الثلاثاء، 17 نوفمبر 2015

هجمات باريس: القذيفة المرتدّة


هجمات باريس: القذيفة المرتدّة

أحمد بن راشد بن سعيّد


تفجيرات باريس لم تكن مفاجئة، فما يُسمّى «الإرهاب» ضرب أوروبا مرات عدّة من قبل، واحتمالات تكرر حدوثه تتزايد مع انهماك الغرب في الصراع في بلدان عربية وإسلامية.
بعد هجمات 9/11، وصف مثقفون وأكاديميون أميركيون ما جرى بنتيجة غير متوقعة لسياسات الإمبريالية الأميركية في الخارج.
سعى الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش إلى تأطير القضية في قوالب أخلاقية، بينما رأى نقّاد للسياسة الأميركية أن الولايات المتحدة ليست بريئة، ولا «مقاتلاً صليبياً» في حملة للخير على الشر، بل دولة تدفع ثمن أخطائها.
 كانت هجمات 9/11 في نظر هؤلاء مثالاً ممتازاً على ظاهرة «القذيفة المرتدة» (Blowback)؛ وهو تعبير متعارف عليه لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، يُطلق على النتائج غير المقصودة للسياسات التي تحيق بصانعيها. 
ويعود الأصل اللغوي للمصطلح إلى الضغط الخلفي في محرك داخلي الاحتراق أو غلاَّية (boiler)، أو إلى مسحوق البارود المتبقي بعد القذف التلقائي لخرطوشة مستهلكة من سلاح ناري. 
غير أن النقاشات العلمية والاستراتيجية استعارت مصطلح «القذيفة المرتدّة» لوصف الردود المفاجئة على ممارسات الحكومات ومغامراتها، وينطوي استخدامه في سياق 9/11 على دلالات شديدة التناقض مع رواية «أميركا الضحية» التي صاغتها بحماس وتركيز إدارة الرئيس بوش.
بعد هجمات 9/11 بيومين، أجرت محطة إذاعة شيكاغو العمومية (WBE2-FM) مقابلة مع تشالمرز جونسن (Chalmers Johnson)، مؤسس معهد أبحاث السياسة اليابانية ومؤلف كتاب «القذيفة المرتدة: تكاليف الإمبراطورية الأميركية وعواقبها» Blowback: The Costs and Consequences of American Empire.

قال جونسن إنه لم يرَ كارثة 11 أيلول (سبتمبر) قادمةً فحسب، بل كان كتابه «إنذاراً لإخوتي الأميركيين قبل عام مضى أن سياستنا الخارجية كانت ستتمخض عن شيء من هذا القبيل. ومن المهم أن نؤكد، عكس ما يقوله الناس في واشنطن وفي وسائط الإعلام، أن هذا لم يكن هجوماً على الولايات المتحدة، بل كان هجوماً على السياسة الخارجية الأميركية».
مجلة «نيشن» نشرت في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2001 مقالاً لجونسن قال فيه إن تاريخ إدخال مصطلح «القذيفة المرتدّة» إلى معجم مفردات «الخطاب المرعب»، يعود إلى تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية صدر في شهر آذار (مارس) 1954، ورفعت الحظر عنه لاحقاً، يتعلق بإطاحتها بحكومة محمد مصدق في إيران عام 1953.

 وتعبيراً عن القلق من عواقب تدخلها السافر في الشأن الإيراني، فقد تنبّأت الوكالة بأعمال انتقامية، أو «قذائف مرتدّة». 
في عام 1979؛ بعد 25 عاماً من القمع على يدي الشاه المدعوم أميركياً، جاءت «القذيفة المرتدة» التي استبدلت آية الله الخميني بالشاه.
من الأمثلة الأخرى على «القذيفة المرتدة»، يضيف جونسن، تفجير طائرة «بان أميركان» رقم 103 فوق مدينة لوكربي باسكتلندا عام 1988 فيما بدا أنه انتقام من اعتداء جوي على ليبيا أمر به الرئيس رونالد ريغن عام 1986، إلى جانب انفجار الإدمان على الكوكايين والهيروين في الأحياء الشعبية داخل المدن الأميركية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، والذي حدث - في جزء منه - نتيجة ممارسات المسؤولين العسكريين والسياسيين الفاسدين الذين درّبتهم الاستخبارات الأميركية ((CIA، ثم نصّبتهم على هرم السلطة في دول عدّة بأميركا الوسطى وأميركا الجنوبية.

في كتابه «القذيفة المرتدة» (الذي أشرت إليه قبل قليل وصدر قُبيل 9/11) وصل جونسن إلى النتيجة التالية: «إن «القذيفة المرتدة» اختصار للنص القائل إن أمة تحصد ما زرعت، حتى وإن كانت تلك الأمة لا تعرف أو تفهم تماماً ما زرعت.
وبالنظر إلى ثراء أميركا وقوتها، فإنها ستكون، في المستقبل المنظور، المتلقّي الأول لجميع أنواع القذائف المرتدة المتوقعة، ولا سيما الهجمات الإرهابية ضد الأميركيين داخل القوات المسلحة وخارجها، في أي مكان في الأرض، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة».
الحديث عن 9/11 و «القذيفة المرتدة» تجدّد ليل الجمعة الماضي عند شن مسلحون هجمات منسقة متزامنة في أنحاء متفرقة من العاصمة الفرنسية، باريس، فقتلوا بدم بارد 129 شخصاً، وأصابوا أكثر من 350.

 انتزعت المقتلة المروّعة اهتمام قمة مجموعة العشرين في أنطاليا بتركيا، وفرضت أولويتها على التناول الإخباري للصحافة العالمية. لكن أسئلة كثيرة غابت وراء الشعور بالصدمة، ووراء هيجان الميديا والمعلّقين ضد «الإرهاب».
وجد المواطن الغربي العادي نفسه مندهشاً وعاجزاً عن تفسير ما حدث، وفي وسائط أخبارية عربية، جرى التعتيم على أي محاولة لتأطير الهجمات في سياق تاريخي واجتماعي، ونُظر إلى أي جهد لسبر دوافعها بوصفه تبريراً للإرهاب، واقتصر الحديث على ما يجري على السطح.
مشهد بات مألوفاً، في كل مرة يتعرض فيها غربيون أو مصالح غربية لهجوم.
في بعض الوسائط الإخبارية السائدة في الخليج، لم يكن التركيز على إدانة الجريمة فحسب، بل اتهام الذات، وتحميل الثقافة الإسلامية المسؤولية. ماذا عن التاريخ الوحشي للكولونيالية الفرنسية في الجزائر وفي الشرق العربي؟ ماذا عن تحالف فرنسا بدرجة أو بأخرى مع تفتيت العراق بالمطرقة، بحسب تعبير نوعم تشومسكي، الأمر الذي أدّى إلى ميلاد تنظيم الدولة (داعش)؟ ماذا عن مذابح المسلمين في إفريقيا الوسطى والتي هندستها القوات الفرنسية وأشرفت عليها، ثم وقفت تتفرج، وهي ترى من بقي من المسلمين يفرّ بحياته إلى الجوار؟ (انظر مقالي في هذه الصحيفة: محرقة المسلمين في إفريقيا الوسطى: المشهد مألوف والرد مألوف، 26 شباط/فبراير 2014).
 ماذا عن عدوان فرنسا على مالي، والمجازر التي ارتكبتها ضد الطوارق (سنّة مالكيين عانوا طويلاً من التهميش والحرمان) بذريعة مكذوبة: الحرب على الإرهاب؟ (انظر مقالي في هذه الصحيفة: مالي: خرافة الإرهاب وتشبيح البلطجية، 23 كانون الثاني/يناير 2013).
رغم كل الخطابة، لم تفعل فرنسا شيئاً حقيقياً للشعب السوري. لقد سمحت باستمرار مجزرة غير مسبوقة في التاريخ في «مستعمرة» سابقة لها لأكثر من 4 سنوات.

وبعد هجمات الجمعة، هبّت تنتقم لكبريائها بقصف مدينة الرقة، شمال وسط سوريا، والتي يسيطر عليها داعش.
 في غضون ذلك، يستمر الخطاب الرسمي والتناول الإخباري في وضع هجمات باريس (تماماً كما حدث بعد 9/11) في إطار أفعال شريرة جبانة ومعزولة ينفّذها همج ناقمون «على طريقة حياتنا» بحسب تعبير الرئيس الفرنسي، أولاند، وهو التعبير نفسه الذي أطلقه جورج بوش بعد 9/11، بالرغم من أنه لا يوجد ما يشير إلى نقمة المهاجمين على «طريقة الحياة». 
لا حديث عن السياسات الخارجية، ولا عن طحن سوريا طحناً، ولا عن اقتلاع الملايين من أهلها بسبب حرب الإبادة التي يرفض الغرب إيقافها، ولا عن إجهاض ثورات الربيع العربي، ولا عن سحق الديموقراطية الوليدة في مصر، وحرق المؤيدين لها في ساحات عامة بالقاهرة، ومشاركة دول غربية وساسة غربيون في ذلك. هل تتوقع فرنسا وحلفاؤها أن بوسعها ممارسة الإرهاب في الشرق، ثم إغلاق أبوابها عن «قذائف مرتدة»، أو عمليات إرهاب، يرى منفّذوها، أنها انتقامية ومشروعة؟
اخترعت الاستخبارات الأميركية مصطلح «القذيفة المرتدة» تلطيفاً للقبيح (euphemism)، وكانت تنوي الاحتفاظ به مصطلحاً تخصصياً فنياً للاستخدام داخل دوائرها. لكنه انفجر في وجهها كنبوءة تحققت. وبالرغم من إيحاء المصطلح بعواقب الممارسات الظالمة وغير القانونية، إلا أنه جزءٌ من لغة مُبهمة رديف للغة العادية المتداولة (collateral language)، يخفي في ثناياه حقائق الحروب الوحشية والمعاناة الإنسانية.


• @LoveLiberty
















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق