الأربعاء، 1 يوليو 2026

التفاؤل وبناء الأمّة

التفاؤل وبناء الأمّة


بسم الله الرحمن الرحيم

التفاؤل وبناء الأمّة

د. عطية عدلان

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

    عبارة صدرت بعفوية وتلقائية من قلب شاب أو فتاة، بعثت في نفسي الأمل وأحيت في قلبي التفاؤل وشعرت فيها بالإبداع والتجديد، استمدت العبارة أصالتها وعمقها من محاكاة القرآن، واستمدت من ينبوع الصدق والإخلاص بريقها ورونقها، هي تلك العبارة البسيطة التي تناولها النشطاء على الفيس بوك مسطرة على أحد الحوائط بخط لا يقل عنها في البساطة والتلقائية: (ربّ أرني كيف تحيي الثورة)! 

إنَّها عبارة ساحرة في بعث الأمل وبث التفاؤل، إنَّها بكل بساطة تعبير من بنان واحد عمّا يجيش في قلوب الملايين، وهذا هو سحر البيان في أعلى تجلياته، وإذا كانت العبارة تشع دلالات شتى في كل اتجاه؛ فإنّ ألمع وأجلى إشعاعاتها: التفاؤل.

    والتفاؤل حالة نفسية تَعْبُرُ فوق الواقع الأليم إلى المستقبل الواعد العظيم، حالة يتعاون في تشكيلها جملة من المشاعر الوجدانية الغلَّابة، مثل التوكل على الله وحسن الظن به، وعظيم الثقة في وعده، مع الاعتداد والثقة بالنفس، والقدرة على التخلص من دواعي الهزيمة النفسية، حالة ترى الواقع ماضياً، والمستقبل حاضراً بادياً، وتصنع السعادة والغبطة، وتنشر البشرى وتبث الأمل، وتهيء النفوس البائسة المحبطة للانطلاق والعمل.

   ولأنّ الإسلام العظيم ينقل الناس من واقعهم المظلم إلى مستقبلهم المشرق، وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزع بالناس إلى حالة التفاؤل الباعثة، ويبتعد بهم عمّا يضادها من التشاؤم المثبط والتطيّر المحبط، فها هو ينهى عن الطيرة ويحثّ على التفاؤل وعلى كل ما يدعو إلى التفاؤل، ففي صحيح البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا طيرة، وخيرها الفأل» قال: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم«([1]) وروى مسلم عن أنس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل: الكلمة الحسنة، الكلمة الطيبة«([2])

   ثم وجدناه صلى الله عليه وسلم يصنع التفاؤل ويبعث الأمل في المواضع الباعثة على اليأس والقنوط والإحباط، فها هو في قلب الحدث المزلزل يبشر بالفتح الكبير الذي ينهي دور كل الإمبراطوريات الجاهلية لصالح هذه الأمّة المستضعفة في قاع الصحراء العربية، فقد سجل التاريخ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بالخندق قالوا يا رسول الله إنا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها؛ فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقاموا معه، فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر؛ فسمعوا هدة لم يسمعوا مثلها قط، فقال: فتحت فارس، ثم ضرب أخرى فكبر؛ فسمعوا هدة لم يسمعوا مثلها قط، فقال فتحت الروم، ثم ضرب أخرى فكبر؛ فسمعوا هدة لم يسمعوا مثلها قط، فقال: جاء الله بحِمْيَر أعوانا وأنصارا"([3])

    ومن قبل ذلك - عندما كانوا مستضعفين في شعاب مكة يسامون العذاب - بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحيي في نفوسهم الأمل، روى البخاريّ عن خباب بن الأرت، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو متوسد برده له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليُتِمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"([4])

    ولقد عاش الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتحوا تلك البلاد ووطئوا أكنافها بأرجلهم، ورأوا بأعينهم سراقة بن مالك يلبس سواري كسرى بعد انتصار الجيش الإسلاميّ في نهاوند، فازدادوا إيماناً مع إيمانهم واستبشاراً مع استبشارهم وتفاؤلاً بالخير والبناء، فكان هذا التفاؤل له دوره البارز في مدّ سلطان الإسلام إلى شرق الأرض وغربها، وفي إقامة صرح حضاريّ هائل، عاشت البشرية في ظله زماناً سعيداً امتد لقرون عديدة.

    وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطق بما يوحى إليه؛ فقد ترك فينا الوحي المعصوم كله، تركه ينطق بالحق الكبير الذي يفجر ينابيع التفاؤل، فكيف نذهل عن ذلك الوعد الربانيّ الكريم: 

(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء 105) 

بل كيف ننسى ذلك الوعد الأكثر صراحة وتحديداً: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور 55).

    ونحن إذ نستقبل تحولاً حضارياً كبيراً، ونعاني لأجله حالة الخروج من عنق الزجاجة؛ نحتاج إلى إحياء التفاؤل؛ لننطلق الانطلاقة الكبرى التي سيتحقق بها وعد الله لهذه الامّة بالنصر والتمكين، وما لا يعلمه كثير من الناس أنّ مفكري الغرب يرون ما لا نرى نحن؛ وهذا سرّ الحرب المجنونة التي يشنّها الغرب علينا، وفي الوقت الذي ينبعث فينا التفاؤل تراهم يعانون من حالة من التشاؤم غير مبررة في ظاهر الأمر، وتسمع الناصح لهم يصرخ فيهم: 

" نحن لا نملك شيئاً لنكون متشائمين نحوه عدا التشاؤم نفسه ... وإنّ تدوير الغرب ليعود إلى التفاؤل سوف يستغرق حركة فكرية جديدة كاملة، وليس هناك أيّ علامة على مثل هذا التحول في الأفق"([5])

    وإذا كنّا قد ابتلينا بما ابتلينا به على أثر الانقلابات على الموجة الأولى من الثورة فإنّها - مهما كانت قسوتها - ليست آخر الدنيا، والأيام دول، وانكسار الطريق لا يعني نهايته، وكتاب الله هو الذي يقرر هذه الحقائق الكبرى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) ( آل عمران 140) 

وقد نزلت هذه التقريرات عقب أحداث أحد، ونزل معها هذا الأمر المانع من الإحباط: 

" ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ."

    فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تيأسوا ولا تحبطوا، بل تفاءلوا وأبشروا وبشروا، وانشروا روح التفاؤل والأمل، ولكن لا بدّ مع ذلك من مواصلة العمل، وغداً - إن شاء الله - سوف نتذاكر تلك الأحداث ونتذاكر معها دعواتنا للتفاؤل، عندها سوف نغتبط كما اغتبط الأولون، ونقول مثلهم: "عند الصباح يحمد القوم السرى".

 

 



(1)  صحيح البخاري (7/ 135)

(2)  صحيح مسلم (4/ 1746)

(3)  البداية والنهاية (4/ 100)

(4)  صحيح البخاري 4/201

(5)  انتحار الغرب - ريتشارد كوك ، كريس سميث - ترجمة محمد محمود التوبة - ط أولى 2009م العبيكان السعودية صــــــ 114



انكسار الأذرع الإيرانية: مأزق الحشد الشيعي وحزب الله

انكسار الأذرع الإيرانية: مأزق الحشد


 الشيعي وحزب الله


 . أحمد مصطفى الغر


لا يمكن فك الارتباط بين المعركة الدائرة بين أمريكا وإيران، وبين مسارات أذرعها في لبنان والعراق، فهل تنجح واشنطن في إعادة هيكلة النفوذ الإيراني في المنطقة، أم أن طهران ما زالت تمسك بأطراف اللعبة.


يواجه الشرق الأوسط منذ أكتوبر 2023م زلزالًا جيوسياسيًا غير مسبوق، بدأ بطوفان الأقصى ويبدو أنه لن ينتهي بالحرب على إيران، لكن اللافت في الأمر هو تداعي الكثير من الثوابت التي استند إليها نفوذ طهران الإقليمي طوال أربعة عقود، وذلك تحت وطأة الحرب التي خلّفت واقعًا ميدانيًا وسياسيًا جديدًا بعد مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من كبار القادة، ثم إغلاق مضيق هرمز، وصولًا إلى التحولات الدراماتيكية الجارية اليوم في العراق ولبنان، والمتمثلة في التفكيك التدريجي لبنية الأذرع وقبولها بهيكليات رسمية وتسويات قاسية، وهي أمور لا يمكن فهمها بمعزل عن حالة الإنهاك الشامل التي ضربت المركز في طهران، حيث تحول المشروع من الهجوم القومي إلى الدفاع الوجودي. هذا المشهد المعقد يطرح تساؤلاً جوهرياً حول حقيقة التحركات الأخيرة؛ فهل نحن أمام تراجع اضطراري يسبق الانهيار التام، أم أن هناك خيوطاً لصفقة إقليمية ـ دولية كبرى تُنسج في الخفاء تحت نيران المدافع، تهدف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ مقابل ضمان بقاء النظام في مرحلة ما بعد خامنئي الأب.


هيكلة الحشد الشيعي


في العراق، لم تكن مراسم تسليم الملف الأمني في مدينة سامراء من قبل "سرايا السلام" للجيش العراقي مجرد إجراء روتيني، بل مثّلت إعلانًا رمزيًا عن تصدع منظومة السلاح الموازي التي طالما تحدت الدولة. لقد جاء إعلان الناطق باسم القوات المسلحة العراقية حول الشروع الفعلي في إعادة هيكلة الحشد الشعبي تحت إمرة رئيس الحكومة علي الزيدي ليعكس رغبة وطنية مدعومة بضغط دولي لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية وفك الارتباط بالأطر السياسية والحزبية. هذا التحول شمل فصائل وازنة مثل "عصائب أهل الحق" التي أبدت استعداداً للانفصال عن الحشد والتركيز على العمل السياسي، مما يوحي بأن هذه القوى أدركت أن غطاء طهران لم يعد كافيًا لحمايتها من الاستهداف المباشر في ظل الحرب المفتوحة التي تشنها واشنطن وتل أبيب ضد المحور.

وتشير ملامح الخطة الحكومية إلى نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وتذويب المقاتلين في وزارتي الدفاع والداخلية مع ضمان حقوقهم المالية، وهو ما يضع الفصائل أمام اختبار العقيدة العسكرية الوطنية مقابل الولاء الأيديولوجي العابر للحدود. ولا شك أن قبول هذه الأذرع بـ"التقليم الذاتي للأظافر" يعكس أزمة تمويل أيضا، حيث أدت الحرب والحصار البحري لمضيق هرمز إلى تجفيف منابع الدعم المالي المركزي من طهران، مما دفع الفصائل للبحث عن شرعية الخزينة العراقية كطوق نجاة أخير للبقاء المادي.

 

لا يمكن فهم هذه التراجعات الميدانية في العراق ولبنان دون الغوص في عمق الأزمة التي يواجهها النظام الإيراني في الداخل، حيث أدت الحرب الحالية إلى تآكل هيبة الدولة وتفكك مراكز القوى التقليدية

ويمكن رصد أبعاد تفكك الميليشيات في العراق من خلال تسليم المقرات والمعسكرات في المدن الحيوية مثل سامراء للجيش، وهو ما يقرّب إنهاء ظاهرة "الدويلة داخل الدولة"، إضافةً إلى تزايد الانقسام بين الفصائل ذاتها؛ حيث اختارت بعض الفصائل الاندماج، بينما لا تزال "كتائب حزب الله" و"النجباء" ترفض نزع السلاح، والتوجه نحو تأمين وظائف حكومية مدنية لعشرات الآلاف من العناصر لفك ارتباطهم بالبنية العسكرية الميليشياوية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا الدمج قد يكون سيفاً ذا حدين؛ فإما أن تنجح الدولة في صهر هذه القوى وطنيّاً، وإما أن تتحول المؤسسات العسكرية الرسمية إلى غطاء جديد لنفوذ الميليشيات بعناوين حكومية، وهو ما تراقبه واشنطن بحذر شديد.


مأزق لبنان


على الساحة اللبنانية، فإن الاتفاق السياسي الأخير بوقف إطلاق النار، والذي جرت مفاوضاته في واشنطن، يمثل ذروة الضغوط على حزب الله الذي وجد نفسه معزولاً بعد سقوط نظام الأسد في سوريا وتدمير جسور إمداده الاستراتيجي. الاتفاق الذي ينص على إنشاء مناطق تجريبية منزوعة السلاح في الجنوب تحت سيطرة حصرية للجيش اللبناني، يهدف بوضوح إلى فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني المتفجر. ورغم الرفض العلني الذي أبداه نعيم قاسم للاتفاق ووصفه بـ "المذل"، إلا أن الواقع الميداني وتوغل القوات الإسرائيلية لما بعد نهر الليطاني وسيطرتها على قلعة الشقيف فرض واقعاً لا يمكن تجاوزه بالخطابات الأيديولوجية وحدها.

الإصرار الدولي، بقيادة إدارة ترامب، على تجريد الحزب من سلاحه كشرط لاستقرار لبنان، يضعه أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما الانخراط في انتحار عسكري للدفاع عن مصالح طهران، وإما القبول بتسوية سياسية تُعيد إحياء مؤسسات الدولة وتنزع عنه صفة المقاومة المستقلة. الرئيس اللبناني جوزيف عون وصف هذا الاتفاق بأنه الفرصة الأخيرة لمنع انهيار البلاد التام، متهماً طهران صراحةً باستخدام لبنان ورقة مساومة في مفاوضاتها مع أمريكا. هذا التوجه اللبناني الرسمي نحو السيادة يعكس قناعة متزايدة بأن فائض القوة العسكرية للميليشيات أصبح عبئاً ثقيلاً يمنع وصول المساعدات الدولية ويستجلب الدمار، خاصة بعد أن بلغت خسائر الحزب البشرية والقيادية مستويات غير مسبوقة في المواجهة الأخيرة.

وتتجلى خطورة هذا المأزق في كون الاتفاق لا يكتفي بوقف النار، بل يؤسس لمرحلة "ما بعد حزب الله" في السلطة، عبر تعزيز قدرات الجيش اللبناني بدعم أمريكي واسع لبسط سيادته على كامل الأراضي. إن استهداف إسرائيل لمقرات القيادة في الضاحية الجنوبية لبيروت، حتى بعد إعلان وقف النار، يبعث برسالة مفادها أن الحصانة قد انتهت، وأن تل أبيب لن تتردد في ضرب أي محاولة لإعادة بناء البنية التحتية العسكرية للحزب، وفي ظل انشغال طهران بترتيب ما بعد الحرب ومواجهة التضخم الذي بلغ مستويات قياسية، يبدو أن الحزب مُجبر على السير في حقل ألغام سياسي قد ينتهي بتحويله إلى تنظيم سياسي منزوع المخالب العسكرية، أو مواجهة اجتياح شامل ينهي وجوده الميداني.

زلزال طهران

لا يمكن فهم هذه التراجعات الميدانية في العراق ولبنان دون الغوص في عمق الأزمة التي يواجهها النظام الإيراني في الداخل، حيث أدت الحرب الحالية إلى تآكل هيبة الدولة وتفكك مراكز القوى التقليدية. ولا شك أن مقتل علي خامنئي في ضربة جوية لم يكن مجرد غياب لشخص، بل كان صدمة لعقيدة التوسع التي كان يقودها، حيث يواجه خلفه ووريثه مجتبى خامنئي تحديات شرعية وانقسامات حادة بين تيار يريد التفاوض للبقاء وتيار يصر على المواجهة حتى النهاية. هذا الضعف في الرأس انعكس فوراً على الأطراف، التي بدأت تفقد بوصلتها الاستراتيجية وتتجه نحو البراغماتية المحلية لتجنب مصير المركز.

علاوة على ذلك، يمارس الحصار البحري الأمريكي الخانق لموانئ إيران وضغوط إغلاق مضيق هرمز دوراً محورياً في خنق قدرة النظام على المناورة، حيث بلغت قيمة العملة المحلية مستويات تاريخية من الانهيار، مما جعل تمويل الأذرع الخارجية انتحاراً اقتصادياً. طهران التي كانت تملي شروطها عبر الوكلاء، تجد نفسها اليوم مجبرة على استخدام هؤلاء الوكلاء كـ "أكباش فداء" أو "أوراق مقايضة" للحصول على إعفاءات من العقوبات أو الإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة. في هذه الحالة فإن استراتيجية التقليم الذاتي للأظافر التي تنتهجها إيران حالياً هي في حقيقتها مرونة تكتيكية تهدف لالتقاط الأنفاس، وهي اعتراف صريح بعجز الموارد عن تلبية طموحات مشروع "ولاية الفقيه" العابر للحدود في لحظة الحزم الدولي.

من الناحية العسكرية، فإن تدمير أجزاء من المنشآت النووية وبعض مخازن الصواريخ الباليستية في العمق الإيراني قد جرد النظام من كثيرٍ من قوة الردع التي كانت توفر الحماية لمليشياته في الخارج. هذا العجز الدفاعي جعل الأذرع في العراق ولبنان تشعر بأنها مكشوفة الظهر، مما يفسر اندفاعها نحو الاندماج في مؤسسات الدول الحاضنة لامتصاص الصدمات وتحويل الصراع من مواجهة "دولة ضد ميليشيا" إلى صراع سياسي داخلي طويل الأمد. إن النظام الإيراني الذي كان يرى في وحدة الساحات وسيلة للهجوم، أصبح يرى فيها اليوم وسيلة لتوزيع الألم على المنطقة لعل ذلك يدفع واشنطن لوقف الحرب قبل سقوط حصن طهران.


صفقة أم تراجع؟


بالعودة إلى السؤال المركزي حول طبيعة ما يجري، فإن المعطيات تشير إلى أننا لسنا أمام صفقة بالمعنى التقليدي الذي يوزع المغانم، بل نحن أمام مسار تراجعي قسري فرضته وقائع الحرب على الأرض. طهران لم تجلس إلى طاولة المفاوضات عبر الوسيط الباكستاني إلا بعد أن تيقنت أن الاستمرار في سياسة حافة الهاوية سيؤدي إلى انهيار النظام ذاته، خاصة مع استمرار الضغط الداخلي الذي قد ينفجر في أي لحظة، هذا التراجع التكتيكي في العراق ولبنان هو محاولة لشرعنة وجود الوكلاء ضمن هياكل الدولة الرسمية لضمان بقائهم كقوة كامنة يمكن تفعيلها مستقبلاً إذا ما تراخت الضغوط الدولية.

إن ما يسمى صفقة في أروقة السياسة الدولية اليوم هو في حقيقته توافق ضمني لخفض التصعيد تفرضه حاجة جميع الأطراف لالتقاط الأنفاس؛ فواشنطن تريد تأمين ممرات التجارة الدولية وتجنب حرب إقليمية شاملة قبل الانتخابات، وإيران تريد ضمان استمرار بقائها المادي. ومع ذلك، فإن هشاشة هذه التفاهمات تبرز في الخروقات المستمرة لوقف النار في لبنان، وإصرار الفصائل العراقية على الاحتفاظ بسلاحها النوعي في مخابئ سرية. لذا، فإن الرهان على أن إيران تخلت عن مشروعها التوسعي هو رهان متفائل أكثر من اللازم، بل الأصح أنها تمارس انكفاءً دفاعياً مؤقتاً بانتظار تغير في موازين القوى الدولية أو تبدل في أولويات الإدارة الأمريكية.

لكن في نفس الوقت؛ يجب الحذر من أن هذا التراجع قد يكون فخاً سياسياً يهدف إلى توريط الحكومات الوطنية في بغداد وبيروت بمسؤولية ضبط السلاح المنفلت دون منحها الأدوات الفعلية لذلك، مما قد يؤدي إلى حروب أهلية داخلية تخدم مصلحة النظام الإيراني في النهاية عبر إضعاف الدولة الوطنية. في هذه الحالة فإن الضمانة الوحيدة لتحويل هذا التراجع الإيراني إلى هزيمة استراتيجية دائمة هي بناء مؤسسات دولية وطنية قوية، مدعومة بحاضنة شعبية ترفض الارتهان للخارج، وقادرة على تجفيف منابع التمويل الموازي الذي تقتات عليه هذه المليشيات.


مستقبل الأذرع


في المنظور القريب، يبدو أن شكل الوكيل المسلح الذي عرفناه لعقود في طريقه للزوال، ليحل محله نموذج الوكيل السياسي المتغلغل في مفاصل الدولة. إن تجربة دمج الحشد في العراق وتسويات لبنان تشير إلى أن طهران أوعزت لأذرعها بضرورة التمويه المؤسساتي لامتصاص الغضب الشعبي والدولي، وهو ما يفسر تحول قادة مثل قيس الخزعلي إلى الحديث عن الاستثمار والشركات الأمريكية بدلاً من لغة المقاومة المسلحة. غير أن الخطورة تكمن في قدرة هذه الشبكات على إعادة إنتاج نفسها بسرعة فائقة؛ فالتاريخ يعلمنا أن الأذرع الإيرانية تمتلك مرونة عالية في التكيف مع الضغوط.

ختاماً، فإن انكسار الهلال الإيراني هذا العام ليس مجرد نتيجة لضربات عسكرية، بل هو حصاد لعقود من المراهنة على مشاريع وهمية أرهقت الشعوب وجففت الموارد. إن القبول بالدمج والهيكلة والتسويات هو اعتراف صريح بسقوط منطق الميليشيا أمام منطق الدولة، وهو مسار لن يكتمل إلا إذا تحولت هذه التراجعات الاضطرارية إلى استراتيجيات وطنية شاملة تنهي حقبة التبعية للأبد. مما يفتح نافذة تاريخية للدول الوطنية لاستعادة قرارها السيادي، شريطة اليقظة والحذر من محاولات هذه الأذرع لإعادة إنتاج نفسها داخل مؤسسات الدولة الرسمية.

ملالي إيران شياطين مخادعون وليسوا مقاومين شهادة في الصميم

ملالي إيران شياطين مخادعون وليسوا مقاومين

شهادة في الصميم

 

لم يتحدث الخميني حديثًا صادقا إلا عندما وصف أمريكا بالشيطان الأكبر، وإن الأصدق من ذلك أن الإدارة الأمريكية هي الشيطان الأكبر الظاهر، أما النظام الإيراني الطائفي فهو الشيطان الأكبر الخفي، الذي يتخ في برداء المقاومة ويوم القدس، وكذلك بشعارات حب آل البيت.

كان هذا الوصف معقولًا قبل ثورات الربيع العربي التي عرّت إيران، لاسيما بعد أن أخذ النظام الإيراني الطائفي والحرس الثوري وفيلق القدس المخادع والميليشيات الطائفية المجرمة دورًا كاملًا في تدمير شعوب المنطقة واحتلال عواصمها برعاية أمريكية وتنسيق إسرائيلي عبر البوابة الروسية.

ثم جاءت محرقة طوفان غزة لتسقط ورقة التوت، وتنكشف سوءة نظام الملالي الإيرانيين، وتتبدل الأوصاف، ويتساوى الشيطان الأمريكي مع الشيطان الإيراني من حيث وضوح كفره وكبره وخداعه وعدوانه.

فلسطين بين الولادة المأمولة والموت المحقق

إن من فواجع الزمان التي حلت بفلسطين المعاصرة أن بعض قياداتها كانت تعتقد بولادة مسار فلسطيني جديد في الاتجاه الصحيح من خلال التحالف مع المشروع الإيراني، وفيما استغرق هذا المخاض نحو أربعة عقود تقريبًا، فإن المولود لم يكتمل، بل نزل مشوهًا بعد مخاض عسير ثم مات.

ومنذ لحظة إطلاق عملية السابع من أكتوبر ومعركة الطوفان، لم تتردد جميع القيادات الإيرانية في التصريح والإعلان عن عدم درايتها بالمعركة وتبرئها منها، وتعهدها طوال المعركة بضمان عدم توسيع الحرب الإقليمية في المنطقة، حتى هلاك آخر طفل في غزة.

واليوم، وبعد أن تقاتلت المشاريع المتوحشة والمتنافسة على الكعكة فيما بينها، وحصل الاحتراب الأمريكي الإيراني الإسرائيلي، فقد ختم النظام الإيراني مفاوضاته مع الأمريكيين بإسقاط غزة وفلسطين والأقصى من جميع حساباته، غير عابئ بمصير الشعب الفلسطيني عمومًا، ولا بواقع غزة على وجه الخصوص.

وكما بدأت الحكاية انتهت الرواية.

فهل يتعظ المخدوعون والحالمون، أم سيظلون في غيهم سائرين، وعن الحقائق متعامين؟

إيران شر مطلق في حالة السلم كما في حالة الحرب

إن إيران الملالي شر مطلق؛ في السلم كما في الحرب، وفي الهدنة كما في الصراع، فلا سلامها سلام، ولا حربها نصرة.

لقد نجحت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في استخدام المشروع الإيراني والنظام الطائفي القابع في طهران بتدمير حواضر المنطقة العربية، والحيلولة دون أي نهضة إسلامية، وذلك جنبًا إلى جنب مع المشروع الصهيوني الذي بنى ذراعه التنفيذي على أرض الشام والمتمثل في كيان إسرائيل.

وقد تكامل المشروعان، رغم ما بينهما من تنافس وصراع ظاهر، في إضعاف شعوب المنطقة واستنزاف قواها وإشغالها بصراعات متواصلة، بما حال دون تشكل مشروع نهضوي عربي أو إسلامي قادر على التحرر من الهيمنة الخارجية وصناعة مستقبل مستقل، وذلك بعد أن أعطبت إيران الواقع الموضوعي الذي تتوفر فيه شروط النهضة كالأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي والانسجام والتماسك المجتمعي في المحيط العربي، وحاولت خلخلته في الواقع التركي ولا تزال.

لا سلام حقيقيًّا بعد أن وضعت الحرب أوزارها

لم تُنهِ الإدارة الأمريكية الحرب مع إيران بالنهاية التقليدية التي تفكك النظام وتزيحه، بل حافظت على بقائه كمنظومة متكاملة، مع تشذيب بعض جوانبه بما يتوافق مع الأجندة الإسرائيلية الغربية والأمريكية.

الأمر الذي يعني تعاظم التهديد الإيراني للكتلة العربية التركية، بعد أن جُرح الذئب في طهران وبات يشتهي مص الدماء في محيطه العربي والإسلامي لتعويض خسائره الفادحة. وهو ما يشي بمستقبل قريب قاتم لدول الخليج، التي ستتعامل معها إيران وأمريكا بوصفها بقرة حلوب، تتعرض تارة للتهديد الإيراني المباشر، وتارة أخرى للتهديد الإيراني غير المباشر عبر البوابة الأمريكية، بحيث يستمتع المشروعان بسلب خيرات المنطقة على نحو أشد وأوسع من إيقاع النهم الأمريكي المعهود في السابق.

الإقليم العربي التركي الكردي بين الهيمنة الأمريكية والمنظومة الإيرانية المجرمة

من المؤسف أن يُصاب كثير من النخب بقصور في النظر وخور في الطرح؛ إذ يتحدث الجميع عن خطورة وجود القواعد الأمريكية في المنطقة، ولا سيما في دول الخليج، وهذا حق لا مرية فيه.

غير أن الغالبية تغفل عن أن المنظومة الإيرانية الإجرامية تقوم عمليًا بما يحذر منه الجميع في سياق الهيمنة الأمريكية؛ من تدمير للمنطقة، وتفكيك لمجتمعاتها، واضطهاد لشعوبها، ونهب لثرواتها، وقتل لنخبها، ومنع لها من التقدم والنهضة.

ومن هنا فإن الوعي بحقيقة التهديدات القائمة يقتضي النظر إلى المشهد بكامله، لا الاكتفاء برؤية بعض جوانبه وإغفال بعضها الآخر.

إن حجم التحديات القادمة على الأقاليم العربية والإسلامية أكبر من سابقاتها، الأمر الذي يستدعي مقاربة سياسية جديدة تنطلق من الوحدة العربية، وتتكامل مع الشوكة التركية، وهنا تكمن الجوهرة السورية إن تعا في وأصاب أهلها.

مضر أبو الهيجاء، فلسطين-جنين 14/6/2026