الثلاثاء، 11 أغسطس 2020

نظرات وعبرات كورونا.. طبول الحرب تقرع من جديد



نظرات وعبرات 

كورونا.. طبول الحرب تقرع من جديد



تصريحات مرعبة

ارتفاع عدد الوفيات من جديد الشهر الماضي بزيادة حوالي ٣٠ ألف حالة وفاة عن يونيو/حزيران وحوالي ١٥ ألف حالة وفاة عن مايو/أيار، فتح شهية المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، لقرع طبول الحرب ضد كورونا من جديد نهاية الشهر الماضي.
ولكنه هذه المرة، لم يكتف بتحذير دول العالم من مغبة الإسراع في إعادة الحياة إلى ما قبل كورونا، ومطالبتها بزيادة التشديد في الإجراءات التي تحول دون انفجار جديد في عدد الإصابات والوفيات، بل أعلن وبشكل مرعب أن "جائحة كورونا أزمة صحية تحدث مرة كل قرن، وتبعاتها ستستمر لعقود قادمة"، و"أن الأسوأ لم يأت بعد، وأن الإصابات ستزيد في حال تسرّعت الدول في رفع القيود ولم تتخذ السياسات المناسبة".

تصريحات المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الأخيرة حول فيروس كوفيد-١٩ تدعو العالم إلى أن يتهيأ لدخول مرحلة جديدة يعاد فيها تشكيل حياة البشر وأنظمتها وتشريعاتها وسلوكياتها وعاداتها وعلاقاتها في شتى المجالات، بما يساعد على التقليل من تداعيات الفيروس، وليس بما يساعد على القضاء عليه والتخلص منه.

لم يكن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية أكثر وضوحا وصراحة من هذه المرة، في الإفصاح عما يشبه النية المبيتة لإشغال العالم بفيروس كوفيد-١٩ لعقود قادمة، وليس أي فيروس، إنه الفيروس الذي أمعنوا في تصويره على أنه المميت والمرعب الذي ينتظر ضحاياه في كل مكان، وفي كل حين. وهذا يعني أن على العالم أن يتهيأ لدخول مرحلة جديدة يعاد فيها تشكيل حياة البشر وأنظمتها وتشريعاتها وسلوكياتها وعاداتها وعلاقاتها في شتى المجالات، بما يساعد على التقليل من تداعيات هذا الفيروس، وليس بما يساعد على القضاء عليه والتخلص منه.

وقد شرع المدير العام للمنظمة في قرع طبول الحرب ضد كورونا بشكل متصاعد، منذ إعلانه جائحة عالمية، وبرز ذلك واضحا في قمة الدول الـ٢٠ الكبرى الاستثنائية المنعقدة عبر الإنترنت برئاسة السعودية في ٢٦ مارس/آذار الماضي، حين خاطب القمة بلغة تثير الفزع الشديد، حتى قبل أن تتوفر المعلومات الكافية عن الفيروس.
فذكر أن أول ١٠٠ ألف إصابة كانت في ٦٧ يوما، وأن ثاني ١٠٠ ألف إصابة كانت في ١١ يوماً، وثالث ١٠٠ ألف إصابة حدثت في ٤ أيام، ورابع ١٠٠ ألف إصابة تمت في يومين. وحث غيبريسوس دول القمة على محاربة الفيروس "بلا هوادة ولا أعذار"، وترددت في كلمته مفردات تستحضر أجواء الحرب، من قبيل "المعركة، التوحد، التضامن، إشعال، حماية، الخطر، التمويل، سد الثغرات…".
وبالتزامن مع هذه التصريحات المرعبة للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، أطلقت المتحدثة باسم المنظمة مارغريت هاريس في المؤتمر الصحفي الأسبوعي في جنيف في ٢٨ من الشهر الماضي، جملة من التصريحات لا تقل إثارة للرعب والفزع عن تصريحات المدير العام للمنظمة.

فذكرت أن فيروس كوفيد-١٩ ليس موسميا ولا يحدث على شكل موجات، وإنما هي موجة كبيرة واحدة متواصلة ترتفع وتنخفض قليلا ثم تعاود الارتفاع، وأن الفيروس يحب جميع الظروف المناخية الحارة والباردة، على عكس الإنفلونزا.
وقالت "إن هذا الفيروس يتعرف علينا كما نتعرف عليه"، وإن "ما يحبه بشكل خاص هو القفز من شخص إلى آخر عندما نكون على اتصال وثيق، لذلك دعونا لا نعطيه هذه الفرصة"، وشددت على أن مكافحة كوفيد-١٩ تحتاج إلى المحافظة على التباعد الاجتماعي، وغسل اليدين، وعزل المصاب، وارتداء الكمامة، وضمان تغطية الفم أثناء السعال، والبقاء في المنزل عند ظهور أي أعراض للمرض.

الأرقام التي تنشرها منظمة الصحة العالمية حول عدد الإصابات والوفيات التي تسبب بها كوفيد-١٩، هي أرقام تقريبية غير نهائية، وتتأثر بالعديد من العوامل الداخلية السياسية والاقتصادية لدى الكثير من الدول، ومن الخطأ الكبير الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات صعبة ذات تداعيات كبيرة في شتى المجالات وعلى كافة المستويات.
 وقفات إجبارية
تثير هذه التصريحات جملة من النقاط والظواهر التي غلبت على أداء منظمة الصحة العالمية منذ بداية إعلان جائحة كورونا في فبراير/شباط الماضي، هذه التصريحات لا ينبغي تجاهلها أو القفز عنها، بل يجب على الدول الأعضاء والمختصين الوقوف عندها وقوفاً إجبارياً للتدقيق في منهجية إدارة المنظمة لأزمة الجائحة، والتأكد من أنها تسير في الاتجاه الصحيح، وفي مقدمة هذه الوقفات:

المبالغة في التحذير والتخويف:
ما علاقة جائحة كوفيد-١٩ بجائحة الإنفلونزا الإسبانية التي أصابت العالم قبل ١٠٠ عام وراح ضحيتها عشرات الملايين؟ على أي أساس يقرر المدير العام للمنظمة أن الجائحة تتكرر كل ١٠٠ عام؟
لقد سبق أن أعلنت منظمة الصحة العالمية عام ٢٠٠٩ اكتشاف فيروس جديد من فيروسات الإنفلونزا في المكسيك هو إتش١ إن١ (H1N1)، الذي تسبب في وفاة ما يزيد على ٢٠٠ ألف شخص، وأعلنت المنظمة في بداية الأمر اعتبار الفيروس جائحة عالمية، ولكنها ما لبثت أن تراجعت عن ذلك بعد بضعة أسابيع، وتم التعامل مع الفيروس وإنتاج لقاح مضاد له. فهل كانت المنظمة تحضّر لإعلان الجائحة منذ وقت مبكر، وتنتظر الفرصة والسياق الأكثر ملائمة وإقناعاً؟
غياب السند العلمي للتصريحات:
مثلما قررت منظمة الصحة العالمية مبكراً وقبل استكمال المعلومات، أن هذا الفيروس جائحة عالمية، تعلن من المنطلق نفسه، ودون أي سند علمي، أن تداعيات هذه الجائحة ستستمر لعقود طويلة قادمة، مما يشير إلى أن هذا الأمر قد تم الترتيب له، وأن هناك تغييرات كثيرة جداً سيشهدها العالم في هذه العقود، سياسية واقتصادية واجتماعية وتقنية وأمنية وقانونية وحقوقية.
ولو أننا تابعنا تطبيق المتوالية العددية التي استشهد بها المدير العام للمنظمة في قمة الدول الـ٢٠، لوجدنا جميع سكان العالم قد أصيب كل واحد منهم بالفيروس ١٠ مرات على الأقل حتى الآن، ولوجدنا جثث الموتى مكدسة في المدن والأرياف والبوادي لا تجد من يدفنها.
الاستعجال في تقديم النتائج
ما زال الوقت مبكراً لتقديم الأرقام الحقيقية للإصابات والوفيات الناجمة عن الفيروس، والتي تجمعها المنظمة وتنشرها كما هي حسبما بلغها من مكاتبها في الدول الأعضاء، أن حساب عدد الإصابات والوفيات عملية معقدة للغاية، فحتى الآن يوجد نسبة خطأ عالية في تشخيص الإصابة بالفيروس، تصل في بعض الدراسات إلى ٣٠٪.
أما من جهة الوفيات، فإن من الصعب كذلك تحديد سبب الوفاة والقطع بأنه كوفيد-١٩، لأنه يتداخل مع أعراض الإنفلونزا من جهة، ومع الأمراض التنفسية المزمنة من جهة ثانية، وخاصة لدى من هم فوق ٦٥ عاماً ممن يشكلون حوالي ٨٥٪ من عدد الوفيات، وبالتالي فإن الأرقام التي تنشرها منظمة الصحة العالمية حول عدد الإصابات والوفيات التي تسبب بها كوفيد-١٩، هي أرقام تقريبية غير نهائية.
وتتأثر هذه الأرقام بالعديد من العوامل الداخلية السياسية والاقتصادية لدى الكثير من الدول، ومن الخطأ الكبير الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات صعبة ذات تداعيات كبيرة في شتى المجالات وعلى كافة المستويات، ويكفي أن نضرب مثالاً بتقديرات المنظمة لعدد حالات الوفاة التي يتسبب بها فيروس الإنفلونزا سنوياً، والتي تتراوح بين ٢٩٠ ألفاً و٦٥٠ ألفاً، فالمسافة بين الرقمين أكثر من الضعف.
كما أن المنظمة لم تقدم حتى الآن أي تفسيرات علمية توضح حقيقة ماذا يحدث، ولماذا تتفاوت حدة الفيروس من دولة إلى أخرى؟ ولماذا انحسر في بعضها وما زال مرتفعاً في بعضها الآخر؟ ولماذا عاود الانتشار في بعضها وظل تحت السيطرة في بعضها الآخر؟ ولماذا تأخر اكتشاف لقاح مضاد للفيروس حتى الآن رغم الإمكانات الهائلة والخبرات المتراكمة في هذا المجال؟
المراوغة في إيجاد اللقاح
في أبريل/نيسان الماضي وضعت منظمة الصحة العالمية خطة لمواجهة كوفيد-١٩، وحددت احتياجاتها المالية حتى نهاية العام ٢٠٢٠ بـ ١.٧ مليار دولار، وحتى تاريخ ٢٤ يوليو/تموز تمكنت المنظمة من جمع حوالي نصف المبلغ المطلوب.
هذه الخطة تركز على الإغاثة والإسعاف والتأهيل أكثر مما تركز على إيجاد العلاج الناجع للقضاء على الفيروس، رغم أن المنظمة تملك إمكانات هائلة مالية وعلمية، وعلى صلة وثيقة بشبكة مراكز البحوث والدراسات المتخصصة في الفيروسات واللقاحات حول العالم، الحكومية منها والخاصة.
ولكننا لا نجد حتى الآن أي حراك جدّي بالمستوى نفسه الذي تقوم به المنظمة في مجال إعداد الإرشادات وتوزيع المنشورات وتدريب الفنيين وتأهيل الفرق الطبية وجمع التقارير وإرسال المعينات الوقائية.
وليست المشكلة مشكلة تمويل، فقد تم جمع نحو ٨.٨ مليارات دولار في قمة (جافي) المتخصصة في اللقاح والتحصين، المنعقدة في بروكسل في يونيو/حزيران الماضي، وكان هاجس كورونا هو المسيطر على جميع الدول المشاركة فيها والمتعهدة بهذا المبلغ، ولن يعجز العالم الذي تجاوزت خسائره بسبب الفيروس أكثر من ١٠ تريليونات دولار، عن توفير بضعة مليارات لتسريع عملية التغلب على الفيروس.
تجاهل شديد للأمراض المزمنة الأخرى
يسيطر كوفيد-١٩ على اهتمام منظمة الصحة العالمية بصورة شبه كاملة منذ ظهوره وإعلانه جائحة وحتى الآن، وطيلة هذه الفترة، لا نكاد نجد أي اهتمام استثنائي مماثل من المنظمة بأمراض وفيروسات أعلى مرتبة بكثير من كوفيد-١٩ في تصنيف الخطورة، من حيث عدد الإصابات والوفيات، سواء من الأمراض المعدية أو غير المعدية.
ففي حين أن إجمالي الإصابات والوفيات التي تسبب بها كوفيد-١٩ حتى نهاية يوليو/تموز الماضي -إذا سلمنا بدقة البيانات- بلغ أكثر من ١٧ مليون إصابة وحوالي ٦٦٩ ألف حالة وفاة، فإن عدد إصابات فيروس الإيدز وحده بلغت نهاية ٢٠١٩ حوالي ٣٨ مليون إصابة، وتوفي بسببه في العام نفسه ١.٧ مليون شخص، أي أكثر من ضعف إصابات ووفيات كوفيد-١٩، وأن ٤ أمراض غير معدية هي أمراض القلب والسرطان والجهاز التنفسي والسكري، تتسبب سنوياً في وفاة أكثر من ٣٠ مليون شخص، أي حوالي ٥٤٪ من إجمالي الوفيات في العالم.
لا يكاد العالم يتذكر هذه السنة أن هناك فيروسا موسميا اسمه الإنفلونزا، لطالما أرّقه وأرّق معه منظمة الصحة العالمية، التي رصدت له الموازنات الضخمة، وأسست له المراكز المتخصصة، ووضعت له الإستراتيجيات الشاملة، وآخرها إستراتيجية الإنفلونزا ٢٠١٩-٢٠٣٠، والتي كانت تهدف إلى الحد من الإنفلونزا ومنع انتقالها من الحيوان إلى الإنسان، والاستعداد لمواجهة جائحة الإنفلونزا القادمة.
وبحسب موقع مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها سي دي سي (CDC) الأميركي الحكومي، فإن فيروس الإنفلونزا في الموسم الأخير، في الفترة من ١/١٠/٢٠١٩ إلى ٤/٤/٢٠٢٠ تسبب على مستوى الولايات المتحدة في:
  • ٣٩ مليونا إلى ٥٦ مليون إصابة.
  • ١٨ مليونا إلى ٢٦ مليون زيارة للطبيب.
  • ٤١٠ آلاف إلى ٤٧٠ ألف دخول في المستشفى.
  • ٢٤ ألفا إلى ٦٢ ألف وفاة.
    ومع ذلك لم تجد هذه البيانات الاهتمام اللازم من المنظمة أو الإعلام والسياسيين، وسط هيجان الرعب والفزع الذي تنشره المنظمة يوميا حول كوفيد-١٩.
فما الذي تعرفه منظمة الصحة العالمية عن كوفيد-١٩ ولا يعرفه أعضاؤها؟
أم أن أعضاء المنظمة أو بعضهم مشتركون معها في المسؤولية عن هذه الظواهر؟
ما الذي تعرفه منظمة الصحة العالمية عن كوفيد-١٩ ولا تعرفه أجهزة الإعلام؟
ما الذي تعرفه منظمة الصحة العالمية عن كوفيد-١٩ ولا تعرفه شعوب العالم؟
ما الذي تسعى المنظمة إلى الوصول إليه بواسطة جائحة كوفيد-١٩ (المصطنعة)، وتسوق العالم حثيثا وراءها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق