حقيقة الوضع في اليمن
عامر عبد المنعم
منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران قررت تأجيل الكتابة عن مستقبل العلاقة بين طهران والعالم الإسلامي حتى انتهاء الحرب، حتى لا يثار الجدل الذي يشوش على المعركة التي من مصلحة الإيرانيين والأمة أن يخسرها ترامب وحليفه نتنياهو.
كنا ومازلنا نرى أن الصمود الإيراني ضد العدوان يصب لصالح الأمة وينبغي البناء عليه، لتصحيح الكثير من المواقف الطائفية السابقة التي ولدت انطباعا سلبيا حال دون التقارب.
لكن اللعبة المعادية التي تهدف إلى إشعال الصراع الشيعي السني، واستمرار الإيرانيين في سياسة التوسع في العالم العربي من خلال ميليشيات طائفية تابعة لها يجعلني مضطرا للكتابة للتحذير من الخطر، ولتوضيح ما يخفى على البعض.
ما أراه من خلال متابعتي للشأن اليمني يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
1 – الأمريكيون ومعهم البريطانيون هم أصحاب القرار، وهم منذ البداية مع تقسيم اليمن إلى شمال وجنوب، وهم مع إعطاء الشمال للحوثي وأيدوا سيطرة الإمارات على الجنوب، وعندما حاول الحوثي التمدد جنوبا إلى عدن تقرر ضربه؛ فكانت عاصفة الحزم التي توقفت عند هذا الحد.
2 – الحوثيون قبيلة في جبال صعدة بشمال اليمن اعتنقت المذهب الإيراني، وهم أقلية صغيرة في دولة بها 42 مليون إنسان أغلبيتهم شوافع سنة، وأقلية زيدية معظمهم على خلاف كبير مع الحوثيين، أقرب للسنة، وسيطرت ميليشيا هذه القبيلة المسلحة على المحافظات الشمالية، وارتكبوا مذابح طائفية ودمروا البيوت وهدموا المساجد، ومارسوا التهجير الطائفي ضد الملايين من اليمنيين وشردوهم خارج اليمن (مثل ما فعلوا في العراق وسوريا).
3 – بعد ثورة اليمنيين في 2011 وسقوط حكم علي عبد الله صالح ضغطت الولايات المتحدة والدول الغربية على دول الخليج لمنع حزب الإصلاح (الإخوان المسلمون) من المشاركة في أي ترتيبات سياسية.
4 – انتقم على عبد الله صالح من الثورة وفتح الطريق للحوثيين فاجتاحوا المحافظات الشمالية واحدة بعد الأخرى، طمعا في أن يشاركوه في الحكم ولكنهم قتلوه بعد ذلك.
5 – اصطدم الحوثي بكتائب حزب الإصلاح والإسلاميين في تعز ومأرب والجوف والضالع والمقاومة القبلية في كل المحافظات، فلم يستطع استكمال الانتشار واحتلال كل اليمن الشمالي.
6 – المقاومة في تعز ومأرب والجوف، استطاعت بتسليح متواضع أن تستجمع قوتها، وتساند المجموعات الأخرى مثل التهاميين في تحرير الساحل وكادوا أن يحرروا الحديدة، لكن التدخل الأمريكي والبريطاني العسكري غير المعلن أوقفهم بالقصف الجوي وبالضغط السياسي، وبعدها تم التوافق الدولي على تنصيب طارق صالح المرتبط بالإمارات قائدا للشرعية في منطقة الساحل، ودعمه عسكريا ودفع رواتب القوات التي تحت إمرته.
7- السعودية دعمت بقوة الجيش والمقاومة لكن غلطتها انها أدخلت الإمارات معها ويبدو ان الإمارات كان لديها حسابات مسبقة وتنسيق قبل اجتياح الحوثي ليمن مفكك والسيطرة على الجزر اليمنية وباب المندب وفصل الجنوب.
8 – تصدت المقاومة للحوثيين، وكان جيش الشرعية الذي تكون يتعرض لضربات غامضة بغارات من طائرات مقاتلة حديثة لم تعلن أي دولة المسئولية عنها.
9 – في الاتفاقات التي تمت لتهدئة الصراع لحماية الحوثي وبضغوط أمريكية تم نفي بطل تعز حمود المخلافي الذي قهر الحوثيين إلى خارج اليمن.
10 – كان من الاتفاقيات لوقف إطلاق النار حظر الطيران على صنعاء بقرار دولي، الذي استمر حتى الشهر الماضي عندما كسر الحوثيون الحظر بإرسال وفد إلى طهران للتعزية في وفاة المرشد الإيراني وقرروا كسر قرار الحظر ، فقامت طائرة مقاتلة قيل أنها يمنية تابعة للشرعية وقيل أنه سعودية بقصف المدرج بمطار صنعاء ولم تقصف الطائرة التي نزلت بسلام، فرد الحوثيون بقصف أهداف داخل المملكة، بعدها جرى التصعيد بين الطرفين والذي انتهى بالهجوم على تعز ومحاولة تطويقها، ثم السيطرة على الساحل بعد انسحاب طارق صالح من المواجهة (بترتيبات لم يعلن عنها حتى الآن) وتسليم المنطقة الساحلية للحوثيين، الذين اندفعوا حتى باب المندب وسيطروا على الجزر اليمنية التي تتحكم في المضيق.
11 – كان واضحا أن إيران تريد قصف منشآت البترول السعودية لوقف تصدير النفط من المنطقة وهي أعلنت ذلك مرارا، وأوكلت المهمة للحوثيين والميليشيات العراقية التي قصفت هي الأخرى أنبوب النفط السعودي (شرق غرب)، وأردت إيران تمكين الحوثيين من الإمساك بمضيق باب المندب للتحكم في المضيقين، لشل حركة النقل البحري تماما.
12 – الجبهات التي كان ينتشر فيها جيش الشرعية النظامي الضعيف والمهلهل سقطت بسبب عدم الكفاءة والخيانات وغياب الروح المعنوية لتولي شخصيات باهتة لا هوية لها القيادة؛ بينما صمدت كتائب تعز ومأرب والبيضاء والجوف والمجموعات الإسلامية الأخرى التي تقاتل بدافع العقيدة.
13- في الجنوب عجز الحوثيون عن البقاء بسبب المقاومة الشعبية، بمشاركة الإصلاح والأغلبية السلفية، وفي عدن تم صدهم من قبل المقاومة الشعبية بقيادة نايف البكري القيادي الإصلاحي وقيادات سلفية؛ تم اغتيال معظمها بعد التحرير ونفي الآخرين ومنهم نايف البكري.
14- أكدت الحرب أن الميليشا العقائدية توقفها ميليشيا عقائدية وليس وحدات نظامية مفككة، وصمود تعز ومأرب والجوف تجربة واضحة في البسالة والشجاعة بسبب الروح القتالية.
15- الأسلحة التي تم توزيعها على كل الجبهات واستولى عليه الحوثي في النهاية؛ لو تم تسليم 10% منها لكتائب الإصلاح لفشل الحوثي منذ البداية، لكن الفيتو الأمريكي والاستجابة السعودية في البداية أوصلا اليمن للوضع المأساوي الحالي.
16 – التطورات تظهر أن الهدف لم يعد فقط تدمير اليمن، وإنما المملكة السعودية التي ستصبح المحطة التالية إن سقطت مأرب وتعز والجوف وما تبقى من مناطق صامدة.
تنويه مهم
تأييد الإيرانيين في الدفاع عن أنفسهم ضد العدوان وحقهم في أن يكون لهم مشروعهم الدفاعي والنووي لا جدال فيه، وأيضا موقفهم من دعم القضية الفلسطينية يستحق التحية ويشكروا عليه، لكن هذا التضامن والتأييد لا يعطيهم شرعية احتلال بلاد العرب وممارسة التطهير العرقي لفرض مذهبهم على الأمة بدعاوى محاربة أمريكا وإسرائيل.
حتى لو كنا نعترض على سياسات بعض الحكومات العربية فإن البلاد الخاضعة للهيمنة الخارجية مدعوة للتحرر وأن نساعد في ذلك، وليس تدميرها بزعم أنها دول صهيونية عميلة!
المستقبل يقتضي تغيير السياسات الطائفية، والتحرك كجزء من الأمة وليس كعنصر تدمير للأمة وخدمة المخططات الخارجية، وإذا كانت سوريا قد تخلصت من الاحتلال الإيراني فإن العراق واليمن لن يستقرا حتى يتم التخلص من الميليشيات الطائفية التي ارتكبت مجازر مروعة ضد شعوب مسلمة.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق