمر عياصرة، وأصدرت محكمة أمن الدولة أحكام إعدام ومؤبّد في القضية، لكنها عندما وصلت لمحكمة التمييز، أصدر القاضي عبدالمجيد الغرابية حُكما ببراءة جميع المتّهمين، وكان صالح العرموطي أحد محاميهم، واعتمد القاضي في البراءة على عدم توفّر ركني: المؤامرة ووجود الأداة، وتلاقي الإرادات الحرة، واعتبر أن الاعترافات غير صحيحة بعد إثبات واقعة التعذيب والإكراه.

بانتظار الحكم القضائي النهائي، تُقرأ القضية سياسيا في إطار علاقة العلاقة الأردنية الفلسطينية جغرافيا وديموغرافيا؛ فالأردن يشكل أطول حدود مع كيان العدو يمتدّ نحو 335 كم متاخمة لطول الحدود مع فلسطين التاريخية ذات العمق المحدود باتجاه البحر المتوسط، ولا تبعد القدس عنها، وكذلك مفاعل ديمونا أكثر من ١٥ كلم، وفوق ذلك، نحو نصف السكان بين لاجئين ونازحين فلسطينيين تجنّسوا بالجنسية الأردنية عقب وحدة الضفتين في ١٩٥٠. وبمعزل عن قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية في ١٩٨٨، فإن القضية الفلسطينية ظلّت قضية أردنية داخلية، خصوصا أن القرار شمل من كانوا يقيمون وقتها في الضفة الغربية، ولم يشمل من يقيمون في الضفة الشرقية، وحتى قبل وحدة الضفتين، دخل الجيش العربي الأردني إلى القدس باعتبارها أرضا عربية دون أن تكون له سيادة قانونية عليها. وبعد احتلال الضفة الغربية عام ١٩٦٧، لم يكن الأردن يرفض مبدأ المقاومة لاستعادة الأرض الأردنية المحتلة، لكنه رفض مبدأ كل السلطة للمقاومة الذي نتجت عنه أحداث السبعين وخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان. هذه الحقائق تتفاعل مع اللحظة السياسية المشتعلة منذ ٧ تشرين الأول/ أكتوبر.

لم تكن هذه القضية هي الأولى؛ فتاريخيا ظلّت حماس جزءا لا يتجزّأ من الإخوان في الأردن، وكان العمل معها مثل العمل في أي من أقسام الإخوان. ومن تجربتي الشخصية إلى أن غادرت الإخوان في عام ١٩٩٧، لم يكن ثمة فصل تنظيمي بين الحركتين. كان معنا في جامعة اليرموك في كلية الهندسة عباس السيد الذي يقضي 35 مؤبدا بتهمة نشاطه كقيادي في كتائب القسام في الضفة، وكان محمد نصر، أحد قيادات الحركة وأبرز مفاوضيها في كلية العلوم، وبعد التخرّج، عمل سميح المعايطة الذي صار لاحقا وزير الإعلام في الحكومة الأردنية، متفرّغا في المكتب السياسي لحركة حماس، الذي كان يرأسه آنذاك الدكتور موسى أبو مرزوق.

لم يدخل المكتب السياسي لحماس إلى الأردن تسلّلا، بل دخل باتفاق بعد اكتشاف قضية تهريب أسلحة كبرى كان متّهما فيها الشيخ نمر العساف، رحمه الله، وهو أحد شيوخ العدوان المعدودين، وكبار مُلاك الأراضي في عمان.

وقد وضع الشيخ الاعتقال ضمن سيرته الذاتية عندما ترشّح للانخابات النيابية. فمع أن تهريب السلاح وتخزينه جريمة قانونية، إلا أنه ميّزة سياسية في المقابل. وفي انتخابات ١٩٨٩، كان من دعاية المرشحين بمن فيهم سيف الدين مراد (الشركسي) وبسام حدادين (المسيحي)، العمل مع الفصائل الفلسطينية المسلّحة من الجبهة الديموقراطية إلى النضال الشعبي.

في عقد التسيعنيات، كان الأردن يئن من آلام الحصار الذي فرضته أمريكا بعد وقوفه مع العراق في حرب الخليج الثانية، وكان الملك حسين يرى في الحركة الإسلامية حليفا تاريخيا يواجه به حصارا خارجيا وضغوطا داخلية، وكان ينظر لحماس باعتبارها جزءا من الحركة الإسلامية، وفوق ذلك حليفا له في مواجهة أبو عمار الذي كان ينازعه على فلسطيني مملكته. لاحقا سُويّت قضية الأسلحة أمنيا ولم تصدر فيها أحكام، وعُقد اتفاق مع مدير المخابرات وقتها (مصطفى القيسي)، يقضي باستضافة المكتب السياسي لحماس برئاسة الدكتور موسى أبو مرزوق، وهو من قطاع غزة وليس أردنيا.

تاريخيا، الإخوان دعوة سلمية، مارست العنف في مقاومة الاحتلال البريطاني لمصر والإسرائيلي في فلسطين، وتوّجت حركة حماس هذا المنحى، لكن سبقها حضور عسكري جهادي منذ العام 1948.


لم تتوقف محاولات التهريب والتسلل والتصنيع حتى بعد الاتفاق، ومن القضايا اللافتة كانت قضية شباب عجلون (الغرايبة والربابعة) الذين حاولوا تصنيع متفجرات من حقول الألغام التي زرعها الجيش، وكانوا من الحركة الإسلامية في الجامعة، وحكموا بالمؤبد وخرجوا بالعفو العام.

بالنتيجة، انتهى الاتفاق مع حماس  بوفاة الملك حسين وإخراج قيادات حماس من الأردن، بمن فيهم حملة الجنسية الأردنية في نهاية عام ١٩٩٩. ظلّت حماس ملتزمة بعدم فتح جبهة من الأردن، أو ممارسة عمل عسكري على أرضه، لكنها لم تلتزم تماما بعدم تهريب السلاح.

المؤسف في حملات التحريض والاستقطاب، ظهور منسوب عال من الجهل بتاريخ الأردن والإخوان والقضية الفلسطينية، في ظل نزعات العنصرية والكراهية.

تاريخيا، الإخوان دعوة سلمية، مارست العنف في مقاومة الاحتلال البريطاني لمصر والإسرائيلي في فلسطين، وتوّجت حركة حماس هذا المنحى، لكن سبقها حضور عسكري جهادي منذ العام 1948.

هنا تحضر قضية السيارة الجيب، التي حُوكم فيها النظام الخاص للإخوان، في العهد الملكي في مصر.
وتُشكّل تلك المحاكمة التي برّأت "الإخوان المسلمين" من العنف والإرهاب، على الرغم من ضبط الأسلحة والمتفجّرات في السيارة، أقرب إلى مراجعة فكرية سياسية قانونية مُنصفة، دفعت رئيس المحكمة، المستشار أحمد كامل، إلى الانضمام للجماعة، بعد إصدار الحكم المخفّف على المتهمين وتبرئة أكثرهم.

يقول نصّ الحكم عن المتّهمين: "ولما وجدوا أن العقبة الوحيدة في سبيل إحياء الوعي القومي في هذه الأمة هي جيش الاحتلال... فاتّحدت إرادتهم على القيام بأعمال قتل ونسف وغيرها، مما قد لا يضرّ المحتلين بقدر ما يودي بمواطنيهم، وذهبوا في سبيل ذلك مذهبا شائكا، منحرفين عن الطريق الذي رسمه لهم رؤساؤهم، والذي كان أساسا قويّا لبلوغهم أهدافهم. وحيث إنه يتبيّن من كل هذا أن هذه الفئة الإرهابية لم تحترف الجريمة، وإنما انحرفت عن الطريق السوي، فحقّ على هذه المحكمة أن تلقّن أعضاءها درسا".

ميّز القاضي بين احتراف العنف والانحراف نحوه دون تخطيط، مستندا لشهادات قادة الجيش المصري في حرب فلسطين، وسياسيين كثيرين ومفتي فلسطين، الحاج أمين الحسيني، الذي أشاد بدورهم منذ العام 1936. ولم يقتصر ذلك على مصر، حيث دخل متطوعو الإخوان المسلمين، وكان بينهم أقباط بالمناسبة، فلسطين قبل الجيش المصري. وفي الأردن، قاد مؤسّس الجماعة، عبد اللطيف أبو قورة، وكان من كبار تجار عمّان، كتيبتهم بعد أن جهّزها من ماله الخاص. وكذلك قاد مؤسّسهم في سوريا، عميد كلية الشريعة والقانون في جامعة دمشق، مصطفى السباعي، كتيبة الإخوان السوريين، وهو ما فعله مؤسّس "الإخوان" في العراق، محمد محمود الصواف.

في خريف عام 1948، أُلقي القبض على سيارة "جيب" في حي العباسية بالقاهرة، وبداخلها أوراق ومستندات وأسماء قيل إنها تتبع "التنظيم الخاص" داخل جماعة الإخوان المسلمين. هذه الحادثة، التي أصبحت لاحقا معروفة باسم "قضية السيارة الجيب"، شكّلت نقطة تحوّل في علاقة الجماعة بالدولة المصرية، وكانت تمهيدا لحملة واسعة من الاعتقالات، انتهت لاحقا باغتيال مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا.

القضية كانت سياسية بامتياز، رغم غلافها الأمني، واللافت أن محكمة الجنايات المصرية عام 1951 لم تُدن الجماعة كتنظيم، بل حمّلت بعض الأفراد مسؤولية العمل المسلح، مؤكّدة أن الجماعة الأم لم تكن تسعى لقلب نظام الحكم، ولا يوجد أدلّة كافية لاتهام مكتب الإرشاد.

اليوم، بعد أكثر من سبعة عقود، تعود ذات الديناميكية في الأردن، حيث أُثيرت مؤخرا قضية أمنية ضد أفراد محسوبين على جماعة الإخوان، بتهمة تصنيع أسلحة بهدف تهريبها إلى الضفة الغربية. الجديد في هذه القضية -كما تشير محاضر التحقيق- ليس نيّة التهريب، بل محاولة تصنيع السلاح داخل الأردن، وهو تطوّر غير مسبوق يُستثمر سياسيا لإعادة فتح ملف الجماعة.

إن إحياء "رواية السيارة الجيب" من جديد في سياقات عربية مختلفة، هو في الحقيقة إعادة إنتاج لفكرة أن التنظيمات الإسلامية، حتى السلمية منها، تحمل مشروعا سريّا مُهددا للدولة، وهو تصوّر يتجاهل تاريخا طويلا من العمل العلني، والمواقف الوطنية، والدعوة إلى الإصلاح عبر صناديق الاقتراع لا البنادق.

إذن، فقد حملت كل قيادات الجماعة في ذلك الوقت السلاح، وقاتلت ضد المشروع الصهيوني، لكن هل نقلت تلك الخبرة القتالية إلى بلادها ومارست العنف؟ عاد السباعي إلى الجامعة والبرلمان والعمل السياسي، وكذلك الصواف وأبو قورة. المفارقة، أن قائد  "الإخوان" الذي وثق تجربتهم العسكرية في كتابيه "الإخوان المسلمون في حرب فلسطين" و"المقاومة السرية في قناة السويس"، كامل الشريف، لجأ إلى الأردن بعد المواجهة مع عبد الناصر، وأسّس صحيفة الدستور وصار وزيرا للأوقاف.

بلغ الإسفاف والفجور في الخصومة إلى درجة الإساءة لتاريخ البلد، فالملوك هم أولى بفهم الدستور والقانون واللحظة السياسية. اللغة الاتهامية لا تليق بالعرش الهاشمي، من لدن الملك المؤسس عبدالله، الذي افتتح مقرّهم، كما تُدين أحمد الطراونة الذي جاء لهم بالترخيص، وتُدين الملك حسين والملك عبدالله الثاني الذين استقبلوا قياداتهم في المقر العامر، وأشركوهم في الحكومات ومجالس التشريع و .. إلخ.

تاريخ سبعة عقود لا يُختزل بمداخلة تلفزيونية أو منشور على منصّات التواصل. وهو إساءة لجيل دافع عن الأردن وفلسطين بغزير الدماء وعزيز النفوس.

عندما جهز عبداللطيف أبو قورة وهارون الجازي سريّة أبو عبيدة للدفاع عن القدس، هل كانوا تنظيما سريا يستغفل النظام؟! عندما استشهد رضوان رجا كريشان في حرب الاستنزاف في الكتيبة التي شكّلها عبدالله عزام؛ هل كان يقاتل خلسة؟!

عبداللطيف أبو قورة. مؤسس الإخوان في الأردن، جهز سرية أبو عبيدة من ماله الخاص للقتال في القدس عام 1948.

الإخوان يحتاجون تجديدا في الفكر، على قاعدة الفخر بتاريخهم وما قدّموه لأمّتهم، دعوة الخالدين هي سلسلة ممتدة إلى النبي "قدوتنا" وليست حزبا ولا تنظيما. هي "روح جديدة تسري في هذه الأمة، فتحيا بالقرآن"، على قول حسن البنا.

التنظيم ليس مقدّسا، ولا مدنّسا. هو آلية تتغير بتغير الزمن. وبعيدا عن اللغة الاتهامية والتحريضية، فقد دعوت أكثر من مرة إلى تجديد هذه الدعوة، ومراجعة الأخطاء والتوبة عنها، والبناء على المنجزات التي حقّقتها. ثمة لقاء بين متطرّفي الإخوان ومتطرفي الدولة في التركيز على الوسيلة والشكل، وترك الهدف والمعنى.

عليه أدعو إلى حلّ التنظيم الذي عرفناه خلال عقود، وبناء آليات عمل تتجاوزه، وصولا إلى تحقيق الأهداف التي سعى إليها، وهي أهداف تتطابق تماما مع رؤية بناء مجتمع القيم، وهو هدف أي دولة. وتلك القيم هي التي يُربى عليها الفرد والأسرة والمجتمع، وهي التي تحقّق سيادة القانون والدستور؛ فالالتزام بالقانون يكون طاعة لله وتحقيقا لرضاه، وليس خوفا من السلطة.

هل تعلم أن المراقب العام الأسبق محمد عبدالرحمن خليفة، كان وراء فكرة قانون المالكين والمستأجرين، وهو من أقنع الملك المؤسّس بها، من خلال عمله كمحام؟
ثم يأتيك تكفيري، أو من الإخوان ويقول قوانين وضعية وحكم بغير ما أنزل الله!

الدولة، النظام، القانون.. هذه منجزات بشرية لعمارة الأرض وحفظ النوع البشري. الإسلام هو قيم عليا ومعايير سامية للفرد والمجتمع، يسعى إليها المخلصون.

لا نستبق حكم القضاء، ولكن على أسوأ تقدير لو ثبت كل ما أورده الادعاء العام، هل مصلحة الأردن تحويل قوة سياسية حصلت على نصف مليون صوت إلى فصيل إرهابي؟
هل يمكن بحكم قضائي ضبط غضب الناس تجاه جرائم الاحتلال؟
للتذكير، عندما أقدم الجندي الأردني أحمد الدقامسة على إطلاق النار على طالبات إسرائيليات، وهو عمل أرفضه شخصيا، لم يبق محام في الأردن لم يترافع عنه، وكان أبرزهم نقيب المحامين حسين مجلي، وصار بعدها وزيرا وكان من هيئة الدفاع هاني الخصاونة رئيس التشريفات الملكية، وزير الإعلام الأسبق. لم يجرّم من تصدى للدفاع عنه، بل لم تجد من يهاجمه.

وفي غضون العدوان على غزة، احتفل الأردنيون بالشهيد الجازي، رغم أن ما أقدم عليه مخالف للقانون.
قصارى القول: سيظل الأردن مؤثرا ومتأثرا بالقضية الفلسطينية، ولا يمكن فصله عنها، ومن المهم أن تكون عامل توحيد للدولة والمجتمع، لا عامل تقسيم واستقطاب.

وستظل الحركة الإسلامية بعثراتها وإنجازاتها جزءا من تاريخ البلاد وحاضرها، ومن المهم أن تحل مشاكلها مع الدولة بالتفاهم والحوار لا التشاكس والصدام، وهي رصيد وذخر وعون لا عبء.

لنترك القضاء يقول كلمته، ولنستغل الفضاء السياسي والرقمي والإعلامي في جبر مصاب أهلنا في غزة بخاصة، وفلسطين عامة.

ولنرص الصفوف لمواجهة الخطر الداهم، عدوا صهيونيا منفلتا مع إدارة أمريكية حمقاء، وموقف عربي مفكك.