‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أحمد بن راشد بن سعيّد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أحمد بن راشد بن سعيّد. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 11 يوليو 2025

‏لولا الطوفان

 ‏لولا الطوفان

أحمد بن سعيّد


‏حدّث ⁧‫#سهم_بن_كنانة‬⁩، قال: احتجتُ إلى إفضاء المكنون، فهُرعتُ إلى شيخي الفضل بن ميمون، وذلك أني سمعت عالماً في السياسة، يلوم في ⁧‫#غزة‬⁩ أهل الثغور والرياسة، زاعماً أنهم أخطؤوا الاجتهاد، وجرّوا إلى المقتلة الحاضرَ والباد، وأن عملية ⁧‫#طوفان_الأقصى‬⁩، ما زادت حال ⁧‫#فلسطين‬⁩ إلا نقصا، فضاق بذلك صدري، وعِيل من احتماله صبري، فعلمت أنه ما لي إلا الفضل، وكم له عليّ من فضل!
‏قال سهم بن كنانة: فما كنتُ والله بالمفلس، إذ دخلت عليه المجلس، فوجدته يحدّث الناس نصّا، عن الفوائد الإستراتيجية لعملية طوفان الأقصى، فكأنما قرأ فكري، وأنا لا أدري، وإذا به يقول، وحوله احتشد قومٌ من ذوي العقول:
لقد أخفق شيخ العلوم السياسية، في النفاذ إلى أسرار تلك العملية، ولم ينظر إلى المحيطِ بأسرِه، وأخذه الظاهرُ فوقعَ في أسرِه، حيثُ أوجعه نزيفُ الدماء، ونسيَ قوله تعالى: “ويتخذَ منكم شهداء”، ولم يلحظ افتضاح الطغيان، ولم يرَ الأبعادَ الإستراتيجية للطوفان، حين محّصَ الله الصفوف، وميّز المنكرَ والمعروف، وأظهر أصواتَ النفاق، حتى ضجّت من فجورها الآفاق، وثبّتَ الله أهل الثغور، فما فيهم من يائسٍ ولا مكسور.
‏قال سهم بن كنانة: وبعد هذا الكلام العجيب، أشرقَ وجهُ الشيخ بنورٍ غريب، ثم قال: على أيدي قلّةٍ من الرجال، انكسرت هيبةُ الاحتلال، وخارت في لحظةٍ قواه، ولم تمنعْه حصونُه من الله، وتلاشى ما راكمتْه الدعايةُ الصهيونية في قرن، فلم يعُدِ الناسُ يتذكرون قصّة النازي والفرن، وصارت عندهم غزّة هي الهولوكوست، فلستَ تحصي كم كتبوا عنها من “بوست”، ووقع ذلك على “إسرائيل” كالقواصم، وعمّت التظاهراتُ ضدّها العواصم، واشتعلت جامعاتُ الغرب احتجاجا، ودخل كثيرٌ منهم في دين الله أفواجا، وسيئت وجوهُ الذين كفروا، فخرّبوا كأجدادهم بيوتَهم التي عمَروا، رؤوسُهم منكّسة، على الأرض المقدّسة، وطاردتْهم في الأرض المحاكم، ودانتْهم بارتكاب الجرائم، وعمّتْهم الدنيّة، فحدثت “الهجرةُ العكسية”، وكانت من غير خلاف، بمئات الآلاف، هذا غير ما تكبّدَهُ الكيانُ من خسائرَ جمّة، وما حلَّ به من زوال نعمة، ومن لعنةٍ لا ترتفع، وغمّةٍ لا تنقشع، وما هلكَ فيه من جنود، حتى تحدّثَ بعضُهم عن نهاية يهود، وما احتملوا من جراح، وما افتقدوا من سلاح، فرحٌ أناخ به الحداد، وشللٌ أصاب الاقتصاد، وساءت أمورُهم، حتى نقَصَ ذكورُهم، وطفقوا يجنّدون الإناث، أم لم يرَ النفيسي تلك الأحداث؟
‏قال سهم بن كنانة: وقلت في نفسي: صدق الفضل، فإنَّ هذا الطوفان، من سنن الله في الأكوان، إذ هو ترتيبٌ ربّاني، يَقْصُرُ عن فَهمه العقل الإنساني، صحيحٌ أن العدوَّ عذّبَ أهلنا، لكن عسى أن نكرهَ شيئاً وهو خيرٌ لنا، لقد غيّرَ الطوفانُ هذه الأمّة، ففتحَ عيونَها على النور بعد الظلمة، وأيقظها من سبات، وذكّرها أن الجهادَ حياة، بل إنّه غيّرَ البشرَ أجمعين، لأن مكانَه الأرضُ التي بارك الله فيها للعالمين، وهنا قلت للشيخ: لقد فعل أبو إبراهيمَ وصحبُه ما هو أشدّ من الصواريخ، إذ صحّحوا في تشرين الأول مسار التاريخ، وقالوا للعالم إنّ أمّتَنا خُلقت للغارات، لا للحلول والمبادرات، وقد ارتأوا أن يكونوا طليعة الجهاد، وبشارة الميلاد، فما عادوا بكرّةٍ خاسرة، بل حازوا شرفَ الدنيا والآخرة.
‏قال سهم بن كنانة: ولما بلغتُ هذا الحد ابتسم الفضل وقال: لم يأتِ النفيسي بتحليل معتبر، وكان فيه قصير النظر، ولا يقلّل ذلك من فضله، فكم أخطأ الحقَّ رجلٌ من أهله، إنّ سؤال الطوفان ليس: هل أخطأ مهندسوه، بل لماذا خانَ الدمَ أهلوه، وكيف رمَوا غزّةَ بالإرهاب، وأغلقوا عليها الباب، وتآمروا مع القاتل، على المسلم المقاتل، وعصَوا قول الله تعالى، “انفروا خفافاً وثقالا”، ألا ليت شيخ السياسة، تحلّى في هذا الموقف بالكياسة، ونأى بنفسه عن اللوم، ذلك هو واجب اليوم، وقد زعم أنّ قرار الهجوم اتخذه بضعة أفرادٍ فقط، فسبحان الله ما أكبر هذا الغلط، إذ كان يقصد أنه مغامرة، ولم يكن نتيجةَ مشاورة، ولو لم يكن مدروساً ما انهار التطبيع، وأدرك العرب قيمة الربيع، ولما انكشفت أنظمة في فلك صهيون دائرة، “يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة”، ولما انهار حزب لبنان، وسقط لسفّاح الشام جيشٌ وبنيان، وانكفأ المشروع الإيراني، وكان ذلك عند قومٍ من الأماني، ولما انكسر باطلٌ عُمُرُه مئة عام، فكأنه وكأنها أحلام، بل لولا الطوفان، ما صلّى في الجامع الأُمويِّ فيصل بن فرحان!
‏قال سهم بن كنانة: وخرجت من مجلس الفضل وأنا أقول: لولا الطوفان يا نفيسي، ما عرف القاصي والداني خيانة السيسي، “لولا الطوفان”، يا له من عنوان، وطفقتُ أترنّم بهذه العبارة، التي أصبحت للخلود شارة، إن آثاره لم تظهر كلها بعد، وسيتذكّرُ المسلمون قادتَه كما يتذكرون المثنّى وسعد، لقد استدارَ الزمان، وحانت ساعةُ الكيان.
د.عبدالله النفيسي: صارحت المقاومة بتحفظي على "أحداث 7 أكتوبر" لأنها ولدت واقعًا إسرائيليًا ليس في صالحنا


















0:15 / 1:14

الجمعة، 21 فبراير 2025

مُحقّ وغلطان: نقاش مع جمال سلطان

 مُحقّ وغلطان: نقاش مع جمال سلطان

أحمد بن سعيّد


‏كتب أخونا الأستاذ جمال سلطان منشوراً بعنوان: “لماذا رحبت السعودية بأحمد الشرع ولم ترحب بمحمد مرسي؟".
وفي هذا المقال مناقشة لأخينا الكريم في نقاطٍ مهمّة رأيت من واجبي إيضاحها، لاسيما أنّ كثيراً منها يردّدها قومٌ آخرون، وليست مقصورةً على الأخ جمال وحده.
‏في البدء، توحي صياغة السؤال الذي طرحه الأخ والزميل سلطان بأن السياسة السعودية ذات قواعد ثابتة، وأن لها رؤية إستراتيجية مؤسّسة تحدّد خياراتها، وهذا غير دقيق، فربما تغيّرت المواقف بتغيّر القيادات.
ليس في البلاد برلمان ولا فصل سلطات ولا نظام ضوابط وتوازنات. وبهذا، فإن مقارنة موقفها من مرسي بموقفها من الشرع من دون أخذ هذا الأمر في الاعتبار يُفقد المقارنة صدقيّتها.
‏الحقيقة أن السعودية لم تكن مرتاحة لتقدّم الثوّار السوريين، وظلت دعايتها تصفهم وهم يحرّرون المدن السورية، بالفصائل المسلّحة، بينما تشير إلى عصابات السّفّاح بالجيش السوري، امتداداً للتحوّل السلبي الحاد الذي طرأ على السياسة السعودية تجاه الثورة السورية، عام 2017، والذي ختمتْه باستقبال السّفّاح في الرياض، وإعادته إلى الجامعة العربية. تجلّى ذلك في التناول الإخباري لقناة العربية التي دأبت، إبّان زحف الثوار على حلب وحمص وحماة، على استضافة أبواق السّفّاح، ليصِمُوا الثوّار وهيئة تحرير الشام بالإرهاب. ولا ننسى أنه قبل أسابيع فقط من فتح دمشق بثّت قناة mbc تقريراً وصفت فيه الشرع بأنه “وجه عالمي للإرهاب”،"قاد الخراب والدمار في سوريا”. حتى بعد التحرير، استمرّ كتّاب “رسميون” في التحذير من الشرع بوصفه إرهابياً، أو سليل تاريخ إرهابي. كل ذلك يفنّد ما ذهب إليه أخونا جمال سلطان بشأن الترحيب السعودي الفوري بنجاحات الثورة.
أما استنتاجه أن موقف المملكة من النظام السوري الجديد مؤشّر على “احتضانها” له، و “ثقتها” به، و “دعمه" في قابل الأيام، بل “إلقاء ثقلها” خلف الرئيس أحمد الشرع، وتقديم العون الاقتصادي والسياسي له، والسعي إلى “توسيع القبول الدولي بشرعيته”، فهو مجرّد آمال ورديّة كان ينبغي التريّث مليّاً قبل الجزم بحدوثها.
‏غير أنّ أشدَّ ما كتبه سلطان ظلماً قوله إن إيران والكيان الصهيوني والإخوان المسلمين هم القوى التي ضاقت ذرعاً بالعلاقة السورية السعودية الجديدة.
ولا أدري لماذا حشر، هداه الله، الإخوان في الموقف المعادي لهذه العلاقة.
الإخوان كلهم، كما أشار، مرتابون متوجسون، لكن إخوان مصر هم الأشدّ توتراً، بحسب تعبيره، لأنهم يحملون “ضغينة خاصّة تجاه المملكة بسبب موقفها الرافض لسلطة الرئيس محمد مرسي، ويتهمونها بالعمل على إسقاطه، ومساعدة القائد العسكري عبد الفتاح السيسي”.
لم يُوفَّق الأخ الكريم في استخدام تعبير “ضغينة”، الذي يعني الحقد الشديد بلا سبب، والمشوبَ عادةً بالحسد، وهو تعبير ينطوي على تشويه وإساءة كان ينبغي تجنّبه. ولو أنه قال مثلاً: “لأنهم أخذوا على المملكة رفضها سلطة الرئيس مرسي”، لكان أخفَّ وطأة، مع أن المملكة لم تقف عند “رفض” تلك السلطة، بل حاربتها دعائياً منذ البداية (كنت في الرياض وقتَها، وشاهدت الحشد العاطفي ضدّ الثورة، وضدّ مشاركة الإخوان في الانتخابات، كما لمست الصدمة من نتائجها)، وشاركتْ في تدبير الانقلاب عليها، وهي سلطة أبعد من أن تكون متعلّقة بشخص أو برنامج، فقد كانت تمثّل التجربة الديموقراطية الوليدة في مصر.
ثمّ إنّ القناعة بدور المملكة في الانقلاب معلومة بالضرورة، وليست مقصورةً على الإخوان.
وكنت قد استمعت إلى متحدّث أميركي في مؤتمر بإسطنبول عام 2016 يعترض على تحميل أميركا مسؤولية الانقلاب قائلاً:
“لقد دُبِّر الأمر في الرياض، وأتى المال من الرياض”.
هذه المشاركة المفتاحية في الانقلاب وما أسفر عنه من فظاعات وآلام، شكّك فيها الكاتب بقوله إنها مجرّد تهمة ألصقها الإخوان بالمملكة، وهذا شيء عجيب، إذ إن المملكة لم تنكر دورها في الإطاحة بمرسي، ودعم الخروج عليه، وجهر كثير من كتّابها ومعلّقيها بهذا الدور في الصحافة وفي المنصّات الاجتماعية، إجهاضاً لما لقّبوه بالربيع الإخواني-الأوبامي، وتخليصاً للمنطقة من بعبع “الإسلام السياسي”.
هذا الربيع الذي قرّرت المملكة الاعتراف بأحد قادته، أحمد الشرع، والتعامل الإيجابي مع أطول ثوراته وأشدّها دموية.
‏يعزو سلطان الترحيب السعودي بالشرع إلى “رهان السعودية على وحدة سوريا، وإحياء مفهوم الدولة، وإحياء دور سوريا العربية السنّيّة في حماية الأمن القومي العربي”.
حسناً، كيف يستقيم ذلك مع التعاطف الذي تبديه السعودية مع ميليشيا “قسد” الانفصالية المعادية للإسلام، وليس لأهل السّنّة فقط؟
شواهد ذلك في الماضي كثيرة. وفي أعقاب انتصار الثورة، أجرت قناة العربية مقابلاتٍ عدّة مع مظلوم عبدي، قائد تلك الميليشيا، متبنّيةً دعاياته ضدّ الحكومة التركية، بما في ذلك مزاعمه عن احتلالها أراضيَ سورية، وطمعها في المزيد، ودعوته إلى حذف كلمة “العربية” من اسم الجمهورية العربية السورية، وتأييده وجود قوات احتلالية أميركية في البلاد.
كما التقت جريدة الشرق الأوسط بعبدي، متناولةً مطالبه باهتمام.
غنيٌّ عن القول إن “قسد" تنظيم كاره للعرب والإسلام، يقمع المجتمعات العربية بوحشية، ويُجبرهم على القتال في صفوفه، ويفرض عليهم الفكر الشيوعي في التعليم، فأيّ إحياء لمفهوم الدولة، وأي نصرٍ للسّنّة، في احتضان هذه الميليشيا؟
‏أعاد سلطان القول إن جماعة الإخوان المسلمين “لا تغفر للمملكة أنها عملت على إسقاط تجربة محمد مرسي، وإنهاء مشروع الإخوان بالكامل في المنطقة تقريباً بعد انهياره في مصر”، وهو هنا يؤكد القصّة، ولا يعدّها “تهمة” إخوانية، كما زعم قبل قليل.
لكنه يأتي بزعم آخر مؤدّاه أن نقداً كثيراً صدر عن “رموز إخوانية” لاحتفاء المملكة الواسع بالرئيس الشرع، متسائلاً: لماذا قبلت بالشرع ولم تقبل بمرسي؟ وهو تساؤل يحمل افتراضاً مسبقاً غير دقيق، إذ ثمّة بعض أوجه الشبه بين الاحتفاء بالرئيسين، فقد احتفت السعودية بمرسي بقدرٍ لا يقلّ عن احتفائها بالشرع، وهو ما نشرته قناة العربية آنذاك في موقعها، قائلةً إن “السعودية استقبلت بحفاوة بالغة أول رئيس مصري منتخب بعد ثورة 25 يناير في مدينة جدة، وكان ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبد العزيز في مقدّمة” مستقبليه، مضيفةً أن الزيارة تأتي بعد ثلاثة أسابيع على انتخابه، وهي “رسالة تأكيد لقوة العلاقات السعودية-المصرية”. وبعد استقبال الملك عبد الله للرئيس مرسي، صرّح الرئيس قائلاً إنه “وجد في خادم الحرمين الحكمة والمعرفة والحب لمصر".
كما استقبل الرئيس في مقر إقامته بجدّة الأمير سلمان الذي اقترح “تكثيف الزيارات المتبادلة بين المسؤولين ورجال الأعمال في البلدين"،من أجل “دعم الاستثمار”، بحسب القناة التي أشادت بتصريح لمرسي أكّد فيه أن “أمن الخليج خطٌّ أحمر” (13 تموز/يوليو 2012).
‏وأدّى مرسي والوفد المرافق له العمرة بحراسة رسمية، وأودعت المملكة نحو ثلاثة بلايين دولار (2,900) في البنك المركزي المصري لم يأخذ الرئيس مرسي منها شيئاً، بحسب السفير السعودي في مصر آنذاك، أحمد قطّان، الذي اعترف بأن ذلك المبلغ الكبير “خلّص عليه حازم الببلاوي (أول رئيس وزراء بعد الانقلاب) في لحظات” (روتانا خليجية، 2 آذار/مارس 2021).
ونسبت جريدة الأهرام إلى الأمير سلمان قوله إن “بلاده تساند الحاكم الشرعي في مصر أيّاً كان” و “يجب إعطاء الرئيس محمد مرسي فرصة كاملة في الحكم" (10 نيسان/أبريل 2013، وقد تجاهل “الإعلام السعودي” هذا التصريح عدا جريدة الرياض).
هذه المواقف تدحض ما ذهب إليه سلطان من تقليلٍ لاحتفاء المملكة بمرسي، بغض النظر عن حقيقته ودوافعه.
‏يشير سلطان إلى أن الشرع أفضل من مرسي في عيون السعودية، لأنه “صاحب مشروع لإنهاء نفوذ إيران في الشام كله، وقطع دابرها بصورة حاسمة، وهذا يخدم الأمن القومي للخليج العربي بكامله، وفي القلب منه المملكة، بينما مشروع الإخوان في مصر كان ودوداً..مع النفوذ الإيراني في المنطقة”، “بل ومدافعاً عنه، وهذا ما أفزع المملكة وعواصم خليجية”.
وفي هذا الكلام من التشويه وتزييف الحقائق ما يتعيّنُ بيانُه، ويحرُمُ شرعاً كتمانُه.
لقد كان أحمد الشرع إرهابياً في نظر الحكومة السعودية على مدى سنوات، فكيف أصبح بين عشيّةٍ وضحاها سيفاً مُشهَراً على إيران؟ وهل كانت السعودية تعمل جادّةً على دحر العدوان الإيراني في الشام؟
الحقيقة أنها لم تكن لديها رؤية إستراتيجية للتعامل مع الثورة السورية، لأنها وهي تتوجس من الدور الإيراني، كانت تَعدُّ الثورة جزءاً من الربيع العربي، فدخلت المشهد السوري ولم تخرج بشيء.
إنَّ حشد الطاقات في مواجهة عدوٍّ محدّد يسهّل الطريق إلى هزيمته، بعكس ما يحدث عند مواجهة خصوم كثيرين، بعضهم مصطنع أو متخيَّل.
‏لقد نجحت المملكة في الإطاحة بمرسي في سنة، بينما بقي سفّاح الشام سنين طوالاً لم تزحزحه عن مكانه، ولو بذلت لإسقاطه عُشرَ ما بذلته لإسقاط مرسي لهوى في بواكير الثورة. ثم من أين أتى سلطان بالزعم أن “مشروع الإخوان” (هل ثمّةَ مشروع أصلاً؟ وما ملامحه؟ الهدف من وراء هذا المصطلح الإيحاء بأن لدى الإخوان مشروعاً غير وطني، عابراً للحدود، ومهدِّداً للنظام الإقليمي) مدافع عن النفوذ الإيراني؟ فِرْيَةٌ لا دليل عنده عليها، ولا مصدرَ لها إلا الدعاية السعودية التي ما فتئت تضخّها تشويهاً للرئيس مرسي ومرجعيته.
‏إنّ أخانا جمال سلطان يدرك أنّ جماعة الإخوان المسلمين ليست مذهباً فقهياً ولا طائفة دينية لها أصول مكتوبة مقعّدة يُحاكَمون إليها، ويحاسبون عليها، بل هي دعوة تمثّل الإسلام الرحب الغني الجميل، ومدرسة شاملة يلتقي أبناؤها من أهل السّنّة والجماعة على خطوط عريضة وقواسمَ مشتركة، وتتنوّع فيها مساحات الرأي والاجتهاد، ومن ثَمَّ فلا يمكن إطلاق حكم عام على أطيافها كافّة.
لنفترض مثلاً أنّ الإخوان، كما تخبرنا الدعاية، ميّالون إلى إيران، ماذا سيقول الأخ جمال عن الإخوان في سوريا الذين قدّموا أعظم التضحيات في التاريخ العربي الحديث في مواجهة العصابة الطائفية الباطنية الموالية لإيران التي حكمت الشام بالحديد والنار على مدى نصف قرن، تزيد ولا تنقص؟ هل هولاء مدافعون عن النفوذ إلايراني؟
كان الإخوان أكثر من أُوذي وعُذّب وقُتّل في سوريا (حماة كانت فقط أوضح النماذج)، حتى إنه صدر قرار في مطلع الثمانينيات بإعدام كلّ من ينتمي إليهم. وفرحُهم بسقوط العصابة الباطنية لا يُقارَن في شدّته بفرح غيرهم، وقد عبّروا عن ذلك بجلاء.
أمّا جماعة الإخوان المسلمين الأم في مصر، فربما كانت أوّل من بارك للشعب السوري بفتح دمشق، حيث هنّأتْه في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، “بسقوط النظام الغادر الذي ولغ في الدماء، وقتّل الأبرياء، وأمعن في تدمير سوريا وتشريد أبنائها واعتقال مخلصيها وشرفائها على مدار أكثر من خمسين عاماً”.
‏لكن لنعُدْ إلى الرئيس مرسي وأدائه في تلك السنة التي كان فيها رئيساً لمصر. ما مظاهر انحيازه إلى إيران؟ ما دلائل دفاعه عن نفوذها؟ هل كان استهلاله رئاستَه بزيارة السعودية، التي كانت ترى إيران عدوّها الأول، مجاملةً للنفوذ الإيراني؟ هل كان تصريحه قُبيل زيارتها أن “السعودية ترعى مذهب أهل السّنّة والجماعة، ومصر تحميه”، وأن البلدين يمثّلان “الإسلام السّنّي الوسطي”، وأنّ “السعوديين قيادةً وشعباً كانوا دائماً في حضن مصر، وكانت مصر في أعينهم، وكانوا مع مصر أوفياء” (العربية نت، 13 تموز/يوليو 2012) تأييداً لإيران؟ هل كان حضوره مؤتمر قمّة عدم الانحياز في طهران، وصدعُه في عُقر دار الصفويين بالترضّي على أبي بكر وعمر وعثمان، ووصفُه حينَذاك سفّاحَ الشام بالظالم، مجاملةً للنفوذ الإيراني؟ هل استضافتُه مؤتمرَ نصرة شعب الأحواز في القاهرة، مطلع عام 2013، الذي شارك فيه جمهرة من علماء السنّة ومفكريهم، داخل مصر وخارجها، دفاع عن مصالح إيران، وإيران نفسها أرسلت إلى مرسي مبعوثاً يلتمس منه إلغاءه، فلم يكتفِ بردّهم، بل أرسل متحدثاً باسمه، الدكتور السلفي عماد عبد الغفور، ليلقيَ كلمة في المؤتمر، وكنت حاضراً، ورصدت ما جرى في هاشتاغ ⁧‫#مؤتمر_نصرة_الأحواز‬⁩ بمنصّة إكس؟
‏هل موافقة مرسي على إعطاء مقعد سوريا في الجامعة العربية لممثّلي الثورة السورية، في مؤتمر قمة عربي شهدته الدوحة في آذار/مارس 2013، دعم لنفوذ إيران؟
هل استضافته لمؤتمر نادر في العالم الإسلامي، وهو اجتماع 500 من فقهاء أهل السّنّة ومفكريهم في القاهرة، لنصرة أهل الشام، يتصدّرهم الإمام يوسف القرضاوي، كانت دعماً للنفوذ الإيراني في المنطقة، كما يودّ أخونا جمال أن يقول؟
وقد أفتى العلماء في ذلك المؤتمر بوجوب الجهاد لتخليص سوريا من الحكم الباطني الطائفي الموالي لإيران، وكنت تشرّفت بحضوره، وألقيت بعده، أمام حشد جماهيري بمدينة نصر، قصيدةً في سوريا نقلتها قناة الجزيرة مباشر على الهواء.
هل رفْضُ الرئيس مرسي محاكمة من يتطوّعون للقتال إلى جانب الثوّار في سوريا اصطفاف مع إيران؟
خالد القزّاز، مستشار الرئيس مرسي للشؤون الخارجية، صرّح قائلاً إن المصريين الذين يقاتلون في سوريا من حقّهم المشاركة في القتال، ولن يُحاكَموا إذا عادوا إلى البلاد (بي بي سي عربي والمصري اليوم، 14 حزيران/يونيو 2013).
وهل حضور مرسي اجتماعاً جماهيرياً حاشداً في القاهرة (في 15 حزيران/يونيو 2013، أي قبل الانقلاب بأسبوعين) لنصرة الشعب السوري، وصيحته الشهيرة التي أطلقها: "لبيك يا سوريا"، ومطالبته “حزب الله” في لبنان بالخروج من سوريا، وقوف مع المصالح الإيرانية؟
وكالة رويترز أشارت عشيّةَ الانقلاب إلى أن ذلك الاجتماع كان “نقطة التحول” في نظر الجيش، ناقلةً عن “مصادر عسكرية مصرية” قولها إن “المصريين لا يريدون دولةً دينيّة”، وإنّ “قلق الجيش من الطريقة التي يحكم بها الرئيس محمد مرسي البلاد بلغ مداه عندما حضر تجمّعاً حاشداً اكتظّ بمتشدّدين إسلاميين من أنصاره دعوا إلى الجهاد في سوريا”، مضيفةً أنه في ذلك التجمّع وَصَفَ رجالُ دين سنّة الشيعة الذين يقاتلون إلى جانب الأسد “بالكفّار”، كما “دعا مرسي نفسه إلى تدخل خارجي في سوريا ضدّ الأسد، الأمر الذي أدّى إلى توبيخ مبطّن من الجيش الذي أصدر بياناً..حادَّ اللهجة في اليوم التالي، يؤكد أن دوره الوحيد هو حماية حدود مصر” (2 تموز/يوليو 2013).
وبهذا يكون محمد مرسي فارس الربيع العربي، وبطلاً من أبطال الثورة السورية (شاهد الڤيديو).
لقد بكى السوريون الرئيس مرسي كما لم يبكِه شعب عربي آخر، وكتب الصحافي الحمصي، هادي عبد الله، بعد استشهاده: “رحم الله الشهيد الرئيس محمد مرسي. الثورة السورية تنعاه، وتعتبره أحد شهدائها. لم يقف حاكم عربي مع الثورة السورية كما وقف الشهيد الرئيس الشرعي لدولة مصر”.
‏يقول سلطان إن الودَّ بين الإخوان وإيران “أفزع المملكة وعواصم خليجية”، ولا أدري متى فزعوا، قبل فوز مرسي أم بعده أم خلال سنته اليتيمة؟ وما أسباب ذلك الفزع؟ يردف قائلاً إنّ الخوف من وصول نفوذ إيران إلى عاصمة بحجم القاهرة، كان أمراً مفزعاً جداً، و “كان حاسماً في رفض الخليج، باستثناء قطر، لمشروع الإخوان وتجربة محمد مرسي”.
كلام مؤسف لأن صاحبه لم يعرّف لنا ذلك الفزع، ولم يبيّن مظاهره وأسبابه، كما استمرّ في ترديد عبارة “مشروع الإخوان” التي تشيطن الجماعة وتستبطن نزع الوطنية عنها.
هذا التفكير قاد إلى التعريض بدولة قطر التي أصبحت، هي الأخرى، تخدم النفوذ الإيراني. كأنما اتخذ الكاتب دعاية “مشروع الإخوان” (مرّةً أخرى، عبارة مضلّلة توحي بانفصال الجماعة عن الوطن، وتتجاهل أن مرسي دخل الانتخابات وفاز فيها ممثّلاً عن حزب اسمه “الحرية والعدالة”، لا عن الجماعة الأم نفسها) مبرّراً لإقصائها، وكأنما التمس بها العذر للدول التي موّلت الانقلاب وحرّضت عليه.
‏يقارن سلطان بين الشرع ومرسي مشيراً إلى أن الأول “تنظيم صغير محصور في سوريا”، الأمر الذي يُعدّ مطَمْئناً “لدول الإقليم وخاصة في الخليج”، بينما “تجربة مرسي محمولة على مشروع الإخوان”، بحسب تعبيره، وهو "مشروع أممي وله أبعاد تنظيمية دولية..وهذا كان مخيفاً”.
هل يعني ذلك أن تدمير مرسي وقتل الناس الذين انتخبوه مبرَّر ومفهوم مثلاً؟
أنا واثق أن الأخ جمال سلطان لا يقصد ذلك، لكن هذا ما تنطوي عليه عباراته.
لقد تجاهل التطمينات التي صدرت عن الرئيس مرسي لدول الخليج، وتجاهل أن مرسي يعمل في إطار دستور أقرّه الشعب، وتجاهل أن الحكم على أداء رئيس أو حزب يجب أن يأخذ مداه الدستوري، وألا يُسارَع إلى الحكم عليه بناءً على صور نمطية ومواقف مسبقة.
ولنفرض أن ثمّةَ مشروعاً للإخوان كان مرسي وفريقه يسعون إلى تحقيقة، ما الضَّير في ذلك إذا كان الرجل جاء إلى السلطة بانتخابات حرّة، ويمكن أن يتركها في انتخابات حرّة؟
هل يؤيد سلطان مفهوم الضربات الاستباقية والوقائية، وهو مفهوم إرهابي جاهلي قائم على قاعدة: “سأتغدى عليه قبل ما يتعشّى عليّ”؟
من الذي يعطي السعودية أو غيرها حق الإطاحة برئيس دولة أخرى، لأنها “تخشى مشروعه" الذي لا يقتصر على مصر، و “له جذور وامتدادات في دول الخليج كافة"، بعكس الشرع الذي لا يحمل مشروعاً "عدائياً"، بحسب سلطان، وليس لديه “خطط للتمدّد..أو التأثير في نظم الحكم بالإقليم”.
الانقلاب على مرسي إذن مفهوم، لأنه ردٌّ استباقي على مجموعة تبطن العداء! لكن كيف عرف سلطان أنّ انتصار الشرع لن يكون ملهِماً ومؤثراً؟
إنها مقارنة ظالمة تبرّر كل الفظاعات التي ارتُكبت بحقّ الملايين من المصريين، ودمّرت مصر، وأعادت المنطقة عقوداً إلى الوراء.
‏في موضع آخر من المنشور، يصف سلطان تَصَدُّرَ من وصفهم بالإخوان في البلدان التي سقطت دكتاتورياتها، بالخطأ التاريخي، عازياً ذلك إلى “قدراتهم التنظيمية والمالية” التي حوّلت الربيع العربي إلى “حصان لجماعة الإخوان”، بحسب تعبيره.
ولم يكن هذا خطأهم الوحيد، فقد “قفزوا” أيضاً إلى صدارة “مؤسسات الحكم، في مصر وليبيا وتونس واليمن”، والقفز هنا يعني حركة منفردة منبتّة الصلة بالناس الذين هم من أوصلوهم إلى الصدارة عبر انتخابات نزيهة، مضيفاً أن ذلك “القفز” خلق انطباعاً مؤدّاه أن الربيع العربي تحوّل إلى “ربيع إخواني”، الأمر الذي أثار “قلقاً، بل فزعاً في عواصمَ عربية كثيرة من المحيط إلى الخليج”.
أولاً: تلقيب كل الإسلاميين في الدول العربية بالإخوان هو شأن الأنظمة التي لا تريد التمييز بين أطياف الحركات الإسلامية، وتسعى إلى وضعهم جميعاً في سلّةٍ واحدة من دون اعتبار للسياقات والفروقات والتفاصيل.
حركة النهضة في تونس مثلاً إخوان، وحزب العدالة والتنمية في المغرب إخوان، والتجمّع اليمني للإصلاح في اليمن إخوان، قولبة تستخدم فرشة واحدة لطلْيِ الجميع، من أجل فهم أسهل.
ثانياً: سلطان على حق، إذ كان على الإسلاميين (وهو التعبير الأدق) ألا “يقفزوا”، أو لا يترشحوا ولا يفوزوا حتى لا يثيروا “رعب” الأنظمة من الماء إلى الماء! انظر كيف يبرّر رفض الأنظمة لهبّات الشعوب ومطالبها بالحرية والكرامة، ومشاركتها في تقرير مصيرها واختيار ممثليها، ويحمّل الضحايا أوزار تلك الأنظمة وخطاياها.
‏يصل سلطان إلى آخر منشوره، فيستنتج من الموقف السعودي الإيجابي من الرئيس الشرع أن عداء المملكة للتيّار الإسلامي خرافة.
ولا أدري كيف يشطبُ الفصلُ السوري الأخير قصّةً طويلة ملأى بأحداث شاهدة على هذا العداء، ولا زالت فصولها تتوالى.
من المعلوم أننا لا نستطيع تحليل خطاب بالنظر إلى مفردةٍ واحدةٍ منه، ولا حتى إلى نصٍّ يتيمٍ في ثناياه، بل لا بدّ من النظر إلى الخطاب بمجمله، مفرداتٍ ونصوصاً وسياقات، حتى نؤسس حكماً عادلاً بشأنه. ولكي نعرف تهافت ما ذهب إليه الكاتب، واستسلامه للعاطفة، فعلينا فقط أن نتصفّح منصّات سعودية كجريدة عكاظ أو جريدة الوطن أو موقع العربية لنرى الزعيق الذي لا يتوقف منذ سنوات ضد الإسلاميين والإسلام السياسي وعلماء وأدباء ومفكرين كثيرين ينتمون إلى التيار الإسلامي، من عرب وعجم، وشيطنة لكل الجماعات الإسلاميّة بما في ذلك جماعة التبليغ التي لا شأن لها بالسياسة (الڤيديو المرفق يحتوي على شخصيات إسلامية بارزة، معظمهم علماء ومفكرون، كانت السعودية يوماً تحتفي بهم وتُجلّهم وتنشر إنتاجهم وتستهدي بأفكارهم، ثم شرعت في وصمِهم بالتطرّف أو الإرهاب، أو التحذير منهم بوصفهم خطراً على البلاد والعباد).
‏للأخ جمال سلطان أن يُثنيَ على مواقف السعودية، ولا ريب أنَّ الثناء في موضعه خير، لكن ليس من حقّه التوسل بهجاء الإخوان والبغي عليهم في سياق هذا الثناء.
لماذا أجعل قضيتي النيل من جماعة إسلامية تواصَى بها أعداؤها، ورمَوها عن قوس واحدة، ففتنوها وآذَوها وقتّلوا أبناءها وسجنوهم وسلبوا أموالهم وشرّدوهم في الآفاق، ولا تزال عصابةٌ منهم في الأرض المباركة على الحقّ ظاهرين، لعدوّهم قاهرين؟
“بئسَ الزادُ إلى المعاد، العدوانُ على العباد”، قالها علي بن أبي طالب الذي كان يحلف: "وﷲ لأنْ أبِيتَ على حَسَك السّعْدان مُسهّدا، أو أُجرَّ في الأغلال مُصفّدا، أحبُّ إليّ من أن ألقى ﷲ ورسوله يومَ القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيءٍ من الحطام، وكيف أظلمُ أحداً لنفسٍ يُسرعُ إلى البِلى قفولُها، ويطول في الثرى حلولُها".
إني أعيذك يا أخي جمال أن تأتيَ يومَ القيامة وأنت ظالمٌ لطائفةٍ من المسلمين! فإن أصرَرت على ما أنت عليه، فأعدَّ للسؤال جوابا، وللبلاءِ جلبابا، وتذكّر قول الذي لا يظلمُ الناسَ مثقال ذرّة: ﴿تلك الدارُ الآخرةُ نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فسادا، والعاقبةُ للمتقين﴾.

الجمعة، 22 نوفمبر 2024

حدّث ⁧ سهم بن كنانة قال

حدّث ⁧ سهم بن كنانة  قال

 

أحمد بن راشد بن سعيّد


‏حدّث ⁧ #سهم_بن_كنانة ⁩، قال: استمعتُ إلى واحدٍ من القرامطة الجُدُد، يظنُّ أنه بلغ من العلم درجة المجتهد، وبجانبه شيخٌ على طريقتِه، يكشفُ حتى بالصمتِ عن حقيقتِه، ففي وجهِه ظلمة، وعليه من العافية أثرُ النعمة، ولا تَسَلْ عن قِصَر همّته، فلا يغُرَنَّكَ طول لحيته، وقد أرهف السمعَ في إصغاء، رغم أنَّ صاحبَه لا يُحسِنُ سوى الرُّغاء، وكنت رجلاً بالتنوّع شغوفا، حتى لو كان المتحدّثُ خروفا، فأستمعُ برحابةِ صدر، مستعيناً على الحمقى بالصبر، محاولاً التغلّب على مواقفي المسبّقة، حتى لو كان الذي أمامي معروفاً بالزندقة.
‏قال سهم بن كنانة: وبينا القرمطيُّ يتحدّث كانت تجري حربُ إبادة، لشعبٍ في الأرض المباركة يخوضُ جهادَه، ودماءٌ في غزة كالوابل، وقوافلٌ للشهداءِ إثْرَ قوافل، فلم يكتفِ الخسيسُ بتجاهل السياق، ولا بالاستهانة بدم المسلمين الذي يُراق، بل أتى بخطبٍ يطِم، وأمرٍ لا يمكن أن يتم، فزعم أن المسلم لن يُسأل في القبر عن فلسطين، ولا عن تطهير القدس من الملاعين، ولا عن نصرةِ غزّة، ولا عن معنى العزّة، ولا عن بذل المعروف، وإغاثةِ الملهوف، ولا عن الغضب من هدم المساجد، وقتل الراكع فيها والساجد، ولا عن أداءِ فريضةِ الجهاد، ذروةِ سنام الإسلام وأعظم ما أوجب الله على العباد، ولا عن ردع اليهود، وهم يقتلون المسلمين قتل عادٍ وثمود، ولا عن درءِ أخطارِهم، ونصرةِ المستضعفين الذين أخرجوهم من ديارهم، بل قال وما أقبح القول، إنَّ المسلمَ سيُسأل فقط عن التنزّه من البول، ثم أتبعَ العبارةَ بأخرى، كانت طامّةً كبرى، فزعم أنَّ من يهتمّ بفلسطين من المسلمين لا يتنزّهون من أبوالهم، فهم ملاقونَ في القبور سوءَ مآلِهم، وأقسم اللعين على ذلك، أكبّه الله على وجهه في المهالك، واستنكر الاهتمامَ بفقه الواقع، وكم لثيابِ صهيونَ من راقع.
‏قال سهم بن كنانة: وفقدتُ سَعَةَ صدري، حتى تمنّيتُ لو ابتلعني قبري، ولم أُطِقِ الاستماع إلى مزيد، فطفقتُ ألعنُ أولئك العبيد، ولو كان الأمرُ بيدي لأمرتُ بحملهم في صناديق، ثم إلقائهم على قارعةِ الطريق، ثم ناديتُ في الناس: لله أبوه، من يتبوّلُ على هذه الوجوه!
‏⁧ #غزة ⁩ ⁧ #فلسطين ⁩
‏⁧ #السلفية_القرمطية ⁩


الجمعة، 5 أبريل 2024

حدث سهم بن كنانة قال

 حدث سهم بن كنانة  قال



‏حدّث ⁧‫#سهم_بن_كنانة‬⁩ قال: لقيتُ شيخَنا الفضل بن ميمون بعد التراويح، وقد أحاط به قومٌ كأنّ وجوهَهم المصابيح، يمتّعون أبصارَهم برؤياه، لاسيما ذلك الألق العجيب في محيّاه، ويشفون صدورهم بما يلفِظُ من دُرَر، ومن خبرٍ يقصُّه في إثر خبر، ولقد شدّني فيه ما شدّ القوم، وما عليّ في حبِّ الفضل من لوم، وكم روى لي مريدوه من عجائبِه، وكيف تتفجّر الحكمةُ من جوانبه، فلا يملُّه أنيس، ولا يشبع منه جليس.
‏قال سهم بن كنانة: وكان يتحدّث تلك الليلة عن شيوخ السلاطين، وكيف من أجلهم سوّغوا حتى الوقوف مع اليهود في فلسطين، وباعوا ليرضوهم الضمير، فما لهم في الشرف من قطمير، وروى في ذلك قصّة تقال، قد جرت مجرى الأمثال، وهي أنّ سلطاناً كانت له بغلة، قد ملكت قلبَه وعقله، وكان يدلّلها ولا يضربُها، وينتشي فرحاً إذا يركبها، ويحنو عليها حُنُوَّ الأب على ابنتِه، حتى حسَدَها قومٌ من رعيّتِه، غير أنها كانت مقطوعةَ الذيل، فكان الناسُ يضحكون إذا مرَّ موكبُ السلطان بصبحٍ أو ليل، فغضب فقهاءُ تلك البلدة، وكانوا يرون نقدَ السلطان ردّة، وأفتوا بأن السلطان ظلُّ الله في الأرض، وأنّ صونَ هيبتِه أولى من أداءِ الفرض، وما دام السلطانُ معظّماً ولا يجوز المساس بذاتِه، فكذلك يَحرُمُ التعرّض لشيءٍ من ممتلكاتِه، بل إن الضحكَ من بغلتِه، أشدُّ من نقض بيعتِه، وصعد كبير المفتين المنبر، وصاح بعد أن سمّى الله وكبّر، عليكم بالجماعة، ولا تنزعوا يداً من طاعة، واحذروا الضحك من البغلة، فإنه خروجٌ من الملّة!
‏قال سهم بن كنانة: وخرجتُ من مجلس الفضل، وأنا أحمدُ الله على العقل، وتمتمتُ في نفسي: كم جنى على الشعوب والأوطان، مشايخُ ذيل بغلةِ السلطان.



الأربعاء، 30 أغسطس 2023

كتاب «الإعلام، بخذلان المسلمين لأهل الشام» الصادر عام 1534 للهجرة (2-2)

كتاب «الإعلام، بخذلان المسلمين لأهل الشام» الصادر عام 1534 للهجرة (2-2)

أحمد بن راشد بن سعيّد

الأربعاء 19 ديسمبر 2012

ويصف سهم بن كنانة في سِفره النفيس: " الإعلام، بخذلان المسلمين لأهل الشام" (الذي سيصدر في عام 1534 للهجرة، 2110 للميلاد) ما حدث في الشام على هذا النحو:

ولم يشهد تاريخ المسلمين خذلاناً كهذا إلا في الأندلس وبغداد والبلقان، لاسيما أن قتل أهل الشام استمر طويلاً، ولم يحرك المسلمون ساكناً. لقد كانوا ينزفون بغزارة، وكان المسلمون يتفرجون بمرارة. بل انشغل بعضهم باستضافة قينات الروم، فرقصن تحت أنغام المعازف، ودمع الشام مستهل نازف، وهززن بطونهن وأردافهن، ونثرن على وجوه المفتونين شعورهن، فكأنما غدت المسارح ساحات الوغى، ودهاليز الحانات هي المبتغى، فما أعظم الفرق بين أصيل ودعي، وويل للشجي من الخلي.
قال سهم بن كنانة: وكلما ازداد القتل، وضج الناس من القهر، خرج من الروم أو من أذنابهم من العرب من يقول: لا للتدخل، فيزداد عطش السفاح للفتك والعدوان، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا لله راجعون، ورضي الله عن عمر إذ قال: إلى الله أشكو جلد الفاجر وعجز الثقة. وكان أشد ما آلم السوريين وقتها فتاوى غريبة تخذّل من شاء نصرتهم، أو تعطي قاتلهم ولاية الأمر، أو تستهجن الخروج عليه. ومن عجب، أن أصحاب تلك الفتاوى كانوا يزعمون اتباع السلف، ويشتمون من خالفهم بصلف، فكأنما شرعوا ما لم يأذن به الله، أو كأنهم أنكروا الوحي ومغزاه.
قال سهم بن كنانة: وأسرف الباطنيون في قتل السوريين حتى رق لهم نتنياهو، وانتشرت أخبارهم في (يوتيوب) و (ياهو)، بينما لاذ سلاطين العرب بالسكوت، وقد علموا أن عروشهم أوهن من بيت العنكبوت، لقد سميت ثورة أهل الشام بالفاضحة، وسماها بعضهم بالفاتحة، وقالوا بل هي المانحة، لما كشفت من أسرار، وما أماطت من أستار، وما هدمت من أصنام، وما مزقت من أوهام، وما أسقطت للزيف من عمائم، فعاد معتمروها كالبهائم، وما مرغت في الوحل من ذوي اللحى، حتى طحنتهم بثفالها طحن الرحى.
قال سهم بن كنانة: واجتمع خذلان العرب مع مكر الروم على أهل الشام، لكنهم لم يفتروا وقاموا بالثورة خير قيام، وكان من هتافهم الذي ردده الزمن، وتغنت به الجزيرة واليمن: "الموت ولا المذلة"، "وعلى الجنة رايحين، شهداء بالملايين"، و "هيه يا الله..ما نركع إلا لله". وكانوا يكثرون من قول: "يا الله.. ما لنا غيرك يا الله"، وهو لعمري غاية التوكل على الرب، ومفتاح النجاة من الكرب. 

وفي هذا المعنى أنشد شاعر في ذلك الزمان:
لا تَسَلْ أين العربْ..
لا تسلْ أين العربْ..
ما لهم عينٌ ترانا..
والخطاباتُ كَذِبْ..
لا تسل أين العرب..
احذف العينَ ورتلْ..
دعوة من ظهر قلبْ..
ربِّ..ربْ..
ربِّ..ربْ..
وحده يجلو الكُرَبْ..

واشتهر عن أهل الشام وقتها قولهم: "لبيك..لبيك..لبيك يا الله"، وقد تأملت ذلك، فتساءلت: هل دعاهم الله إلى الخروج فلبّوا؟ أم ناداهم للجهاد فهبّوا؟ 

ثم تذكرت قول الشكور الحليم: "أُذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلموا، وإن الله على نصرهم لقدير"، فاطمأن قلبي إلى حكمة مقتدر، يمهل الظالمين ثم يجعلهم كهشيم المحتظر.
قال سهم بن كنانة: وكانت ثورة أهل الشام حافلة بالعجائب، رغم ما فيها من المحن والمصائب، ومن ذلك أنهم كانوا يغنون وهم يُقتلون، ويرقصون والعدو يمطرهم بقذائف المنون. 

وكان من أهازيجهم: "خافوا الله يا عرب.. يا عرب ذبحتونا"، وفي رواية: "خذلتونا"، وكان بعض العرب يسمعونها، فيهزون رؤوسهم طرباً، كأنهم في عرس، والحق أنهم عُمْيٌ خُرْس. 

ورفع أهل حماة لافتة مكتوب عليها: "هولاكو في حماة، فهل في المسلمين قطز؟"، قال جدي: ولم يكن لديهم قطز، فقد حذفوا القاف من زمان! وهتف بعض السوريين: "وين الإسلام؟ والله حرام!" يريدون حمية المسلمين، فما راعهم إلا شيعة العراق ولبنان وخراسان يغزون ديارهم، فيرمونهم عن قوس واحدة. وقد أسرف شيعة السفاح ومواليه في تدمير حمص العدية، وذبح أهلها حتى رثاها شاعر بقوله:
يا حمصُ لا تسألي أين اختفى العربُ..
أم أين معتصمٌ والسيفُ والكُتُبُ..


ضاعت مروءاتُنا إذ تقطرين دماً..
وتصرخين، فلا غوثٌ ولا غضبُ..

يا حمص فلتغفري هذا الهوانَ بنا..
فنحن تجمعنا الأغلالُ والحُجُبُ..

أمسى القتالُ حكايا في دفاترنا..
ويُمضَغُ الزيفُ في القاعاتِ والكَذِبُ..


قال سهم بن كنانة: وكان سفاح الشام يقتل كل يوم مئتين أو يزيد، فكأنما هو غول يكرع الدم، وكان مع هذا يترقب مذعورا، أو يتقلب محسورا، وحضرت صلاة عيد، فتظاهر كعادته بأدائها، واختار مسجداً نائياً ومعه شرذمة من ملئه. وقد روى لي جدي أن وجهه بدا وقتها مربداً من الأوزار، ومن لعنة الدماء التي سفكها في الأمصار، حتى كأنه مدينة تعج بالآثام، فما أعظم مصيبته عند المنتقم الذي لا ينام!
قال سهم بن كنانة: وكلما استحر القتل في الشام، وانهالت على أهلها قذائف الكفرة اللئام، ازداد تعلقهم برب الأنام، فكأنما يرون النور بين أسداف الظلام، وقد ربط الله على قلوبهم، وطهرهم من ذنوبهم، وجعل ثورتهم آية في النقاء، وسد أمامها كل باب إلا باب السماء، فكأنما صنعها على عينه، وحفظها من الشيطان وميْنه، وكان من هتافاتهم: "قولوا الله وعلوا الصوت، نحنا ما نهاب الموت". 

ولا ريب أن في القوم سراً من أسرار خالد بن الوليد، فكأنه ضخ في عروقهم البأس الشديد، والعزم العنيد، وقد روت لي جدتي مرة كيف أن أحد أطفالهم كان يركض، فوقعت فردة من حذائه، فلحقه شبّيح وقال: خذ عرعورك، فخلع الطفل الفردة الأخرى، وقال: خذ بشارك، وركض (وعرعور هذا شيخ حموي كان في جزيرة العرب يحرض السوريين على القتال).
وعلى الرغم من وحشية السفاح، وكثرة إزهاق الأرواح، فإن ذلك لم يفتَّ في عضد السوريين، 

وقد أنشد شاعر في ذلك الزمان مؤيداً لهم ومثبتاً:
الشعب معتصمٌ..
بالله معتضدُ..

يحمي انتفاضتَه..
من عنده المددُ..

والفألُ عُدَّتُه..
والصبرُ والجَلَدُ..

لا يأسَ يوهنُه..
إن عَرْبدَ الزَّبَدُ..

للظلم ساعتُه..
ليلٌ له أمدُ..

سأقولها جَذِلاً..
وأنا بها غَرِدُ..

يا شعبَنا احتفلوا..
قد أشرق البلدُ..

وأقولُ: مُتْ كمداً..
يا أيها الأسدُ..

قال سهم بن كنانة: ومن اللطائف أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في الصحيح: "إن الله قد تكفل لي بالشام وأهله"، وكان أهله يهتفون: "سيدنا محمد..قائدنا للأبد"، فأي فضل من الله به على أهل الشام، وأي عار جلل من خذلهم في تلك الأيام؟

* أحمد بن راشد بن سعيّد

أستاذ الإعلام السياسي 

@LoveLiberty

الأربعاء 19 ديسمبر 2012





كتاب الاعلام في خذلان اهل الشام صدر عام 1533هجري