الجمعة، 18 أبريل 2014

الجذور الأمريكية للانقلاب العسكري


الجذور الأمريكية للانقلاب العسكري


بقلم: محمد يوسف عدس
فى أعقاب اتفاقية "كامب ديفيد" مع إسرائيل ظهر فى مصر ما سُمِّي بعصر الانفتاح الاقتصادي ، وفى أجوائه شرعت أمريكا فى تنفيذ أخطر مخططاتها لتحويل مصر إلى مستعمرة أمريكية تديرها بالرّموت كنترول.

فقد أشاع الانفتاح العشوائي مناخًا من الاضطراب يسّر على أمريكا مهمتها فى إعادة هيكلة المجتمع المصري؛ ولكي نقترب من فهم هذه الحقيقة نستعيد إلى الذاكرة فكرة "الفوضى الخلاقة" التى اعتمدتها أمريكا فى سياستها الخارجية لإدارة مشكلات الشرق الأوسط الجديد أثناء إدارة بوش الصغير.
 لذلك لا بد من إلقاء شيئ من الضوء على حقيقة ما حدث لمصر فى ظل الانفتاح:

أبرز ما يلفت نظرالباحث الاجتماعي هو صعود فئات من قاع المجتمع وحثالاته -على أكتاف الطبقة الوسطى- شكلت مع الوقت طبقة بلا مواهب حقيقية سوى الفهلوة والانتهازية والجسارة التى يتمتع بها أي بلطجى جاء من العدم ولا يهمه أن يعود إلى العدم..

فى حقيقة الأمر كان الانبثاق العشوائي لهذه الطبقة وانتشارها السريع على سطح المجتمع المصري هو السبب الأكبرفى تمزيق الطبقة الوسطى و القضاء على قيمها التقليدية التى حافظت على المعايير الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع المصري عبر عقود طويلة ..

ولم يكن هذا مجرد تغيير مرحلي وإنما كان بمثابة زلزال قَلَبَ موازين الحياة فى المجتمع المصري رأسًا على عقب، وأحدث تحوُّلات جذرية فى تركيبته الطبقية ومزاجه العام وعلاقات افراده بعضهم ببعض ، حتى أصبحت قيمة الإنسان مرتبطة بمقدار ما يستحوذ عليه من مال.. بصرف النظر عن مصدر هذا المال: إن كان من حلال أو حرام . بل إن فكرة الحلال والحرام نفسها توارت من قاموس المعاملات الاجتماعية السائدة، لتحل محلها فكرة الشطارة والفهلوة و "إحنا اللى دهنَّا الهوا دوكو..!"

لم تكن طبقة رأسمالية منتجة وإنما مخرّبة للاقتصاد والمجتمع، ومن ناحية التركيب النفسي كانت مفرّغة من الفكر والتعليم والقيم والمبادئ الأخلاقية. انتشرت على سطح المجتمع كما ينتشر الطفح الجلدى على جسم إنسان.. فنعرف أنه مريض؛ نفهم هذا إذا علمنا أن الثروات الكبيرة التى استحوذت عليها كانت نتيجة الاتجار فى المخدرات والعُمُلات والدعارة والبلطجة والنَّصْب.. و من بيع أراضى لا تملكها وإنما استولت عليها بوضع اليد.. فى الصحراء وعلى طول الساحل الشمالي من الإسكندرية إلى السلوم ..

كانت هذه الأوضاع السائدة بمثابة الفوضى الخلاقة التى مهدت لأمريكا أن تتدخل لإعادة هيكلة المجتمع المصري على أسس وقواعد جديدة تخدم أهدافها وخططها لمستقبل مصر..

فلما جاء عصر مبارك كانت الجهود الأمريكية قد تبلورت فى خلق نخبة مختارة ومتميّزة من رجال أعمال كانوا صِغَارًا ومغمورين ولكن يتمتعون بدرجة من الذكاء والمهارة وعلى مستوى من الطموح والانتهازية يؤهلهم لعضوية هذه النخبة المتأمركة ..

فى غفلة من الزمن هبطت عليهم الثروة من حيث لا يعلم أحد من أين هبطت؛ فأصبحوا –بين عشية وضحاها مليونيرات يُشار إليهم بالبنان .. ثم تحولوا إلى مليارديرات فى غمضة عين.. استقطبتهم أجهزة السلطة الدكتاتورية لينعموا ببركاتها ويستأثروا بالامتيازات الخرافية والثروة المنهوبة من ممتلكات الشعب.. ولينفقوا من هذا المال المنهوب على الحزب الحاكم ..

كان بروز أفراد هذه الطبقة المفاجئ مثار اندهاش من المجتمع .. كأنما هبطوا عليه فى براشوت من كوكب آخر .. لا يعلم أحد من أين جاءوا ..؟ وليس لهم أدنى رصيد من العمل السياسى أو الاجتماعي فى خدمة الناس أو الوطن.. من أمثال ساويرس وأحمد عز وكمال الشاذلي ومحمد الأمين وغيرهم.

حرصت أمريكا فى تشكيل هذه المجموعة على أن يكون للنصارى النصيب الأكبر من الثروة ؛ وهكذا استطاعت أقلية طائفية لا تزيد عن ٦% من السكان أن تستحوذ على أكثر من ٥١% من ثروة مصر.. وأن يكون لها تأثير أكبر من حجمها على السياسة المصرية.

قد يسأل سائل: لماذا تحرص أمريكا على خلق مثل هذه الطبقات..؟
 وإجابتى ببساطة: للمحافظة على النظام الحاكم الذى ترضى عنه أمريكا.. ولتهديده وردعه إذا انحرف عن الأهداف المرسومة له.. أو تراخى فى إقصاء التيار الإسلامي أو اقترّب منه.. أو حتى قبل بالحوار معه.. فقد كان هذا من المحرمات والكبائر التى لا يفلت مرتكبها من العقاب..!

أما أعظم الخطط الأمريكية وأهمها فقد جرى تنفيذها فى قلب الجيش المصري ؛ وذلك لخلق طبقة رأسمالية موازية، أفرادها من القيادات العليا ، هيمنت عليها أمريكا بمعوناتها السنوية..
ومن خلال العلاقات المثلية المتبادلة بين النظراء فى الجيشين الأمريكي والمصري.. ومن خلال برنامج المناورات الدورية المشتركة (النجم الساطع).. ومن خلال برامج تدريب الضباط فى المعاهد الأمريكية..

مع مرور الوقت تحولت القيادات العليا فى الجيش المصري إلى طبقة اقتصادية جديدة متميّزة صاحبة مصلحة سياسية واقتصدية مستقلة عن بقية الشعب.. ليس لأي حكومة مدنية سلطان عليها أو حتى مساءلتها..

انشغلت هذه الطبقة عن تطوير الجيش وتنمية قدراته القتالية والعسكرية .. فقد تبنّت مقولة السادات" أن حرب السويس هي آخر الحروب مع إسرائيل" 
وبدلا من أن تنشط فى صناعة الأسلحة التى يحتاجها الجيش اشتغلت بالتجارة والمقاولات، والخدمات.. والصناعات الاستهلاكية.. وزراعة أشجار الزيتون وعصره.. وزراعة الخيار والكنتلوب والفراولة..

وامتدت مشروعاتها على طول الطرق الصحراوية بين القاهرة والاسماعيلية.. و السويس وبور سعيد.. وطريق الاسكندرية الصحراوي.. ومن الكيلو ٢١ غرب الاسكندرية إلى مرسى مطروح والسلوم..

لقد تحولت جميع أراضى الدولة التى كان بها معسكرات للجيش -بقدرة قادر- إلى ملكية هذه الطبقة العسكرية؛ تتاجر فيها وتبنى عليها عمارات سكنية للبيع؛ بنصف الثمن للضباط.. وللأهالى بضعف الثمن .. حتى الأراضى داخل الإسكندرية نفسها أقيمت عليها مشروعات سكنية للتجارة والتربّح.. 
أشير فقط إلى مثالين أعرفهما: (طابية سيدى بشر وعمارات القوات المسلحة فى مصطفى كامل)؛ فقد بُنِيت هاتين المنطقتين على كرنيش الاسكندرية فى أوائل التسعينات من القرن العشرين.. ولكن افتح النّت الآن .. وسترى حتى هذه اللحظة إعلانات للبيع والشراء المتداول فى عمارات القوات المسلحة..

تجارة لا نهاية لها فى أراضى مصر الواسعة، وأنشطة إقتصادية مدنية يصعب حصرها وانخراط كامل للطبقة العسكرية الرأسمالية فى إدارة هذه الأعمال وتحصيل الأرباح منها بمليارات الجنيهات.. تحتكرها طبقة الأثرياء الكبار من قيادات القوات المسلحة دون سائر المجتمع وبعيدا عن مراقبة الشعب أو ممثليه فى المجالس البرلمانية [إذا وُجدت].

من هذه الطبقة خرج الانقلاب العسكري على السلطة الشرعية المنتخبة؛ فأهدر إرادة شعب بأكمله ؛ و سطا العسكر على ثورته و خطفوا رئيسه المنتخب وألغوا دستوره وأغلقوا برلمانه.. وقاموا بتصفية أنقى عناصر المقاوِمة فيه: بالمجازر والحرق والترويع فى السجون والمعتقلات.. بدعوى محاربة الإرهاب.. وأعادوا مصر إلى أحط عصور الدكتاتورية.. والتبعية للقوى الأجنبية ..

قام الانقلابيون بكل هذا فى سبيل المحافظة على أوضاع طبقتهم المتميزة وحققوا لأمريكا وإسرائيل ما لا تستطيعان تحقيقه بالتدخل المباشر..

الآن تشعر الولايات المتحدة بالغبطة ولا تخجل أن تعبر عن سعادتها بنجاح استثمار أموالها وجهودها فى الجيش المصري؛ فقد آتت أكلها وجاءت بالنتائج المرجُوَّة.. وعادت مصر إلى الحظيرة الأمريكية الإسرائيلية أقوى مما كانت عليه فى عهد مبارك وأكثر جسارة فى تحقيق المخططات الأمريكية بالمنطقة..
 أذكر فقط أبرزها:

١- القضاء على الثورة المصرية وانحسار المد الثوري للربيع العربي بعيدا عن حدود الدول البترولية الخاضعة للهيمنة الأمريكية.

٢- ضرب المد الإسلامي وإقصائه من الساحة السياسية فى مصر ومحاولة القضاء نهائيا على جماعة الإخوان المسلمين بالذات .. باعتبارها أكبر عدو للمخططات الأمريكية الصهيونية فى المنطقة وأخطر عائق لإسرائيل.. يمنعها من تحقيق حلمها الصهيوني فى بناء إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

٣- تغيير العقيدة القتالية للجيش المصري وصرفه عن الدفاع عن حدود الوطن بإشغاله فى عمليات قمع الجماهير فى الشوارع .. هذا التحول الخطير تعلم إسرائيل وأمريكا ويعلم جنرالات الانقلاب أنه عملية إفساد أكيد وعلى أوسع نطاق للجيش المصري.. وتحويله إلى أداة فى يد إسرائيل فى حصارها لغزة والقضاء على المقاومة الإسلامية فيها..

ليس معنى هذا بالضرورة أن تنجح إسرائيل وأمريكا فى تحقيق ما تخططان له ؛ ولا أن تصبح الأمور فى مصر طوع بنان الانقلابيين .. فإن هناك من دون ذلك مسافة هائلة..
وتوجد أسئلة كثيرة لا بد من التمعُّن فيها و الإجابة عليها:

- هل يستمر الانقلاب العسكري فى السلطة أم ينهار من داخله..؟

- هل يستسلم الشعب الثائر المعارض لخطط الانقلابيين.. أم يستمر فى ثورته..؟ أم تنتفض معه قطاعات أكبر من الشعب، بعد أن اتضحت لها حقيقة الانقلابيين وعمالتهم للقوى الأجنبية...؟ كل هذه احتمالات قائمة..!

- وإذا حدث جدلا وهدأ الشارع واستقرت الأمور للانقلابيين فهل يسمح الشعب بأن يحارب الجيش المصري إخوانه فى فلسطين..؟ وهل يسمح الجيش المصري لنفسه أن يكون أداة فى يد عملاء إسرائيل وأمريكا ليحارب إخوانه الفلسطينيين بدلا من أن يحارب عدوه وعدوّ أمته إسرائيل نفسها..؟

- وماذا سيحدث إذا ما رفض الشعب أو رفض الجيش أن يتورط فى هذه الجريمة..؟

لا أحب أن أتكهّن الآن بالإجابة على هذه الأسئلة .. ولكنى أتصور أن أبواب جهنم ستنفتح فى وجه الانقلابيين عند كل خطوة يخطونها فى هذا الاتجاه: من الشعب ومن الجيش ومن الشعوب العربية والإسلامية فى شتى أنحاء الأرض..

myades34@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق