الثلاثاء، 25 أغسطس 2020

سياسات ممنهجة: تهجير وتشريد المصريين!

سياسات ممنهجة: تهجير وتشريد المصريين!
عامر عبد المنعم 

 لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
تهجير وتشريد المصريين
تشهد القاهرة والمحافظات المصرية حملات إزالة للمنازل و تهجير غير مسبوقة، وتستخدم الدولة قوتها الباطشة لمطاردة المواطنين في بيوتهم وتخييرهم بين دفع غرامات باهظة أو هدمها بمبرر مخالفة قوانين البناء أو بمقتضيات التطوير العمراني لتوسيع الطرق وشق محاور جديدة!

ضحايا هذه الإجراءات القاسية بالملايين في طول البلاد وعرضها، والغريب أنها تأتي في وقت الشدة وانتشار وباء كورونا وكأن السلطة لم تكتف بالمعاناة وتدهور الوضع الاقتصادي للمواطنين فتفرض المزيد من الجباية وتحويل حياة الناس إلى جحيم.

فجأة قررت الحكومة تنفيذ القانون رقم 17 لسنة 2019 الخاص بما يسمى “التصالح في بعض مخالفات البناء وتقنين أوضاعها”، وطالبت الحكومة أصحاب العقارات والوحدات السكنية المخالفة بالتصالح ودفع مبالغ باهظة تتراوح بين 50 و2000 جنيه عن المتر الواحد أو الإزالة والهدم.

أعلنت الحكومة أنها ستهدم كل العقارات المبنية بعد 2017 أيا كان وضعها، وأنها ستقبل التصالح في المخالفات بأثر رجعي حتى عام 2008 وهو العام الذي صدر فيه قانون البناء الموحد رقم 119، بل أعلنت الحكومة أنها ستنظر في المخالفات قبل هذا التاريخ، أي إلى مالا نهاية.

أعطت الحكومة مهلة حتى آخر شهر سبتمبر 2020 لتقديم طلبات التصالح ودفع الرسوم الباهظة للأوراق والمستندات والتقارير الهندسية المطلوبة، واعتبرت السلطة كل السكان ملاك الوحدات في العقارات متهمين وليس فقط الشركات والمقاولين الذين بنوا العقارات!

ينطبق القانون على نسبة كبيرة من السكان في معظم أحياء القاهرة الكبرى وفي كل المحافظات، ومن المعلوم أن الدولة عندما توقفت عن بناء المساكن في أواخر عهد حسني مبارك توسع المقاولون والقطاع الخاص والمواطنون في البناء باتفاقات غير مكتوبة مع المحليات ومجالس المدن.

وتوسعت حركة العمران الأهلي في كل مكان بسبب الزيادة السكانية وتخلي الدولة عن دورها، وتغلب بناة العقارات على تجمد وشلل الحكومة وامتناعها عن إصدار التراخيص بالحصول على موافقات من كل أجهزة الدولة بإتمام البناء، وإدخال كل المرافق والخدمات.

الانقلاب على قطاع العقار الأهلي



تعتبر الحكومة معظم الأبراج في أحياء القاهرة مخالفة، حيث كان المقاولون في البداية يحصلون على رخص بثلاثة أو أربعة طوابق، ثم يرفعون البناء إلى أكثر من عشرة طوابق من خلال علاقاتهم مع موظفي الأحياء، وكانت مهمة موظفي الحكومة في الغالب هي التأكد من سلامة البناء دون الاعتراض.

في المحافظات وأمام الزيادة السكانية وغياب الحكومة والتوقف عن تخطيط مدن جديدة في الظهير الصحراوي ومدّها بالمرافق اتسعت حركة العمران داخل المدن والقرى رأسيا، أي بزيادة عدد الطوابق وارتفاع العقارات.

وفي الريف والقرى، بنى المواطنون لأولادهم بيوتا وضعوا فيها كل مدخراتهم، ومعظمهم تحت خط الفقر بسبب الإجراءات المجحفة للحكومات المتعاقبة، بسبب رفع الدعم عن الفلاحين وارتفاع تكلفة الزراعة؛ ويأتي هذا التمدد السكاني الذي زحف على جانب من الأراضي الزراعية نتيجة طبيعية لثبات حدود الأحيزة العمرانية وغياب الحكومة.

واليوم عندما تتحرك الحكومة ضد ملايين المصريين، فإنه ليس من منطلق التأكد من سلامة العقارات أو منع التعدي على أراضي الدولة أو منع تبوير الأراضي الزراعية، وإنما هدفها الجباية وجمع المال فقط دون أي مراعاة للبعد الإنساني، في ظل التراجع الاقتصادي ومعاناة المواطنين.

والأكثر غرابة هو البدء في عمليات هدم العقارات المكتملة التشطيب، منها المسكونة ومنها قيد الإنشاء، وإهدار المليارات من ثروة المصريين، وانطلقت المعدات الثقيلة لهدم أحياء سكنية دون طرح أي سيناريوهات أخرى.

المبالغة في تجريم المخالفات على النحو الذي يتم تطبيقه سلوك غير دستوري، فالمفروض أن القانون يطبق يوم صدوره، ولا يوجد قانون يطبق بأثر رجعي، كما أن التعامل مع ملاك العقارات والوحدات السكنية على أنهم ارتكبوا جنايات تصرف مجاف للحقيقة، فشراء المواطن وحدة سكنية بعقد صحيح والتعامل مع أجهزة الدولة المختلفة على مدار عقود أصبح عرفا مستقرا، وليس من العدالة مطالبة المواطن بدفع ثمن الوحدة مرة أخرى للدولة لينجو من هدمها فوق رأسه!

أيضا لا يمكن اتهام المقاولين وملاك العقارات وحدهم بمخالفة القوانين، فموظفو الدولة والوزراء شركاء في كل هذه المعاملات، والأمر لا يقتصر على موظفي المحليات؛ فالوزرات كلها أقرت هذا العرف الذي ساد خلال الفترة الماضية، بل إن رئيس الوزراء الحالي الدكتور مصطفي مدبولي كان وزيرا للإسكان والمرافق، وكانت وزارته ضالعة في كل التعاملات التي يتم تجريمها اليوم.

وإذا كان هناك فرصة لنجاة بعض القادرين على الدفع من الإزالة والتهجير فإن نسبة كبيرة لا يستهان بها لن تستطيع دفع المطلوب منها، وسيكون مصير مساكنها قطع المرافق عنها ثم هدمها كما تهدد الحكومة.

لكن يبدو أن شهية القائمين على الحكم ازدادت توحشا وفقدوا الحس الإنساني فاخترعوا أسبابا أخرى للتهجير كمزاعم تطوير الطرق، فتم هدم الكثير من العقارات التي اعترضت الكباري والمحاور المرورية، لكن أخطر هذه المشروعات هو توسيع الطريق الدائري الذي سيكون الباب الأكثر قسوة لإزالة العقارات في مساحات شاسعة على جانبي الطريق في القاهرة والجيزة والقليوبية.

توسيع الطريق الدائري

رغم أن الطريق الدائري الذي يحيط بالقاهرة ليس به مشكلات مرورية غير ضيق بعض المخارج التي تتسبب في اختناق في أوقات الذروة وتحتاج إلى توسعة، أعلن وزير النقل الفريق كامل الوزير عن تطوير كل الطريق الذي يبلغ طوله 106 كم وتوسيعه بمقدار الضعف!

يتكون الطريق الدائري في الوقت الحالي من 4 حارات في كل اتجاه، وبعد قرار الحكومة غير المدروس بدأت شركات المقاولات في التنفيذ بإضافة 4 حارات جديدة في كل اتجاه ليصبح الطريق 16 حارة، وهذا معناه إزالة وهدم آلاف البنايات على الجانبين.

ومن الملفت أن كامل الوزير صرح في حوار تلفزيوني أن جزءا من تمويل عملية التوسعة قدره 1.8 مليار جنيه عبارة عن تبرع من البنك المركزي والبنك الأهلي وبنك مصر، وهذا يشير إلى خطر جديد وهو تبديد مدخرات المصريين في هذه المشروعات غير المفيدة، فلا البنك المركزي ولا البنكين الأهلي ومصر جهات مانحة للتبرعات.

لا توجد ضرورة اقتصادية لتوسيع الطريق الدائري، ولا توجد أولوية للإنفاق عليه في الوقت الحالي، كما أن مشروعا كهذا سيترتب عليه هدم المنازل وتشريد السكان الآمنين يجب أن يطرح للنقاش المجتمعي قبل التنفيذ، والاستماع للمضارين منه وليس الاندفاع بهذه السرعة ووضع المجتمع أمام الأمر الواقع.

هذا التسارع في إزالة العمران والتعامل مع الكتل السكنية كقطعة من الجبن يتم تقطيعها وتقشيرها بسكين الحكومة يثير التساؤلات حول الجرأة في التنفيذ، فهل هو تهيئة للمجتمع لخطوات التهجير التالية المطلوبة، التي ستكون الأكثر دمارا والأوسع خرابا، وأخطرها ما يطلق عليه “محور خوفو”؟!

التسريبات عن محور خوفو

خلال الشهور الأربعة الأخيرة بدأ نشر تسريبات عما يسمى محور خوفو “Khufu Avenue” الممتد من ميدان سفنكس في المهندسين وحتى أهرامات الجيزة، وهذا يعني هدم عشرات الآلاف من العقارات في أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان!
مخطط محور خوفو ورد في مشروع تطوير القاهرة 2050 وفي مشروع المخطط المستقبلي للجيزة 2030 وكلاهما من مخططات هيئة التخطيط العمراني بالمشاركة مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، وأشرف عليهما رئيس الوزراء الحالي الدكتور مصطفى مدبولي عندما كان رئيسا لهيئة التخطيط العمراني قبل تولي وزارة الإسكان ثم رئاسة الوزارة، ويبدو أن صعوده مرتبط بتنفيذ هذه المخططات التي تفتقد البعد الإنساني.
المنشورات الأخيرة حول المحور حدث بها تعديلات تزيد من حجم التدمير للعمران في المنطقة الممتدة من المهندسين وبولاق الدكرور وحتى صفط وفيصل لإقامة ما يطلق عليه أكبر شارع في العالم، يبدأ من ميدان سفنكس بعرض 600 مترا وبطول 12 كم حتى نهايته أمام هرم خوفو.
كان التخطيط الأولى الذي تم اعتماده يتحدث عن 100 مترا عرضا للشارع وتشكيل شركة قابضة تتولي بيع الأراضي التي سيتم انتزاعها للمستثمرين الأجانب، ولكن يبدو أن العقل الذي تسيطر عليه فوبيا “موسوعة جينيس” وصاحب فكرة أكبر برج وأكبر نهر أخضر وأكبر كنيسة وأكبر مسجد وأطول ساري علم، رأى توسيع المحور 6 أضعاف المخطط ليكون أكبر شارع في العالم!

وتشير رسومات المشروع إلى نزع ملكية الأراضي على جانبي الطريق لبناء أبراج وناطحات سحاب وبحيرة صناعية ومناطق خضراء، وتحويل الطريق من الأهرامات إلى النيل إلى منطقة سياحية مغلقة تصل إلى جزيرة الوراق التي يتعرض سكانها حاليا للتهجير.
مشروع محور خوفو مرتبط بتفريغ وسط العاصمة الذي قطعت الحكومة شوطا كبيرا فيه بإخلاء السكان في مثلث ماسبيرو، وإجراءات تفريغ القاهرة الخديوية، والاستعدادات الجارية لنقل الحكومة ووزاراتها إلى العاصمة الإدارية، والاستعداد لبيع المقار والأصول للمستثمرين.

مجرد التفكير في تنفيذ محور خوفو يُعد قفزة من الجنون، وستصطدم الحكومة مع كتلة صلبة يمتزج فيها البشر بالخرسانة؛ فالمناطق الشعبية المستهدف إزالتها لن تستسلم بسهولة، وهم ليسوا أقل من سكان جزيرة الوراق الذين عجزت السلطات حتى الآن عن طردهم و تهجيرهم بسبب تماسكهم وصمودهم.

أجندة خارجية وليست وطنية

كل مشروعات التهجير التي يتم تنفيذها في مصر وردت في خطط وضعتها جهات خارجية، وليس لها أي مبررات وطنية، وليست من أجل المصلحة العامة؛ فإخلاء رفح والشيخ زويد وشرق سيناء تتم لصالح “إسرائيل”؛ ودون الدخول في تفاصيل ما يجري من حرب “ضد الإرهاب” فإن المحصلة النهائية هي حرق الأرض و تهجير سكانها.

كما أن إخلاء مثلث ماسبيرو، وخطط تهجير سكان رأس الحكمة بالساحل الشمالي، وجزيرة الوراق “المحاصرة” هو لصالح المستثمرين والشركات الأجنبية، وليس لمصلحة عامة أو لمنفعة مواطني المنطقة.

ثم يأتي قانون المصالحات في مخالفات البناء والشروع في توسيع الطريق الدائري لضرب سوق العقار الأهلي لصالح الاستثمار العقاري الحكومي المبالغ في أسعاره والشركات العقارية الأجنبية ووكلائها وشركائها المحليين.

***
للأسف، الحكومة المصرية لا تبالي بالبشر، وتدوس على القيم الإنسانية بكل جرأة، وبعد مصادرة الإعلام وحظر العمل السياسي لا توجد رقابة، ولا توجد محاسبة، ولا توجد أي قوة شعبية توقف أو تعرقل هذا الاندفاع في مشروعات تستنزف قدرات الدولة، وتبدد أرصدتها، وتجور على الشعب الذي لم يعد قادرا على الصمود أمام الانهيار الاقتصادي، الذي تظهر آثاره على كل نواحي الحياة في مصر.

اتساع دائرة التهجير يشير إلى غياب العقل في إدارة الدولة؛ فلا تنمية ولا نهضة تتم بسحق البشر وظلم الإنسان ومصادرة حقه في الحياة بكرامة. فماذا بقي للمصريين بعد خصخصة التعليم، والحرمان من العلاج، وتفكيك وبيع المصانع والشركات، وإلغاء الدعم والإفقار المتعمد، غير بيوتهم التي تطاردهم الحكومة داخلها وتريد هدمها فوق رءوسهم؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق