السبت، 2 أبريل 2016

الغرب يعلن الحرب الباردة ضد تركيا

الغرب يعلن الحرب الباردة ضد تركيا


أحمد منصور


خلال أيام قليلة تواترت التحذيرات من الدول الأوروبية وصولا إلى الولايات المتحدة للرعايا الغربيين من الذهاب إلى تركيا، هذه التحذيرات ضد بلد يستقبل سنويا أكثر من 35 مليون سائح تعني ضرب واحد من أهم موارده، وقد رفعت الولايات المتحدة من حدة تحذيراتها مساء الثلاثاء الماضي حينما طلبت من عائلات عسكرييها مغادرة تركيا، حدث هذا في نفس الوقت الذي كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يستقل طائرته متوجها في زيارة رسمية للولايات المتحدة الأميركية لحضور قمة الأمن النووي، وقبل الإعلان الأميركي تحدث رئيس الحكومة أحمد داوود أوغلو عن زيارة أردوغان للولايات المتحدة قائلا إنها تتضمن افتتاحا «لمجمع ثقافي أميركي تركي سيكون بصمة لإنجازات تركيا في سائر بقاع العالم».
 التحذير والقرار الأميركي بسحب عائلات العسكريين من تركيا في الوقت الذي يتوجه فيه أردوغان للولايات المتحدة طعنة في الظهر مدروسة لتركيا ورئيسها الذي أصبح يزعج الولايات المتحدة والغرب كثيرا، فالصحف الغربية لاسيما الألمانية تشن حملات شبه يومية على أردوغان وحكومته، والعجيب في الأمر أن المعارضة التركية تضع يدها في يد كل من يهاجم الحكومة التركية، وقد عبر داوود أوغلو عن ذلك في خطابه الذي ألقاه الثلاثاء الماضي أمام تجمع لفريق حزب العدالة والتنمية في أنقرة، اتهم فيه المعارضة التركية بانعدام الوطنية وقال «للأسف لا توجد معارضة وطنية في تركيا، لقد تمكنت تركيا من إحراز تقدم في السنوات الأربع عشرة الأخيرة من رفع سقف تركيا عاليا، لكن للأسف لم ترق المعارضة إلى هذا المستوى، إنهم لم يتعلموا السياسة ولم يتعلموا كيف يخدمون الشعب». 

أما أسباب التصعيد الأميركي الأوروبي ضد تركيا فإنها باختصار لا تتعلق بالحجج التي يسوقونها حول حرية الصحافة فما يحدث في مصر ودول كثيرة من التي تدعمها أميركا والغرب أكبر من حرية الصحافة بل يتعلق بحرية الإنسان نفسه وقيمته، لكن هذا الغرب المنافق يخشى من تركيا التي انتقلت خلال عشر سنوات من المكانة 37 إلى المكانة 17 اقتصاديا، وأصبحت من مجموعة العشرين الكبار في العالم، وهي في النهاية دولة إسلامية والغرب وأميركا لا تريد لأي دولة إسلامية أن تكون في هذه المكانة، لاسيما إذا كان القائمون عليها يعتزون ويفخرون بأنهم مسلمون، الأمر الثاني أن تركيا لم تعان اقتصاديا كما عانت وتعاني أوروبا بل إن المشروعات التركية العملاقة من المطار الثالث والجسر المعلق والطرق ومحطات الكهرباء وغيرها مشروعات عملاقة بعشرات المليارات يسيل لها لعاب الشركات الغربية، كما أن كل بيت في أوروبا لا يخلو من منتج تركي.

تركيا غزت أوروبا بمنتجاتها وتريد الآن أن تصبح قلب أوروبا من خلال مطارها الجديد واقتصادها وتوافد السياح من أنحاء العالم لها، لذا قررت أميركا والغرب أن تضرب تركيا حتى لا تواصل تفوقها على أوروبا. 

الجمعة، 1 أبريل 2016

خلاف خامنئي ورفسنجاني.. حدود الثابت والمتغير


خلاف خامنئي ورفسنجاني.. حدود الثابت والمتغير  

تبرز مواقف المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني هاشمي رفسنجاني، اتساعا لرقعة الخلاف بين المحافظين والإصلاحيين بإيران، غير أن هذا الخلاف في نظر متابعين لن يؤثر على سياسات البلاد ومواقفها الخارجية.

مصطفى بوضريسة
 
أعادت الانتقادات اللاذعة التي وجهها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي لرئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني هاشمي رفسنجاني، التذكير بالخلافات المتصاعدة بين المحافظين والإصلاحيين، وأحيت تساؤلات عن مآل تلك الخلافات وتأثيرها على واقع إيران وضعها الداخلي وسياساتها الخارجية.وكتب رفسنجاني تغريدة عبر موقع تويتر قال فيها إن "الغد هو عالم الحوار، وليس عالمٌ الصواريخ"، ورد خامنئي على ذلك بتصعيد في خطابه اتجاه رفسنجاني وصل إلى حد اتهامه بـ"الخيانة".
وقال خامنئي أمام حشد من المحتفلين بذكرى مولد السيدة فاطمة الزهراء أمس الأربعاء في طهران "اليوم هو عهد الصواريخ وكذلك الحوار.. إن عصرنا هذا هو عصر كل شيء، وإلا فسيتم هضم حقوق الشعوب بسهولة"، واعتبر أن "عرض الصواريخ المتطورة والدقيقة للحرس الثوري الإيراني يثلج قلوب الشعوب المضطهدة من قبل أميركا والكيان الصهيوني والتي لا تستطيع القيام بأي شيء حيال ذلك".
وأكد أن "العدو يقوم بتعزيز قدراته العسكرية والصاروخية بشكل مستمر، فكيف نقول في هذه الظروف إن العصر الحاضر ليس عصر الصواريخ؟"، وأضاف "إذا كان كلام (الغد عالمٌ للحوار وليس عالمٌ للصواريخ) قيل دون دراية فهذا بحث آخر، أما إذا قيل على دراية فتلك خيانة".
ولم تتوقف انتقادات خامنئي عند رفسنجاني، بل تجاوزته إلى التيار الإصلاحي، وقال خامنئي إن الإصلاحيين يشوهون صورة المرشد في أعين الشعب الإيراني بشكل ممنهج ويظهرونه كأنه يعارض المفاوضات مع الدول الغربية لرفع العقوبات الاقتصادية عن البلاد.
وشملت انتقادات خامنئي الرئيس حسن روحاني، الذي اتهمه بالفشل في إنهاء المشاكل الاقتصادية التي يعانيها الشعب الإيراني رغم رفع العقوبات الاقتصادية عن البلاد.

وبعد هذا الهجوم، نشر رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام تعديلا على تغريدته الأولى وكتب "رسالتي الأولى كانت ناقصة. والنص الكامل كان على الشكل التالي: عالم الغد سيكون مبنيا على الحوار كما هي الحال في الثورة الإسلامية. لا للصواريخ العابرة للقارات ولا القنابل النووية".
ولا يبرز هذا التعديل تراجعا واضحا لموقف رفسنجاني من المحافظين، وهو الذي اتهمهم في وقت سابق بأنهم فاقدون للشرعية، وذلك على خلفية رفض وإقصاء مجلس صيانة الدستور الإيراني مرشحين من التيار الإصلاحي في الانتخابات البرلمانية التي جرت في فبراير/شباط الماضي.
وأبرز السجال بين الرجلين استمرار الأزمة بينهما، وتفاقم الخلافات التي برزت بشكل قوي خلال مفاوضات إيران مع القوى الست الكبرى واستمرت بعد التوقيع على الاتفاق النووي التاريخي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
وبينما لا يتوانى خامنئي عن تكرار امتعاضه من مضمون الاتفاق الذي يرى أنه لم يكن في صالح بلاده، يخشى الإصلاحيون ومعهم رفسنجاني أن يكون موقف المرشد دافعا للمحافظين للعمل على إجهاض الاتفاق النووي، وذلك عبر استكمال خطط تطوير الصواريخ الباليستية، وإثارة حفيظة الدول الغربية التي لن تصمت على ما ترى أنه خرق لقرارات مجلس الأمن.


وتبرز التصريحات المتوالية من المعسكرين أن رقعة الخلاف قد تتسع في قادم الأيام، وذلك مع شعور المحافظين بأن الإصلاحيين نجحوا في تعزيز موقفهم الشعبي عبر تسويق نجاحهم الأبرز وهو الاتفاق النووي كدليل على نجاح خططهم المرنة، واستغلاله لتحقيق مكاسب سياسية بدأت من الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
في المقابل، يرى المحافظون أن الإصلاحيين يصورونهم على أنهم يقفون في طريق المشاريع الإصلاحية لإخراج البلاد من عزلتها الدولية والإقليمية.
ويعتقد المحافظون أن إيران تواجه تهديدا بالتغيير الجذري من الداخل، ويرون أن ذلك التغيير لن يتم إلا عبر الحد من نفوذهم.
وبعيدا عن الطرفين، ترى مصادر غربية أن الخلاف القائم بين خامنئي ورفسنجاني ومن ورائهم المحافظون والإصلاحيون لن يكون له تأثير على سياسات إيران وخياراتها الإقليمية.
وقال رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات كليفورد ماي في مقال بصحيفة واشنطن تايمز، إن النخبة الحاكمة في إيران، ورغم الاختلافات الكبيرة داخلها، مجمعة على أن تصبح إيران السيد الجديد للشرق الأوسط، وعلى إهانة أميركا، ومنع أي تحوّل لبلدهم نحو الديمقراطية.
وذكرت وول ستريت جورنال أن أنصار الاتفاق النووي مع إيران سعدوا الشهر الماضي بالأنباء التي زعمت أن المعتدلين المقربين من روحاني قد اكتسحوا الانتخابات على أكثر من مستوى، لكن وبعد الاستمرار في إطلاق الصواريخ العابرة للقارات، اتضح أن "الاعتدال في إيران" بحاجة لإعادة تعريف.

"سادة الحرب": المراهنة الأمريكية على التفوق التقني لسحق إرادة الشعوب

"سادة الحرب": المراهنة الأمريكية على التفوق التقني لسحق إرادة الشعوب


الترجمة/ خدمة العصر
في قراءة لأحد الخبراء العسكريين لكتاب الباحث الحربي "ميكل هندل" بعنوان: "سادة الحرب"، كتب يقول:
"ميكل هندل" باحث عسكري، هو ليس مهما في ذاته، رغم كتابه "سادة الحرب" الذي أصدره في التسعينيات ثم أعاد طباعته عام 2000.
"هندل" ليس سوى جزءا من آلة التنظير العسكري الأمريكية التي تميل حاليا إلى عدم زج الجندي الأمريكي في حرب العصابات وتعتمد التركيز على التفوق التقني.
ويقول هؤلاء إنه يجب المراهنة على التفوق التقني القائم على تطور الاتصالات وتطور علم المواد والأسلحة بدلا من النزول على إرادة الشعب المحتل.
في جزء من الكتاب، تكلم "هندل" عن كيفية هزيمة حرب العصابات "الحرب الشعبية"، ورصد اتجاهات المنظرين الأمريكيين التي تركز على التفوق التقني ضد "الإرهاب".
وهذا النهج مرتبط بـ"لوبي" الصناعات العسكرية والشركات الاحتكارية، وهو المسؤول عن إنفاق المليارات لابتكار آلات وطرق تقود للتغلب على العدوَ المقاتل.
وخلال سنوات حرب العراق، أنتج الجيش الأمريكي نسخا من المدرعات والدبابات والدروع الفردية القادرة على صدَ الأساليب المعتادة التي ينتهجها المقاوم.
فالجندي الأمريكي الذي عرض تسجيلا لعملية تعرضه للقنص، مازال يفتخر حتى الآن بدرعه الذي أنجاه،  وهذه إشكالية حقيقية، إذ لا يوجد شيء اسمه "استنزاف موارد قوى عظمى"، ذلك أن إعطاب المدرعة من غير التخلص من الجنود المحمولين لا يؤثر في مجريات الحرب، بل يصل الأمر إلى كونه نجاحا للصناعات العسكرية الأمريكية التي ترمي في الأصل إلى "حماية الطاقم"، فالفريق البشري المعادي هو محل النزيف.
وهم يصنعون حصونا متحركة، وإذا تعرضوا للاستهداف بالطرق العشوائية لغرض عمل مقطع إثارة، يخرجون أحياء، وهذا من أسباب تقدمهم.
وعلى هذا، نظم الجيش الأمريكي القوات الحكومية العراقية خلال الشهور السابقة، وتعمد زيادة الآليات المدرعة السريعة وطواقمها، وذلك لإدراكه صعوبة تعامل المقاومين معها، وقد أرسل العسكريون الأمريكيون والروس آلاف المدرعات والمصفحات والدبابات ضمن خطة تأهيل الجيش.
وإذا نظرنا إلى الأنبار أو إلى الهجوم الأخير جنوب الموصل "مخمور"، سنلاحظ ما سبق مع ندرة العربات رباعية الدفع كالسابق.
والأمريكيون طلبة مجتهدون يدرسون كافة منتجاتك وأساليب تسليحك وأثر عبواتك، وعليها يصممون الأسلحة ويُعدَلون عليها، وإذا تأقلمت تبدأ حرب الأفكار.
وكل ما سبق لديه تفصيل تنظيري وهندسي، وفي النهاية لن تستنتج إلا أمرا واحدا، وهو "ما يكلف العدو  ملايين الدولارات يقضى عليه المجاهد بالمئات".
والميزة التي تبنيها الدولة العظمى لنفسها، قد تتحول عند التعامل معها بشكل صحيح إلى عقبة في وجه طموحها، وذلك ببعض التعديل من طرف المقاوم.

عزيزي الثائر: اعتبره "عبد المجيد محمود"

عزيزي الثائر: اعتبره "عبد المجيد محمود"

 

وائل قنديل
حاول أن تتخيّل رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، المحبوس في بيته، غير مسموح له بمغادرته الآن، يذرع المكان جيئةً وذهاباً، يسترق السمع لدعوة هنا أو هناك، يطلقها واحد من ثوار الفضاء، للتظاهر ضد إقالة جنينة، وتقديم رقبته هديةً إلى مؤسسة الفساد.
ينصت الرجل بكل تركيز، مقلباً قنوات التلفاز، باحثاً عن ردود أفعال الجماهير، فلا يجد إلا الصمت المطبق.
اترك هشام جنينة، واذهب إلى ذلك الشاب العائد من غيبوبةٍ دامت خمس سنوات، دخلها في أثناء مشاركته مع جموع الثوار المطالبة بالقضاء على الفساد، وتطهير القضاء والإعلام وإسقاط حكم العسكر.. ثم ضع أمامه مفردات الصورة، أظن أنه لحظتها سيتمنى العودة إلى الغيبوبة مجدّداً، كي لا تدفعه مكونات الواقع إلى الجنون.
هي اللحظة التي باتت فيها الرموز والجماهير عاجزةً عن فعل شيء، وهي ترى الضباع والذئاب تنهش ما تبقى من ثورتها، فلا تحرّك ساكناً، ولا تتحرك سوى مسافة 140 حرفاً، بمقياس "تويتر"، فيتم اختطاف رئيس جهاز محاربة الفساد من منصبه، وتكميم فمه، فيلزم الجميع أماكنهم.
لعلك تتذكّر تلك الأيام من الشهر الأخير من العام 2012:
أقال الرئيس المنتخب، محمد مرسي، نائب عام حسني مبارك، المستشار عبد المجيد محمود، بموجب إعلانٍ دستوري، فرضته ظروف عدم وجود مجاس نيابي، فانتفض نجوم ثورة يناير وأيقوناتها، وقالوا إن "شرعية الرئيس سقطت" بإصداره إعلاناً دستورياً يحقق مطلباً ثورياً، ظل مرفوعاً في ميادين التحرير أكثر من ثلاثين شهراً، ونادوا في الجماهير، لكي تبدأ الزحف المقدس إلى قصر الاتحادية، ومحاصرة الرئيس والمطالبة بإسقاطه عن الحكم.
الآن: أقال قائد الانقلاب، عبد الفتاح السيسي، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، المستشار هشام جنينة، بموجب فرمانٍ، هو للبلطجة وممارسات التشكيلات العصابية أقرب منه إلى الأعراف الدستورية، فلم تصدر عن "بقايا ثوار يناير" سوى همهماتٍ خجولةٍ وتغريدات مرتعشةٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، من دون أن يجرؤ أحد على الإقدام على "فعلٍ" محترم، أو يدعو إلى تظاهرةٍ أو وقفةٍ، تضامناً مع الرجل الذي قرّروا نحره بسكين الفساد.
مرّة أخرى يخذلون ثورتهم، حين يكتفون بمصمصة الشفاه وابتلاع الألسنة، والفرجة على عمليات التنكيل بالمستشار جنينة، والتي بلغت حد وضعه تحت الحصار في بيته، ومنعه من الكلام أو استقبال أحد.
هرع الزعماء الثوريون أنفسهم إلى نادي القضاة، ملبين نداء زعيم فلول القضاء، أحمد الرند، للتضامن مع نائب عام نظام حسني مبارك، المسؤول الأول عن إتلاف قضايا قتل الثوار والمتظاهرين، وتناوبوا على إلقاء الخطب وإطلاق الهتافات بالموت لمحمد مرسي، والحياة والحرية للشهيد الحي عبد المجيد محمود.
مازلت أتذكّر مشهد العبث الثوري حينذاك، وأسترجع النظر ملياً في مكونات مسرح الاحتفال بحكم قضاء الاستئناف بالعودة المظفرة للناصر عبد المجيد محمود، لأجد خليطاً من كل هؤلاء الذين لاتزال رائحة عرقهم لهثاً في إقطاعية مبارك تزكم الأنوف، جنباً إلى جنب، وكتفاً بكتف، ثواراً حقيقيين قبلوا على أنفسهم هذه المهانة الحضارية، ومنحوا لمن اغتالوهم أخلاقياً يوماً صكوك البراءة ومفاتيح غرف الاغتسال من عاراتٍ موثقةٍ بالصوت والصورة.
سجلت ملاحظاتي على تلك الصورة البائسة في ذلك الوقت، بشأن ردود الأفعال على الحكم، أهمها استمرار هذه الحالة من المزج بين الثورة واللاثورة، ووقوع بعضهم فى شرك اعتبار عودة عبد المجيد محمود مكسباً ثورياً يستحق الاحتفال والطبل والزمر والرقص.
وقلت "ربما نسمع أن "القوى الثورية" التي لطالما اعتصمت واحتشدت في الميادين، للمطالبة بإسقاط نائب عام نظام مبارك، ترتد على أعقابها، وتحمل عبد المجيد محمود على الأعناق، وتلف به ميدان التحرير على دقّات طبول الانتصار".
العمى الثوري واللدد في الخصومة، آنذاك، وصل ببعضهم إلى أن يدهس كل قيم الثورة الراسخة في الوجدان، وينسف شعاراته وهتافاته القديمة، إذ كانت مرحلة تشنجاتٍ ثوريةٍ تجعل أصحابها لا يتورّعون عن الانقلاب على كل ما نادوا وحلموا به سابقاً.
هل يجرؤ أحد من صقور الغضب ضد عزل نائب عام حسني مبارك، أن يدعو الناس إلى الاحتشاد ضد البلطجة التي يمارسها ورثة مبارك على رجلٍ كل جريمته أن يده امتدت إلى إغلاق صنابير فساد زمن مبارك العائد بشراسة؟

السيسي وأمّ الغلام

السيسي وأمّ الغلام


 عبد الحكيم حيدر

في زمن تصنيع الأساطير، نسمع الكثير من أصحاب الخطط والمطامع، فها هو عبد الفتاح السيسي، بالأمس، قد حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب في "مسجد أم الغلام"، واستمع بعمق أيضا إلى الشيخ متولي الشعراوي.
وورد في خطط الغيطاني، أيضاً، أن عائلة السيسي ورد اسم الأسرة ومقهاهم، وهو مقهى السيسي، في "حديث الصباح والمساء" للأديب العالمي نجيب محفوظ، وكأنها الخبر للعالم من باطن الغيب على تأصيل وتأصّل العائلة من قريحة أديبٍ عالميٍّ حاز "نوبل" من مقهاه في "الفيشاوي" الذي لا يبتعد عن مسجد أم الغلام كثيراً، وكيف لا، والطفل قد حفظ القرآن في مسجد أم الغلام، وما أدراك ما هي أم الغلام، حتى وإن أقرّ عبد الحليم قنديل، في ذكر طهارة يد الرجل التي لا تشوبها شائبة، وقال عنه، في خبطةٍ واحدةٍ، بأنه "صاحب رؤية"
وأيضا لم يأخذ متراً واحداً من أراضي الدولة في زمن النهب والتهليب، أما عن باقي الأوصاف الأخرى التي شطحت، كفريدة الشوباشي، فقد شبّهته بالمسيح. وهنا، فقد تفوقت كثيراً على أم الغلام، وعلى حفظه كتاب الله، وتماهت به مع المسيح عيسي بن مريم. أما والأمر قد فلت من أيدينا جميعاً، فسنعود لحكاية أم الغلام. 
أم الغلام أسطورة شعبية تحكي أن جنود معاوية، حينما علموا أن رأس الحسين وصل إلى المكان وهي عند امرأة، جاءوا، وكانت المرأة قد أعدّت، هي الأخرى، نفسها لحماية الرأس الشريف، وتكملة الأسطورة، فقطعت رأس ابنها، تضحيةً للرأس الشريف، وأعطت رأس ابنها للجنود، وبذلك حمت رأس الحسين من جنود معاوية، والتي سيُبنى عليها فيما بعد المسجد، مسجد أم الغلام الذي سيحفظ فيه السيسي القرآن الكريم فيما بعد، فهل لاحظ أحدٌ منكم، مثلاً، وهو يستمع لكلماته أن الرجل فيه من بركة القرآن شيئا؟ ولو حتى على مستوى نطق الجملة فقط أو سبك العبارة؟ 
نعود إلى موضوعنا، هل هناك أشرف من امرأةٍ تضحي برأس ابنها، فداءً لرأس سيد شهداء أهل الجنة، وهل أكثر من أن يبُنى لها مسجد باسمها، وهل أجمل من أن يحفظ فيه الغلام السيسي القرآن الكريم فيما بعد طفلاً، قبل أن يكون رئيساً بزمن طويل؟ والأساطير تتناسل، والبركات أيضا تأتي من طين المكان عند اللزوم. 
يُروى أن الحسين بن علي، ابن بنت الرسول وسيد شهداء أهل الجنة، كان قد تزوج ببنتٍ من بنات كسرى، بعدما اعتقت، لأن النبي، كما أوصى وكما أفتى عمر بن الخطاب، لا بد أن يُعامل أولاد الكرام بكرم، فاعتقت بنت كسرى، وخُيّرت في أمر الزواج، فاختارت الحسين، وكان اسمها شهؤنياز، أو فاطمة فيما بعد، وقد أنجبت له علياً زين العابدين، وأخته زينب، والذي قال فيه الدؤلي: 

وإن غلاماً بين كسرى وهاشم/ لأكرم من نيطت عليه التمائم 

لماذا تتناسل البركات، في هذه الليلة، حول رأس الحسين، على الرغم من أن الفتى الذي حفظ القرآن في مسجد أم الغلام، وعلى بعد أقدامٍ من قبته الشريفة، أسال جنود داخليته دماء ستة من المسلمين في غرة عيد رمضان بالرصاص الحي قتلاً، وتلاها بالقطع ما هو أفظع، وسبقها أيضاً، وكأن أساطير الرؤساء لا بد أن تشرب من الدماء كي تكتمل البركات، على الرغم من أنه عفيف اليد واللسان، كما قالوا سابقاً، ولم يأخذ متراً من أراضي الدولة، في زمن التهليب.
ولكن، ببركة أم الغلام ومسجدها وحفظه القرآن صبياً، كان في ذمته المالية 20 مليونا من الجنيهات (في بداية حكمه)، تكفي وحدها فقط لا غير، من حمل بعيريْن من الفضة والذهب والحرير والدماقس عربون محبةٍ، حتى لزينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فأيّ بركةٍ حلت على الفتى، بعد حفظه القرآن في مسجد أم الغلام؟ وأيّ ثراءٍ ينتظر فقراء مصر؟ وخصوصاً بعدما وصل الدولار إلى عشرة أمثاله من المرحوم الجنيه المصري سابقاً.

عزازيل!

عزازيل!

الجمعة 23 جمادى الآخرة 1437 الموافق 01 إبريل 2016

د. سلمان بن فهد العودة

اشتهر الشاعر "بشَّار بن بُرد" بالمجون والفجور، وكان يقول بتفضيل إبليس على آدم، ومن شعره:
إبليس أفضل من أبيكم آدم         فتبيَّنوا يا معشر الفجار!
النّار عنصره، وآدم طينةٌ         والطِّين لا يسمو سموَّ النّار

والحق أن الطين فيه التماسك والبناء والتواضع والتنوّع، بينما النار فيها التآكل والتحريق..
والطين ينتفع من النار ويزداد قوة وصلابة، بينما النار لا تنتفع من الطين..
ظاهر في القرآن أن إبليس ينتمي إلى مجموعةٍ كان لها حضور في الأرض ونشاط، ثم عاثت فيها فساداً، فاستبدل الله بها آدم وذريته.
وجاء عن ابن عباس وجماعة من الصحابة والسلف أنه كان لإبليس سلطان في الأرض وقوة فوقع منهم الفساد .
ولعله لهذا قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء؟}(30:البقرة).
فقد رأت في الأرض فساداً عريضاً ودماء تُسفك، وعرفت الدم من تلك الحقبة؛ التي ساد فيها التوحُّش والاعتداء والفساد.
لا غرابة إذن أن يكون جوهر فساد إبليس الكبر ورفض السجود والاعتراض على الله في شريعته وحكمته، وأن يكون الكبر مانعاً من دخول الجنة: « لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ » (رواه مسلم عن ابن مسعود).
وأن تكون الأنانية العمياء والتعاظم وانتفاخ الـ(أنا) نقيض العبودية لله: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} (12:الأعراف)، وأن يكون التواضع وخفض الجناح سيماء المؤمنين الصالحين القريبين من ربهم.
وأن يكون الحسد من شر الأدواء؛ التي تمنع من قبول الحق والانقياد له، كما فعلت يهود حين رفضوا دعوة النبي -عليه الصلاة والسلام-: {.. حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}(109:البقرة).
وأن تكون العنصرية البغيضة المقيتة، والتفاخر بالأصل والفصل، والأب والجد والقبيلة من أسباب الفساد العظيم: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}(12:الأعراف).
ولذا لا تكاد تجد أحداً يكثر الحديث عن نسبه وقبيلته إلا ويعتقد بفضلها وتفوقها وكثرتها وتميزها عن سواها.
لم يجعل الله تميز آدم بالطين ولا بالعنصر الذي خُلق منه، أياً كان، وإنما بالنفخة العلوية الملائكية التي حوّلته إلى إنسان مكرَّم مختار، وأهَّلته بفضل ربه للنبوة..
ولا غرابة أن تكون المقارنات العشوائية الخاطئة المتحيزة من أهم عوامل بغي بعض الناس على بعض، وظلم بعضهم لبعض، وتكدر عيشهم.
وكم زوج أعرض عن زوجته لأنه قارنها جسداً بسواها، ونسي جماليات روحها وصبرها وعفافها وطرفها المقصور عليه!
وكم ولد غاضب والديه أو تمرد عليهما لظنه أنهم يُفضِّلون آخر عليه، ولعله لم يتحقق من ذلك، أو لم يتفطّن لأسبابه.
وكم إنسان شرق بتفوق غيره واعتقد بأن رتبته دونه، ونسي أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء!
إبليس لم يكن من الملائكة قط، كان من الجن، وهو مروي عن ابن عباس والحسن البصري وقتادة، واختاره جماعة من المفسرين، ولكن غاظه أن تسجد الملائكة لغريمه؛ الذي سوف يسود الأرض، وعرف أن السجود لآدم يوحي بالسيادة والتسخير والحفظ والمعاني الكريمة.. فتمرَّد على الأمر الإلهي والإجماع الملائكي وأبى أن يسجد.. وصار يُمثِّل الدولة العميقة؛ التي هُزمت ظاهراً ولا زالت تحاول استعادة وجودها.
أنصفه ربه حين سأله -وهو سبحانه أعلم-: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ؟}(75:ص).
وحين باح بغروره وإعجابه بنفسه، واعتقاد تفوقه وفضيلته عاقبه بالطرد واللَّعن، وأجاب طلبه بالإمهال، جعل له سلطانًا على: {الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ}(100:النحل).
ولذا سُمي إبليس وهو مشتق من الإبعاد والغضب، أو من التمرد والرفض، وظاهر أنه اسم جديد له بعد الحادثة، وكان قبلها يسمى (عزازيل).
كرَّس الشيطان نفسه بعدُ في إغواء آدم وذريته، ومخاطبة غرائزهم ونقاط ضعفهم، وتثبيطهم عن الخير وتحريضهم على الشر، وتضخيم الصفات السلبية فيهم حتى تكون غالبةً ظاهرةً متحكمةً؛ كالحرص، والخوف، والجبن، والبخل، والشهوة، والاعتداء..
وأعظم ما يوسوس به التشكيك في الله والآخرة وسائر الغيوب التي لا يراها الناس، والتشكيك في وجوده ذاته!
وسلاحه في ذلك الوسوسة وتكرار المحاولة: {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ}(4:الناس).
والتزيين: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}(40،39: الحجر).
ها نحن نجد أنفسنا نقضي الساعات الطوال في مشاهدات أو أحاديث أو متع أو برامج لا مردود لها، وربما كانت سيئة العقبى، فإذا قمنا لصلاة أو ذكر أو قرآن شعرنا بالتثاقل والملل، وصرنا نُقلّب عيوننا في الساعة ونحسب الدقائق!
ها نحن نُنفق الأموال بلا حساب على المتع والشهوات وملذات النفوس، فإذا هممنا بالصدقة حضرت المخاوف والحسابات والتساؤلات؛ قد أحتاجها.. وهذا كثير.. وهالإنسان ما يستاهل.. ووو!
وهو يسعى في إشاعة الحزن والهم والغم والتوتر: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}(10:المجادلة).
وعصيانه بإشاعة الفرح والرضا والسرور والتفاؤل والأمل، وتوقُّع الخير من الرب الكريم الرحيم.
 ما شكل الشيطان؟
في القرآن الكريم وصف الله "شَجَرَة الزَّقُّومِ" بقوله: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ}(65:الصافات)، وهو تقبيحٌ للصورة بما لم يره الناس، كما قال الشاعر:

أيقتلني والمشرَفيّ مضُاجعي         ومسنونة زرقٍ كأنياب أغوالِ

وأنياب الأغوال مجهولة الشكل، ولكن النفوس تستبشعها وتخاف منها.
وفي الأفلام الكرتونية وغيرها تتنوع صور الشياطين وفق خيال الرسّام، فتكون أحياناً بقرون، وفي الحديث: أن الشمس تطلع بين قرني شيطان، والصور المتخيلة له في العادة قبيحة المنظر مخيفة منفِّرة..
لكل إنسان شيطانه الذي يوسوس له، وفي الحديث: « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ». قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: « وَإِيَّاىَ إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِى عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلاَ يَأْمُرُنِى إِلاَّ بِخَيْرٍ » (رواه مسلم عن ابن مسعود).
والأقرب أنه أسلم بمعنى: استسلم وكفَّ عن الوسوسة.
وشيطان إبليس هو إبليس ذاته، وهو اختار بإرادته طريق الغواية.
والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويصل إلى قلبه بالوسوسة والتلبيس والتثبيط عن عمل الخير والإغراء بالشر.
والعصمة منه بالاستعاذه، والذكر، والتسبيح، والصلاة، والأوراد الصباحية والمسائية، وعند النوم، وفي تقلُّب الأحوال.. وجعل ذلك عادة: « لا يزالُ لسانُكَ رَطْبًا من ذِكْرِ الله » (رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه).
والمسُّ الشيطانيُّ جاء على لسان نبي الله أيوب: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} (41:ص).
والنصوص تدل على أن الشيطان يدنو من الإنسان، ويحاول إيذاءه، ويسميها بعضهم بالملاطفة، لأنه اقتراب خفي متدرِّج..

لكن المبالغات التي يتداولها بعض العوام ويكثرون من روايتها، ويضيفون إليها من الخيال ومن الروايات والقصص الغريبة؛ تسبب حالة من الذعر والخوف ليس عند الأطفال فحسب، بل عند كثير من النساء والرجال؛ الذين يعتقدون أن الشياطين تكمن لهم في كل منعطف، وتتربص بهم في كل ظلمة، وتنقض عليهم كلما انفردوا..
والشيطان يفرح بهذا الشعور ويزداد رَهَقاً، وكم مرة نقول عن مريض: إن الشيطان قد صَرَعه، مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ذلك، فعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ: (كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - صلى اللهُ عليه وسلَّم - عَلَى حِمَارٍ , فَعَثَرَ الْحِمَارُ فَقُلْتُ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَعَاظَمَ الشَّيْطَانُ فِي نَفْسِهِ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْجَبَلِ، وَيَقُولُ: بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ وَلَكِنْ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ بِسْمِ اللهِ, تَصَاغَرَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ) (رواه أحمد، وأبو داود).
جدير بالمؤمن أن يكون ذكر الله على لسانه، وأن يقول (بسم الله) كلما ابتدأ أو دخل أو خرج أو عثر، وألا يعطى الشيطان حجماً أكبر، وألا يعطي أولياء الشيطان حجماً أكبر.
{فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} (76:النساء).


خطاب الملك

خطاب الملك

ديفيد هيرست

كان تاريخ 11 يناير/كانون الثاني 2016 يوماً سيئاً بالنسبة للملك عبدالله الثاني، ملك الأردن، فالرئيس الأميركي أخلف موعده معه ولم يأت، رغم أن الملك كان قد التقى بنائب الرئيس جو بايدن، وكان هناك موعد آخر مزمع في واشنطن عبارة عن جلسة غير رسمية مع كبار أعضاء الكونغرس. مع ذلك عقد الملك عزمه وشد الرحال إلى هناك لحضوره.

أراد عبدالله استيضاح كل جزئية من جزئيات سياسة أميركا في سوريا، أراد أن يعرف أين تقف أميركا.

هل تريد أميركا التخلص من تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) أم من الأسد فقط؟

ألم تدرك أميركا أن الحرب الباردة انتهت وأنهم الآن في معمعة حرب عالمية ثالثة يقف فيها المسيحيون والمسلمون واليهود في خندق واحد ضد الخوارج؟

قال الملك: "على الولايات المتحدة أن تسأل نفسها: لماذا وصل داعش إلى ما وصل إليه الآن. هذا غير مقبول".


لم تكن تلك المرة الأولى التي يشكو عبدالله فيها أوباما إلى الكونغرس، فحسب جيفري غولدبيرغ الذي أجرى لقاء مع الرئيس الأميركي لجريدة "ذي أتلانتيك"، كان أوباما قد سحب الملك جانباً أثناء قمة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في ويلز عام 2014 وواجهه قائلاً إنه سمعه يشتكي قيادته - أوباما - أمام الكونغرس الأميركي، وأنه إن كانت لديه شكوى فعليه مصارحته بها مباشرة.

في وقت لاحقٍ نفى الملك أن تكون صدرت عنه أية تعليقات مشينة أمام الكونغرس في 2014، لكنه كذلك نفى التعليقات التي سجلت عليه في يناير/كانون الثاني هذا. يبدو أن الإنكار بات أسلوب حياة بالنسبة للملك.

تابع عبدالله زاعماً أن تركيا تقف وراء مشاكل المنطقة مع الإسلام الراديكالي المتطرف، وزعم أن التطرف صناعةٌ تركية.فلا عجب أن مسلحي "داعش" باتوا يظهرون في أوروبا على الدوام لأن سياسة تركيا قائمة على تصديرهم. تلقت تركيا توبيخاً من أميركا، لكن أوروبا لم تحرك ساكناً إزاء تركيا. علاوة على ذلك، تركيا تشتري نفطاً من "داعش".

لماذا؟ لأن الرئيس أردوغان في نظر الملك عبدالله "يدعم حلاً إسلامياً متطرفاً لمشاكل المنطقة".

مشكلة الأردن مع تركيا كانت على صعيد استراتيجي وعالمي.

ما الذي تفعله تركيا في الصومال؟ سؤال يريد الملك له جواباً.

لم يكن من الحكمة أبداً، حتى بين الأصدقاء، أن يهاجم الملك دولة حليفة يحتاجها الأردن الغارق في الديون ومشاكل اللاجئين. وقد انكشفت تفاصيل زيارة يناير/كانون الثاني هذه إلى واشنطن قبل زيارة رسمية تستغرق يومين لرئيس الوزراء التركي داوودأوغلو إلى العاصمة الأردنية عمّان.


فلماذا قام الملك عبدالله بهذا؟ وباسم مَنْ كان يتحدث؟


كانت تركيا قد هُوجمت من قبل واتهمت بأنها السر وراء قوة وصمود "داعش"، فمحمد دحلان، أحد كبار حركة فتح والمستشار الأمني لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، كان قد أدلى بتصريحات مماثلة لمؤسسة "حلف الأطلسي في بروكسل"، وهي مركز دراسات استراتيجية تابع للناتو.

اتهم دحلان الغرب بأنه يمثل النفاق في أبشع صوره، فقال: "حسناً، وصل الإرهاب إلى أوروبا، لكن كيف وصل؟ ما من أحد يخبرنا. حسناً، إن كل تجارة النفط العالمية وكل القارة الأوروبية تعرف من يتاجر مع من - مع تركيا.

 ومع ذلك أنتم صامتون. لو كانت تجارةٌ كهذه تتم مع مصر مثلاً - والتي ليست لديكم أي مصلحة معها ولا تحبون نظامها السياسي - لكنتم أشعلتم حرباً سياسية ضدها".


وتابع دحلان: "إن كل حركة التطرف والإرهاب في سوريا دخلت عبر تركيا وأنتم تعلمون ذلك، لكن هذا لا يزعجكم، والسبب أن لديكم مصلحة سياسية، أو ربما أنا غير قادر على إيجاد تفسير لهذا الذي يحدث. أنا لست ضد تركيا، لكنني أقف ضد عدم كشف حقيقة من لا يواجهون داعش، أولئك الذين يعطونها الدعم والتسهيلات الاقتصادية ويتاجرون معها بالنفط أو يهربون الأسلحة إليها".


من ثم عبّر دحلان صراحةً عن نقطة أيديولوجية تخصّ الدين والسياسة في دولة مسلمة، إذ مدح بلده الجديد الإمارات العربية المتحدة (حيث يُحبس ويعذَب المعارضون وتموّل الانقلابات العسكرية في مصر والتدخلات في ليبيا والاغتيالات في تونس)، وصوّره على أنه دوحة الحرية وواحتها بكنائسها ومساجدها وشواطئها الترفيهية. فقال: "هنا التطور والاهتمام بالشعب وتقديم الرعاية له، ولهذا إن أردنا بناء المستقبل فنعم بالتأكيد علينا اتخاذ نموذج ناجح".


هاجم كلٌّ من دحلان وعبدالله تركيا ليس فقط زاعمين أنها الممول والمسلّح لداعش، بل كذلك هاجموا نموذجها السياسي بديلاً لأنظمتهم الاستبدادية في الأردن والإمارات.


المفروض أن تكون تركيا والأردن والإمارات جميعها في خندق واحد في سوريا، فجميعها جزء من التحالف العسكري بقيادة السعودية، لكن كلاً من عبدالله والإمارات يتعاملان مع هذا التحالف على أنه مجرد كلام. وقد اعترف الملك عبدالله في أثناء جلسة الكونغرس بأن الأردن لم تدخل ذاك التحالف إلا لأنه "غير ملزم".


ما أراه حتى الآن هو أنهم يخوضون جميعاً حروباً مختلفة في سوريا. الأردن والإمارات ومصر سعداء ببقاء الأسد طالما كان مستمراً في قمع الربيع العربي في سوريا. إن آخر ما يريده الملك على حدوده الشمالية هو وجود انتخابات حقيقية، أو تشكيل حكومة تحالف تتقاسم السلطة والثروة. وكانت تركيا قد تفاوضت مع الأسد على مدار 8 أشهر لمحاولة إقناعه بقبول إصلاحات سياسية، في حين أن السعودية وقطر تقبلان وتدعمان بعض المتشددين الإسلاميين ضمن الجيش السوري الحر المعارض أملاً في استمالتهم بعيداً عن المجموعات التابعة لتنظيم القاعدة في حال حدوث انتخابات حرة.


في المقابل، ظهر تحالف ثالث مُخالف للاتجاهين الماضيين، ويتكون من الأسد وروسيا وإيران، وجميعهم يقاتلون من أجل الهدف نفسه، وهو استمرار النظام. يرى بوتين سوريا من منظور التمردات السابقة في الشيشان وداغستان وطاجيكستان، ويشعر بالخيانة حول التأكيدات التي تصل لبلاده بشأن ليبيا. في الوقت نفسه فقد يأس باراك أوباما من الوضع في سوريا، كما يأس من الشرق الأوسط بشكل عام.


في مقابلته مع صحيفة "ذي أتلانتيك" اعتبر أوباما عدم ضربه نظام الأسد بعد استخدامه السلاح الكيميائي بمثابة لحظة تحرر من سياسة واشنطن الخارجية التقليدية، كما وصف ما يحدث في ليبيا بـ"المشهد المقرف" بعد الإطاحة بالقذافي.


كتب غولدبيرغ عن حديث أوباما معه لصحيفة "ذي أتلانتيك" قائلاً: "لقد أثبتت ليبيا له أن الحل الأفضل هو تجنب الشرق الأوسط. لقد قال لأحد أصدقائه القدامى في مجلس الشيوخ إنه لا توجد أي طريقة يمكن أن نلتزم بها تجاه حكم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأن محاولة فعل هذا الأمر سيكون خطأً جوهرياً".


يبقى الرهان حالياً هو أن أحداً لن يستطيع السيطرة على سوريا، لا التحالف الداعم للأسد، ولا التحالف الذي تقوده السعودية. الاحتمال الأكثر ترجيحاً لوقف إطلاق النار الحالي هو ظهور سوريا جديدة مقسمة على أساس طائفي إلى دويلات فيما يشبه الطريق الذي سار فيه العراق بعد الغزو الأميركي.


يمكن اعتبار هذه النتيجة كأقل الاحتمالات سوءاً لجميع القوى الأجنبية التي تتدخل في سوريا، فبالنسبة للأردن والإمارات ومصر ستنتهي حالة الخوف لديهم من تغيير النظام، في حين ستتمكن السعودية من إيقاف إيران وحزب الله، فيما ستؤسس روسيا قاعدتها البحرية وتضع قدماً دائمة في الشرق الأوسط.


من جانبه، سينجو الأسد بدولة أصغر من سوريا الحالية تقوم على أساس طائفي، بينما سيستطيع الأكراد تأسيس مقاطعتهم في الشمال، وستتمكن الولايات المتحدة من الخروج من المنطقة مرة أخرى.


الخاسر الوحيد وسط كل هذه الأمور هو سوريا نفسها، حيث سيضطر 5 ملايين سوري للعيش في المنفى للأبد، كما سينتهي الحلم بوجود العدالة وتقرير المصير والتحرر من الاستبداد.


ربما يعطي تاريخ المنطقة لتلك القوى الخارجية بعض الدروس، فما يؤكده التاريخ أن التقسيم لا يقود سوى للمزيد من الفوضى، وأن ما تحتاجه المنطقة بالفعل حالياً هو المصالحة والمشاريع المشتركة والاستقرار أكثر من أي وقت مضى، وهو ما لن يأتي على الإطلاق بتقسيم البلاد إلى دويلات صغيرة مدعومة خارجياً.

في الوقت نفسه، يمثل تنظيم داعش إلهاءً عن الصراع الحقيقي في المنطقة، والذي هو بالأساس التحرر من الديكتاتورية وميلاد حركات ديمقراطية حقيقية. "داعش" ليس تبريراً للأقوياء، إنه نتاج مقاومتهم للتغيير.


لم يبدأ التاريخ في 2011 ولن ينتهي الآن، فثورات 2011 لم تكن سوى نتيجة لعقود من سوء إدارة البلاد، وهو السبب الذي قاد الملايين من العرب - بشكل سلمي في البداية - للخروج ضد حكامهم، ومازال هذا السبب قائماً حتى اليوم.


في الوقت الذي لا يوجد أي حل ديمقراطي حقيقي للشرق الأوسط، سيستمر تنظيم داعش في التحور مثل المرض الذي أصبح مقاوماً لكل المضادات الحيوية الموجودة في جسد الشرق الأوسط، حيث يتمكن من تغيير شكله في كل مرة، ويصبح أكثر ضراوة من ذي قبل.

سيستمر الصراع والنضال والفوضى في المنطقة إلى أن تتمكن الشعوب من كسر القيود المفروضة عليها واستعادة روح ميدان التحرير. في ذلك الوقت، سيكون أمثال الملك عبدالله ومحمد بن زايد والسيسي ودحلان قد ولَّى زمنهم منذ زمن بعيد.

 مترجمة بتصرف عن النسخة الأمريكية لـ "هافينغتون بوست".

 للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.