الأربعاء، 1 يوليو 2020

أمنياتي المختلفة.. لكندا الإنسان

أمنياتي المختلفة.. لكندا الإنسان

مهنا الحبيل
1/7/2020
“خاطرة ورسالة في العيد الوطني لكندا”
أعلمُ شيئاً واحداً قد يكتشفه الرجل الأبيض يوماً. أعلم أن إلهي وإلهه واحد. إنكم تعتقدون أنكم تملكون هذا الإله مثلما إنكم تريدون أن تملكوا أرضنا. إنه إله الإنسان وقد وسعت رحمته الإنسان الأحمر والإنسان الأبيض. إن هذه الأرض غالية عنده. وان إيذاء الأرض لابد أن يثير غضب خالقها.
سياتل دواميش
زعيم الهنود الحمر (سكان أمريكا الشمالية الأصليون) في خطبته الأخيرة قبل الإستسلام في مقاطعة واشنطن الأمريكية.
مزيج من المشاعر التي تختلط في ذاتك.. في خطابك النفسي.. في مراجعاتك الفكرية التي ترفض أن تنتقل بسلاسة إلى مشاعر إنسان الرصيف العابر..
اليوم عيد كندا الوطني
الوطن الذي احتضنك منحك اللجوء السياسي بعد أن اقفرت الأرض من حولك.
وبعد أن ضاقت السبل للطريد السياسي المحكوم بين السجن والقتل.
وترحّل عن وطنه الحبيب الأحساء
بعد محطة اسطنبول العابرة التي لا تملك منح اللجوء لكنها أعانت الغريب على تنظيم حقائبه.
فقررت كندا منحه دون تردد ودون أن يسمح القاضي للمحامي المخلص أن يتحدث
فقال له لا احتاج لمرافعتك ووجه لي رسالة معنوية تؤكد مكانة الكفاح والقلم الفكري في حيثيات وفلسفة قضائه..
لهذه الروح ولتلك القيم الدستورية كل تحية والشكر الجزيل المخلص.
هنا في كندا الكثير مما مسح على القلب على المشاعر بعد أن استقر بيَ المقام.
في حركة الناس حولك بسمتهم..
تحيتهم..
ملاطفتهم.
بعض هذه الصور بدأت تتناقص مع الأسف الشديد.
لا يزال هناك ما نحتاج التوقف لديه في قيم الدستور ووثيقة الحريات وغير ذلك من مساحات إنسانية حققتها القيم الكندية.
لكن ذلك ليس كل الحكاية وليس للأمر وجه واحد..
وحين أصمت عن أمنياتي الصادقة لكندا
فأنا هنا اخون رسالة الفكر التي حياني لها قاضي كيبيك الشاب في محكمة مونتريال.
تحل الذكرى الوطنية لكندا ونحن ندعو لها ارضاَ وإنسانا بكل خير
وقد تصادفت مع حادثة قريبة أو مطابقة لجريمة اغتيال جورج فلويد.
إنها حكاية الشهيد إعجاز شودري
المريض النفسي الذي هدد نفسه في غرفة مغلقة بحربة صغيرة لم يجرح بها أصبعه.
فعالجته الشرطة بست رصاصات استعراضية بعد القفز الى شرفة الشقة
دون طلب ودون استدعاء.
وقدم التصوير الذي لم ينتبه له رجال الشرطة دليل يكفي لكي يقف النظام القانوني والروح الإنسانية للدستور على قدم وساق لكي يحال المذنب للعدالة.
لكن حتى اليوم الصوت ضعيف جدا، ولولا الحركة الحقوقية المدنية التي أطلقها شباب الحي من الكنديين الآسيويين من أصول آسيا الهندية لردمت القصة بحذافيرها.
هل القضية في جريمة شودري
أم في قانون كيبيك ضد الحقوق المدنية للمسلمين
بعد جريمة مسجد كيبيك الكبير..
كلا..
وإن نحوم حول ذلك فنحن نستنسخ عنصرية خاصة حين نجعل الموقف للمسلمين فقط..
إنها رحلة طويلة وممتدة حتى اليوم لواقع السكان الأصليين
والكندييين الأفارقة
والجاليات المتعددة..
بل إنني أقول إن القضية اليوم لا يجوز مطلقاَ أن توجه لكل الكنديين من أصل غربي
ولو كانت العنصرية المتطرفة بين مجتمعاتهم لكن هم أيضا ضحايا
حين تسحقهم عجلة المادية الرأسمالية في كندا
وحين تزداد معاناة الفقراء
وحين يذهب العجائز في مذابح وباء كورونا..
وحين تُدمر الحداثة المادية القيم الأخلاقية لإنسان كندا…
وتترك الأسرة والأطفال ضحية لهذا التسليع..
وكلما عدت لخطبة الهندي الأحمر الأخير سياتل دواميش..
أُذهل منها..
من فلسفتها..
من قيمها..
من أخلاقها..
بل أؤمن أن في طيات رسائله ما يمكن أن يصنع ثورة قيم لكندا الجديدة..
إن كانت كندا بالفعل لا تريد أن تتحول إلى الذاكرة الأمريكية مع السكان الأصليين.
حين سجل ترودوا موقفه
لكن منذ ذلك الموقف وحسب العودة للاحصائيات لم يتغير وضع إنسان الأرض الأصيل ولا يزال في قبضة الماكينة الرأسمالية..
في التعليم
والتأهيل الوظيفي
والصحة
والحماية من الجريمة والمخدرات.
ومن الخطأ أن نستنسخ روح الإنسان المقموع في الشرق هنا..
إذا كانت كندا تقدم الفارق..
فيقال لا تتحدث
أصمت
ألا تستحي!!
انظر إلى العرب إلى الشرق..
هذه المواعظ القمعية ليست قاعدة فكر ولا حقوق ولا مواطنة..
ولا شراكة إيجابية لخدمة هذا المجتمع الذي يستضيفك
وتشاركه اليوم أو غداً مواطنته..
والجميع يعرف أنها ليست مواطنة متساوية في الواقع التنفيذي وهذا مثبت في الاحصاءات وخاصة في الوظائف..
وشخصياً أعرف أن اللعبة السياسية في كندا بين الحزبيين لا تعالج هذه المشكلة بل توظفها وبالتالي يزداد الاحتقان والانفصال الإجتماعي الذي يدركه أهل الفكر..
ولا يبالي به أهل السياسة..
وإذن في يوم كندا في عيدها الوطني
التهنئة تحملنا لنشارك المجتمع المدني
بكل توجهاته..
تأسيس أرضية أخرى لا تقوم على صراع اقليات وأغلبية
وإن بقيَ هذا الأمر مؤثراَ في مخاوف الطرفين..
ولكن دعونا نهتف في داخل قلوبنا..
ونشد سواعدنا..
سنعمل لكندا أفضل..
لجيل أطفالنا
للحب الصادق بين الأسرة الصغيرة
ومنها إلى الجوار الكندي المتعدد الواسع
ولا بأس أن يكون لدينا حلم يحملنا لواقع أجمل..
كل عام وَكندا وكل قاطنيها بخير..
الله يرعاكم جميعا

سلسلة تاريخ الفرق الإسلامية وأسباب نشأتها

سلسلة تاريخ الفرق الإسلامية وأسباب نشأتها
محاضـرات ألقاها فضيلة الدكتور محمد المسير رحمه الله 
في مركز الشيخ الحصري للثفافة الإسلاميـة بمدينة السـادس من أكتوبر

(3)


(4)

سلسلة تاريخ الفرق الإسلامية وأسباب نشأتها


سلسلة تاريخ الفرق الإسلامية وأسباب نشأتها 

محاضـرات ألقاها فضيلة الدكتور محمد المسير رحمه الله 
في مركز الشيخ الحصري للثفافة الإسلاميـة بمدينة السـادس من أكتوبر

(1)



(2)



النظام الإثيوبي

كتب الصحفي   عامر عبد المنعم عبرصفحته الشخصية 

على موقع التواصل الاجتماعي

النظام الإثيوبي الذي يستولي على النيل ضعيف وهش. ومصر تستطيع إسقاطه لو أرادت.
- أغلبية مسلمة تحكمها أقلية مسيحية.
- ثلثا السكان (105 مليون نسمة) مسلمون ينتمون لعرقيات الأورومو، الصوماليون، العفر، ونسب متفاوتة من باقي العرقيات، وهم يتعرضون لقمع متواصل من الحكومات المسيحية المتعاقبة.
- الأورومو 40% من السكان، منهم 80% مسلمون.
- الأقلية المسيطرة على عصب السلطة في إثيوبيا الآن من التيجراي (مسيحيون يمثلون 6% من السكان) تسيطر على الجيش والمخابرات وعصب الدولة.
- رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد علي مسيحي بروتستانتي (أمه مسيحية من عرقية أمهرة، ومتزوج من زوجة مسيحية أمهرية وله ثلاث بنات ، ويعتنق آبي المسيحية على مذهب الخمسينية)
تم اختياره بتحالف باقي العرقيات ضد التيجراي لامتصاص ثورة الأورومو التي أصابت البلاد بالشلل.
- عرقية الأمهرة يمثلون 27% من السكان وهم مسيحيون كانوا يحكمون إثيوبيا تاريخيا.
- الطبقة الحاكمة تعتنق المذهب البروتستانتي المرتبط ببريطانيا وأمريكا بسبب المبشرين ولم يعد للكنيسة الأرثوذكسية دور مؤثر كما كان في السابق.
- الأمهرة غاضبون من التيجراي بسبب انفرادهم بالحكم والسيطرة على مفاصل الدولة وحدهم بدعم أمريكي وغربي.
#سد_النهضة يقع غرب أثيوبيا في أراضي بني شنقول وهم مسلمون، وهذه الأراضي كانت خاضعة للحكم المصري في عهد الخديوي إسماعيل.
- أمريكا وبريطانيا تتعاملان مع أثيوبيا كحارس الغرب في القارة الإفريقية من خلال جعلها مقر الاتحاد الإفريقي.
- منع وصول النيل إلى مصر كان هدفا للإستعماريين الأوربيين بالاتفاق مع الإثيوبيين المسيحيين منذ قدوم البرتغاليين في بداية القرن السادس عشر للقضاء على قوة المصريين.

30 يونيو: في تقديس الخطيئة

30 يونيو: في تقديس الخطيئة

وائل قنديل
اعتبرها علي جمعة، مفتي مذبحة رابعة العدوية، يومًا من أيام الله، تمامًا كما نظر إليها حاخامات الكيان الصهيوني وجنرالاته الذين قالوا عنها إنها هدية الرب لهم .. وصنفها عبد الفتاح السيسي وانتصار السيسي ثورة عظيمة، لها عيد واحتفالات وشهداء. ورآها كل عربي منصف مفتتحًا لكل هذا الخراب المتأجج في خريطة العرب.
تلك هي "30 يونيو" في العام2013  في مصر، والتي يدفع ثمنها العرب في نهر النيل وسيناء وفلسطين المحتلة، فيما كانت مكاسب الكيان الصهيوني منها أضعاف ما حصدته من هزيمة العرب في العام 1967.
يستخدمها عبد الفتاح السيسي لتبرير كل جرائمه وكوارثه، يُشهرها في وجه كل من يتألم من الحصاد: هذه ثورة شعبية عظيمة، ألم يدعوكم للخروج فيها من اعتبرتوهم رموزًا ثورية؟ يصر طوال الوقت على إسباغ قداسة دينية، ووطنية، على جريمة دموية بكل المعايير السياسية المحترمة. ولهذا السبب يحيط نفسه منذ الأول برأس الأزهر ورأس الكنيسة، ويصطنع طبقةً سياسيةً بديلة للطبقة التي استعملها في البدايات، ثم تخلص منها بالإبعاد أو بالسجن أو بالمنع من الكلام.
كان من المتصوّر بعد سبع سنوات أن يمتلك هؤلاء السياسيون، المستخدمون في تسويغ الجريمة وتبرير مذابحها، أن يمتلكوا الشجاعة والنزاهة، لكي يرفعوا الغطاء الأخلاقي الزائف عن جريمة سياسية، وأن يحرّروا مصطلح الثورة، بنصاعته ونقائه، من الاستعمال وسيلة تجميلٍ لانقلاب واضح المعالم منذ اللحظة الأولى.
غير أنهم، في معظمهم، لا يزالون يصرّون على اجترار الأكاذيب المؤسّسة لفضيحة العصر السياسية، وخصوصًا تلك التي تتعلق بالمزاوجة المضحكة بين يناير/ كانون الثاني 2011 ويونيو/ جزيران 2013، أو الكلام عن الخديعة والخداع، أو محاولة اعتبار الثلاثين من يونيو شيئًا والثالث من يوليو شيئًا آخر، فكل هؤلاء يدركون جيدًا أن كل الأمور كانت محسومة، من قبل الخروج في الثلاثين من يونيو، والأدوار موزعة والخرائط مرسومة، ولن تحتاج جهدا كثيرا لتفهم أن "الانتخابات الرئاسية المبكرة" لم تكن سوى وسيلة لاصطياد الجماهير، وشحنها في قوافل الخراب الثوري. ولعل في قبول محمد البرادعي منصب نائب الفاترينة الرئاسية، عدلي منصور، الذي نصبه وزير الدفاع إلى أن يجهز نفسه للانقضاض على الحكم، لعل في ذلك الدليل على أن القصة لم تكن استعادةً لثورة يناير، أو إصلاحًا لمسار ديمقراطي، بقدر ما كانت لحظةً انتهازيةً استبدّت بالرؤوس وغيبت الضمائر، ظنًا أن لهم نصيبًا في المسروقات.
أما على مستوى المواطن العادي، فالكل يعلم أن الحشد بهذه الأعداد الضخمة لم يكن ليتم لولا أن الدعوة إلى الخروج على الرئيس المنتخب صدرت عن المؤسسة العسكرية، مع تطميناتٍ بالحماية وتوزيعٍ للأعلام والرايات والوجبات والهدايا وخيام الاعتصام الأنيقة، ناهيك عن أن العسكريين والشرطيين دخلوا ميدان الثورة محمولين على الأكتاف، قبل الثوار أنفسهم.
في السادس والعشرين من يونيو/ حزيران 2013 نشرت صحفٌ مصرية، من بينها "الشروق"، تصريحاتٍ عسكرية تقول إن الجيش قرّر أن يقوم بتنفيذ "شبه انقلاب"، وعلى الصفحة الأولى من الصحيفة ذاتها "الجيش استعد لمرحلة ما بعد مرسي". ونقلت، على لسان من وصفته بأنه "مصدر سياسي كبير"، توقعه" نزول أعداد كثيرة يوم الأحد المقبل فى ظل ما يتردّد عن تجهيز عشرة آلاف خيمة ودورات مياه متنقلة ومواد غذائية. وعن سيناريو اليوم التالي، قال المصدر إن مجلسا سوف يتشكل من ثلاثة أشخاص .. مدنيان وعسكري".
بعد أقل من أسبوع على هذا التصريح، كان "المدنيان"، عدلي منصور ومحمد البرادعي، يجلسان بين يدي "العسكري" عبد الفتاح السيسي، تملؤهم نشوة الفوز، لتبدأ بعد ذلك سلسلة المجازر المشهورة.
في هذا اليوم من كل سنة، ينتظر الناس أن يتحلّى أحدهم بفضيلة الاعتذار، غير أن هذا الاعتذار لا يجيء أبدًا. وبالتالي يواصل عبد الفتاح السيسي ابتزاز المصريين وإرهابهم، بأنه يحكمهم ويريق دماءهم ويبيع أرضهم ويفرّط في مياههم، بموجب شرعيةٍ ثورية، وفرها له رموز ممن تعلقت بهم الجماهير.
هذه الرموز لا تزال مصممة على تقديس الخطيئة، وبدلًا من الاعتراف بها والاعتذار عنها، تجد كبيرهم، محمد البرادعي، ولمناسبة ذكرى "هدية الرب لإسرائيل" يكثّف جهوده في ترويج أهمية زيارة القدس المحتلة، بإذن سلطات الكيان الصهيوني، بحجّة أن في ذلك دعمًا للقضية الفلسطينية، أو هكذا يصوّر له "مؤلف تغريداته" البائس.
والحديث يطول..

السلطان عبد الحميد والمشروع الصهيوني في فلسطين


السلطان عبد الحميد والمشروع الصهيوني في فلسطين  
                        (إضاءات عثمانية)                        
السلطان عبد الحميد الثاني : "إذا كنا نريد أن يبقى العنصر العربي متفوقا علينا أن نصرف النظر عن فكر توطين المهاجرين في فلسطين وإلا فإن اليهود إذا استوطنوا أرضا تملكوا كافة قدراتها خلال وقت قصير، وبذا نكون قد حكمنا على إخواننا في الدين بالموت المحتم"

إحسان الفقيه
-الأزمة السياسية الحالية بين تركيا وبعض الدول العربية، أدت إلى حملة تشويه للتاريخ العثماني، شملت السلطان عبد الحميد.
-حملة التشوية ضد السلطان عبد الحميد، حولت صموده البطولي في وجه تمكين الصهاينة من فلسطين، إلى ورقة يُحارب بها.
-وجود اليهود في فلسطين سابق على عهد السلطان عبد الحميد بسبب التسامح العثماني مع اليهود المضطهدين، تطبيقا لسماحة الإسلام.
-السلطان عبد الحميد دافع باستماته عن توطين اليهود بفلسطين، رغم تعرضه لضغوطات أوروبية شديدة، جعلته يسدد ويقارب، خاصة مع ضعف الدولة وتدهور اقتصادها.
-الهجرات اليهودية المحدودة إلى فلسطين في عهد السلطان عبد الحميد كانت قبل الوقوف على أخطار المشروع الصهيوني.
"إذا كنا نريد أن يبقى العنصر العربي متفوقًا، علينا أن نصرف النظر عن فكر توطين المهاجرين في فلسطين، وإلا فإن اليهود إذا استوطنوا أرضا تملكوا كافة قدراتها خلال وقت قصير، وبذا نكون قد حكمنا على إخواننا في الدين بالموت المحتم".

تلك هي نظرة السلطان العثماني عبد الحميد لإخوانه العرب، وتلك هي نظرته لاستيطان اليهود في فلسطين، وهو ما دوّنه في مذكراته السياسية.

باستثناء السلطان محمد الفاتح، يعد السلطان عبد الحميد الثاني الذي تولى الحكم بين عامي 1876- 1909م، أقرب السلاطين العثمانيين لقلوب العرب وأقلهم تعرضا للنقد العربي، فإذا ذكر الرجل، ذكرت معه قضايا كبرى مثل: الجامعة الإسلامية، خط سكة حديد الحجاز، رفضه السماح لليهود بتكوين وطن قومي في فلسطين.

- حرب قصاصات التاريخ الممنهجة

إلا أن الأزمة السياسية الحالية بين تركيا وبعض الدول العربية، قد أتت على الأخضر واليابس من صفحات التاريخ العثماني، وشملت حرب قصاصات التاريخ الممنهجة كل الحكام الأتراك بمن فيهم السلطان عبد الحميد.

تلك الحرب حولت صموده البطولي في وجه تمكين الصهاينة من فلسطين، إلى ورقة يحارب بها هذا الرجل، فيتهم بأنه السبب في الاستيطان اليهودي بفلسطين.

"انصحوا (رائد المشروع الصهيوني في فلسطين تيودور) هرتزل ألا يتخذ خطوات جديدة حول هذا الموضوع، لأنني لا أستطيع أن أتنازل عن شبر واحد من الأراضي المقدسة لأنها ليست ملكي، بل هي ملك شعبي، وقاتل أسلافي من أجل هذه الأرض، ورووها بدمائهم، فليحتفظ اليهود بملايينهم، إذا مزقت دولتي من الممكن الحصول على فلسطين بدون مقابل، ولكن لزم أن يبدأ التمزيق أولا في جثتنا".

يظن كثير من الناس أن هذا الموقف التاريخي الذي جسد صمود السلطان عبد الحميد أمام العروض المغرية التي تقدم بها إليه زعيم الصهيونية هرتزل، يظنون أنه المُعبِّر الأوحد عن اهتمامه بفلسطين وصيانتها من الضياع، غير عالمين أن هناك جهودا كبيرة قبله وبعده، قام بها عبد الحميد للحفاظ على فلسطين.

-أصل الحكاية

نبدأ الحكاية من نهايات القرن الخامس عشر الميلادي، عندما طُرد اليهود من إسبانيا وبعض دول أوروبا، ففتحت الدولة العثمانية أبوابها أمامهم، انطلاقا من تعاليم الإسلام السمحة، فأقام اليهود في القدس وغيرها كمواطنين ينعمون بالعدل في ظل الحكم الإسلامي، ولم تكن هي الفترة الوحيدة التي هاجر فيها يهود أوروبا إلى القدس.

يقول د. حسان حلاق في كتابه "موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية: "بعد خضوع فلسطين للحكم العثماني في أوائل القرن السادس عشر، بدأ يهود أواسط أوروبا يهاجرون إليها، وأقاموا في الأماكن المقدسة: القدس، طبريا، صفد، الخليل، وفي منتصف القرن الثامن عشر هاجر عدد من يهود بولندا وروسيا إلى فلسطين بسبب اضطهادهم هناك واستقر معظمهم في صفد وطبريا حيث لاقوا الحماية والأمن".

وتحت مظلة الاضطهاد وجد اليهود لأنفسهم موطئ قدم في فلسطين هربا من الاضطهاد، ولم ير العثمانيون خطرًا في ذلك، إذ أنهم يقيمون مستوطنات زراعية يستفيد منها أهل فلسطين، إلى أن جاء زمن السلطان عبد الحميد الذي تولى الحكم في ظروف ضعف ومخاطر تحيق بالدولة العلية.

وبدأت المحاولات الاستيطانية مع عبد الحميد، والذي قابلها بصرامة خاصة بعد صعود الحركة الصهيونية إلى السطح واتضاح أهدافها، فكان للسلطان جهود مستمرة في محاولة منع الاستيطان اليهودي، والذي كان قد تم بصورة محدودة بسبب ضغوطات الدول الأوروبية والامتيازات الحاصلة عليها.

1 - كانت أولى جهود السلطان عبد الحميد ضد توطين اليهود في فلسطين، بعدما اشترك اليهود في اغتيال ألكسندر الثاني قيصر روسيا 1881م، والذي ترتب عليه ممارسة الاضطهاد ضدهم، فآثر عدد منهم الهجرة إلى فلسطين، ليس فحسب من أجل الاعتبارات الدينية والتاريخية التي تشدهم إليها.

ولكن كما قال المؤرخ المصري عبد العزيز الشناوي كانوا يعتقدون كيهود شرقيين أن المعيشة في فلسطين كإقليم شرقي أكثر ملاءمة لهم من الحياة في دول أوروبا أو الولايات المتحدة.

تقدمت حركة محبي صهيون إلى القنصل العثماني في ثغر أودسا بطلب منحهم تصريحا بدخول فلسطين، فجاء الرد من الباب العالي أنه غير مسموح لهم بالإقامة في فلسطين، وباستطاعتهم أن يقيموا في غيرها بشرط أن تكون أعدادهم قليلة ويتجنسون بالجنسية العثمانية.

وكان الرد صدمة لهؤلاء اليهود الروس، لكنهم أعادوا المحاولة، ورغم تدخل السفير الأمريكي في إسطنبول، إلا أن التأكيد كان دائما أن هذه الإجراءات تتماشى مع السياسة العليا للدولة العثمانية.

إزاء هذا الرفض، تسلل مجموعة من اليهود إلى يافا في يوليو/ تموز 1882م، فأبرق الباب العالي إلى حاكم القدس بعدم السماح ليهود روسيا أو بلغاريا أو رومانيا بأن يهبطوا أرض فلسطين، وذات الإجراءات اتخذت بشأن إقامتهم في حيفا وبيروت واللاذقية وسائر موانئ الساحل الشامي.

-قرار بمنع استيطان اليهود

2 – بأوامر من السلطان عبد الحميد، تم إرسال مذكرة رسمية في 21 يناير/ كانون ثان 1883م، إلى رؤساء البعثات الدبلوماسية في إسطنبول، بنص قرار مجلس الوزراء العثماني بمنع استيطان اليهود الروس في فلسطين، فواجه السلطان ضغوطا أوروبية شديدة.

وإزاء ذلك، أصدر الباب العالي عام 1884م، تعليمات بالسماح لليهود بدخول فلسطين فقط لزيارة الأماكن المقدسة، شرط ألا تزيد مدة إقامتهم فيها عن ثلاثين يوما.

ومع ازدياد ضغط العواصم الأوروبية المتعاطفة مع اليهود على الباب العالي، اضطر السلطان عبد الحميد أن يمد فترة إقامة اليهود لزيارة الأماكن المقدسة إلى ثلاثة أشهر بدلا من شهر، ويلاحظ هنا أنه قام بتمديد الفترة، مع الإبقاء على الهدف الأساسي وهو منع إقامة اليهود في فلسطين.

3 – بعد وضوح أهداف الحركة الصهيونية في فلسطين، قام السلطان عبد الحميد بتغيير الوضع الإداري للقدس، بما يقلب الموازين، فجعلها متصرفية خاصة تابعة للباب العالي رأسا وذلك في عام 1887م، بعد أن كانت قبل ذلك صنجقية تتبع والي دمشق.

وبهذا القرار أصبحت القدس التي تتطلع إليها الأعين الصهيونية لها وضعيتها المتميزة، حيث أصبحت قسما إداريا قائما بذاته يتبع الباب العالي بصورة مباشرة، وكان الهدف من ذلك هو تمكين الدوائر الحكومية في العاصمة إسطنبول من إحكام المراقبة على الهجرات اليهودية.

4 – عين السلطان عبد الحميد رجلا صارما على متصرفية القدس، معروفا بحبه للعرب وعدائه للأوروبيين، وهو محمد شريف رؤوف باشا، فمكث في القدس فترة (1877- 1889م)، وكان رافضا بشدة للاستيطان اليهودي، ويرسل قواته باستمرار لتعقب اليهود المقيمين بطريقة غير شرعية في القدس، ووضع الصعوبات أمام اليهود الأجانب الذين أصبحوا رعايا عثمانيين وحاولوا شراء أراض وبناء مستوطنات.

- تدخل السفراء الأوروبيين لصالح اليهود

ورغم جهود رؤوف باشا في منع استيطان اليهود، لم يستطع إيقاف بناء بعض المستوطنات، وذلك بسبب تدخل السفراء الأوروبيين لصالح اليهود، وبعض ضعاف النفوس من موظفي الدولة العثمانية الذين تلقوا الرشوة لتيسير الإجراءات، لأن رواتبهم كانت ضعيفة، بسبب تدهور الاقتصاد العثماني.

إضافة إلى أن بعض السكان في القدس قد وافقوا على بيع أراضيهم نتيجة العروض المغرية، والتي كان يقدمها اليهود بأنفسهم أو عن طريق شخصيات وهمية كما ذكر حاييم وايزمان في مذكراته.

ولكن بعد اكتشاف الباب العالي أن الموظفين في ميناء يافا كانوا يرسلون للوالي معلومات شهرية خاطئة تفيد برحيل اليهود الذين دخلوا البلاد قبل شهر، شدد السلطان عبد الحميد في تعليماته على متصرفية القدس بمنع استيطان اليهود، وعمّم منشورا عاما لكل متصرفيات الدولة العثمانية وسفارات وقنصليات الدول الأجنبية عام 1900بمنع توطين اليهود في القدس.

5 – بعد المؤتمر الصهيوني الأول في بال (بازل) في سويسرا، وتزعُّم تيودور هرتزل الحركة الصهيونية، واستمالتها للدول الكبرى وأصحاب روؤس الأموال الضخمة في العالم (روتشيلد مثالا)، مارس هرتزل على السلطان ضغوطات لفتح باب الهجرة لليهود إلى فلسطين، وقدم في هذا الاتجاه إلى السلطان عروضا مالية مغرية، لكنه عاد من لقاء السلطان صفر اليدين.

أوعز عبد الحميد لرجاله بتتبع الحركة الصهيونية ومراقبتها والوقوف على أهدافها، وأرسل بذلك إلى سفرائه في العواصم الأوروبية، فكانوا يرسلون له التقارير باستمرار عن الحركة، وأرسلوا مخبرين عثمانيين متنكرين إلى المؤتمرات الصهيونية وإرسال قصاصات الصحف المتعلقة بنشاطهم في أوروبا، وقام السلطان عبد الحميد باعتماد ميزانية خاصة للدعاية المضادة لتلك الحركة.

- منع المؤتمرات الصهيونية

6 – ومن جهود عبد الحميد لمنع إقامة دولة صهيونية في فلسطين، قيامه بمنع المؤتمرات الصهيونية فيها، ففي مستعمرة "زخرون يعقوب" عام 1901م، عقد أول مؤتمر صهيوني بفلسطين، لتوحيد وتنظيم صفوف اليهود على سبيل جس نبض العثمانيين، وهذا من شأنه أن يدعم الحركة الصهيونية ويشد اليهود أكثر إلى فلسطين، لكن تنبه السلطان عبد الحميد لهذه المؤامرة وأوقف هذه الأنشطة في فلسطين فلم تنعقد ثانية.

7 – تصدى السلطان عبد الحميد لمحاولة إنشاء جامعة عبرية في القدس، كان هدف الصهاينة منها استقطاب الأساتذة اليهود في جامعات العالم، لتكون هذه الجامعة وسيلة للتسلل الثقافي الصهيوني ودعامة علمية للدولة اليهودية التي يأملون في إنشائها، ورغم محاولة هرتزل لتزيين أهميتها للدولة العثمانية، إلا أن عبد الحميد قد رفض بصرامة هذه المحاولة.

-محاولة اغتيال

8 - كان من آثار وقوف السلطان العثماني في وجه الاستيطان اليهودي في القدس، أنه تعرض لمحاولة اغتيال، حيث قدم كارل إدوارد ملك إنجلترا المنتسب للمحفل الماسوني والصديق الحميم لليهود، بدفع مبلغ 13 ألف ليرة ذهبية لمنظمات أرمنية لتفجير قصر يلدز وقتل السلطان وتدمير البنك العثماني، إلا أن القوات العثمانية أحبطت المؤامرة.

وكذلك حاول اليهود اغتيال السلطان في سويسرا بتمويل من إدوارد، عن طريق تفخيخ العربة التي يستقلها السلطان عبد الحميد إلا أنه نجا من الحادث وقتل عدد كبير من الجنود، كما يعد موقفه من المشروع الصهيوني أبرز العوامل التي أسهمت في الإطاحة به من حكم الدولة العلية.

ربما يجدر بنا بعد هذا السرد التاريخي أن نشير إلى النقاط التالية:

أولا: وجود اليهود في فلسطين سابق على عهد السلطان عبد الحميد بسبب التسامح العثماني مع اليهود المضطهدين، تطبيقا لسماحة الإسلام.

ثانيًا: الهجرات اليهودية المحدودة إلى فلسطين في عهد السلطان عبد الحميد كانت قبل الوقوف على أخطار المشروع الصهيوني، وكان الباب العالي لا يرى خطرًا منها، وينظر إلى تلك المستعمرات على أنها نشاط زراعي يسهم في تطوير الزراعة بفلسطين ويدعم الاقتصاد العثماني.

ثالثا: السلطان عبد الحميد دافع باستماته عن توطين اليهود بفلسطين، رغم تعرضه لضغوطات أوروبية شديدة، جعلته يسدد ويقارب، خاصة مع ضعف الدولة وتدهور اقتصادها والفتن والقلاقل التي ترعاها الدول الأوربية داخل الأراضي العثمانية.

رابعًا: القول بأن السلطان عبد الحميد مهد لقيام دولة إسرائيل، هو قول ينم إما عن جهل صاحبه بالوقائع التاريخية المتعلقة بتلك القضية، أو عن حقد أعمى وفُجر في الخصومة ومحاولة لتشويه التاريخ العثماني نكاية في تركيا الحديثة قيادة وشعبًا، وإلا فإن علماء ودعاة ومؤرخي وكُتّاب الدول المعادية لتركيا، كانوا لا ينفكون عن الإشادة بالسلطان عبد الحميد خاصة بموقفه من توطين اليهود بفلسطين.

فما الذي تغير؟.. لا شيء، سوى الخصومة السياسية.

ما هو الثمن الذي ستدفعه إسرائيل مقابل ضم ما تبقى من فلسطين؟


ما هو الثمن الذي ستدفعه إسرائيل مقابل ضم ما تبقى من فلسطين؟


لم يكن استيلاء دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينية بشكل منظم وكلي حدثاً طارئاً يعود إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية. فالفلسطينيون ليسوا الفرع المتوسطي لسكان جزر شاغوس، بحيث تعتبرهم الحكومة البريطانية في غاية الضعف والتناثر لدرجة ألا يؤبه لهم ولا يستحقون الاهتمام.

بل كان السطو على الأرض الفلسطينية ثمرة من ثمار السياسة الخارجية البريطانية. لربما لم يقصد اللورد بلفور إقامة دولة يهودية عندما أصدر إعلانه (وعده) في عام 1917 الذي اعترف فيه بحق اليهود في إقامة وطن لهم وعبر عن ذلك بجملة يكتنفها الغموض. حينها، كان اليهود لا يملكون أكثر من اثنين بالمائة من فلسطين.

ففي رسائل متبادلة مع جورج كيرزون، خليفة بلفور في منصب وزير الخارجية، عبر بلفور عن عدم تأييده لتطلعات الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان في إقامة دولة يهودية.

كتب بلفور يقول: "حسب علمي، لم يتقدم وايزمان من قبل بطلب تشكيل حكومة يهودية في فلسطين. ومثل هذا الطلب في رأيي لا يمكن قبوله على الإطلاق، وشخصياً لا أظن أنه ينبغي علينا المضي إلى أبعد من الوعد الأصلي الذي قطعته للورد روثتشايلد".

ومع ذلك، فإن الدولة اليهودية هي بالضبط ما أوجده بلفور، عضو مجلس اللوردات المحافظ في الحكومة الائتلافية الليبرالية.

من المهم ملاحظة أن العضو اليهودي الوحيد في الوزارة آنذاك رفض خطة بلفور معتبراً إياها معادية للسامية. فقد كتب إدوين مونتاغو في مذكرة يقول: "ما فتئت الصهيونية تبدو لي عقيدة سياسية خبيثة يتعذر على أي إنسان وطني في المملكة المتحدة الدفاع عنها".

ولم يكن أداء حزب العمال البريطاني أفضل من ذلك في عام 1948 عند انتهاء الانتداب البريطاني. ففي بيان كتبته اللجنة التنفيذية الوطنية لحزب العمال، وتبناه الحزب في مؤتمره عام 1944، ورد ما يلي: "من المؤكد أن فلسطين، لاعتبارات إنسانية ومن أجل الدفع باتجاه تسوية مستقرة، تتطلب نقلاً للسكان. فليتم تشجيع العرب على الخروج بينما يدخل اليهود. ولتدفع لهم تعويضات مجزية عن أراضيهم، وليكن استقرارهم في مكان آخر منظماً وممولاً بسخاء".

في عام 1945، قاوم رئيس الوزراء كليمنت آتلي في بداية الأمر مطالب الرئيس الأمريكي هاري ترومان بالسماح بالهجرة الجماعية لليهود إلى فلسطين، الأمر الذي وتر العلاقة بين البلدين وجلب على بريطانيا عقوبات تمثلت في تأجيل القروض الأمريكية لإعادة الأعمار ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وتظهر الملفات التي أفرج عنها في عام 2006 أن وكالة المخابرات البريطانية MI5 كانت قد حذرت في عام 1946 من أن أعضاء في عصابة شتيرن كانوا يتدربون "للتوجه إلى بريطانيا لاغتيال مسؤولين في حكومة جلالة الملك، وخاصة وزير الخارجية البريطاني السيد إيرنست بيفين".

وحذرت مذكرة بعث بها المسؤول المكلف بإدارة حكومة فلسطين إلى وزير الدولة لشؤون المستعمرات من أن "مجموعة شتيرن قررت اغتيال كل من المفوض السامي والآمر العام. بالإضافة إلى ذلك، تقرر اغتيال عدد من ضباط قسم التحقيق الجنائي وعدد من ضباط الشرطة وأي مسؤول حكومي رفيع المستوى يعتقد بأنه معاد للسامية".

آخر ما تبقى من فلسطين التاريخية
عندما اقترحت الأمم المتحدة في عام 1947 تقسيم فلسطين تم تخصيص 55 بالمائة من مساحتها لليهود على الرغم من أنهم كانوا حينها لا يملكون سوى سبعة بالمائة من الأرض، وذلك بحسب ما وثقه المؤرخ آفي شليم. وبعد حرب عام 1948، استولت دولة إسرائيل التي أقيمت لتوها على 78 بالمائة من مساحة فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني.

ولذلك فإنه عندما توشك اليوم إسرائيل على ابتلاع قطعة إضافية من الـ 22 بالمائة المتبقية من فلسطين التاريخية ضمن خطة ضم جزء من الضفة الغربية أو حتى معظمها، لا يمكن لا لرئيس الوزراء المحافظ ولا لزعيم حزب العمال في بريطانيا الادعاء بأنهما مجرد مراقبين غير معنيين بالأمر.

إن الصراع المستمر منذ إقامة الدولة اليهودية قبل 73 عاماً وحتى اليوم ما هو إلا بضاعتهما، سواء أعجبهما ذلك أم لا.

في الكتاب الذي ألفه بوريس جونسون عن حياة تشيرشيل، الرجل الذي ما فتئ يسعى جاهداً للسير على منواله، يصف جونسون وعد بلفور بأنه خديعة مارستها الخارجية البريطانية تتسم بالغرابة والتهافت المأساوي، ويلاحظ شليم أن ذلك نموذج لحكم صائب ودقة تاريخية يندر أن يصدرا عن قلم جونسون.

ولكن عندما وصل إلى السلطة، التزم جونسون بالنص المكتوب لا يحيد عنه قيد أنملة، وقد تسمع منه كلمات تنديد مراوغة لكنها لا تعني أي تغيير في السياسة المتبعة. وعندما وجه له النائب المحافظ كريسبين بلانت سؤالاً داخل البرلمان أجابه جونسون قائلاً: "نعم، أعتقد أن ما هو مقترح من قبل إسرائيل يمثل انتهاكاً للقانون الدولي. ولقد عارضنا ذلك بشدة. نحن نؤمن بقوة بحل الدولتين وسوف نستمر في التعبير عن هذا الموقف".

ورثة بلفور
لا يتمثل موقف السياسة الخارجية البريطانية من هذا الصراع في تبني حل يعرف المسؤولون البريطانيون أنه لم يعد الآن قابلاً للتحقيق، وإنما يتمثل في لعب دور المتفرج الذي ينفض يديه ويتنصل من كل مسؤولية رغم علمه الكامل بأن إسرائيل سوف تستمر في التمتع بالإفلات من المساءلة والعقاب على ما تقوم به من أعمال.

وما وزارة الخارجية البريطانية اليوم إلا الوريث الحقيقي لبلفور نفسه.

وليس موقف زعيم حزب العمال كير ستارمر بأفضل من ذلك، وهو الذي قال: "لا أتفق مع الضم ولا أظن أنه يعود بخير على أمن المنطقة، وأظن أن من المهم جداً أن نقول ذلك".

تجنب ستارمر ذكر موضوع العقوبات، وقال: "ثمة حاجة لوجود علاقة جيدة وقوية حتى نتمكن من تبادل الآراء بشكل صريح، كما ينبغي أن يفعل المرء مع حليفه، وما نحن بحاجة ماسة إليه بشأن بعض هذه القضايا هو التبادل الصريح للآراء".

وما ذلك إلا تكرار للصيغة التي كان يستخدمها طوني بلير عندما كان رئيساً للوزراء، حيث كان يقول إن على الحكومة البريطانية أن تبقى قريبة من إسرائيل حتى تتمكن من التأثير عليها. وتلك بالطبع خرافة، أكثر الناس تمسكاً بها وترويجاً لها هم الإسرائيليون أنفسهم.

منذ أن صرح ستارمر بكلماته تلك، اقترحت ليزا ناندي، مسؤولة ملف الخارجية في حكومة الظل التي يترأسها، حظر استيراد البضائع من المستوطنات في الضفة الغربية. وواقع الأمر أن الاتحاد الأوروبي حتى الآن يطالب فقط بأن تكون المعلومات الخاصة بالمنتجات الواردة من هناك صحيحة. ويفترض أن يؤدي ذلك إلى ردع إسرائيل. ولكن ذلك لن يحصل.

ثمن الضم
يتوجب على بريطانيا الآن القيام بأربعة أشياء فيما لو أعلنت إسرائيل – أو الولايات المتحدة – عن خطط الضم، أو حينما تقدم أي منهما على ذلك.

أولاً، يتوجب عليها الإعلان عن اعتراف كامل بالدولة الفلسطينية. فعلى العكس مما كان عليه حزب العمال في عام 1944، أعلن حزب العمال في عام 2018 الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية، ولئن كان جريمي كوربين قد أعرب عن قلقه منذ ذلك الحين من أن خليفته في رئاسة الحزب سوف يتخلى عن هذا الموقف.

وكان إيد ميليباند، وهو زعيم آخر لحزب العمال وحالياً عضو في حكومة الظل التي يترأسها ستارمر، قد ترأس حراكاً في البرلمان في عام 2014 دعا إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية. والأمر الآن متروك للزعيم الحالي للحزب ليحمل راية ذلك الحراك داخل البرلمان.

وهذا تحد بالنسبة لستارمر بقدر ما هو تحد لجونسون الذي يتوجب عليه أن يتبنى هذا المطلب ويحوله إلى سياسة رسمية لحكومته.

وثانياً، ينبغي على الحكومة البريطانية معاملة إسرائيل كما تعامل أي دولة أخرى أقدمت على ضم أراض الغير متحدية بذلك القانون الدولي، كما فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في القرم وكما فعل صدام حسين في الكويت، حيث قوبل استيلاؤهما على الأرض برد فعل من المملكة المتحدة حمل الدولة المسؤولية، وليس مجرد مجموعات غامضة أو مجهولة من المرتزقة، ونجم عن ذلك عقوبات استهدفت زعماء تلكما الدولتين.

يتوجب تطبيق نفس المبدأ على إسرائيل. إن المعاملة الاستثنائية التي تتمتع بها إسرائيل هي نفسها التي تسمح لها بأن تفعل ما تشاء لمعرفتها بأن زعماءها يتمتعون بالحصانة من المساءلة والمحاسبة على أفعالهم أينما وجدوا في هذا العالم.

وثالثاً، على بريطانيا وقف جميع الصفقات التجارية العسكرية مع إسرائيل.

ورابعاً، يتوجب على بريطانيا تخفيض علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وينبغي على بريطانيا رفض ترشيح إسرائيل لسفيرها الذي سيحل محل مارك ريغيف.

سجل مريع
فحتى طبقاً للمعايير الذي حددها من سبقوها في هذا المنصب، فإن تسيبي هوتوفيلي، وزيرة المستوطنات الإسرائيلية، امرأة كريهة وذات سجل مريع، اشتهرت بسلوكها العنصري والتحريضي.

لست أنا صاحب هذا التوصيف، بل هي كلمات عبرت عنها مجموعة نعامود المناهضة للاحتلال والتي تقدمت بعريضة وقع عليها 800 يهودي بريطاني.

وكانت هوتوفيلي قد قالت في عام 2015: "هذه الأرض لنا، كلها لنا، ولم نأت هنا لكي نعتذر عن ذلك". 
وفي عام 2011، قالت هوتوفيلي أثناء اجتماع للجنة الكنيست المكلفة بتقدم المرأة: "يتوجب علينا مواجهة حقيقة أن البلد لم يقدر التعليم حق قدره، وهي الطريقة الوحيدة للحيلولة دون أن تقيم النساء اليهوديات ارتباطات حياتية مع غير اليهود".

وأضافت: "لا يبلغ النضال ضد الذوبان عناوين الصحف ونشرات الأخبار إلا من خلال الحكايات التي تروى حول النساء اليهوديات اللواتي تزوجن برجال مسلمين، ولكن من المهم أن نتذكر بأن هذه الظاهرة أوسع بكثير مما يظن البعض – هناك ما يقرب من 92 ألف عائلة مختلطة تعيش داخل دولة إسرائيل. ولذلك فثمة حاجة ماسة إلى إيجاد منهج تعليمي للفتيات في المدارس الثانوية حول الهوية اليهودية. فحقيقة أن الفتيات يصلن إلى حالة الزواج بغير اليهود تشهد بأن النظام التعليمي كان غائباً".

في اليوم التالي للإعلان عن خطة الضم تصبح إسرائيل رسمياً دولة أبارتيد (فصل عنصري). وهي بالضبط الدولة التي تدعو إليها هوتوفيلي، ذات التوجه القومي الديني. وينبغي أن تعامل بنفس الطريقة التي تعامل بها الدول الأخرى التي تمارس، وتدعو إلى، الفصل المنظم وإلى قهر الشعوب وإلى تطهيرهم عرقياً.

يدفع الفلسطينيون يومياً من دمائهم ثمن ما تتمتع به إسرائيل من حصانة من المساءلة والمحاسبة على أفعالها، والتي من ضحاياها إياد الحلاق، الرجل المتوحد الذي يبلغ من العمر 32 عاماً، والذي أطلقت عليه الشرطة الإسرائيلية النار فأردته قتيلاً، لاشتباهها بأنه كان مسلحاً، ولم يكن في الواقع حاملاً لأي سلاح.

ومن ضحاياها أيضاً أحمد عريقات، الذي أطلق عليه الإسرائيليون النار فأردوه قتيلاً بينما كان يعبر بسيارته حاجزاً للتفتيش. ادعت الشرطة أن الأمر كان يتعلق بالاشتباه بحادث تصادم. وقالت عائلته إنه كان متوجهاً لإحضار أمه وأخته في يوم زفاف شقيقته. لكن تركوه ينزف على قارعة الطريق إلى أن فاضت روحه.

فقط حينما تبدأ إسرائيل بدفع ثمن حقيقي فلسوف تعيد التفكير بشأن مشروعها الذي يهدف إلى أن تكون الدولة الوحيدة المقامة في المنطقة الواقعة بين النهر والبحر.