‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مضر ابو الهيجاء تحليلات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مضر ابو الهيجاء تحليلات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 27 أغسطس 2026

سورية الثانية بين التعامل أو التعاون أو الخضوع لإسرائيل إضاءات سياسية إستراتيجية شرعية وأخلاقية

سورية الثانية بين التعامل أو التعاون أو الخضوع لإسرائيل
إضاءات سياسية إستراتيجية شرعية وأخلاقية

 
مضر أبو الهيجاء

لا يمكن التغاضي عن خطورة ما يجري في الظاهر والباطن بين سورية الثانية والكيان الإسرائيلي المعادي برعاية الكاهن الأمريكي. 

وعندما أقول «سورية الثانية»، فإنني أقصد بها سورية التي تختلف عن «سورية الجديدة»؛

فأما الثانية فهي التي يروم الغرب هندستها كما هندس سورية الأولى، وأما الجديدة فهي سورية التي تقطع مع القديم، وتعبّر عن آمال وطموحات أهل الشام الكرام، والتي من أجلها أُهرقت أنهار من دمائهم الشريفة، فهي الطموح والمعبرة عن الانتماء الأصيل.

سأضع محددات رئيسية قبل الولوج إلى النظر المتفحّص في الموضوع السوري الإسرائيلي الشائك والمعقّد والمريب.

محددات النظر والفهم والحكم في المسألة السورية الإسرائيلية:

1/ إن إسرائيل التي أقامها الغرب على أرض الشام المباركة، في بقعة فلسطين، ليست مشروعًا يهوديًا خالصًا، بل هي ذراع تنفيذية غربية تقوم بالمهام القذرة وفق الرؤية الصهيونية الصليبية، التي تدير مشروعها اليوم أمريكا المهيمنة.

2/ إن الكيان الإسرائيلي كيان معادٍ، ظالم، معتدٍ، لا شرعية له، ولا يجوز الاعتراف به من النواحي الشرعية والأخلاقية والسياسية الواقعية، ويجب على كل مسلم حر منتم وشريف أن يسعى إلى اقتلاع إسرائيل وأن يلقى الله سبحانه وتعالى على هذه النية.

3/ إن القائمين على السلطة الحالية في سورية الثانية بعد التحرير هم جزء من الحالة الإسلامية العربية السنية الثورية، بغض النظر عن كل ملاحظاتنا على تجربة اللون الواحد وتفاصيل كل شخصية نافذة، وبغض النظر عمّا إذا أخطأوا أم أصابوا خلال تجربتهم السابقة وحتى في اجتهاداتهم الحالية، ونحن نظن فيهم ظنًا حسنًا، كما هو الواجب نحو المسلمين المنتمين، وندعو لهم بالتسديد والتوفيق، وعيوننا مفتوحة، وعقولنا ناظرة فيما يصوغونه، دون بلاهة المريدين، وهو شرط نصرتهم ونصحهم، سواء أكانوا مظلومين أم ظالمين؛ فنأخذ على أيديهم.

4/ إن الله لا يحاسب على العجز، ولكنه يحاسب على التقصير، وإن التمييز واجب في المسألة السورية الإسرائيلية بين العجز المقروء والتقصير الكامن، الأمر الذي يدركه أولو الأمر من الخبراء السياسيين المنتمين، وإن المسألة السورية الإسرائيلية شأن عام لا يخص فردًا أو سلطة أو شريحة بعينها؛ فالمركب سينجو أو يغرق بالجميع، لا سمح الله.

5/ إن النظر الواعي والعميق واجب تجاه الكيان الإسرائيلي، باعتباره ذراعًا تنفيذية تشكل جزءًا حقيقيًا نافذًا وفاعلًا في المنطقة لصالح المشروع الأمريكي المهيمن عليها. ومن هنا، فإن التمييز الدقيق الواعي والنزيه لازم في التفريق بين مفهوم التعامل مع حقيقة موضوعية فاعلة ومؤثرة، أو التعاون، أو الخضوع لإسرائيل، والتفريق الواعي بين كل مفردة وأخرى لازم؛ إذ تترتب على هذه الفروق مآلات خطيرة، وكما يمكن أن تُنجي المسلمين، يمكن أن تُغرقهم في وادٍ سحيق.

6/ إن العلاقة السياسية بين المسلمين والكيان الإسرائيلي المعادي مسألة من صلب هذا الدين، وخاضعة لأحكام الشريعة؛ يأخذ بها ويبحث عنها بجدٍّ من أراد وجه الله، ويدير ظهره لها، من خلال افتئاته على العلماء وإهمال دورهم وعدم استشارتهم، من كان يروم السلطة والمال والنفوذ.

وأما من مارس احتيالًا على الأمة من خلال علماء السلاطين المدلسين، فأوجد لذلك مسوغات من خلال تلاعب بالدين، فهو من الذين سلكوا طريق أصحاب السبت المحتالين الملعونين بنص القرآن الكريم.

7/ إن المسألة السورية الإسرائيلية لا تنفصل مطلقًا عن واقع عموم الأمة، بل إن انفصالها وتفرد رجالات السلطة في بلورة أي صياغة يصلون إليها منفردين، هو سقوط كبير وتبرؤ من قيمة الأمة ووجوب اعتبار مصالحها ودفع الشرور الواقعة عليها.

ومن هنا، فإن ما أقدم عليه ياسر عرفات في أوسلو أمر محرّم، يناقض أحكام الشريعة، ويتبرأ في واقع الحال من مفهوم الأمة. ولا يجوز للحكام الجدد في سورية أن يسلكوا طريقا تبيّن لهم خطأه وفشله وما فيه من الظلم والانحراف والظلمات التي وقعت فيها بعض القيادات العربية.

8/ إن التفريق واجب بين من يسعى بنفسه للتعامل أو التحالف أو التعاون مع مشروع سياسي معادٍ أو منظومة احتلال قائمة، وبين من يفرض عليه الواقع الموضوعي التعامل مع مشروع أو دولة مؤثرة في واقع الحال، وهو تفريق يهدف إلى التمييز بين الحالتين، للوصول إلى حكم شرعي وسياسي وأخلاقي سديد ونافع، على أرضية مرجعية أحكام الشريعة واعتبار مصالح العباد.

9/ إن دور العلماء هو الدور الأول في النظر في المسألة السورية الإسرائيلية، لا سيما من يجيد منهم حرفة تكييف الوقائع وتنزيل الأحكام وفق نصوص الوحي وإجماع العلماء، مع استصحاب فقه الواقع، وفقه الضرورة، وفقه المصلحة، وفقه المآلات. وهو ميدان لا يجيده إلا فقيه أصولي متصل بالواقع، متنزّه عن الارتباط بالسلطان، ومترفع عن المصالح والتموضع والمنافع.

10/ إن النتائج التي ستنعكس عن المسألة السورية الإسرائيلية ستمس عموم الأمة، وخصوص الشعب السوري في الأرض المباركة؛ ولذلك، فإن من المسؤولية والانتماء احترام إرادة الشعب السوري، والعودة إليه، وعدم إقصائه ولا احتقار رأيه، بل إشراكه بشكل جاد في المعادلة، فهو من سيتحمل النتائج في كل الاتجاهات، سواء أكانت سلبية محدودة أم كارثية لاسمح الله.

لا سيما أن الواقع اليوم يطرح معادلة موضوعية ليس فيها إختيار بين الخير والشر بل هو إختيار بين شر أصغر أو الوقوع في شرك الشر الأكبر. وكما كان عموم الشعب السوري شريكا حقيقياً وخصوص الثوار سببًا في إزالة الظلم والظلمات وهدم المنظومة الأسدية الأمريكية الأمنية الحامية لكيان إسرائيل، فلا يجوز إزاحة الشعب السوري عن المشهد والتحدي المفروض، لا سيما وهو جدير بتحمل تلك المسؤولية، بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الشام المباركين، وبما شهدته أرض الشام المباركة من دعوة وإصلاح وجهود علماء عظام وجهاد واستشهاد طيلة ستة عقود دفع فيها السوريون أنهارا من دماء فلذات أكبادهم طوعاً تحت راية الله أكبر وسعياً لاسترداد كرامتهم وطلبا لتحرير فلسطين واسترداد أقصى المسلمين.

11/ إن المسألة السورية الإسرائيلية المطروحة اليوم فوق الطاولة وتحتها هي حالة ظرفية طارئة تخضع لموازين القوى الدولية والأوضاع الإقليمية ومشاريع الطواغيت الدوليين، وهي حالة معقدة لا ينبغي أن تستبعد حقيقة المعركة القادمة مع أعداء الله والبشرية، القتلة الإسرائيليين والمجرمين؛ بل هم من سيفرضونها إذا لم نسبق إليها على أرضية تتوافر فيها شروط ناضجة، ضمن مفهوم الأمة الواحدة، وبعيدًا عن المفاهيم القطرية الجاهلية المخادعة والحالقة.

12/ إن جهاد وقتال المحتلين فرضٌ وواجبٌ بحسب القدرة والاستطاعة، وإن ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَك جُلُّه، ولا سيما أن جهاد المحتلين لا يقتصر على العمل العسكري؛ فالقتال أحد الوسائل، وليس الوسيلة الوحيدة، لحصار إسرائيل وإضعافها وتشويه صورتها وفضحها ومقاطعتها سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا ونخبويا ومجتمعيًا، وبناء أسوار فولاذية بينها وبين مجموع الأمة في كل منحى.

وإن امتناع القدرة عن قتال المحتلين واقتلاعهم، نتيجة عجز موضوعي راهن، لا يُسقط وجوب الجهاد في عشرات الجوانب الأخرى التي يأخذ فيها الجهاد أشكالًا متعددة، تعبّر عن صدق الأمة ووعيها وانتمائها وسويّة موقفها.

13/ إن حقيقة انحياز عموم شعوب الأمة العربية والتركية والكردية والأمازيغية والشركسية وغيرها لفلسطين، وارتباطها بأقصى المسلمين، حقيقة بحجم الكون، وهي أرقى وأعلى وأمتن وأصلب من مواقف النظم السياسية؛ الأمر الذي يُستفاد منه في وضع هذا الرصيد في ميزان التحدي، ورفض التطبيع مع المحتلين، سواء أكانوا من الملالي الإيرانيين، أم الأمريكيين والروس المعتدين، أم الإسرائيليين المحتلين.

14/ يشهد أهل الشام، كما أهل مصر والعراق، أن حبهم لفلسطين وأرضها وشعبها وأقصى المسلمين، إن لم يتجاوز حبَّ الفلسطينيين لها، فهو ليس بأقلَّ منه، وأن ارتباطهم بها ليس موقفًا عابرًا أو ظرفيًا، بل هو جزء أصيل من وجدان الأمة ووعيها التاريخي والديني.

15/ إن الجغرافيا السورية تشكّل العمود الفقري للجغرافيا الشامية، وهي ذات تأثير مباشر في مصر والعراق والخليج العربي؛ الأمر الذي يوجب على العقلاء والمنتمين أصحاب الهمم والقامات العليّة البحث عن جوانب القوة فيها ودعائم التحدي، وألّا تُختزل سورية الشام في مشهد جزئي ظرفي يُشعر عموم أهلها وخصوص القائمين عليها بأنها مهترئة وضعيفة وفاقدة للقدرة على التحدي.

وإن إرادة التحدي والتغيير توجب البحث والتفكير في جوانب وعناصر ومناحٍ متوافرة في أرض الشام، تزن مئة هرمز في ميزان التهديد والتأثير، والعاقل يستفيد من تجارب غيره من المناصرين والمعادين على حد سواء، ولا سيما في المحيط.

16/ إن الكاهن الأمريكي المهيمن على المنطقة، والذي يرعى ربيبته إسرائيل، ليس إلهًا ولا ربًا، ولا يملك من الأمر شيئًا؛ فالملك كله لله، ولا غالب إلا الله. وإن البحث عن جوانب الضعف والثغرات في الكيان الإسرائيلي سيكشف عن بنية مليئة بالثغرات، وهي أقرب إلى الانهيار والزوال والفناء منها إلى التمدد والنفوذ والبقاء.

17/ إن التجارب العربية الثلاث الأبرز في معترك المسألة الإسرائيلية تُعدّ معتبرة في النظر إلى المنطلقات الخاطئة والمآلات الآثمة، وهي: التجربة المصرية، والفلسطينية، والإماراتية.

حيث تتميز التجربة المصرية، على يد الرئيس المصري محمد أنور السادات، بمفارقتها للأمة العربية والإسلامية ومخالفتها للإجماع العربي والإسلامي تجاه المسألة الإسرائيلية، الأمر الذي أضعف مجموع الأمة، وعزل مصر، وأتاح لإسرائيل أن تستفرد بها، حتى فرّغها الذئب الإسرائيلي والكاهن الأمريكي من عناصر القوة والعزة والكرامة، فباتت مصر العظيمة، من الناحية السياسية، في حالة وهنٍ قائم ودائم وانعكس ذلك بضعف مشهود على عموم الحالة العربية.

وأما التجربة الفلسطينية، التي قادها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، فقد وقعت في المسار نفسه الذي خطّه السادات، وبذلك شرّع ياسر عرفات لمسار التطبيع العربي مع إسرائيل، بعد أن كسر معادلة العداء مع الكيان الإسرائيلي، وأعطاه توصيفًا سياسيًا أضفى عليه شرعية فلسطينية، باتت ركيزةً للتطبيع العربي الإسرائيلي الآثم. وقد كوفئ الرئيسان بالقتل والسم، وانتهت مسيرتهما ببصمة عار كبيرة على مصر وفلسطين وواقع جديد باتت تعيشه الشعوب أشد مرارة.

وأما التجربة الإماراتية، على يد ابن زايد، فقد انتقلت إلى مستوى الإجرام الكبير في التعاون المتجرد الوفي والمتبتِّل لمدّ نفوذ إسرائيل، والنيل من كل مكوّن طاهر في الأمة العربية والإسلامية في المشرق والمغرب، وبذل الغالي والنفيس لتحقيق أكبر قدر من هدم الخير لصالح إسرائيل.

إن واجب الحكام الجدد في سوريا الثانية أن يكونوا معتبرين وقارئين بوعي للتجارب العربية الثلاث المخطئة والآثمة في علاقتها مع إسرائيل، وأن يدركوا طبيعة اتفاقياتها التي لا تعترف أصلًا بمرجعية أحكام الشريعة، ولا تعتبر مطلقًا مقتضيات الانتماء إلى الأمة الواحدة. وهي نماذج تؤسس للخطيئة السياسية، وحتى لا تكون سوريا الجديدة هي الغنمة القاصية، فينبغي لها أن تحذر من الذئب، وأن تطرح مقاربات مختلفة من حيث المنطلق، وماهية الطرح، والأدوات الفاعلة فيه.

18/ إن المسألة والمعضلة الإسرائيلية ليست إشكالية جغرافية بقدر ما هي إشكالية سياسية في حقيقتها وجوهرها، وذلك بالنظر إلى أساس الفكرة التي أُنشأ من أجلها المشروع الصهيوني الصليبي الغربي كيان إسرائيل. الأمر الذي يشير إلى وجوب الانتباه والحذر من خدعة الحديث والتناول الجغرافي، والذي استخدمه أنور السادات حين خدع المصريين بالقول إنه من خلال المعاهدة الآثمة مع الإسرائيليين استردّ سيناء، فيما الحقيقة أنه فقد شرف مصر ولم يستردّ الأرض.

وهو بالضبط ما تحقق وحصل مع ياسر عرفات، حين سوّغ كبيرته السياسية عبر اتفاقية أوسلو مع الإسرائيليين، برعاية الكاهن الأمريكي المهيمن، وطرح المسألة من زاوية جغرافية، بين مناطق «أ» و«ب» و«ج» و«د». ولم يستردّ منها شيئًا، بل هُدمت على رأسه المنطقة «أ»، وفقدت عموم مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة معادلة الأمان النسبي، بعد أن أدخلهما في فك الوحش الإسرائيلي المفترس عبر اتفاقيات أمنية واهمة ومعادلة سياسية آثمة قبل بها الجميع على أرضية التصور الأمريكي الخادع وفي ظلِّ الاحتلال القائم.

وإن ما حصل في مصر وفلسطين على أيدي أنور السادات وياسر عرفات لا يجوز أن يتكرر بأيدي حكام سورية الجدد، ولا أن يسقطوا فيما أراهم الله إياه وتجسّد في واقع عليل عبر عقود وتجرعت الشعوب مآلاته المريرة.

فإياكم يا حكام سورية الجديدة أن تحوّلوا المسألة الإسرائيلية إلى قضية جغرافية وحاشاكم أن تخدعوا الشعوب؛ فعمقها وجوهرها وحقيقتها ومآلاتها سياسية بامتياز.

19/ إن الكيان الإسرائيلي عبارة عن قاعدة عسكرية وسياسية متقدمة للمشروع الصهيوني الصليبي الذي ترأسه وتديره أمريكا المتوحشة؛ الأمر الذي يعني بوضوح أن لإسرائيل قوةً وشوكةً. وأما سورية ما بعد التحرير، فهي بلا قوة ولا شوكة، لا سيما وقد تفانى نظام بشار الأسد المجرم في إتلاف كل زوايا القوة فيها لصالح إسرائيل.

الأمر الذي يوجب على حكام سورية أن يبحثوا عن قوة حقيقية وشوكة. وبالنظر إلى العموم العربي المتشرذم والمستخذي أمام إسرائيل، فإن القوة العسكرية الحقيقية والشوكة السياسية المتبقية هي تركيا.

وأقول بوضوح: إن تركيا من أكبر نعم الله اليوم على التجربة الإسلامية في سورية، رغم كل ملاحظاتنا على الدولة التركية الحديثة، ووعينا لما تعيشه من صراعات حول الهوية، وانتباهنا إلى الوحش العلماني المتموضع في أحشائها.

وعليه، فإن مقارعة سورية الجديدة لإسرائيل بعيدًا عن تركيا مهلكة حتمية، وإن كل استحضار واستصحاب وتحالف مع تركيا في مواجهة إسرائيل يعني صدق الوفاء والانتماء والمسؤولية والجدية.

20/ إن المسألة الإسرائيلية منحةٌ في ثوب محنة، وهي الاختبار الفاصل والأخير الذي يفرز بين الربانيين الجادين الذين يريدون تصحيح أوضاع الأمة وإقامة العدل في الأرض، وبين من يبحثون عن السلطة والمال والنفوذ، فينكسرون في أول الطريق.

إن كل من يملك مشروعًا حقيقيًا يستهدف استرداد الدور الحضاري الريادي للأمة، ويسعى حقيقةً إلى رفع الظلم الواقع عنها، منحازًا إلى عموم شعوب الأمة، ومتحررًا من قيود القطرية الخبيثة والدولة الوطنية اللعينة التي أسسها الغرب للحيلولة دون قيام مشروع إسلامي يعيد للأمة عزتها، -فإن مفهوم الدولة القطرية وطبيعة وماهية الدولة الوطنية قد جُعلت لتحول دون قيام نهضة حقيقية، من خلال إعاقة تحقق شروطها- يمكن أن يستفيد من وجود الكيان الإسرائيلي كنقطة توتر قائمة لتكون مدخلا للتصحيح وحافزا للتغيير ومحرضا على الوحدة.

إن الكيان الإسرائيلي الغاصب منحةٌ للجادين، وفرصة عظيمة يتحقق من خلالها تحشيد مجموع الأمة، وضبط بوصلتها، والتجاوز الحقيقي لحرائقها الصغيرة المفتعلة، لا سيما أن الجغرافيا المذهبية القميئة في عموم بلاد العرب والمسلمين وخصوص الديار الشامية تحدث اليوم تصدعات في أرض الشام المباركة، لم يقوَ أحد، ولا حتى مؤتمر توحيد الخطاب الديني، على معالجتها بشكل ناجع. الأمر الذي يستدعي الانتباه إلى أن من يُحسن التعامل مع المسألة الإسرائيلية سيصنع منها عصًا سحرية تعيد ترميم أوضاع الأمة، رغم أنف الأنظمة الوكيلة القائمة.

وأما من كان يروم السلطان، ويبحث عن نفوذ ومال وسلطة، فإن المسألة الإسرائيلية ستكون الاختبار الأول والفارق الذي سيسقط فيه، بعد أن يبتلع ما النهر الآسن.

لقد برع الكاذبون والمنافقون والمنحرفون والضالون من القوميين والبعثيين والاشتراكيين والشيوعيين والعلمانيين والوطنيين في استخدام المسألة الفلسطينية الإسرائيلية لمد نفوذهم واستغفال قطعان الشعوب غير الواعية؛ فهل ستصحح القيادات السورية الحاكمة، ومجاميع العلماء الربانيين الراشدين، وكوكبة النخب السورية العاملة، المسار الخاطئ منذ قرن، وتعيد توجيه البوصلة نحو مشروع جمعي توحيدي وجماعي في أرض الشام المباركة والخصبة، يدرك ما أدركه عظيم المرحلة السابقة، الشيخ السوري عز الدين القسام، عندما أدرك أن استجلاب اليهود إلى أرض الشام في فلسطين كان مشروعًا غربيًا بريطانيًا يستهدف هتك وتفتيت عموم المنطقة لا خصوص البقعة الفلسطينية المباركة؟

واليوم، فقد أخذت أمريكا وضع ودور القطب الواحد الذي يسوس الدنيا نحو محارق هائلة، وفي ظل الانهيار الأخلاقي والقيمي الذي انكشف في العقود الأخيرة، لا سيما بعد ثورة الإعلام العظيمة، فإن الفرصة عظيمة وكبيرة وواعدة ليعيد المسلمون تصويب المرحلة وتوجيهها نحو ما يرضي الله سبحانه ونحو ما يحقق مصالح العباد ويرسي دعائم العدل وينصف المظلومين ويضرب أيدي الظلمة والمستبدين .. وتلك وراثة النبوة في تجسيد رسالة التوحيد.

الخاتمة

إن سورية الجديدة تقف اليوم على مفترق طرق خطير، ستتسع انفراجه زواياه مع كل وقت يمضي. الأمر الذي يطرح الصورة الحقيقية لمشهد احتراب وتنافس وسباق حقيقي بيننا -كعرب وترك وكرد وأمازيغ مسلمين- وبين الإدارة الأمريكية الظالمة على سورية الجوهرة ما بعد التحرير.

وإذا كانت الإدارة الأمريكية تريد أن تجرّ سورية الحرة، من خلال إسرائيل المتوحشة، إلى الخضوع للمنظومة السياسية الأمريكية في المنطقة لتكون كالركب العربي الرسمي المستخذي والوضيع والوكيل، فإن واجب المسلمين أن يقفوا جميعًا خلف الدولة السورية وأن يكونوا إلى جانب حكامها الجدد ناصحين مسددين ومؤيدين ومناصرين لكل خطوة في الاتجاه الصحيح تزيد سورية قوة ومنعة ووقاية، وأن يزرعوا مكوناتهم وشبابهم وأطرهم وقواهم وطاقاتهم في كل الميادين على أرض الشام الأبية، لنصنع سويًا سورية الجديدة، لا سيما وهي تحاول وتسعى للانعتاق بشكل تدريجي وتراكمي من هيمنة الطغاة الدوليين.

وفي ذلك عصمة تلقائية سترثها الحالة المصرية والعراقية ثم الخليجية، بشرط أن تعي مركزية الحالة التركية الراهنة -ولا تقبل سعي الشياطين بالانفصال عنها بذريعة غير وجيهة ولا مسؤولة ولا واعية بحجم تحدياتها والمخاطر-، وبشرط أن تنحاز إلى الإرادة الشعبية، وأن تناقش قضاياها المفصلية بمرجعية حقيقية تعتبر الوحي وأحكام الشريعة، وبشرط أن تعطي العلماء قيمتهم ومكانتهم الحقيقية لتكون لهم صلاحيات نافذةً في التفكير والتقدير والتقرير وليست صورة شكلية جوفاء تجمِّل الخيارات الخائبة وتعمي أبصار المؤمنين عن الحقائق.

إن المسألة السورية الإسرائيلية تحدٍّ مفروض، يوجب على كل مسلم منتمٍ للمشروع الإسلامي أن يقف مع الدولة السورية الجديدة حماية وتقوية وتسديدا لها فهنيئا للمسددين.

مضر أبو الهيجاء، بلاد الشام المباركة 24/8/2026

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

الشام الواعدة أمام اختبار اجتياز نهر طالوت إضاءات منهجية سننية في مسار التغيير

الشام الواعدة أمام اختبار اجتياز نهر طالوت
إضاءات منهجية سننية في مسار التغيير
 


تكرم الله بفضله ولطفه على أهل الشام بنعمة التحرير العظيمة، بعد أن بذل علماؤها الأبرار ومجاهدوها الأحرار وشعبها الكريم جهودا وجهادا وتضحيات جليلة لم يشهد القرن مثيلها من حيث النوع إلا في فلسطين ومن حيث الكمّ إلا بما يوازي تضحيات مجموع الأمة وشعوبها في القرن الأخير.

وبعد أن قطع مسلمو الشام ثلث الطريق وذاقوا حلاوة النصر -بمعنى التحرير لا التمكين-، فإن أمامهم تحديات حقيقية من نوع مختلف سيفرضها كاهن الغرب الصهيوصليبي -الذي هندس سورية الأولى ويسعى لهندسة الثانية ليمنع أهلها من سورية الجديدة- ستحتل الثلث الثاني من الطريق، ليبقى الثلث الأخير والذي يتشكل مضمونه من خطوات تمكين الدين، لتكون كلمة الله هي العليا بعد أن يعلو سلطان الشريعة وتصطبغ شعب الحياة بأحكام رسالة الإسلام ويكون أهلها بها راضين وبالعروة الوثقى مستمسكين.

سنن الله لن تجامل السوريين وإن كانوا مجاهدين

ما من شك بأن أهل الشام الكرام وعلماءها الأبرار ومجاهديها الأحرار وحكامها المؤقتون والدائمون، وأعضاء مجلسها ومن فيها من أهل الحل والعقد المنتخبون سيخضعون جميعا لسنن الله التي لا مبدل لها، وسيمرّون بصورة الابتلاء والاختبار الكبير الذي خضع له المجاهدون المؤمنون المتقون وهم في طريق الجهاد والتضحية والبذل لقتال الطاغوت جالوت خلف طالوت عليه السلام، فهي مرحلة يخضع لها المؤمنون في كل مكان وزمان، وهي من سنن الله التي لا مبدل لها وكما خضع لها أتباع طالوت من المجاهدين المضحين خلف طالوت والذين كانوا في طريق الجهاد ماضين، سيخضع لها أهل الشام الكرام بعد أن منَّ الله عليهم بنعمة التحرير، ليختبرهم إن كانوا لها مستحقين، فتفارقهم وترحل عنهم -لا قدر الله- أو تثمر فيهم بإذن الله.

 لقد بدأت معركة عموم أمة العرب والمسلمين وخصوص السوريين الكبرى الصعبة والمعقدة على أرض الملاحم في الشام المبارك، والتي لا يقوى عليها إلا من هدى الله عقله وثبت قلبه فاستمسك بالعروة الوثقى وآمن حقا بأن النصر من عند الله وأن الأسباب في الكون جميعها بين يدي الله يحركها كيفما يشاء.

الاستقامة والثبات الوعي والوحدة سر النصر

إن من أكبر مداخل شياطين الإنس من المنافقين والأعداء في اضلالهم وفتنتهم للمؤمنين هو:

1/ خلخلة الإيمان عبر تضخيم الأسباب الأرضية على حساب الحقائق الغيبية ومفردات الإيمان.

2/ تسويغ تجاوز أحكام شريعة الإسلام من خلال طروحات ضلالية ليس لها تأصيل وليس فيها وجاهة شرعية.

3/ زعزعة اليقين عبر إشاعة أنواع وألوان الخوف بين المؤمنين، وهو تماما ما يفعله شياطين الجن، يقول سبحانه ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة:268

بيان الحق وتوصيف الباطل أمارة الهدى أو الزيغ

إن من شروط الاستقامة والثبات في مسار التمكين هو بيان الحق والابتعاد عن إضعاف صورته وحقائقه وأحكامه، لاسيما وأصل الهدف من الخليقة هو عبادة الله، وأصل الهدف من بعثة الرسل والأنبياء هو بيان الحق للناس في ظل شيوع فلسفات الكفر وفي ظل هيمنة مشاريع الباطل وسيادة الطواغيت في الأرض.

وإذا كان بيان الحق شرط الاستقامة الأول فإن الثبات لا يكتمل إلا بتحقق الشرط الثاني وهو توصيف الباطل على حقيقته دون التجميل والمخادعة الذي وقع فيه بنو إسرائيل فاستحقوا اللعنة من الله فأضلهم وأعمى أبصارهم حتى دخلوا في التيه والشقاء.

إن إثبات الألوهية لله وحده لا يكتمل دون شرط نفيه عمن سواه، ولذلك فقد ابتدأت الشهادتين بكلمة لا إله قبل أن تثبت الوحدانية بكلمة إلا الله، الأمر الذي يجعل من كمال وسوية واستقامة التجربة الإسلامية الواعدة في الشام توصيف المشاريع المعادية والحكم على الفلسفات والمقولات الكفرية بالتوازي مع وجوب بيان الحق والإشارة للصواب الذي يرضي الله سبحانه وتعالى والذي يحقق مصالح الناس بعمارة الأرض كما أوجبه الله على المؤمنين.

المشاريع الثلاثة في مواجهة النهضة الإسلامية في الشام

ثلاثة مشاريع متوحشة تتسابق في منع النهضة الإسلامية الواعدة في الشام المباركة، وهو سر التلاقي والتعاون والتخادم فيما بينها حيث تدرك جميعها بأن نهضة الشام -بعد انعتاقها من الهيمنة الغربية وامتلاكها الإرادة السياسية المستقلة- لن تصطبغ جميع مناحيها إلا بحقيقة هوية أهلها الذين يرومون إقامة العدل في الأرض بعد عودة دين الله ممكَّنا كما كان.

فما هي المشاريع الثلاثة التي تهدد التجربة الإسلامية في الشام؟

1/ المشروع الأمريكي الصهيوني.

2/ المشروع العلماني السنّي.

3/ المشروع الطائفي العرقي.

إن أكبر أشكال التهديد التي تواجه تمكين الإسلام في الشام هو المشروع الأمريكي الصهيوني ثم المشروع العلماني السني ثم مشروع ملالي إيران الطائفي والعرقي.

مسيرة التحرير والتغيير والتمكين في الشام

من نعم الله العظيمة أن شفى صدور قوم مؤمنين في عموم أهل الشام الكرام بعد أن هدم الثوار المنظومة الأسدية الأمنية عبر أنهار من الدماء الزكية، ودك حصونها المجاهدون وكسروا رأس الطاغوت، وهو الجانب الابتدائي الحقيقي الذي تحقق في معادلة التحرير، غير أن معادلة التحرير لن تكتمل حتى تنعتق سوريا سياسيا من الهيمنة الغربية التي ترأسها وتديرها أمريكا الصهيونية، الأمر الذي يعني أن مسيرة الدعوة والبناء والجهاد قائمة ودائمة، حتى لو أخذت أشكالا جديدة ومغايرة لا سيما بعد أن استرد المسلمون في الشام دولتهم المختطفة، والتي لم تخرج من أيديهم عبر تاريخ الإسلام الممتد إلا بفعل المشروع الغربي الصهيوني الذي وضعها ردحا من الزمن في أيدي أوليائه الطائفيين والعصبة الأسدية المجرمة، والتي أفل حاضرها وانتهى مستقبلها بفضل من الله.

المشروعان الأمريكي والعلماني بين ضرورة التوصيف وحتمية التعامل!

لم يعد الحديث بمستواه العالي وكمِّه الكبير حول المشروع الإيراني الطائفي بنفس مستوى الضرورة الملحة السابقة لاسيما وقد انكشف عواره بفضل دماء المجاهدين في العراق ثم في الشام، كما سقطت أسطورة العلاقة بين النظام الإيراني وفلسطين بشكل فاضح وكبير بعد معركة 7 أكتوبر وسقوط إيران الأخلاقي المكشوف في غزة بعد الطوفان.

إن الذي يحدد مستوى وشكل وضرورة الحديث عن المشاريع هو حجم المخاطر التي تهدد الأمة وثقافتها وشعوبها وحاضرها ومستقبلها.

وإن الخطر الذي يهدد مسار النهضة الإسلامية في الشام ويمنع عودتها للريادة هو المشروع الأمريكي الصهيوني الذي استخدم ولا يزال المشروع الإيراني الطائفي في التدمير.

 كما أن ما يمنع وسيمنع ويعوِّق تمكين الإسلام في أرض الشام هو المشروع العلماني والذي يمكن وصفه مجازا بالمشروع العلماني السنّي نتيجة التوصيف غير الموضوعي ولا العلمي السائد في سورية الجديدة والذي يصف أهلها بالأمويين! الأمر الذي يشكل هوية عصبوية مغشوشة وزائفة يستوي فيها المجاهدون السنة مع المهرجين والرقاصين السنة أيضا، حيث تجمعهم عناوين ضبابية خالية من المضمون الذي يعبر عن الهوية الحقيقية القائمة على التوحيد والتي تعتبر مرجعيتها الأساسية أحكام الدين.

وجوب توصيف المشاريع ومسؤولية التفريق بين التعامل والتعاون مع الأعداء.

بلا شك إن الحالة الإسلامية في سورية شائكة ومعقدة حيث يتداخل الصالح بالطالح في إطار الدولة الوطنية كما تتداخل المصالح العربية والإسلامية بالتوجهات الإقليمية والدولية في ظل فوارق مهولة في موازين القوة المادية الاقتصادية العسكرية والسياسية لصالح المشاريع المعادية والمؤثرة في المنطقة، الأمر الذي يجعل التداخل مع تلك المشاريع حتمي تلجئ إليه ظروف الواقع الموضوعي.

وفي ظل هذا التشابك بين المفردات المتناقضة كيف يمكن الاستقامة على الصراط المستقيم لاستكمال البناء التراكمي في الاتجاه الذي يحقق معنى التمكين ويسترد كرامة الأمة؟

لا شك بأن حجم الأصول المبثوثة في فقه السياسة الشرعية كفيلة بتقويم المسار وضبط مصالحه المرسلة والتمييز بين المصالح الراجحة والمرجوحة والمتوهمة، وهي ماده تشكل مرجعية لا يحيط بها إلا العلماء ولا يلتزم بها ويبحث عنها إلا من يروم وجه الله وتحقيق معنى العبودية لله في شؤون الحياة، وعدم حصرها في الطقوس الشكلية التعبدية، وهو جوهر المشروع الإسلامي في الأرض.

لقد تحدث القرآن بوضوح عن الخمر والميسر وأشار إلى منافعهما غير أنه قرر حكما مفصليا في أن شرورهما أكثر من منافعهما الأمر الذي استوجب تحريمهما رغم إثبات منافعهما المشهودة.

منهج التدرج القرآني

كما تدرج القرآن في تحريم الخمر ليصل الى تحقيق الحكم المطلوب واقعا عمليا ولكنه في كل مراحل التدرج لم يغير وصفه الذي يطابق جوهره، ومن هنا فإن توصيف المشاريع المعادية التي يضطر البعض للتعامل معها بحكم الواقع الموضوعي يجب أن يكون واضحا جليا ليس فيه تلبيس على المؤمنين ولا غش لهم، لا سيما وأصل رسالة الأنبياء هي تبيين الحق للناس وليس خداعهم وتزييف الحقائق أمامهم.

التعاون والتعامل

إن التعامل مع المشاريع المؤثرة في المنطقة غير التعاون معها، فالتعامل الذي يلجئنا إليه واقع الحال ورعاية مصالح العباد في المعاش لا يعني أبدا التعاون معها بالشكل الذي يطعن ويفسد المعاد.

فإذا كان الواقع يقر بضرورة التعامل مع المشروع الأمريكي المهيمن في المنطقة وذراعه التنفيذي الحقير المسمى الكيان الإسرائيلي والمشروع الإيراني المتخادم معهما والنظام العربي الرسمي المستخذي لأمريكا فإن الضرورة تقدر بقدرها في السياق الذي يحقق مصالح الناس ويرفع عنهم الحرج دون أن يطعن في ثوابت دينهم وهويتهم الثقافية ودون أن يمس كراماتهم، وهي العناصر التي دفعت الشعوب للثورة والجهاد والتضحية.

نواة الكتلة الحرجة.. هم العلماء

لا شك بأن حجم الضغوط التي تتعرض لها سورية اليوم ليست بأقل من الضغوط التي تعرضت لها فلسطين ومصر وتركيا، وإذا كان الفشل من نصيب مصر والإخفاق من نصيب فلسطين والاضطراب والضعف من نصيب تركيا فإن مجموع هذا محتمل في سورية اذا لم تبنى أسوار عديدة تحصن تجربة النهضة ومحاولة الانتعتاق في سورية الجديدة.

إن آفاق وقدرات الحكومة السورية الحالية محدودة ومقيدة بشكل مشهود موضوعي ومعقول، وذلك نتيجة توازنات مقروءة، الأمر الذي يشير إلى حقيقة مقلقة وهي إمكانية الانتكاسة -لا سمح الله- في تجربة إسلامية عظيمة قدمت تضحيات جليلة، وهو ما يدعو للاستعجال في بناء الكتلة الحرجة التي تحمل المشروع وتحميه.

والسؤال حول الكتلة الحرجة يذهب بالجادين للبحث عن نواتها ومحل اشعاعها وهم العلماء الربانيون والنخب المنتمية.

العلماء بين الاستقلالية والفاعلية

إن المقصود الأساس بالكتلة الحرجة هي الكتلة المجتمعية التي لا تقوى على مواجهتها المشاريع المعادية، بخلاف الحكومات التي يمكن إزالتها أو استبدالها أو استهدافها، كما قوة الجيوش التي يمكن تفكيكها أو سحقها في سياق موازين القوة المتباينة لصالح العدو، والذي أثبت قدرته على إفشال وهدم مشاريع عربية وإسلامية من خلال القوة المفرطة وفائض القوة الذي يمتلكه وهو ما حصل في فلسطين المباركة.

إن من دلائل الوعي والجدية والمسؤولية البحث عن بناء عناصر ومكونات قادرة على مواجهة المشاريع المعادية التي لن تتوقف ولن تكلّ ولن تملّ عن محاولة تفكيك البنى العربية والإسلامية وإفشال مشاريع النهضة الواعدة وتمزيق هوية الأمة وثقافتها الواحدة.

الشرائح المجتمعية هي المادة الخام للكتلة الحرجة

وإذا كانت الشرائح المجتمعية هي المادة الخام التي تتكون منها الكتلة الحرجة القادرة على حمل المشروع النهضوي وحمايته فإن العلماء الربانيين والنخب المنتمية هم نواة هذا المكون وروّاده وموجهوه، ومن هنا فإن نواة الكتلة الحرجة هم العلماء.

استقلالية العلماء دليل السوية وسرُّ الفاعلية

مهما قدمت الحكومات لشعوبها من خدمات فإنها ستظل في موقع الاتهام والمساءلة، لا سيما وأن دورها الأساس هو خدمة الشعب، الأمر الذي يصنع فجوة طبيعية بينهما، وبقدر ما تجسر الهوة بين الشعوب والحكومات بقدر ما تتحقق القوة والمنعة للدولة، وعلى العكس تماما فبقدر ما تتوسع الفجوة بين الشعوب والحكومات بقدر ما يحلُّ الضعف في الدولة وترتهن الحكومات للخارج بعد أن ينفذ الخصوم من تلك الفجوة.

إن دور العلماء أساسي في جسر الهوة بين الشعوب والحكومات السوية، الأمر الذي يحفظ الدولة ويعزز بقاءها من خلال وقوف الجميع خلفها، وهو أمر يشير إلى طبيعة العلاقة النزيهة التي تقوم بين الشرائح المجتمعية وبين النخب المنتمية والعلماء الربانيين، ومن هنا فإن شرط استقلالية العلماء عن الحكومات ومؤسساتهم الرسمية لازم لتحقيق الفاعلية العملية في قيادة وتحشيد الجماهير في الاتجاه الصواب.

كما أن قوامة العلماء وما ينتج عنهم من مواقف ومقاربات تزداد نزاهتها وسويتها من خلال امتلاكهم للإرادة الحرة في التفكير والتقرير، وهو ما لا يتحقق بالمطلق عندما يرتبط معاش العلماء وحياتهم ومصالحهم بالحكومات المرحلية.

إن تشكيل الإطار العلمائي النخبوي الواسع والجامع الذي يتصف بالاستقامة والفهم والموقف الشجاع لازم لصناعة صمام أمان في قيادة الشعوب ومنعها من الافتتان والغوغائية، كما أنه لازم لتعزيز الهوية الجامعة بعيدا عن قرارات الحكومات المتقلبة والمتحولة بحكم الضغوطات.

تكامل الأدوار بين العلماء والحكام سرُّ النجاح في الاختبار

إن التجربة الإسلامية الواعدة في أرض الشام المباركة اليوم تقف أمام نهر طالوت وأمام اختبار الاجتياز الصعب، وهو اجتياز ونجاح لن يتحقق إلا بتكامل بين دور العلماء الربانيين ودور الحكام المنتمين.

وإذا كان دور الحكام هو مقارعة السياسات والتعامل مع الخصوم والمشاريع المعادية بشكل يحتمه واقع الحال، فإن دور العلماء هو البيان والتوضيح للحق والباطل والتمييز بين خير الخيرين وأقل الشرين في معادلات صعبة ومعقده لا يمكن تجاوزها والقفز عنها بعد تولي الثوار لمهام السلطان.

وبقدر ما يجب على العلماء من بذل جهد في تعزيز الدولة ومؤسساتها والحفاظ عليها وتنميه قدراتها، بقدر ما يجب على الحكام أن يحرصوا على استقلالية العلماء ووضع الامكانيات والوسائل التي تعينهم على ذلك لتكون مقارباتهم نزيهة في التفكير وسوية في التقرير تبحث عن تحقيق مصالح الناس وتبتعد وتحذر من كل السياسات والمقاربات التي تتصادم مع أحكام الشريعة.

وأمام المنعرجات الخطيرة والتحديات القادمة فإنه تتحقق قوة ومنعة للحكومات إلا من خلال تحشيد العلماء للشرائح المجتمعية التي تتشكل وتتأطر في سياق ذاتي تراكمي سوي المنطلقات والأهداف.

مضر أبو الهيجاء، بلاد الشام المباركة 8/8/20026