"نازا.. فيلم "إسرائيلي" يعترف بـ"نازيتهم" في غزة!
في العاشر من أيلول/سبتمبر 2026، حدث شيء في قاعة "سالا غراندي" بمهرجان البندقية السينمائي يتجاوز حدود السينما بكثير. أُطفئت الأضواء، وبدأ عرض الفيلم الوثائقي الإسرائيلي "نازا"، وبعد ثمانين دقيقة تقريباً لم يكن الجمهور أمام فيلم آخر عن غزة، بل أمام محاولة لفتح باب غرفة العمليات التي صُنعت فيها الحرب نفسها. وحين أضيئت الأنوار، وقف الجمهور وصفق قرابة خمس وعشرين دقيقة، في واحدة من أطول وقفات التصفيق في تاريخ المهرجان، فيما رُفعت أعلام فلسطينية داخل القاعة، ووقف المخرجان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراحيل تسور متأثرين أمام جمهور يعرف أن ما شاهده ليس رواية فلسطينية عن الحرب، ولا تقريراً من منظمة حقوقية، وإنما شهادات جاءت من الجهة الأخرى: من رجال ونساء كانوا جزءاً من المنظومة التي راقبت وحددت واستهدفت الفلسطينيين في غزة. ولهذا فإن السؤال الذي تركه "نازا" خلفه لم يكن: ماذا حدث في غزة؟ فالعالم يعرف بعضاً مما حدث؛ السؤال كان أكثر رعباً: كيف حدث؟ ومن صنع الآلة التي جعلت قتل هذا العدد الهائل من البشر ممكناً؟
والحدث نفسه يستحق التوقف، فالفيلم عُرض ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية، أحد أقدم وأهم مهرجانات السينما في العالم، وكان الفيلم الوثائقي الوحيد المتنافس على الأسد الذهبي. ولم يصل إلى المهرجان كعمل مجهول أو هامشي؛ فمخرجاه يوفال أبراهام وراحيل تسور هما من الأسماء المرتبطة بفيلم "لا أرض أخرى"، الذي فاز بأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 2025.
أما إنتاج "نازا" فجاء بالشراكة مع صحيفة "الغارديان" وشركة المنتج جيمس ويلسون، فيما تولى المخرج البريطاني جوناثان غليزر، صاحب فيلم "منطقة الاهتمام"، الإنتاج التنفيذي. وهذه المصادفة الأخيرة ليست تفصيلاً سينمائياً عابراً؛ فغليزر الذي صنع في "منطقة الاهتمام" فيلماً عن قدرة الإنسان على مواصلة حياته الطبيعية بينما تجري الإبادة خلف الجدار، يجد نفسه الآن منتجاً تنفيذياً لفيلم يضع أمام المشاهدين شهادات عن منظومة قتل في غزة.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات "نازا" قسوة، وربما أكثرها دلالة: فالرجل الذي يتولى إنتاج الفيلم التنفيذي هو المخرج البريطاني جوناثان غليزر، صاحب "منطقة الاهتمام"، الفيلم الذي عاد إلى أوشفيتز لا ليروي حكاية الضحايا من داخل المعسكر، وإنما ليرينا شيئاً أكثر رعباً: عائلة رودولف هوس، قائد معسكر الإبادة، وهي تعيش حياتها اليومية في بيت وحديقة وأجواء عائلية عادية، بينما كانت ماكينة قتل اليهود تعمل خلف الجدار. كان غليزر يريد أن يسأل كيف يستطيع الإنسان أن يفصل بين حياته الطبيعية والجريمة التي تجري على بعد خطوات منه، وكيف يصبح الجدار وسيلة نفسية وأخلاقية لعزل الضحية عن الضمير.
وبعد سنوات قليلة، يجد المخرج نفسه منتجاً تنفيذياً لفيلم آخر يأتي من الجهة المقابلة تماماً لهذا الجدار. "نازا" لا يراقب عائلة تعيش بجوار ماكينة الإبادة، بل يدخل إلى داخل ماكينة القتل نفسها، إلى غرف المراقبة وشاشات الاستهداف وشهادات 24 من الجنود وضباط الاستخبارات الذين شاركوا في عمليات المراقبة والقتل عن بُعد في غزة.
وهنا يصبح الربط بين الفيلمين أكثر من مصادفة سينمائية؛ ففي "منطقة الاهتمام" كان السؤال: كيف يمكن للبشر أن يعيشوا حياة طبيعية فيما يجري قتل آخرين خلف الجدار؟ وفي "نازا" يصبح السؤال: كيف تتحول عملية قتل الآخرين نفسها إلى عمل إداري وتقني، إلى بيانات وأرقام وخوارزميات وأوامر وشاشات، بحيث يستطيع من يديرها أن يتحدث عنها كما لو كان يدير عملية عسكرية عادية؟
وبين أوشفيتز وغزة تتغير التكنولوجيا، وتتغير اللغة، وتتغير أدوات القتل، لكن السؤال الذي يلاحق غليزر وصنّاع "نازا" واحد: كيف تبدأ عملية نزع إنسانية الآخر، وكيف يصبح قتله قابلاً للحساب، ثم قابلاً للتنفيذ، ثم قابلاً للحياة اليومية؟ وليس من العبث أن يقول مخرجا "نازا" إنهما وجدا نفسيهما أمام الأسئلة نفسها التي طرحتها أجيال القرن العشرين: كيف تسمح جماعة من البشر بـ"نزع الإنسانية الكامل" عن جماعة أخرى؟ عند هذه النقطة لا يعود غليزر مجرد منتج لفيلم عن غزة؛ يصبح وجوده نفسه جسراً سينمائياً بين صورتين تاريخيتين للشر: صورة الجدار الذي كان يخفي الإبادة في أوشفيتز، وصورة الشاشة التي تجعل الإبادة في غزة بعيدة عن العين، قابلة للضغط على زر، وقابلة لأن تتحول إلى رقم في نظام إلكتروني. وإذا كان "منطقة الاهتمام" قد علّم العالم كيف يمكن أن يعيش الإنسان على بعد أمتار من الإبادة من دون أن يراها، فإن "نازا" تسأل السؤال المعاكس والأشد رعباً: ماذا يحدث عندما تصبح الإبادة نفسها نظاماً يستطيع الإنسان أن يديره من خلف شاشة؟
لكن الأهم أن "نازا" لم يولد في البندقية، فالمخرجان أمضيا ثلاث سنوات في العمل السري للوصول إلى أربعة وعشرين ضابطاً وجندياً وعاملاً في الاستخبارات الإسرائيلية، شاركوا، بدرجات مختلفة، في منظومة المراقبة والاستهداف التي يتناولها الفيلم. صُورت المقابلات ليلاً على أسطح في تل أبيب، وأخفيت الوجوه وحُرفت الأصوات رقمياً لحماية أصحابها. هؤلاء ليسوا شهوداً على حرب سمعوا عنها في نشرات الأخبار؛ إنهم، بحسب الفيلم، أشخاص كانوا داخل النظام نفسه، بعضهم في الاستخبارات وبعضهم في وحدات مرتبطة بالاستهداف، ولذلك فإن قيمة شهاداتهم بالنسبة لصانعي الفيلم تكمن تحديداً في أنهم يستطيعون أن يقولوا كيف كانت المنظومة تعمل من الداخل. وقد قال أبراهام إنهما لم يريدا صناعة فيلم عن "جنود مارقين"، وإنما عن النظام نفسه، عن الأوامر والسياسات واللغة والآليات التي تجعل القتل الجماعي ممكناً.
ومن هنا تأتي كلمة "نازا"، وهي الكلمة التي اختارها المخرجان عنواناً للفيلم لأنها تكشف، في حد ذاتها، شيئاً من طبيعة هذه الحرب. المصطلح مشتق من العبارة العبرية التي تعني "الضرر الجانبي"، لكنه يشير في السياق الذي يكشفه الفيلم إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في ضربة معينة. تخيلوا ذلك: قبل أن تسقط القنبلة، وقبل أن ينهار البيت، وقبل أن تُنتشل الجثث من تحت الركام، يوجد رقم تقديري لعدد المدنيين الذين سيقتلون. يصبح الطفل "نازا"، والأم "نازا"، والجد والجدة والأخوة والجيران أرقاماً تدخل في معادلة الاستهداف. ليس السؤال إذن: هل سيموت مدنيون؟ بل: كم مدنياً يمكن أن يموتوا حتى يظل الهدف العسكري مقبولاً؟ وهنا تنهار اللغة التي تحاول أن تجعل القتل عرضاً جانبياً للحرب؛ لأن الموت الذي تعرفه مسبقاً، وتحسبه مسبقاً، وتناقش إمكان قبوله مسبقاً، لم يعد مجرد حادث وقع بعد العملية، وإنما صار جزءاً من عملية اتخاذ القرار نفسها.
لكن الأكثر إثارة للرعب أن "نازا" لا يقدم هذه المعادلة في صورة جندي يرفع بندقية ويطلق النار، إنه يدخل بنا إلى عالم أكثر برودة: عالم الهواتف والبيانات والخوارزميات والشاشات. في غزة، يصبح الهاتف جزءاً من عين الحرب؛ الموقع، الاتصال، حركة الجهاز، علاقته بأجهزة أخرى، نمط الاتصالات، كلها إشارات يمكن جمعها وتحليلها، ثم تأتي الأنظمة الإلكترونية التي تساعد الاستخبارات على غربلة هذا الكم الهائل من المعلومات. ومن أبرز ما يناقشه الفيلم نظام "لافندر"، الذي كان قد ظهر في التحقيقات الصحفية السابقة حول استخدام منظومات تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد الأشخاص الذين تعتبرهم إسرائيل أهدافاً محتملة. هنا لا تعمل الآلة بوصفها قاتلاً مستقلاً؛ وهذه نقطة يجب فهمها بدقة؛ الآلة لا تضغط الزناد وحدها، وإنما تساعد المؤسسة على صناعة قائمة الأهداف بسرعة وعلى نطاق هائل، ثم يأتي الإنسان للمراجعة والموافقة والتنفيذ.
وهذا هو الوجه الحقيقي للثورة التكنولوجية في الحرب: الذكاء الاصطناعي لا يلغي الإنسان، وإنما يستطيع أن يجعل الإنسان قادراً على إدارة عدد من عمليات القتل أكبر بكثير مما يستطيع أن يستوعبه كأفعال فردية. عندما يجلس موظف أمام شاشة ويشاهد رقماً أو إحداثية بدلاً من وجه إنسان، تصبح المسافة النفسية بين القرار والضحية هائلة. أحد المشاركين في الفيلم يصف العملية بأنها شبيهة بلعبة فيديو، وآخرون يتحدثون عنها كأنها مصنع. وهذه الكلمات، مهما بدت صادمة، تكشف جوهر التحول: القتل الذي كان يحتاج في الماضي إلى مواجهة مباشرة بين القاتل والضحية أصبح يمكن أن يمر عبر طبقات من البيانات والخوارزميات والشاشات حتى لا يرى أحد في السلسلة الإنسان الذي سيموت.
لكن "نازا" يذهب إلى مكان أشد ظلمة، فالمسألة، وفق الشهادات التي يقدمها، لم تكن دائماً تحديد مقاتل في شارع أو استهداف منشأة عسكرية بعيدة عن السكان، بل الوصول إلى الأشخاص داخل بيوتهم. وهنا يصبح الهاتف أداة لمعرفة أين يوجد الهدف، ومتى يوجد في منزله، ومن يمكن أن يكون معه. ويشير الفيلم إلى شهادات عن معرفة مسبقة بأن البيوت (أو حتى الخيم والخرابات!) المستهدفة مأهولة، وأن أطفالاً ونساء موجودون فيها. هذه النقطة بالذات هي التي تجعل مصطلح "الضرر الجانبي" يبدو كأنه قناع لغوي؛ لأنك إذا كنت تعرف أن البيت مأهول، وتعرف أن عائلة ستقتل، وتعرف تقريباً عدد الذين سيسقطون، ثم تمضي في الضربة، فهل ما يحدث "ضرر جانبي" فعلاً؟ أم أن المدنيين أصبحوا جزءاً متوقعاً من النتيجة؟
وهنا يفتح الفيلم الباب على مفهوم الإبادة الجماعية، لا باعتبار أن فيلماً وثائقياً يستطيع وحده إصدار حكم قضائي، وإنما باعتبار أن شهاداته تفرض السؤال عن القصد والمنهج والغاية، فالقتل الجماعي هو الوجه الأكثر وضوحاً للإبادة، لكنه ليس الوجه الوحيد الذي ينبغي أن نبحث عنه عندما نتحدث عن تدمير جماعة بشرية. ماذا يحدث عندما لا يُقتل الإنسان فقط، بل يُدمر البيت الذي يعيش فيه، والمستشفى الذي يعالجه، والمدرسة التي يتعلم فيها أطفاله، ومصادر الماء والطاقة والغذاء، والطرق التي تربطه بالعالم، والأحياء التي تشكل ذاكرته ومجتمعه، ثم يُدفع إلى النزوح مرة تلو أخرى حتى تصبح العودة إلى المكان الذي كان يسمى "وطناً" أمراً بالغ الصعوبة؟ هنا لا يعود السؤال: كم جثة أنتج القصف؟ بل يصبح: هل تُدمر شروط الحياة نفسها؟
وهذه، في رأيي، أخطر نقطة في "نازا"، لأنها تنقل النقاش من إبادة الأجساد إلى إبادة إمكانية الحياة. أن تقتل الإنسان يعني أن تنهي حياته، أما أن تدمر البيئة التي تجعل حياته وحياة جماعته ممكنتين، ثم تجعل العودة وإعادة البناء شبه مستحيلتين، فأنت لا تضرب فرداً فقط؛ أنت تضرب قدرة مجتمع على الاستمرار. وهذه هي الإبادة الجماعية في أبشع نسخها: النسخة الإسرائيلية؛ وهنا يمكن فهم الحديث في الفيلم عن تدمير واسع للمنازل وخلق واقع يمنع السكان من العودة. فالبيت ليس إسمنتاً فقط، والمدرسة ليست جدراناً، والمستشفى ليس مبنى، والماء ليس أنبوباً؛ هذه كلها شروط مادية لبقاء المجتمع. وعندما تُسحق بصورة متزامنة، يصبح الدمار أكثر من مجموع أجزائه.
وهنا تتضح خطورة نظام القتل الإلكتروني نفسه، فهو يستطيع أن يساعد على قتل الأشخاص، بينما تقوم القوة العسكرية في الوقت نفسه بتدمير المكان الذي يفترض أن يعيش فيه من بقي منهم. التكنولوجيا تلاحق الإنسان، والقنابل تطارد المكان، والنتيجة مجتمع يفقد البشر ويفقد البيئة التي تحفظ بقاءه. هذه ليست مجرد معادلة عسكرية؛ إنها، في أبشع صورها، معادلة تفكيك مجتمع وإبادته بمنتهى الوحشية وقدم بارد أيضا.
والشهادات التي يقدمها "نازا" لا تأتي دائماً من أشخاص يقولون إنهم كانوا مذعورين مما يحدث منذ البداية. بعضهم يتحدث عن العمل كأنه وظيفة، وبعضهم يصف الإثارة والأدرينالين، وبعضهم يصفه بأنه لعبة أو مصنع، وبعضهم يحتمي بعبارة "أنا مجرد ترس" في آلة. وهذه العبارة الأخيرة ربما تكون أكثر العبارات دلالة في الفيلم كله؛ لأن الإبادة الحديثة، إذا أردنا فهم آليتها، لا تحتاج إلى آلاف الوحوش الذين يستمتعون بالقتل؛ تحتاج إلى آلاف البشر الذين يُقنع كل واحد منهم نفسه بأنه مجرد جزء صغير من منظومة أكبر منه. واحد يجمع البيانات، وآخر يحدد الموقع، وثالث يقترح الهدف، ورابع يوافق، وخامس ينفذ، وسادس يراجع النتائج. وفي النهاية يستطيع كل واحد أن يقول: لم أقتل أنا.
لكن الآلة لا تقتل وحدها؛ البشر يصممونها ويشغلونها ويضعون قواعدها، والخوارزمية لا تمتلك أخلاقاً من تلقاء نفسها؛ الأخلاق التي تحملها هي الأخلاق التي يضعها البشر في النظام الذي تستخدمه. ولذلك فإن السؤال الأخطر الذي يطرحه "نازا" ليس: هل كان الذكاء الاصطناعي مسؤولاً؟ وإنما: أي نوع من البشر يصبح قادراً على قتل هذا العدد من البشر عندما تساعده الآلة على ألا يراهم؟
وهنا تأتي واحدة من أكثر لحظات الفيلم إيلاماً، عندما يدخل المشاركون في مواجهة مع صورتهم عن أنفسهم وعن التاريخ. أحدهم يستحضر النازيين باعتبارهم الشر المطلق، ثم يصل إلى السؤال الذي لا يستطيع الهروب منه: إذا كنت ما زلت أرى النازيين أشراراً، فما الذي يجعلني مختلفاً؟ ليست هذه محاكمة تاريخية جاهزة، لكنها لحظة مرآة؛ رجل شارك في منظومة قتل يجد نفسه مضطراً إلى مقارنة صورته الأخلاقية عن نفسه بما فعله بالآخرين!
ومن هنا جاء عنواننا: "نازا".. فيلم إسرائيلي يعترف بـ"نازيتهم" في غزة! كلمة "نازيتهم" هنا ليست حكماً قضائياً، ولا ادعاء؛ إنها المفارقة السوداء التي يضعها الفيلم أمام المشاهد الإسرائيلي والعالمي: مجتمع يحمل ذاكرة النازية بوصفها أقصى درجات الشر، ثم يظهر منه أشخاص يقولون إنهم شاركوا في منظومة تحول الإنسان إلى رقم، وتعرف أن الأطفال موجودون في البيت، وتحسب مسبقاً عدد المدنيين الذين سيموتون، وتستخدم التكنولوجيا لتوسيع نطاق الاستهداف، وتشارك في تدمير المكان الذي يفترض أن يعيش فيه الناجون.
الجيش الإسرائيلي -كالعادة- يرفض هذه الصورة رفضاً قاطعاً، ويقول إن الشهادات مجهولة الهوية ولا يمكن التحقق منها، وإن قرارات الاستهداف والموافقة على الضربات يتخذها بشر، وإن الجيش يتخذ إجراءات لتقليل أذى المدنيين(!). وهذا الرد يجب أن يبقى في أي قراءة جادة للفيلم؛ لكن المشكلة بالنسبة إلى الرواية الرسمية أن "نازا" لا يقف وحده في الفراغ؛ فهو يأتي بعد سلسلة من التحقيقات الصحفية التي نشرتها "972+" و"لوكال كول" و"الغارديان" حول أنظمة الاستهداف والمراقبة والذكاء الاصطناعي في غزة، ويحاول تحويل تلك التحقيقات إلى شهادات بشرية مصورة من داخل المؤسسة نفسها
ولهذا فإن المعركة الحقيقية حول الفيلم لم تبدأ بعد، عرض البندقية كان مجرد البداية. "نازا" ينتقل بعد ذلك إلى مهرجان نيويورك السينمائي، حيث يعرض في 26 و27 أيلول/سبتمبر ضمن الدورة الرابعة والستين للمهرجان، فيما حصلت شركة "إم كيه2" الفرنسية على حقوق المبيعات العالمية. أي أن الفيلم لن يبقى حبيس القاعة الإيطالية التي شهدت التصفيق الطويل؛ إنه يدخل إلى الجمهور الأمريكي، ثم إلى سوق التوزيع الدولي، ويحمل معه شهادات قد تصبح جزءاً من النقاش الإعلامي والسياسي والقانوني حول الحرب في غزة
وربما لهذا تحديداً يجب ألا ننشغل كثيراً بعدد دقائق التصفيق في البندقية، مهما كان الرقم لافتاً. التصفيق سينتهي، والمهرجان سينتهي، وستغادر الكاميرات القاعة، لكن ما لن ينتهي بسهولة هو السؤال الذي يتركه الفيلم وراءه: ماذا يعني أن تمتلك "دولة!" نظاماً يستطيع مراقبة ملايين الإشارات، وتحويل البيانات إلى أهداف، وتقدير عدد المدنيين الذين سيموتون، ثم إرسال القنابل إلى البيوت؟ وماذا يعني أن تتزامن هذه القدرة على قتل الإنسان مع قدرة عسكرية على تدمير البيت والمدرسة والمستشفى والماء والطريق، بحيث لا يعود الناجي إلى المكان الذي كان يعيش فيه؟
هنا تصبح غزة في "نازا" أكثر من أرض تجري فوقها حرب، تصبح المكان الذي التقت فيه الخوارزمية بالقنبلة، والبيانات بالإحداثية، والإنسان بالرقم، والقتل بتدمير شروط الحياة. وإذا كان قتل الإنسان هو الوجه الأول للإبادة، فإن جعل الحياة مستحيلة هو وجهها الذي لا يجوز أن يضيع خلف أعداد القتلى.
فالإبادة لا تبدأ دائماً عند لحظة الموت، قد تبدأ قبلها بكثير؛ في اللحظة التي يجلس فيها رجل أمام شاشة ويحوّل إنساناً إلى بيانات، وفي اللحظة التي تتحول فيها الأسرة إلى "خسارة مدنية متوقعة"، وفي اللحظة التي يصبح البيت هدفاً لأن صاحبه موجود داخله، وفي اللحظة التي يصبح عدد الأطفال الذين سيموتون رقماً يمكن تحمله، وفي اللحظة التي يقرر فيها أحدهم أن دوره "تقني" وأنه مجرد "ترس صغير". ثم تأتي القنبلة، ثم يأتي الركام، ثم يأتي النزوح، ثم لا يبقى بيت يعود إليه أحد.
وهنا يكون السؤال الأكثر قسوة الذي يتركه "نازا" أمام العالم: هل كان الهدف قتل الفلسطينيين في غزة فقط، أم كان الهدف أيضاً قتل غزة بوصفها مكاناً يمكن للفلسطينيين أن يعيشوا فيه؟ إذا كانت الإجابة موجودة في الشهادات التي يقدمها الفيلم، فإننا لا نكون أمام "ضرر جانبي" على الإطلاق، وإنما أمام شيء أكثر اتساعاً وأشد رعباً: منظومة تجعل الموت محسوباً، والقتل قابلاً للتكرار، والمدينة قابلة للمحو، والحياة نفسها هدفاً.
وهنا، ربما، نفهم لماذا كان الصمت بعد التصفيق أهم من التصفيق نفسه؛ لأن الفيلم لم يأتِ ليخبر العالم أن غزة تحترق، العالم يعرف ذلك، لقد جاء ليضع أمام العالم بعض الذين جلسوا خلف الشاشات ويقول لهم: هذه ليست فقط صورة القنبلة وهي تسقط، هذه هي الطريقة التي اخترنا بها أين تسقط.
وهذا هو الجرح الذي فتحه "نازا" داخل إسرائيل، وفي الوعي العالمي كله: ليس جرح الضحية هذه المرة، بل "جرح!" القاتل حين يُجبر على النظر إلى الآلة التي شارك في تشغيلها، ويرى أن الإنسان الذي كان رقماً على شاشته كان طفلاً، وأن البيت الذي كان إحداثية كان حياة، وأن "الضرر الجانبي" الذي حسبه قبل القصف كان عائلة كاملة، وأن المدينة التي كان يراها خريطة عمليات كانت وطناً. عندها فقط يصبح عنوان الفيلم مرعباً في بساطته: "نازا"؛ الاسم الذي اختصر الإنسان إلى رقم، والرقم الذي سبق القنبلة، والقنبلة التي لم تقتل الإنسان وحده، بل بدأت، مع آلاف القنابل الأخرى، في قتل المكان الذي كان يفترض أن يعيش فيه.
"نازا".. فيلم إسرائيلي يعترف بـ"نازيتهم" في غزة!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق