الأربعاء، 5 أغسطس 2020

لماذا يكرهوننا ؟

لماذا يكرهوننا ؟
أ. د. زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية

أبدأ بتوضيح أن العنوان ليس من ابتكاري وإنما هو سؤال لأحد القراء، في تعليقه على آخر مقال كتبته حول مسجد آيا صوفيا، ردا علي السفير الفخري لبلجيكا. وعلي الرغم من أن السؤال مجرد كلمتين، إلا أنه بحاجة إلى كتاب على الأقل لأفيه حقه وأوضّح مختلف جوانبه باختصار.. فأرجو ألا يلومني على التقصير.



هناك حقائق باتت من الأبجديات في مجال المعلومات العامة، خاصة فيما يتعلق باليهودية والمسيحية والإسلام. فيمكن أن نوجز: اليهودية والمسيحية حادتا عن رسالة التوحيد بالله، وأنزل الله سبحانه وتعالي الإسلام مصوّبا للتحريفات التي تمت. فاليهود عادوا للعجل وقتل الأنبياء، والمسيحيين غاصوا في الشرك بالله بتأليه السيد المسيح واختلاق الثالوث وجعل الله واحدا من الثلاثة، وكلاهما اعتمد على تبديل وتغيير النصوص..

ومن هنا، فالصهاينة لا حق لهم في الأرض التي اغتصبوها: لا حق ديني ولا جغرافي ولا تاريخي. لأن الرومان حينما غزوا فلسطين سنة 70 هدموا المعبد وبه التوراة وطردوا جميع اليهود. وقد أعاد اليهود كتابة التوراة من الذاكرة بعد سبعة قرون.. فمَن اغتصبوا أرض فلسطين هم أبناء الخزر في الغرب، أي إن المغتصبين لا علاقة لهم بأرض فلسطين. واللعبة الحديثة بكلها تمت للمعاونة على إيجاد كيان لهم لتغيير خارطة الشرق الأوسط، والتضافر مع الفاتيكان لمحاربة الإسلام. وأبسط مرجع يمكن قراءته رسالة جامعية للأب لاندوزي بعنوان: "هبة أرض فلسطين". "Le don de la Terre de Palestine". وقد اعترف الفاتيكان بهذا الكيان بعد فرضه بعدة أعوام، ظنا منه أنه سيأخذهم في ركابه، لكن هيهات.. وقد تناولت ذلك في كتاب "المساومة الكبرى"..

أما المسيحية، فثابت أنه تم نسجها عبر المجامع على مر العصور، بين معارك وحروب دامية حتى انقسمت الي 350 كنيسة منشقة عقائديا. والأصول الأولي للمسيحية باللغة اليونانية، التي لا علاقة لها لا بيسوع، اليهودي الأصل، ولا بحوارييه. وكانت المسيحية تحارب حتى آخر القرن الرابع الميلادي، عندما فرضها الإمبراطور قسطنطين ديانة رسمية لإمبراطوريته. ولا يهدأ الصراع بينهم إلا حين يتعلق الأمر بالمساس بالإسلام فيتضافروا.. وقد قرر مجمع الفاتيكان الثاني، سنة 1965، تنصير العالم، كما قرر توحيد كل هذه الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما، وهو قرار لا نقاش ولا رجعة فيه. ومن أهم الأدلة على تعديل وتبديل نص الأناجيل هي المقدمة التي كتبها القديس جيروم في القرن الرابع، وقيامه بتنفيذ قرار البابا داماز الذي طلب منه ضم حوالي خمسين انجيلا مختلفا كانت منتشرة آنذاك، في كتاب واحد، هو الكتاب المقدس الحالي..

أما الإسلام، فقد أنزله الله ليعيد الانحرافات السابقة الي رسالة التوحيد. فما من إنسان يجهل إن القرآن الكريم أنزله المولي عز وجل، وثلثه تقريبا عبارة عن آيات لا تدين الشرك بالله فحسب وإنما توضح بالتفصيل مختلف أنواع الشرك بالله وعمليات التحريف والتبديل والتغيير التي قاموا بها. والفاتيكان لديه نسخة من أقدم نسخ القرآن، وإن كان قد وجد بها كلمة واحدة مختلفة لهللوا وما سكتوا.. وأكبر دليل يدينهم قبل إدانة القرآن لهم ما قام به القديس جيروم في القرن الرابع كما رأينا بعاليه. 
وفيما يلي بعضا من آيات القرآن وكشفها لعمليات التحريف وخلط الحقائق:
-{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(42 البقرة)
- {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} (79 البقرة)
- {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} {159 البقرة}
- {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} (176 لبقرة)
- {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (65 آل عمران)
- {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (71 آل عمران)
- {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} (98 آل عمران)
- {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (99 آل عمران)
- {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} (21 الأنعام)
- {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (32 التوبة).
ورغم كل ما بالقرآن الكريم من اتهامات وكشف لمختلف أنواع التحريف، إلا أن سورة الإخلاص تعد أهم سورة كاملة شاملة، في كلمات معدودة، تفند خلاصة ما تقوم عليه المسيحية.

ولا تتوقف آيات القرآن على إدانة مختلف أنواع التحريف والتغيير والتبديل فحسب وإنما تدين صراحة تأليه السيد المسيح بوضوح كما تدين الشرك بالله:
- {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} (72 المائدة)؛
- {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (73 المائدة)؛

كما برأ القرآن الكريم السيدة مريم من تهمة اليهود لها بأنها حملت من جندي روماني اسمه بانتيرا، وأنها كانت حامل منه حين خطبها يوسف النجار، وهو وارد بأحد الأناجيل المعتمدة. فرد الله اعتبارها بنفي التهمة عنها، واتهم اليهود بالكفر وبرأها:
- {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} ( 156 النساء)؛
وتكفيهم هذه الآية ليكفوا عن محاربة الإسلام، فما بالنا بسورة كاملة مكونة من سبع صفحات وأربعة أسطر، هي "سورة مريم"، التي لا مثيل لها تكريما لمريم في الأناجيل. بل ما ورد عنها جد هزيل مهين، لا يتعدى جملتين ثلاثة.

كما يفند القرآن عملية قتل المسيح وصلبه:
- {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} (157 النساء).

وحين يؤكد رب العزة "يقينا" أنهم لم يقتلوا المسيح، فذلك يعني أنه لم يُقتل ولم يُصلب وإنما هي فرية من الفريات التي تغص بها الأناجيل الأربعة الرسمية، وتكشف كيف كانوا ينقلون من كل ديانة أو عقيدة منتشرة لتسهيل قبول أتباعها للمسيحية. بل إن العديد من الأناجيل المحجبة أو التي لا يمكن أن يطلع عليها أحد تتضمن حقائق تم الكشف عنها بعد قيام بعض العلماء بنشر بعضها، ومنها أنجيل توما، وفيليب، ومريم المجدلية الذي يكشف أنها كانت زوجة السيد المسيح.

وما أكثر الموضوعات والوقائع والأحداث التاريخية، المعروفة أو تلك التي يتم التعتيم عليها والتي يمكن إضافتها لتوضيح لماذا يكرهوننا، ولماذا بعد كل الحروب التي امتدت ضد المسلمين، من القرن الثامن ولم تتوقف، قرر مجمع الفاتيكان الثاني (1965) تنصير العالم واعتبره قرار لا نقاش ولا رجعة فيه.. فالكراهية هنا مزدوجة الطابع: لأنها تدينهم من جهة، وتفضح صغَر موقفهم الإنساني، حتى أمام ضمائرهم، الأمر الذي يصعب التعتيم عليه.. ومن ناحية أخري لأننا نتمسك بما أتي به القرآن بكل إيمان راسخ وإعزاز.. فالمشكلة تكمن في ان كل هذه الانتقادات الإلهية، التي أتي بها القرآن، ثابتة عليهم بنصوصهم وتاريخهم الذي كشفه العديد من علمائهم، وثابتة عليهم بما يتم فيها من تغيير وتبديل في أساس دينهم حتى يومنا هذا، وهو ما لا يمكن تخطيه أو التحايل عليه:

ولا نذكر منه إلا واقعة تبرئة اليهود من دم المسيح. 
فبعد ان ظلت الكنيسة تلعنهم بالنصوص وبالقرارات البابوية وخطبهم الرسولية التي تدينهم، إذ يعتبرون هذه الخطب على نفس مستوى نصوص الأناجيل، وذلك لمدة ألفي عام تقريبا، إذا بهم يكتشفون فجأة أن اليهود أبرياء من قتل المسيح، وقاموا بفرض هذه التهمة على كافة المسيحيين!! علي الرغم من أن المسيحية لم تكن قد اختُرعت بعد أيام محاكمة يسوع وصلبه كما يقولون..

زينب عب العزيز
1 أغسطس 2020


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق